قراءة في كتاب الإمبريالية الجديدة
دافيد هارفي
عرض وتقديم: د . محمد أيوب
- 2 -
كيف تعاظمت قوة أمريكا
يؤكد دافيد هارفي على أن مصطلح الإمبريالية الرأسمالية يحتوي نقيضين هما: سياسة الدولة وسياسة الإمبراطورية مما يجعل من الإمبريالية عملية سياسية واقتصادية للسيطرة على رأس المال واستخدامه بحيث تقوم المؤسسات التي تديرها الدولة بدور كبير في تهيئة الأجواء لتراكم رأس المال، وعلى الرغم من الانفصال بين المنطق الإقليمي وبين المنطق الرأسمالي للقوة فإنهما يتداخلان بشكل معقد، ومع ذلك يقع الصدام بين المنطقين ليصل إلى درجة العداوة والحرب مما يكبح رأس المال بدلا من زيادة فرص تراكم الثروة، هنا يمكن أن يهيمن منطق الإقليم على منطق رأس المال أو العكس، ولعل ما يميز الإمبريالية الرأسمالية هو سيطرة المنطق الرأسمالي على الرغم من وجود أوقات تكون السيطرة فيها لمنطق الإقليم بحيث يحتاج تراكم الملكية بالضرورة إلى تراكم غير محدود للقوة، وهذا يمهد الطريق أمام ظهور الإمبريالية، وقد مر تحذير بول كيندي سنة 1990 من التوسع الكبير والامتداد الطويل دون أن يلتفت إليه أحد، فقد قال إن الولايات المتحدة تتهددها الأخطار بعد أن اتسعت قوتها سياسيا وعسكريا.
الهيمنة:
حدد المؤلف مفهوم الهيمنة في توعين:
1 – الهيمنة بالقبول: وهي تعني الهيمنة السياسية من خلال موافقة المحكوم في الدولة الواحدة، أو سيطرة دولة من خلال تفوقها الثقافي والمعنوي على مجموعة من الدول التي ترى في الدولة المهيمنة نموذجا يمكن الاقتداء به بهدف تحقيق نوع من التوازن مع الدولة المهيمنة والتقليل من قوتها وسلطتها وإفراغها من محتواها من خلال المنافسة للتقليل من خصوصية المهيمن( يمكن من وجهة نظري أن تكون المنافسة بين دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحد أو بين منطقة جنوب شرق أسيا " اليابان وما حولها " مثالا على هذه المنافسة * )
2 – الهيمنة بالإكراه والقسر:
وذلك من خلال اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية، وقد تكون هذه الهيمنة مزيجا من القبول والقسر.
ويفرق الكاتب بين نوعين من القوة هما: القوة التجميعية والتوزيعية التي تكون فيها المنافسة عاملا يحسن موقع المهيمن الذي ينتزع القوة من الآخرين أو يقود تحالفا إقليميا يحقق منافع أكبر للإقليم، ويمثل لذلك بنموذج الإوزة الطائرة الذي تقود فيه اليابان مجموعة من الدول الآسيوية، وقيادة التحالف الفرنسي الألماني لدول أوروبا وهو يشير إلى أن عملية توزيع القوة يلعب دورا في إعادة تنظيم الرأسمالية العالمية بصورة أقوى من العولمة ( وهذا يعني تهيئة الأجواء إلى مرحلة ما بعد العولمة ).
ولما كانت محصلة القوة التوزيعية صفرا فإن على الدولة المهيمنة أن توفر المكاسب المتبادلة والمنفعة للجميع لتكون المحصلة اكبر من الصفر، أو أن تعزز قوتها المشتركة في مواجهة الطبيعة من خلال إبداع وتطوير تقنيات جديدة وتنظيم البنية التحتية مثل شبكات الاتصال وهياكل القانون الدولي، ومن هنا فإن تزايد القوة الجماعية المشتركة يشكل القاعدة المتينة للهيمنة في النظام العالمي.
