عناصر العمل الأدبي ومعايير نقدها

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد راشد
    عضو الملتقى
    • 16-03-2008
    • 34

    عناصر العمل الأدبي ومعايير نقدها

    [align=right]سيظل للجانب النقدي في ميادين النص الأدبي شعرا كان أم نثرا بصمته المفيدة السارية في عمق هذا العمل الرافعة له السابرة لأغواره بغية السير به إلى ما ينبغي أن يكون عليه من تحقق الرسالة الأدبية في الحياة .ومن هنا فإننا نكتب لتقرأ الناس ما كتبناه ثم نستقبل وجهات النظر المتفاوتة منهم كل حسب تخصصه ومنطلقه ،أما الناقد الحاذق فإنه يعمل على تعميق فهمنا للنص الأدبي ويأخذ بأيدينا إلى قراءته قراءة دقيقة حذرة حيث تكشف لنا نظرته ما غاب عن أذهاننا بعده وغوره. وهو مع ذلك خير من يوقفنا على مواطن الحسن والقبح في هذا العمل فنتملاها بطريقة تقربها أو تبعدها عن ملكات أحاسيسنا المختلفة ..وهذا يقوم جنبا إلى جنب مع ما يلعبه النقد الناضج من تشجيع الأديب على مواصلة الحسن ترسيخا في عمله ،وإقالة ما في طريقه من عثرات قد تعرقل سيره إذا ما زلت به القدم ..
    ولن أسترسل كثيرا في بيان القيمة النقدية للعمل الأدبي مكتفيا بما ذكرت ومذيلا بخصوصية النقد في إتاحة الفرص لنا لنقرأ ونطلع في المؤلفات والمظان الأكاديمية أو الثقافية المناطة بهذا العمل والرائدة في تشكيل جوهره.وسوف أقف قليلا أمام أهم الميادين الأدبية التي يناقشها عادة الناقد في تقييمه للعمل ،وتكون محط رحاله في النص مثار البحث.
    عناصر العمل الأدبي ومعايير نقدها:
    أولا-العاطفة:
    وهي مجموعة المشاعر والأحاسيس التي تنتاب الأديب عندما يمر بتجربة ما في حياته فيقوم بالتعبير عنها من خلال ألفاظ معينة بغية أن يصل بها إلى الوسط الخارجي فيقرأها الآخرون متفاعلين معها حسب أذواقهم ومشاعرهم كذلك ..وهذه التجربة تتحدد قيمتها الأدبية من خلال صدق تحققها في حياة الأديب بحيث لايعتريها زيف ولا تبديل عما هي عليه ،ومن هنا فإنها تصادف عاطفة أخرى لدى القاريء فتحدث تأثيرا عنده نحس به ونجده جليا في مجموع انفعالاتنا مع النص الذي نطالعه متشكلا وفق ذلك التأثير في صورة فرح أو حزن أو نشاط أو فتور أو حب أو بغض أو ما إلى ذلك مما تفجره تلك الدوافع فينا ،هذا إذا استطاع الأديب ووفّق في صب تلك التجربة خلال أسلوب رفيع راق..وهنا نجد نقادنا القدامى يحصرون دوافع الشعور في العمل الأدبي في أربعة بواتق هي الرغبة والرهبة والطرب والغضب ،يقول ابن رشيق في العمدة(فمع الرغبة يكون المدح والشكر ،ومع الرهبة يكون الاعتذار والاستعطاف ،ومع الطرب يكون الشوق ورقة النسيب ،ومع الغضب يكون الهجاء والتوعد والعتاب الموجع)......وعلى نوع العاطفة هنا حسنا وقبحا ،وضرا ونفعا يتحدد تأثرنا سلبا وإيجابا ، وعليه فالناقد ينبغي أن يضع تلك المعايير محكا لإبراز هذا العنصر في النص الأدبي بين التوفيق والخذلان من خلال ما يشيعه في النص من كمالات فكرية وأدبية.
