مراجعة كتاب "حرب لبنان" لعبد الرؤوف سنو
"حرب لبنان" كتاب ضخم في جزأين وفي 1800 صفحة وضعه الدكتور عبد الرؤوف سنو سنة 2008 (الدار العربية للعلوم – ناشرون) يوثّق فيه الحرب اللبنانية (1975 – 1990). وقد نال أخيراً جائزة الشيخ زايد للكتاب لموضوع التنمية وبناء الدولة. والكتاب يتألف من 16 فصلا مع مقدمة وإستنتاج عام.عمل جبار يحتاج الى بذل جهد كبير من جمع وتقصٍ للأحداث التي جرت على مدى هذه السنوات الخمس عشرة التي ادت الى بروز الميليشيات وتفكك الدولة وتصدع المجتمع.
وهو يقول في مقدمة الكتاب: "اعتبرت حرب لبنان المختبر التاريخي والاجتماعي والسياسي لتناقضات المجتمع اللبناني التي سبقت تقاتل بنيه، وتجلت في النظام السياسي وما يقدمه من مكاسب وفوائد لطائفة على اخرى، وحدثت في إطار صراع داخلي بين اللبنانيين أنفسهم حول المسار التاريخي الذي كان على وطنهم ان يأخذ به في مرحلة تاريخية دقيقة اتت في سياق النزاع العربي – الاسرائيلي، وتحوّل المنظمات الفلسطينية الموجودة على ارضه الى عامل مؤثر وفاعل في خلق التجاذبات الطائفية بين اللبنانيين، فضلا عن تعاظم الخلافات بين الانظمة العربية وتدخلها مع القوى الاقليمية والدولية في الأزمة اللبنانية".
وهذه الحرب التي كما كتبتُ عنها في سنة 1976 كان لها مئة سبب وسبب مهمل أهمها حزام البؤس الذي كان يلف بيروت من الكرنتينا الى المسلخ الى النبعة، دع عنك البؤس والحرمان المتفشيين في مناطق عدة من لبنان من أقصى عكار في الشمال الى اقصى الهرمل وقرى الجنوب. وبسبب ذلك فشل الحكم في تأمين الحد الأدنى من متطلبات العيش لهذه المناطق المحرومة.
ولا جدال في ان للوجود الفلسطيني المسلح في لبنان دوراً بارزاً في هذا الصراع خاصة انه قد انحاز الى جانب دون آخر. ولكن وبعد أن خرج من الساحة اللبنانية سنة 1982 إستمرت الحرب واستمر النزاع ولم ينته. ذلك يدل على ان الوجود الفلسطيني لم يكن العنصر الاوحد لنشوب هذا النزاع. دخلت الساحة اللبنانية عناصر مختلفة منها خارجية ومنها داخلية: الصراع العربي - الاسرائيلي، الخلافات بين الدول العربية، دخول ايران على الخط، والتدخل الاجنبي من الغرب والشرق.
وهو يقول: "ان اطلاق صفة حرب لبنان على مرحلة النزاع بين عامي 1975 و1990، وليس الحرب الأهلية اللبنانية، او الحرب اللبنانية، او حروب الآخرين على ارض لبنان هو، في رأينا، الأكثر صحة علمياً وموضوعياً. لأن هذه الحرب لم تكن في كثير من مراحلها صراعاً داخلياً صرفاً بين اللبنانيين. لقد إستطاع العامل الخارجي (الفلسطيني، الاسرائيلي، السوري، العربي، الإيراني، الدولي) أن يستغل تناقضات المجتمع اللبناني وضعف تماسكه، وإنعدام سيطرة الدولة عليه والإمساك به، وهشاشة بناه المؤسساتية والسياسية، للتلاعب بالتوازنات الداخلية في سبيل تحقيق مصالحه".
وهو يرى أن هذه الحرب (1) طرحت شرعية الكيان اللبناني، ومدى ولاء اللبنانيين لوطنهم (2) كانت صراعاً سياسياً واجتماعياً وعسكرياً بين المناطق والطوائف وحتى داخل الطوائف (3) أدت الى تصدع في العلاقات الاجتماعية بين اللبنانيين (4) تسببت بتعطيل الدولة وشل مؤسساتها وإحداث سلطات رديفة هي سلطات الميليشيات والأمر الواقع.