يشير المؤلف إلى أن تاريخ الولايات المتحدة حافل بالقسر والإرهاب سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي، ففي الداخل لجأت إلى القسوة في قتل زعماء الفهد الأسود وغيرها من الممارسات البشعة وأقامت في الخارج معسكرات الاعتقال في اليابان ودبرت الانقلابات في دول عديدة مما جعل كثيرا من الباحثين يصورون أمريكا على أنها أعظم دولة مارقة في العالم لأنها تملك سجلا أسود يثير الاشمئزاز.
وقد تلجأ أمريكا إلى القوة الاقتصادية لفرض هيمنتها على الدول الأخرى مثل فرض الحظر التجاري أو برامج التقشف التي يفرضها صندوق النقد الدولي، ومع ذلك نجد أن بعض النقاد لا يعترفون بأن القسر وتصفية العدو تشكل جزءا من أسس القوة الأمريكية ويرون أن هناك التعاون الذي منح أمريكا القدرة على أن تظل الدولة المهيمنة في العالم.
وقد وفرت الحرب الباردة المناخ الملائم لفرض الهيمنة الأمريكية، فقد وجد أصحاب الملكيات الخاصة أنفسهم مجبرين على التوحد ومساندة أمريكا التي تحميهم من خطر الاشتراكية الدولية والشيوعية، وقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على قدسية الملكية الخاصة، وبانتهاء الحرب الباردة أصبح من الصعب تعريف الدور القيادي الأمريكي بعد زوال الخطر الشيوعي وانتهاء الحرب الباردة "ومن هنا أستطيع أن أفسر محاولات أمريكا لاصطناع فزاعات الإرهاب الإسلامي والخطر الصيني وخلق الذرائع لتمهيد الأجواء أمام حرب باردة جديدة تعيد لأمريكا مكانتها القيادية التي بدأت تضعف وتتضاءل * "
لقد أسهم تقليد أساليب الحياة الأمريكية إلى نمو النزعة الاستهلاكية مما أسهم في عملية تراكم رأس المال ماليا، ولكن هذا التقليد قد يؤدي إلى إلى منافسة حادة، ومن هنا يصبح المال والقدرة الإنتاجية والقوة العسكرية الأرجل الثلاثة التي تقف عليها الهيمنة في ظل الرأسمالية.
نشوء إمبريالية البرجوازية: 1870 – 1945
وقعت أحداث هزت كيان الدول الأوربية مثل قيام كوميونة باريس سنة 1871م وما نتج عن الحرب الأهلية الأمريكية من ظهور حركات عمالية مما جعل سلطة الطبقة الرأسمالية تسعى إلى وضع حواجز أمام فائض رأس الأموال الذي اضطر إلى الهجرة إلى الخارج ناشرا موجة من المضاربات الضخمة بعد سنة 1870م، وظهرت الحاجة لحماية هذه المشاريع وتنظيمها مما زاد الضغط على الدول كي تستجيب لهذا المنطق الرأسمالي، وعليه فقد عملت الطبقة البرجوازية التي وصلت إلى السلطة في أمريكا على توطيد سلطتها وزيادة قوتها السياسية في مواجهة الأشكال الطبقية القديمة عن طريق إذابتها " كما في النمسا وهنغاريا وتركيا " أو أن تحولها إلى منطق رأسمالي" بريطانيا" ، وقد لجأت البرجوازية إلى فكرة الأمة فنشأت الدولة الأمة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر" ألمانيا وإيطاليا "، ولكي تستطيع مسألة التراكم الرأسمالي أن تجد الاستجابة الكافية لا بد من إثارة المشاعر الوطنية والقومية الشوفينية العنصرية وحشدها وراء المشروع الإمبريالي حتى تتمكن رءوس الأموال الوطنية من استلام زمام القيادة، وهذا يعني تعليق الصراع الطبقي وإنشاء تحالف بين الرعاع ورأس المال داخل الدولة الأمة، وهذا الأمر يبدو غير طبيعي من وجهة نظر الماركسية لأنه يؤدي إلى تجاهل مخاطر تقسيم البشر إلى أسياد وعبيد، وطبقات عليا وسفلى وبيض وملونين، غير أن التناقض بين القومية البرجوازية والإمبريالية لم يحسم في وقت ازدادت فيه الحاجة إلى إيجاد منافذ لفائض رأس المال، مما أدى إلى ازدياد الضغوط على كل دولة إمبريالية على حدة لتوسيع سيطرتها الجغرافية فكانت النتيجة صراعا بين الإمبرياليين امتد خمسين سنة، كما تنبأ لينين، وهذا أدى بدوره إلى تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ شبه احتكارية وتقسيم الشرق الوسط إلى محميات بريطانية فرنسية، ومع ذلك عجزت هذه المظاهر عن التعاطي مع مشكلة فائض رأس المال وظهر الكساد الاقتصادي الكبير في الثلاثينيات قبيل الحرب الكونية الثانية.