    ثانيا-المعاني والأفكار:
    والفكرة أساس العمل الأدبي ومادته البانية لهيكله اللفظي والمعنوي ،وعلى نوعها وجودتها يتميز العمل الأدبي ،فإن هناك أفكارا سامية تخدم الإنسانية أو الذات عموما قد ترفع أمما ،وهناك النقيض الذي من شأنه خفض أمم وشعوب وانحطاط كيان إنساني متكامل ،وعلى مستوى ثقافة الأديب وخبرته في الحياة ،وزخارة علمه ترتفع فكرته ،وتسمو معاني عمله ،وهنا نستطيع التمييز بين عمل وآخر من خلال حقيبة الأديب الثقافية والعلمية الواضحة في تخير فكرته ،وانتقاء معناه مع تكامل بقية العمل فكل عنصر لا شك يأخذ بيد الآخر،من هذا التكامل عدم طغيان الأفكار على سُحُب العاطفة الماطرة فإنه لا يرتفع عمل أودعه صاحبه الأمثال والحكم والمواعظ –في الشعر خاصة- مما يفقده جمال الصورة وروعة الأسلوب ،فطغى المد المعرفي على ميدانه فإذا به حشو معارف وأفكار أوضحته في صورة رمادية باهتة،وهذا الأمر هو الذي فرق بين شعر العقاد وناجي مثلا أو غيره من أصحاب الاتجاه الرومانسي في أدبنا الحديث ،وانسحب الأمر على شعر شوقي وحافظ والبارودي قبل ذلك الغالب عليه الجانب المعرفي والفكري شأن الاتجاه الكلاسيكي عموما في الشعر .وقديما أشار (الآمدي) إلى تقرير هذه القضية في كتابه "الموازنة بين الطائيين" حين قال(من يعتمد دقيق المعاني من فلسفة يونان، أو حكمة الهند ،أو أدب الفرس،ويكون أكثر ما يورده منها بألفاظ متعسفة ،ونسيج مضطرب ...قلنا له قد جئت بحكمة وفلسفة ،ومعان حسنة لطيفة،فإن شئت دعوناك حكيما ،أو سميناك فيلسوفا ،ولكن لا نسميك شاعرا ،ولا ندعوك بليغا) ..
    ولاشك أن الناقد هنا ينظر إلى صحة الفكرة أو المعنى ومناسبتها مع ما اختير لها من قوالب لفظية وأسلوبية تناسبها شكلا ومضمونا .وهل يشترط في العمل الأدبي نقل الأفكار والمعاني برمتها من الواقع ؟؟الحقيقة أن الأديب حينما يبني عمله على هذه الأفكار إنما يحصلها من الواقع ثم يقوم بإبدائها مختلجة بخياله السابح ،ممتزجة بعواطفه ومشاعره مما يخرجها في صورة عمل فإذا بها خصبة ريانة ،يبصرها القاريء أكثر جمالا وقوة وخصوبة عما كانت عليه في الواقع ،ومن هنا نفرق في قضية سياسية اليوم بجميع ملابساتها بين طرحها في نشرة الأخبار وانسيابها من قلم أديب .
    ثالثا-الخيال:
    وهو من ميادين الأدب المهمة والتي يحكم الناقد حيالها معاييره ليتعرف على وجوده الطبيعي في ثنايا العمل ..والخيال ملكة أدبية تخرج المعاني في صورة شيقة ،وتبث فيها الروح مهما كانت تلك المعاني ميتة رثة .والخيال والعاطفة يخرجان من مشكاة تكاملية واحدة فهو يقدم لها الصور التي تفرغ فيها لتلبسها قشيب الثوب ،وجدة الحلية ..ويتولد الخيال لدى الأديب من البيئة المحيطة به ،لذا وجدنا الفرق واضحا لدى الشاعر( علي بن الجهم )حينما اتسع خياله بألوان المشاهدات الحسية والمعنوية بدأ يغير في طرحه كثيرا عما كان عليه ،فقد وفد من البادية يوما على الخليفة العباسي (المتوكل )ببغداد فامتدحه بهذه الأبيات فقال:
    أنت كالكلب في حفاظك للعهد وكالتيس في قراع الخطوب
    فنبع الشعر من محيط خياله الضيق المحصور في هذه الصور التي ألفتها البادية ،فلما أقام ببغداد وشاهد دجلة والفرات وما أحاط بهما من عمران وحدائق غناء سبح خياله في تصوير هذه المشاهد فقال:
    الورد يضحك والأوتار تصطحب =والناي يندب أشجانا وينتحب
    والراح تعرض في نور الربيع كما=تجلى العروس عليها الدر والذهب
    وهكذا لعب الخيال دوره في الشعر فتحكم في مادته التصويرية كما قرأنا.