وهو يقول إن الغاية من إصدار هذا الكتاب الذي استغرق العمل عليه عشر سنوات، ليس إستحضار ما حملته هذه الحرب من أحقاد دفينة وذكريات أليمة وآثار مريرة وهواجس لم تخمد في النفوس بعد، او نبش الماضي او القاء التهم... بل القيام بقراءة عقلية واعية لمعرفة جذور هذه الحرب القذرة وأسبابها ودوافعها واستيعاب دروسها لكي نتعلم من تجاربنا لنبني وطناً صلباً قادراً على الحياة ويعمل حقاً على التغيير والإصلاح. الغبيّ وحده هو الذي لا ينظر الى ما يجري على الساحة العربية اليوم من تونس الى مصر الى ليبيا الى البحرين الى اليمن الى العراق الى السودان الى كل مكان، بل والى فريق من الشباب اللبناني الذين اخذوا يطالبون بالغاء الطائفية التي سببت وتسبب تخلف لبنان وتحجره.
وحول الزعامات والنظام العشائري والعائلي يقول (ص 489): "منذ الاستقلال، سيطرت كبريات العائلات التقليدية، من زعامات وعشائر ووجهاء ورجال دين ورجال اعمال، على الحياة السياسية في لبنان، وتجلى نفوذها بشكل واضح في المجالس النيابية والوزارية والرئاسات الثلاث، فبين عامي 1920 و1972 احتل 425 نائباً ينتمون الى 245 عائلة 965 مقعداً في 16 مجلساً. وإرتبطت نسبة 62% منهم برباط القرابة المباشرة او البعيدة. كما ان 300 نائب من اصل 365 احتلوا مقاعد المجلس النيابي في الفترة نفسها، توارثوا هذا المنصب".
ومما تجدر الاشارة اليه أن عدداً كبيراً من هؤلاء توارثوا النيابة عن الأب وعن والجد بحيث اننا نجد في المجلس النيابي اليوم عددا من هؤلاء امثال آل عسيران وأرسلان والجميل وحبيش وسلام وغصن وكرامي والزين وجنبلاط وفرنجية وسعادة وزوين وشمعون والحريري الخ...
وحتى الاحزاب التي نشأت كانت في مجملها – ما عدا الحزب الشيوعي والحزب القومي – احزاباً ذات صبغة طائفية طاغية.
ومنذ القديم كان معروفاً ان عدداً من النواب يدفعون الأموال الى زعماء اللائحة لكي يحصلوا على مقعد نيابي... واما اليوم فالى بضع عائلات تتوارث "الزعامة" من جميع الطوائف جاءت "المحادل" و"البوسطات" وجاء المال الى الساحة السياسية بحيث ان عدداً من السياسيين المسيطرين على مقدرات البلد إستخدموا المال للوصول الى السلطة ومنهم من استخدم السلطة للوصول الى المال. وهناك من فاز بالاثنين معاً: السلطة والمال. ومنهم من دفع حياته ثمناً او ضحى بشرفه! فعمّ الفساد وزادت السرقة وازدهرت العصبية الطائفية والمذهبية فكيف نرجو اصلاحاً في ظل هذا الواقع المزري؟ وحدّث ولا حرج عن نظام الانتخابات الفاسد والذي يُعتمد قبل الانتخابات بأيام – رغم ان معالي الاستاذ فؤاد بطرس قد وضع مع اللجنة التي ترأسها قانوناً اكثر انصافاً للانتخابات لم يؤخذ به. والأشد نكاية ان الميليشيات، التي اغتصبت السلطة اثناء الحرب على مدى 15 سنة، عادت لتشارك في السلطة شرعاً عندما اصبح لها نواب ووزراء يشاركون في الحكم!!
وفي (ص 149) يقول: "هكذا، تضافرت عوامل سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية قسّمت اللبنانيين الى فريقين: فريق يدّعى الغبن السياسي والحرمان الاجتماعي ويريد تحسين مواقعه في السلطة عبر نزع امتيازات الفريق الآخر، او الانقلاب على النظام الطائفي اللبناني وتمسّك بهوية ممتدة الى خارج صدور "الوطن" وفريق يدّعي ان الدولة دولته ويخشى على انجازاته ويتمسّك بامتيازاته. ولكن الفقر والحرمان والبؤس ليس لها طائفة بل هي موزعة على جميع الطوائف دون استثناء.
يتناول المؤلف العوامل الخارجية وعلى رأسها العامل الفلسطيني واتفاق القاهرة سنة 1969 وتداعياته وانعكاس السياسات الاقليمية والدولية على الساحة اللبنانية والصراع العربي – الاسرائيلي.