كانت أمريكا تطور نوعا من الإمبريالية، فقد اندفعت بعد الحرب الأهلية نحو تنمية رأس المال لتصبح القوة التكنولوجية والاقتصادية المهيمنة في العالم، وكانت السلطة السياسية فيها تكرس الفردية والملكية الخاصة ونسب الأرباح، ولما كانت البلاد تتكون من أعراق مختلفة من الوافدين فقد أصبح من المستحيل نشوء قوميات عرقية فيها، وكان المجتمع الأمريكي يمتلك مساحات واسعة تتيح توسعا داخليا يستطيع فيه منطق رأس المال والمنطق السياسي للقوة أن يتحركا فيه بحرية، وحاولت نشر قيمها بخطاب جميل وصولا إلى فكرة العولمة، وقد استندت أمريكا إلى فكرة اصطناع خطر خارجي " الشيوعية قديما والإرهاب الإسلامي حديث" للمحافظة على تماسك المجتمع الأمريكي ووحدته.
الهيمنة الأمريكية بعد الحر الثانية 1945 – 1970
خرجت أمريكا من الحرب العالمية الثانية باعتبارها الدولة الأكثر هيمنة في العالم وأصبح الدولار أقوى عملة في العالم وجهازها العسكري أقوى جهاز في العالم، وقد فقد عدوها الوحيد "الاتحاد السوفييتي" أعدادا كبيرة من سكانه وانحسرت قوته العسكرية والصناعية بسبب الحرب لأنه تحمل وطأة القتال ضد النازية، وقد تآمرت أمريكا وبريطانيا على جعل روسيا تتحمل العبء الأكبر من الحرب، ولكن ذلك أدى إلى نتائج غير متوقعة فقد سيطر الروس على دول شرق أوروبا ورفضوا الخروج منها، وقد أنكرت أمريكا أهمية الجغرافيا في تكوين القوة الإمبريالية، وقد أكد لوتشه سنة 1941 أن التاريخ أوكل لأمريكا مهمة قيادة العالم وأن عليها أن تضطلع بهذا الدور، وقد آثر لوتشه الحديث عن القرن الأمريكي بدلا من الحديث عن الإمبراطورية الأمريكية، على اعتبار أن السيطرة الأمريكية على العالم هي النتيجة الطبيعية لمسيرة التاريخ، وقد ظهرت المكارثية في أمريكا بحجة محاربة الفكر الشيوعي وقمعت المعارضة الداخلية بحجة الحفاظ على الأمن الداخلي وتم دفع العمال إلى تملق رأس المال وبذلك تمكنت أمريكا من استغلال دعم الطبقة العاملة في مناهضة الشيوعية.