    والناقد هنا يفحص العمل ليفرق بين الخيال والوهم ،فالوهم لا يخضع عادة لمعايير عقلية أو منطقية بخلاف الخيال القائم على تصوير الواقع حسب درجة ذلك التصوير ابتكارا أو تأليفا أو تفسيرا حسب ما قرر في مطولات النقد ..وما يهمنا هنا هو النظر إلى العمل من حيث توظيف الخيال فيه وفق معايير منطقية لا تؤدي به إلى الوهم أو المستحيل ،أو الشطط في تصور الأشياء كما يحدث عند من يريد تخيل الذات الإلهية فيقوم بتمثيلها وتصويرها وفق هواه- تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا-كشأن كثير من أتباع المدرسة الرومانسية الذين لا يجعلون لخيالهم جماحا أو حدا يوقفه فيمضي الواحد منهم في التخييل إلى أبعاد تخرج عن حدود المعقول أصلا.
    رابعا-الأسلوب:
    ينظر الناقد عادة إلى العمل الأدبي من خلال أسلوبه أي طريقته ومذهب كاتبه ،فالأسلوب سمة العمل الناجح ،وعنوان الأديب الذي به يعرف وينعت ،بحيث لا يطير أمامك بيت لأحد الشعراء إلا وتقول هذا أسلوب أبي تمام أو المتنبي أو شوقي ..ألخ .من هنا كانت طريقة الأديب أو أسلوبه ميدانا نقديا ثريا من مضمونه يتعرف الناقد على تفكير الأديب وتناسق أفكاره في ذهنه أولا ومن ثم في عمله الواضح الجلي لغة وفكرة وتصويرا وتقديما وتأخيرا ،وكأن علم المعاني في البلاغة لا يخرج عن حيز الأسلوب الأدبي مع شيء من التحفظ .
    ومن هنا رأينا ناقدا مثل ( مروان بن أبي الجنوب) يسقط في السخرية بيتا لعلي بن الجهم وهو يمتدح المتوكل اعتمادا على نظرة نقدية لأسلوب الشاعر هنا كما ورد في (الموشح للمرزباني).. ..يقول علي بن الجهم :
    الله أكبر والنبي محمد=والحق أبلج والخليفة جعفر
    فقال مروان:(أراد ابن الجهم أن يقول قصيدة فأذّن)
    فكان الأسلوب هنا ذا دور كبير في استحسان العمل أو استقباحه.والحال ذاته في تلك النعوت الأسلوبية التي نعت بها الشعراء وفق مذاهبهم في الشعر وفنونه ،فقيل عن المتنبي شاعر الحكمة ،وعن البحتري شاعر الصورة ،وعن أبي تمام شاعر البديع وهكذا ..
    ويحدد الأسلوبَ نوعُ الموضوع الذي يتناوله العمل ،وفكر الكاتب ومشربه الأدبي ،وكل ذلك محط نظر لدى النقاد في تفنيد الأعمال الأدبية وفق أساليبها.
    خامسا-اللغة الأدبية:
    وفي النقد الأدبي يفرق بين اللغة الأدبية وتلك الدارجة في حياة الناس ،وينظر إلى اللغة التي يحيك بها الأديب عمله نظرة أخرى ترفعها عن مستوى الكلام العامي أو الوضيع المشوب ببعض الأصوات المتدنية مستوى ومكانة ،وما عرفت عبقرية الأديب إلا من خلال لغته ومتانتها وحسن اختيار مفرداتها ،وطريقة سبكها وجريانها ،وهذه اللغة يحددها الأديب –كما أسلفنا- فهي تخصه عن غيره ،يتصرف بها أحيانا ربما بعيدا عن فلسفة واضعها ،وقد أشار الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتابه القيم "دلائل الإعجاز"كثيرا إلى لغة الأديب هذه كما في قوله(مزية هي بالمتكلم دون واضع اللغة) وصدق في ذلك فلغة الأديب تمتاز بأمور تخصها من حيث صبغها بصبغة العاطفة ،والتصوير ،وحسن السبك ،وتخير الملائم لها من المفردات والعبارات ،على خلاف اللغة العادية التي قد لا تتطلب كل ذلك في سمة التخاطب بين الناس.