يقول (ص 187 – 188): "اعتبر المسلمون السنّة عموما ان المقاومة الفلسطينية هي حركة قومية عربية، ولم ينظروا الى ان وجودها ونشاطها العسكري يمسّ بسيادة بلدهم، معتبرين اياها رأس حربة عربية ضد اسرائيل، اما زعاماتهم التقليدية، فرأت في المقاومة الفلسطينية ورقة للتخويف يمكن استخدامها في اللعبة السياسية الداخلية لتحقيق مكاسب على حساب الموارنة، خصوصا في ما يتعلق بمشاركة اكبر في السلطة والمنافع الاقتصادية".
ثم يتناول العلاقات اللبنانية السورية في مدها وجزرها، ودور سوريا الملتبس في الحرب اللبنانية وكذلك دور كل من في مصر والعراق وليبيا والسعودية والكويت والاردن... والسياسات الدولية تجاه لبنان وخاصة فرنسا واميركا وحتى الفاتيكان. وحرب اسرائيل على لبنان سنة 1982 والمقاومة اللبنانية التي استطاعت ان تقف في وجه اسرائيل.
ثم يتناول في الفصل السابع الجهود التي بذلت لحل الأزمة اللبنانية او تقريب المواقف بين الفرقاء اللبنانيين المتنازعين ويورد مختلف وجهات النظر والأسباب التي ادت الى فشل هذه المحاولات والمبادرات والمساعي لجمع الشمل وتحقيق الحوار. وهو يستنتج من ذلك كله (ص 720 – 721): "أدّت شدة التناقضات الاقليمية والدولية على الساحة اللبنانية الى تحولها الى عامل رئيسي من عوامل عدم توصل اللبنانيين الى حلول لأزمة بلدهم بقواهم الذاتية، كذلك الحال، فان كثرة المبادرات الخارجية لحل هذه الازمة، لم تساعد لبنان على ولوج طريق السلم الاهلي".
وفي الفصل الثامن يتناول اتفاق الطائف (1989) الذي لم يطبّق بحذافيره حتى اليوم. وهو يستخلص نتائج هذا الاتفاق (ص 803 – 804): واذا كان "اتفاق الطائف" قد ارضى السنّة بسبب تقوية صلاحيات رئيس مجلس الوزراء (السنّي) تجاه رئيس الجمهورية، وانتزاع صلاحيات من الاخير لصالح مجلس الوزراء مجتمعا، الا ان قسما من الشيعة اعترض على الاتفاق، بحجة انه لا يحقق آمال الطائفة، على الرغم من ان مركز رئيس المجلس النيابي قد تحسن بموجبه. كان "حزب الله" اكثر القوى الشيعية اعتراضا على الاتفاق، لأنه حد من طموحاته في الغاء النظام الطائفي السياسي واعتماد نظام الاكثرية، الذي يمكن أن يؤدي الى قيام حكم اسلامي في لبنان... من هنا، نفهم سبب تخوف المسيحيين من الغاء الطائفية السياسية، ليس خشية من دولة اسلامية في لبنان فحسب، بل ايضا بسبب الاعتقاد أن ديموقراطية الاكثرية قد تتحول الى اضطهاد للأقلية وتهميشها، كما هو حاصل في البلدان العربية. كما نفهم في الوقت نفسه سبب تحفظ السنّة على ديموقراطية الاكثرية التي يكون للشيعة الدور القيادي فيها".
وهو لا يترك شاردة او واردة الا ويتناولها في الجزء الثاني من الكتاب كالميليشيات وخطوط التماس والوضع الأمني والاقتصادي والاجتماعي والتربوي والاذاعي والصحافي والاعلامي والاداري وتأثير الحرب على الاسرة اللبنانية والهجرة والتهجير... وانهيار مستوى التعليم وتفريع الجامعة اللبنانية وتراجع مستواها والتي وصل الفساد فيها الى تزوير شهادات في كلية الطب وكتابة بعض الاساتذة رسائل لبعض الضباط السوريين وسرقة اموالها.
وفي الفصل الخامس عشر يتناول الميليشيات التي اغتصبت السلطة وقد أحصى 260 حزبا وتنظيماً مسلحاً عشية الاجتياح الاسرائيلي للبنان سنة 1982 وهذا رقم مرعب يدل على التمزق والتسيب الذي حصل في المجتمع اللبناني.