وفي السياسة الخارجية صورت أمريكا نفسها على أنها المدافع عن الحريات " الأسواق الحرة" والملكية الخاصة، وقدمت الحماية العسكرية والاقتصادية لطبقة أصحاب الأملاك وللنخب السياسية والعسكرية في العالم، وظهر تعريف سلبي للمملكة الأمريكية بالقول: إنها تضم كل شيء لا يدور في فلك الاتحاد السوفييتي بما فيه الصين، ولذلك استغلت كل الفرص لإضعافه؛ فدعمت المجاهدين الأفغان لتضطر فيما بعد لكبحهم من خلال حربها على الإرهاب، وقد استخدمت التحالفات العسكرية لمنع نشوب حرب بين الرأسماليين مثل حلف الناتو ومكافحة نفوذ روسيا والصين فيما بعد، كما لجأت إلى قلب أنظمة الحكم غير الموالية لها ودعم الأنظمة الموالية، كما لجأت إلى بناء نظام دولي مفتوح في مجال التجارة والتنمية الاقتصادية والتراكم السريع لرأس المال، وقد تطلب ذلك تفكيك الإمبراطوريات القائمة على نظام الدولة الأمة، وقد نتج عن القضاء على الاستعمار قيام دول جديدة تحكم نفسها بنفسها، وقد صاغت أمريكا علاقاتها مع هذه الدول بناء على خبرتها في التعامل مع دول أمريكا اللاتينية قبل الحرب متبعة في ذلك إقامة أنظمة عميلة والعلاقات الاقتصادية المميزة ومحاولة منع أي عمل مشترك بين هذه الدول، كما وضعت نظاما دوليا للتجارة والتنمية الاقتصادية بين تلك الدول الاقتصادية وفي داخل كل منها من خلال اتفاقية بريتون وودز لضمان الاستقرار المالي العالمي والتي ترافقت مع استحداث عدة مؤسسات كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتسويات في سويسرا وتشكيل عدد من المنظمات مثل الاتفاقية العامة للتجارة ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وقد تبنت أمريكا نظرية روستوف القائلة بالنمو الاقتصادي على مراحل لتشجيع الاستهلاك في كل بلد على حدة لإبعاد الخطر الشيوعي، وقد أدى تفكيك الإمبراطوريات إلى التخلي عن العنصرية بصورة رسمية على الرغم من استمرار وجودها في أمريكا، ومن هنا جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يؤكد على الملكية الخاصة وحقوق الفرد بما يتناسب مع المرحلة الثانية من الحكم السياسي للبورجوازية، وهنا بدأ الترويج لتفوق الثقافة الأمريكية على القيم الأوروبية البالية، واستخدمت قوة المال للسيطرة على الإنتاج الثقافي وسرقت نيويورك فكرة الفن الحديث من باريس بحيث أصبحت الإمبريالية الثقافية السلاح الهام في مجال ترسيخ الهيمنة الكلية وتغذية الرغبة في تقليد النمط الأمريكي.
انتهت سنة 1970 المرحلة الثانية لحكم البرجوازية العالمي، وبانتهائها أرادت الولايات المتحد احتواء الشيوعية أو تدميرها، وقد جاءت التكاليف الهائلة لحرب فيتنام على حساب رفاه المواطن الأمريكي مما أدى إلى طباعة كميات كبرى من الدولارات مما أدى إلى التضخم في جميع أنحاء العالم " كما يحدث الآن بسبب الحرب على العراق" مما أدى إلى حدوث انفجار في كميات رأس المال الزائف في العالم المطروحة للتداول دون أية قيمة بالإضافة إلى موجة من الإفلاسات، وانهارت الترتيبات التي أسست التفوق الأمريكي بعد الحرب الثانية وتنامت قوة العمال وزاد الإنفاق الاجتماعي وتضاءلت الأرباح وأصيب الإنتاج بالركود وبرزت أزمة فرط تراكم رأس المال، ومما زاد الأمر سوءا ازدياد القوة التنافسية لألمانيا واليابان اللتان شكلتا تحديا وتفوقا على الهيمنة الأمريكية في الإنتاج، وهكذا ضعف موقع أمريكا الاقتصادي بعد أن غمرت الدولارات الفائضة العالم وانهارت البنية المالية التي أسستها اتفاقية بريتون وودز.
