مملكة الظلال المختفية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • خالد ساحلي
    عضو الملتقى
    • 19-10-2007
    • 335

    مملكة الظلال المختفية

    [align=justify]كان لأحد الملوك الكثير من الوزراء يختارهم من بين العامة، كان الأقرب إلى نفسه ثلاثة وزراء أحدهم في الأصل كان يعمل جلادا ثم ازدادت شهرته وزادت واجباته إلى أن رقي إلى وزير أول، ذراع الملك الأيمن ، وحتى يضمن إخلاصه وولائه المطلق زوّجه من إحدى ابنتيه التوأم، كان المفوّض الوحيد للتكلم باسم الملك في كل المناسبات التي يغيب عنها وكان اسمه الزنعم. أما الوزير الثاني فقد كان جاسوسا مكلفا بمراقبة الأمراء، مطلق الوفاء للملك، مشهود له بمهاراته في حبك الحيل لقد أفسد مؤامرات كثيرة حيكت ضد الملك.لأجل ذلك و لأجل تفانيه في فداء الملك من زمن طويل قربه إليه ليصير وزيرا، مهمته الإشراف على الإمارات المترامية الأطراف داخل المملكة، حتى يضمن ولائه أكثر زوّجه بابنته الثانية التوأم فصار ذراعه الشمال كما أجزل له العطاء وكان اسمه الربطم. أما الوزير الثالث فكان اسمه الظلمشاع أمين خزانة المملكة و الراعي على الضرائب التي تجبى من المبيعات أكثر مصادر الدخل أهمية ، كان هذا الأمين يستولي على الضياع و التركات الكثيرة ومصادرتها للملك بتلفيق تهم الإجرام لأصحابها. كثيرا ما كان يتفاخر ويزهى دون وجه حق بما أقدم عليه من عمل وما جمع للملك من ثروة . ولذلك أستحق عن جدارة وزارة حسّاسة ومن أشد الوزارات خطورة، كانت مهمته الإشراف على جهاز سري منظّم تمام التنظيم متغلغلا في جميع ميادين الحياة داخل المملكة ومراقبة كل النشاطات و إحصاء الأفراد المميزين المؤثرين في الشعب. كان شديد الاهتمام بالمعارضين على أصنافهم و أنواعهم. هذا الوزير نفسه يشرف على ضرب المئات بالهراوات حتى الموت ثم تقدّم أجسادهم لتكون أكلا للضباع والعقبان، وأحيانا كانت تكسر أرجلهم و أيديهم بعد اقتيادهم لقلب الصحراء فلا يقوون على السير فتلحق بهم السباع والذئاب الجائعة لتلتهمهم وهم أحياء.كان هذا حال الوزراء و الملك في مملكته.
    ذات يوم والملك جالس على كرسي العرش المذهّب يحمل في يده عصا مزخرفة منقوشة إذ أفضى إليه وزيره الربطم بأمر خطير:
    ــ مولاي الملك سمعت من أحد سفرائنا أمرا يدعو للحيطة!
    قام الملك مذعورا: ــ ما هذا الأمر أفصح هيا!
    سمعت أن وزيرك الزنعم يخطط لمؤامرة مع أعدائنا للإستلاء على العرش.نزل هذا الخبر كالصاعقة، أشعل نار الشك في قلبه ، هذا الخبر يتوقف عليه أمر المملكة، هذا النبأ الفظيع لن يتركه ينعم بالراحة ما حيى. نظر الملك للوزير الربطم نظرة ارتياب ونطق بكلام غضب ، بصوت جوهري فيه نبرة التهديد و الوعيد: من حمل إليك هذا الخبر الفظيع نذير الشؤم ، هذا كذب وافتراء .. اللعنة. .. قل من؟
    تظاهر الوزير الربطم بالخوف بصوت ثعلب ماكر قال: أخبرني به سفير دولة حليفة ، أخبرني أيضا بأنه يخونك مع إحدى جواريك لكن يا مولاي قد أعطيته الأمان بعدم ذكر اسمه خوفا على حياته.
    أصرّ الملك بإخباره بكل ما علمه من أمر الوزير الزنعم ، ولكي يؤكد له علامة صدقه أختار له حيلة ليوقعه فيها. لقد كان الوزير الزنعم على علاقة بإحدى جواري الملك وهي جارية جميلة ساحرة تأخذ بالألباب و القلوب اسمها بارتينة جلبها له وزيره الزنعم من بلاد الروم .كان يلتقيها في ساعات غياب الملك فيفضي إليها بأسراره و تفضي إليه بأسرارها.علم الربطم بهذه العلاقة ووجد فيها ضالته للتخلص من الوزير الزنعم قاطع الطريق عليه دوما للوصول لمبتغاه . تجاهل الملك الأمر، أخبر حاشيته بسفره لإحدى إماراته للنظر في أحوال العامة ... الحقيقة أنه تخفّى. لقد رأى وسمع كل ما دار بين العشيقين. بعد أيام والملك جالس بمفرده مهموما بالأمر الخطير الذي أصابه دخل عليه الزنعم ناقلا إليه أمرا جللا، أعاره الملك أذنه محترسا مما سيقوله وفي الوقت ذاته كاظما له الضغينة والحقد: ــ ما ورائك يا وزيرنا يا حامي ديارنا؟
    ــ أمر جلل! و اقترب من الملك هامسا : سمعت أن وزيرك الربطم دبر أمرا بليل لينزع العرش من تحت أقدام مولانا .