    وتختلف لغة الشعر هنا عن لغة النثر في أن الشعر عادة ما تسبك له لغة تنسجم وأوزانه فتراها لغة مقولبة في إطار موسيقي عذب المأخذ ،تمتاز بفضفاضة سابحة في وديان الخيال الواسعة ،وهي السمة الأكيدة للشعر التي بينها الإمام ابن الأثير في كتابه" المثل السائر" عند تعليقه على الآية الكريمة (ألم تر أنهم في كل واد يهيمون) بأن المراد بها معاني الشعر وأفكاره المتسمة بالغموض والخفاء.من هنا يقف الناقد على العمل الأدبي في تبين لغته وقفة تسبر اللغة هنا قوة وضعفا ،خصوصية وعمومية ، صحة وثلبا، وما إلى ذلك من سمات اللغة على الطرفين ..وهنا أقول: أي عمل يقبل وفيه من الأخطاء النحوية والصرفية ما يحيله إلى كلام عادي ليس للأدب فيه موضع قدم!!!.
    سادسا-الصورة الفنية:
    كثيرا ما يحاول الأديب إيصال فكرته إلى القاريء فيجد أن وضعها في قولب عادي قد لا يفي بترسيخها في خلد القاريء تماما كما يريد هو فيضطر إلى البحث عن صورة معينة يوصلها عن طريقها فتأتي الصورة الأدبية هنا ،والأمر نلمسه في حياتنا العادية حينما يريد شخص ما وصف جمال أنثى فيرى أن قوله" رأيت امرأة جميلة" لا يفي بنهم رغبته فيقول :"رأيت بدرا" ..وهنا شبهها بالبدر لوجه شبه جمع بينهما وهو شدة الإسفار والبياض ،هكذا عملت الصورة الأدبية على إثراء لغة الأديب وعمله ونقلته من مستوى الحديث العادي إلى خصوصية أقوى وأثرى وأكمل وأجمل.ومع ذلك تتيح الصورة البلاغية للعمل الأدبي قوة في تأثيره فتجمع للقاريء أرقى وصف للقوة في تشبيه الشجاع بالأسد ،وأرقى درجات السواد في تشبيه الشعر بالليل ،وللبياض في تشبيه الوجه بالصبح ..
    وما من شك أن للصورة أثرها الأكبر في الشعر إذ هو المحط الأسمى في فنون الأدب ،وهنا يقول ابن رشيق في العمدة(قال غير واحد من العلماء :الشعر ما استعمل على المثل السائر ،والاستعارة الرائقة ،والتشبيه الواقع ،وما سوى ذلك فإنما لقائله فضل الوزن) نعم فكم من شعر لا يربطه بالشعر سوى الوزن والقافية ،وفي زمننا هذا ربما لا وزن ولا قافية ومع ذلك يسمى شعرا زورا وافتراء وتنطعا.ومن أراد الاستزادة من أهمية الصورة الأدبية فعليه بدراستها في علم مستقل في البلاغة يسمى علم البيان ،وهي لا تخرج عند القدماء عن التشبيه والاستعارة والمجاز المرسل والكناية .
    ومن أهم معايير النقد للصورة الأدبية في العمل الأدبي صدقها في التعبير عن مراد الأديب ،وهنا نحسها في قوة تأثيرها فينا ،وإحداثها تفاعلا في مشاعرنا وأحاسيسنا لأنها جاءت عفوية منساقة مع الفكرة ،لم يتكلفها الأديب ،ولم يجتزها ليضعها في غير مكانها ،فكم من صورة مجها الطبع ،ورفضها الحس لأنها دخيلة على العمل ،وقد تأتي منفرة مقرفة لا تتناسب مع جو التصوير كما عاب النقاد على المتنبي قوله :
    صلاة الله خالقنا حنوط=على الوجه المكفن بالجمال
    فلم يناسب ذكر الكفن جمال الوجه فكان التصوير منفرا .
    هذا وبالله التوفيق.

    أخوكم /أحمد راشد.[/align]
يعمل...
X