هيمنة الليبرالية الجديدة :
لم يعد الذهب يشكل القاعدة المادية لقيمة النقد، وقد استغلت أمريكا أزمة النفط في سنة 1973 للإضرار بدول أوروبا بعد أن استطاعت البنوك الأمريكية وليس البنك الدولي تدوير البترو دولار لتصبح نيويورك المركز المالي للاقتصاد العالمي، وقد شنت أمريكا هجوما على قوة العمال لإخماد دور المؤسسات العمالية في العملية السياسية حيث قضى ريغان على قوة نقابة حركة مراقبي النقل الجوي في رسالة موجهة إلى كل الحركة العمالية بأنها ستلقى المصير نفسه، وقد تدهورت قوة العمال وساءت أحوالهم.
وقد ثبت على الصعيد الدولي أن رأس المال النقدي كثير التقلب وعرضة للأضرار مما شكل مؤشرا على عجز مبكر يصيب استمرارية تراكم رأس المال عن طريق عمليات توسيع إعادة الإنتاج، وأصبح هناك خياران: أن تفتح مناطق جديدة للتراكم المربح لرأس المال ( مثل الصين) أو أن تبدأ جولة جديدة من خفض قيمة رأس المال، وقد كشف انفجار فقاعة المضاربات المالية عن ضعف أمريكا، وإما تخفيض القيمة، كما كشف الركود الاقتصادي الذي بدأ عام 2001 عن هذا الضعف قبل صدمة سبتمبر، بعد عقد من الوفرة في الاستهلاك، وتدهور ميزان المدفوعات داخل أمريكا، مما أدى إلى ضعف الاقتصاد الأمريكي وهروب رأس المال وانهيار قيمة الدولار، وتقوم البنوك المركزية في الصين واليابان وتايوان بمحاولة تغطية عجز الولايات المتحدة عن طريق الإقراض لتمول الاستهلاك الأمريكي الذي يشكل سوقا مهمة لإنتاج هذه البلدان، وتتعرض الهيمنة الأمريكية للخطر بسبب اعتمادها غير المتوازن على رأس المال النقدي الذي اتخذته أمريكا وسيلة لترسيخ هيمنتها، فقد قدر حجم الدعم النقدي لأمريكا سنة 2003م مبلغ 2،3 مليار دولار يوميا، مما يقتضي فرض إجراءات تقشفية يفرضها الينك الدولي لو حدث مثل هذا الأمر مع دولة أخرى غير أمريكا، وقد بدأت مقاومة هيمنة تحالف صندوق النقد الدولي و وول ستريت، وتشكلت حركة عالمية لمقاومة الهيمنة وتشكيل عولمة بديلة تعتمد على الشعوب والحركات الشعبية المضادة لهيمنة أمريكا والتي كانت تابعة لها إلى وقت قريب وبخاصة في آسيا " كوريا الجنوبية " وفي أمريكا اللاتينية تنذر بتحويل المقاومة إلى سلسلة من الشعور القومي ضد أمريكا، وهنا تتخذ مقاومة الإمبريالية لونا مختلفا قد يدفع أمريكا إلى إتباع تكتيكات أكثر قسرا وإكراها مما يحدث في العراق للحفاظ على موقعها المهيمن.