    ــ وما دليلك على ما تقول ؟
    ــ لقد أصرّت لي بذلك إحدى جواري مولانا و طلبت مني عدم إخبارك باسمها مخافة أن يلحق بها غضبك و يكثر عليها سؤالك وتتهم في نفسها !
    قطب الملك حاجبيه و قال في دهشة: تعني أن إحدى جواريي لم تخبرني وأخبرتك ؟
    ــ نعم يا مولاي
    ــ و لما قامت بذلك و لم تخبرني أنا مباشرة ألست المعني بالمؤامرة؟
    ــ أخبرتني أنها مراقبة من ابنتك زوجة الوزير الربطم و تتعمد إبعادها عنك وهذا صحيح ، لقد هددتها لو أفصحت بما سمعت من الكلام الذي دار بينها وبين الوزير فسوف تصير طعما للكلاب الجائعة.
    ــ و لم تجد غيرك لتخبره بذلك ؟
    ــ نعم وفـّرت لها الأمان و الحماية ووجدتني الأقرب إلى الظفر بعدوك و لو كان وزيرك أو ابنتك وتعلم ولائي لك أكثر من غيري.
    أمر الملك الوزير الزنعم أن يقص عليه كل ما أخبرته جاريته التي عرفها و لم تكن غير الجارية بارتينة التي أهداها له وزيره الزنعم . كانت المملكة في صراع ضاري مع الرعية الذين بدؤوا في الخروج على طاعة الملك لتفشي الظلم والتحكيم الجائر و التعذيب في نزع الاعترافات عما ينوون فعله . بدأت الخزانة تفرغ و الرعية زادت فقرا و كثر الترف و الاكتناز واللهو وازداد شك الملك وهوسه. بعث الملك للوزير الظلمشاع الذي كان في مهمة إعادة الأمن و الاستقرار في المناطق التي شهدت أحداث الفوضى و الشغب و أخبره بما كان من أمر الوزيران الزنعم و الربطم .
    بدأ الوزير المشهود له بالشدة و البطش في تطبيق أوامر الملك للتحقق من المؤامرات التي تحاك ضده و أعطاه صلاحيات إضافية للتخلص من كل من تقع عليه الشبهة حتى و إن كان أقرب المقربين إليه. كان الوزير الظلمشاع قد جهّز حيلة للتخلص من الوزير الذي تقع عليه الشبهة بدس السم له في الطعام، لكن بقي على من يضع السم داخل الطعام خاصة أن الوزيران يبالغان في أخذ الحيطة والحذر، يشكان حتى في أقرب المقربين، لا يتناولان الطعام حتى يأكله من أحضره و لذا فالطهاة يحرصون دائما على سلامة رؤوسهم. كان الليل ينشر ردائه وكان القمر يمد ظله على أشجار الحديقة فيزيدها بهاءا وجمالا، و البلابل تصدح بالغناء لم تخلد للنوم كباقي الطيور ربما بهرها هذا الجمال البديع، كان الوزير الزنعم تحت شجرة مع زوجته ابنة الملك يبدو للرائي أنهما أسعد زوجين على وجه الأرض. كانت هناك أعين تراقبهما دون أن يعرفا ذلك، قال لها بصوت خافت: "أليس جميلا أن نخلو بعض الوقت تحت هذا الجمال الساحر نسترجع فيه ذكريات أيامنا الحلوة ؟". كانا يتناجيان في هذه الليلة الجميلة التي ستكون آخر ليلة في حياته. لما طلع الصباح كان الوزير الزنعم على سرير في إحدى غرف القصر جثة هامدة لا تتحرك ، وجده الخدم بعدما رفعوا من صراخ فجيعتهم.