ولم يهمل الشعارات والملصقات التي كانت توضع على الجدران واعمدة الهاتف وحتى في وسط الشوارع والهدف منها ذر الفتنة والتحريض على التفرقة والتنابذ والاقتتال. حتى انه يورد لائحة بأسماء الشخصيات التي جرت تصفيتها وخطفها بدءا بمعروف سعد سنة 1975 وانتهاء بداني شمعون وزوجته وابنته سنة 1990، ويحصي حتى خطف الاجانب او تصفيتهم وكذلك السيارات المفخخة وعدد القتلى والجرحى في كل حادثة ودور الميليشيات في الاتجار بالمخدرات وجباية الاموال والضرائب والخوات. ويذكر (ص 1471) ان الميليشيات قد حققت من تجارة المخدرات ما بين نصف مليار ومليار دولار اميركي سنويا، و2,5 ملياري دولار تبعاً لمصادر اخرى.
الى ان يقول (ص 1472): "والجدير بالملاحظة، ان الاتجار بالمخدرات (زراعة وتجارة وتصديرا وحماية) استلزم تركيب شبكات تهريب مختلطة طائفياً، بعيدة عن خلافات الايديولوجيات والخصومات السياسية والمذهبية، تتوافق فيما بينها على هذا الربح غير المشروع".
اضف الى ذلك كله المرافىء غير الشرعية والتهريب على انواعه حتى الاسلحة، والسوق السوداء التي يقدر ريع الميليشيات وقوى الأمر الواقع منها خلال سنوات الحرب بحوالى 14,5 مليار دولار اميركي كما يقول في الصفحة ذاتها. كل ذلك وكثير غيره ادى الى تفكك الدولة وتقلص دورها وفقدان سيادتها. وهو يلخص ذلك في (ص 1679): "ان سلب الدولة سيادتها على شعبها وعلى اراضيها من قبل الاحزاب والميليشيات وقوى الأمر الواقع التي افرزها النظام الطائفي السياسي، جعل من المستحيل على الدولة اللبنانية الادعاء انها تصنع قرارها بنفسها". ويتابع (ص 1680): "ومن الواضح، ان العوامل الداخلية والخارجية للأزمة اللبنانية قد تضافرت معاً لتؤدي في النهاية الى القضاء على مقومات الدولة اللبنانية بشكلها الهش المعروف. وان وجود دولة لبنانية ضعيفة، مكّن الفلسطينيين من السيطرة على توجهات القوى اليسارية والاسلامية وجعلها تسير في فلكهم، وبالتالي في اقامة دويلة لهم داخل الدولة اللبنانية".
ومهما يكن فان الداء الذي يشكو منه لبنان هو الطائفية السياسية التي انتجت نظاماً سياسياً متحجراً غير قابل للاصلاح يستشري فيه الفساد وهذا النظام انتج مجلساً نيابياً يستنسخ نوابه ذاتهم ما دام يأتي بهم "زعماء" لا احزاب علمانية متطورة تعمل على تأسيس دولة مدنية ديموقراطية تقدس الحرية وتملك مفهوماً واضحا للمواطنية تحافظ على حقوق المواطن بدلا من حقوق الطوائف.
هل سيصمد هذا النظام الطائفي الى الابد؟ بعد ان وضع فريق من الشباب شعار اسقاطه؟ متى يصبح اللبناني مواطنا ينتمي الى وطن وليس مجرد فرد ينتمي الى طائفته؟
وهل نستفيد من قراءة سيرة الحرب اللبنانية القذرة والمجرمة لنعتبر ونتّعظ ونبني وطناً ديموقراطياً بعيداً عن الطائفية السياسية البغيضة؟ ومن قال ان جميع اللبنانيين منقسمون بين 8 و14؟
وبعد، لقد بذل الدكتور عبد الرؤوف سنو جهداً كبيرا في تأليف هذا الكتاب الضخم الذي يضم 179 جدولاً وآلاف الهوامش ومئات المراجع والمصادر العربية والاجنبية بحيث بات مرجعاً موثوقاً لا غنى عنه لكل من يؤرخ للحرب اللبنانية تضاف اليه الوثائق التي سيكشف عنها في المستقبل. هل سيكشف عنها؟ وهل يهبنا الله "ويكيليكس" جديداً يكشفها جوليان اسانج جديد؟
والى متى سيبقى ممنوعا على اللبنانيين – وهم شعب ذكي ومتفوق – ان يكونوا شعباً وان تكون لهم دولة، بدلا من ان يكونوا تابعين لزعماء الطوائف والمذاهب مهدَّدين بالفتنة كل حين؟!
ميشال جحا