الخيارت:
تملك أمريكا قرارات أكبر من تلك التي كانت تملكها بريطانيا قبل قرن ، وذلك يساعدها على تحويل هيمنتها المتراجعة إلى هيمنة استغلالية، إلا إذا تكيفت أمريكا مع تلك القوة الاقتصادية الصاعدة في شرق آسيا للانتقال إلى نظام عالمي جديد دون كوارث، لأن تحول أمريكا نحو الإكراه بالقوة العسكرية للمحافظة على سيطرتها على موارد النفط محفوف بالمخاطر، وتستطيع أمريكا تفادي هذه المخاطر بإعادة توزيع الثروة وتوجيه رءوس الأموال نحو الإنتاج وتجديد البنى التحتية الطبيعية والاجتماعية مما سيؤدي إلى إعادة تنظيم العلاقات بين مختلف طبقات السلطة في أمريكا واستبدال الاستهلاك الخاص بمشاريع تتوجه نحو الرفاه العام، ويتطلب ذلك فرض ضرائب أعلى وتمويل العجز، وهذا ما ترفضه الطبقة المسيطرة في أمريكا، ومن الصعب أن تقبل أمريكا، سلميا، بانتقال مركز هيمنة القوة العالمية إلى آسيا، ولهذا تستعرض إدارة بوش عضلاتها العسكرية التي هي القوة المطلقة الوحيدة التي بقيت لها في محاولة منها لانتزاع الجزية من دول العالم تحت ذريعة تقديم الحرية والسلام للجميع، وتشكل السيطرة على المنابع النفطية الوسيلة المناسبة لمنع أي تحول في القوة الاقتصادية العسكرية يهدد الاقتصاد العالمي، لأن أوروبا واليابان وشرق وجنوب شرق آسيا يعتمدون على نفط الخليج، وهنا فكرت أمريكا في إسقاط كل من صدام حسين وشافيز والتوجه نحو إيران وتعزيز موقعها في تركيا وأوزبكستان لحفظ الاستقرار والسيطرة على احتياطي النفط في حوض بحر قزوين الذي تسعى الصين لشرائه.
تحاول أمريكا التخلي عن التحالفات الثابتة لأنها تقيد حريتها في الحركة، وتفضل عليها التحالفات المؤقتة حسب كل حالة بمفردها حتى تتحكم في العالم أجمع عن طريق الاحتفاظ بتفوق عسكري لا مثيل له ومنع ظهور منافسين جدد في العالم.
المهيمنون الإقليميون ونظراؤهم :
يشكل ظهور الاتحاد الأوروبي إمكانية ظهور منافس حقيقي للولايات المتحدة، وربما أصبح اليورو هو العملة المعتمدة بدلا من الدولار، وقد كان تحول صدام حسين من الدولار إلى اليورو سببا في تعجيل الإطاحة به، وعلى الرغم من عدم رغبة الولايات المتحدة في الاعتماد على التحالفات الثابتة، فإنها تحافظ على حلف الأطلسي، مع عدم جدواه، لإبقاء القوة العسكرية الأوروبية تحت سيطرتها مما يزيد من صعوبة جعل المنطق الإقليمي الأوروبي قوة عسكرية متماسكة.
وتغذي أمريكا التنافس بين دول الاتحاد الأوروبي من باب فرق تسد، وهذا يجعل من العسير ظهور إستراتيجية مشتركة في السياسة الخارجية أو في المجال العسكري، وهذا يجعل التحدي الحقيقي لدول شرق وجنوب شرق آسيا هو الخطر على أمريكا التي تعمل جاهدة للهيمنة على اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية لمنع قيام منطق إقليمي متماسك للقوة في هذه المنطقة، ومن هنا تفكر أمريكا في احتواء الصين من خلال سيطرة الأولى على نفط الشرق الأوسط، ولذلك فإن السيطرة على العراق لها مغزى أقوى وأعمق، فهو لا يشكل محاولة للسيطرة على صنبور النفط العالمي فقط بل يشكل رأس جسر عسكريا عظيم القوة تمده الولايات المتحدة نحو العالم" أوروبا وآسيا" إضافة إلى تحالفاتها التي تمتد من بولندا إلى دول البلقان بهدف تعطيل قيام أي قوة أوروبية آسيوية.