    سمع الملك بموت الوزير الزنعم المحترس دائما، لم يصاوره أدنى شك أن وزيره الظلمشاع قد أدى مهمته على أحسن وجه، الدور المقبل للوزير الربطم الذي تحوم حوله الكثير من الشكوك أيضا ، الملك يريد أن يقتلهما بالريبة حتى يستريح، في اليوم الموالي كان الوزير الربطم يلفظ آخر أنفاسه بين ذراعي زوجته ابنة الملك . أثنى الملك على عمل الوزير الظلمشاع وتفانيه للمحافظة على الملك، أصر الملك لوزيره المخلص في رغبته للتخلص من الجارية بارتينة و ما كانت عليه من علاقة مشبوهة مع وزيره، لكن يومها سأله :" ــ كيف تمكنت من قتل الوزيرين بالسم برغم حرصهما وحرص ابنتي؟" لم يجد الوزير ما يجيبه به و بدا الاضطراب على وجهه واضحا، حتى أن لون وجهه صار أصفرا كورقة الخريف المتساقطة وأجاب: ــ يعلم مولانا أن الحيلة لا تنقصني؟
    ــ لكن أريد معرفة من دس السم ؟ طرح الملك السؤال و بدأ يتوجس ريبة في وزيره هذا ففراسته لا تخطأ في وزرائه فهم صناعة يده. راح الوزير يلتوي و يتموّج في إجاباته وعلم الملك أن في الأمر سر، وضع العيون ترصده. مرت أيام و جاءت العيون بالخبر اليقين للملك؛ فالوزير الظلمشاع على علاقة بإحدى ابنتيه ولم تكن غير زوجة الزنعم. قرر الملك فتح السر مع الجارية بارتينة التي أطالت حدادها وحزنها على الوزير الزنعم، تشجعت يومها و أخبرته بحقيقة ما دار بين الوزير الربطم و ابنته في التخطيط لقلب عرشه. مرت شهور و الملك يخطط لتكسير نوايا وزيره المتبقي. الملك ألحق بقصره الملكي حكيما أرغمه على أن يكون مستشاره وأقسم له إن ساعده لينظرن في حال الشعب و يصلح من أمره المهم يبقى له ملكه أمام المؤامرات الكثيرة وأمام امتعاض الشعب من سياسته التي لم تكن غير تبعات أفعال وزرائه... نصحه مستشاره بالتحقق من نوايا وزيره الذي أعطاه سلطة مطلقة و نصحه بحد صلاحياته، حينها ظهرت نواياه و أقلب عليه نظامه لكن بفضل حكمة الحكيم لم يتمكن الوزير الظلمشاع من السيطرة على القصر و الملك فانتحر و أتباعه بطريقة جماعية غريبة. مضت أيام وأصيب الملك بوعكة صحية وقفت بنتاه لجانبه ، أما أحداهما فكان غاضبا عليها لأنها تحالفت مع زوجها لنزع ملكه أما الثانية فكانت عشيقة وزيره الظلمشاع وهي من قتلت الوزير الزنعم، لم يعد الملك يستطيع فهم خيوط المؤامرة. كان مستشاره الحكيم قد كشف له عن أمر جاريته التي يهيم بها الملك عشقا ولا يفرط فيها برغم الذي نقلوه له من أخبار أيام الوزير، كانت الجارية في الحقيقة إبنة الملك الأول الذي قتله الملك الحالي يوم كان وزيرا و نسب العرش لنفسه. فات الوقت فالملك يلفظ آخر أنفاسه تحت تأثير السم الذي بقى سره معلقا في الشخص الذي وضعه له في الطعام. تحوّلت البلاد إلى فوضى عارمة جارفة ونار أكلت الأخضر واليابس وكان هذا بداية زوال المملكة وظهور الفتن و الطوائف و حروب القبائل فيما بينها الكل يقول بالأحقية في الملك دون غيره... و بقى سر الوزراء كامنا في تاريخ المملكة يقول البعض أن الزنعم سليل عائلة الملك الأول المخلوع والربطم عدو الملك المخلوع وقال غيرهم العكس. أما الظلمشاع يقولون انه كان ظل أعداء الملك والموت المرسل إليه. غيرهم قال أن الجارية بارتينة ابنة الملك الأول حصّنت نفسها بزواجها من الملك وعملت لتكون ملكة بالتحالف مع الوزير الزنعم، أما ابنتا الملك المقتول فلم تكونا ابنتيه الحقيقتين لأن زوجته كانت على علاقة برجل آخر لم يكن غير قائد جنده الذي قتله و قتل زوجته معه... أغلق كتاب الحكاية و لا يعلم أحد من نصب كملك ومن كان حاجب الملك الخاص الذي أغفلته الحكاية؟ بعض المؤرخين رجحوا كتابة الرواية للحاجب الذي دبر قتل الملك بمعية الجارية التي كانت عشيقته يوم ملك أبيها وأراد إهانته بأوصاف الطاغية الظالم، بعض النقاد رأوا أن الحكاية ينقصها الكثير من الإيضاح ليتمكن القارئ من فهم ملابسات الجريمة و السم ، البعض الآخر يرجح خيال القصة وابتعادها عن الحقيقة و أن كاتبها من المدسوسين في المملكة ليفسد الشعب بحكاياته. منهم من يقول أن الحكاية في الأصل كتبها الملك قبل موته لأنه كان يتوجس خيفة من المؤامرة التي حيكت ضده و يعلم أي جرم أقترفه لمّا نصّب الوزراء الظلمة، حذّر في وصيته من الجواري الفاتنات من أمثال بارتينة. رأي آخر يقول أن الملك كتب وثيقته هذه وحمّلها لأحد مستشاريه كما تكهن بموته بالكيفية التي رسمها لخصومه... أغلق كتاب الحكاية أيضا على اختلاف النقاد و المؤرخين في أصل الحكاية متى كانت لأن أحداثها غير محصورة بزمان[/align]
    [SIZE=5][/SIZE]
يعمل...
X