دافيد هارفي
عرض وتقديم: د . محمد أيوب
- 2 -
كيف تعاظمت قوة أمريكا
يؤكد دافيد هارفي على أن مصطلح الإمبريالية الرأسمالية يحتوي نقيضين هما: سياسة الدولة وسياسة الإمبراطورية مما يجعل من الإمبريالية عملية سياسية واقتصادية للسيطرة على رأس المال واستخدامه بحيث تقوم المؤسسات التي تديرها الدولة بدور كبير في تهيئة الأجواء لتراكم رأس المال، وعلى الرغم من الانفصال بين المنطق الإقليمي وبين المنطق الرأسمالي للقوة فإنهما يتداخلان بشكل معقد، ومع ذلك يقع الصدام بين المنطقين ليصل إلى درجة العداوة والحرب مما يكبح رأس المال بدلا من زيادة فرص تراكم الثروة، هنا يمكن أن يهيمن منطق الإقليم على منطق رأس المال أو العكس، ولعل ما يميز الإمبريالية الرأسمالية هو سيطرة المنطق الرأسمالي على الرغم من وجود أوقات تكون السيطرة فيها لمنطق الإقليم بحيث يحتاج تراكم الملكية بالضرورة إلى تراكم غير محدود للقوة، وهذا يمهد الطريق أمام ظهور الإمبريالية، وقد مر تحذير بول كيندي سنة 1990 من التوسع الكبير والامتداد الطويل دون أن يلتفت إليه أحد، فقد قال إن الولايات المتحدة تتهددها الأخطار بعد أن اتسعت قوتها سياسيا وعسكريا.
الهيمنة:
حدد المؤلف مفهوم الهيمنة في توعين:
1 – الهيمنة بالقبول: وهي تعني الهيمنة السياسية من خلال موافقة المحكوم في الدولة الواحدة، أو سيطرة دولة من خلال تفوقها الثقافي والمعنوي على مجموعة من الدول التي ترى في الدولة المهيمنة نموذجا يمكن الاقتداء به بهدف تحقيق نوع من التوازن مع الدولة المهيمنة والتقليل من قوتها وسلطتها وإفراغها من محتواها من خلال المنافسة للتقليل من خصوصية المهيمن( يمكن من وجهة نظري أن تكون المنافسة بين دول الاتحاد الأوربي والولايات المتحد أو بين منطقة جنوب شرق أسيا " اليابان وما حولها " مثالا على هذه المنافسة * )
2 – الهيمنة بالإكراه والقسر:
وذلك من خلال اللجوء إلى استخدام القوة العسكرية، وقد تكون هذه الهيمنة مزيجا من القبول والقسر.
ويفرق الكاتب بين نوعين من القوة هما: القوة التجميعية والتوزيعية التي تكون فيها المنافسة عاملا يحسن موقع المهيمن الذي ينتزع القوة من الآخرين أو يقود تحالفا إقليميا يحقق منافع أكبر للإقليم، ويمثل لذلك بنموذج الإوزة الطائرة الذي تقود فيه اليابان مجموعة من الدول الآسيوية، وقيادة التحالف الفرنسي الألماني لدول أوروبا وهو يشير إلى أن عملية توزيع القوة يلعب دورا في إعادة تنظيم الرأسمالية العالمية بصورة أقوى من العولمة ( وهذا يعني تهيئة الأجواء إلى مرحلة ما بعد العولمة ).
ولما كانت محصلة القوة التوزيعية صفرا فإن على الدولة المهيمنة أن توفر المكاسب المتبادلة والمنفعة للجميع لتكون المحصلة اكبر من الصفر، أو أن تعزز قوتها المشتركة في مواجهة الطبيعة من خلال إبداع وتطوير تقنيات جديدة وتنظيم البنية التحتية مثل شبكات الاتصال وهياكل القانون الدولي، ومن هنا فإن تزايد القوة الجماعية المشتركة يشكل القاعدة المتينة للهيمنة في النظام العالمي.
يشير المؤلف إلى أن تاريخ الولايات المتحدة حافل بالقسر والإرهاب سواء على المستوى الداخلي أو على المستوى الخارجي، ففي الداخل لجأت إلى القسوة في قتل زعماء الفهد الأسود وغيرها من الممارسات البشعة وأقامت في الخارج معسكرات الاعتقال في اليابان ودبرت الانقلابات في دول عديدة مما جعل كثيرا من الباحثين يصورون أمريكا على أنها أعظم دولة مارقة في العالم لأنها تملك سجلا أسود يثير الاشمئزاز.
وقد تلجأ أمريكا إلى القوة الاقتصادية لفرض هيمنتها على الدول الأخرى مثل فرض الحظر التجاري أو برامج التقشف التي يفرضها صندوق النقد الدولي، ومع ذلك نجد أن بعض النقاد لا يعترفون بأن القسر وتصفية العدو تشكل جزءا من أسس القوة الأمريكية ويرون أن هناك التعاون الذي منح أمريكا القدرة على أن تظل الدولة المهيمنة في العالم.
وقد وفرت الحرب الباردة المناخ الملائم لفرض الهيمنة الأمريكية، فقد وجد أصحاب الملكيات الخاصة أنفسهم مجبرين على التوحد ومساندة أمريكا التي تحميهم من خطر الاشتراكية الدولية والشيوعية، وقد أكد الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على قدسية الملكية الخاصة، وبانتهاء الحرب الباردة أصبح من الصعب تعريف الدور القيادي الأمريكي بعد زوال الخطر الشيوعي وانتهاء الحرب الباردة "ومن هنا أستطيع أن أفسر محاولات أمريكا لاصطناع فزاعات الإرهاب الإسلامي والخطر الصيني وخلق الذرائع لتمهيد الأجواء أمام حرب باردة جديدة تعيد لأمريكا مكانتها القيادية التي بدأت تضعف وتتضاءل * "
لقد أسهم تقليد أساليب الحياة الأمريكية إلى نمو النزعة الاستهلاكية مما أسهم في عملية تراكم رأس المال ماليا، ولكن هذا التقليد قد يؤدي إلى إلى منافسة حادة، ومن هنا يصبح المال والقدرة الإنتاجية والقوة العسكرية الأرجل الثلاثة التي تقف عليها الهيمنة في ظل الرأسمالية.
نشوء إمبريالية البرجوازية: 1870 – 1945
وقعت أحداث هزت كيان الدول الأوربية مثل قيام كوميونة باريس سنة 1871م وما نتج عن الحرب الأهلية الأمريكية من ظهور حركات عمالية مما جعل سلطة الطبقة الرأسمالية تسعى إلى وضع حواجز أمام فائض رأس الأموال الذي اضطر إلى الهجرة إلى الخارج ناشرا موجة من المضاربات الضخمة بعد سنة 1870م، وظهرت الحاجة لحماية هذه المشاريع وتنظيمها مما زاد الضغط على الدول كي تستجيب لهذا المنطق الرأسمالي، وعليه فقد عملت الطبقة البرجوازية التي وصلت إلى السلطة في أمريكا على توطيد سلطتها وزيادة قوتها السياسية في مواجهة الأشكال الطبقية القديمة عن طريق إذابتها " كما في النمسا وهنغاريا وتركيا " أو أن تحولها إلى منطق رأسمالي" بريطانيا" ، وقد لجأت البرجوازية إلى فكرة الأمة فنشأت الدولة الأمة في النصف الثاني من القرن التاسع عشر" ألمانيا وإيطاليا "، ولكي تستطيع مسألة التراكم الرأسمالي أن تجد الاستجابة الكافية لا بد من إثارة المشاعر الوطنية والقومية الشوفينية العنصرية وحشدها وراء المشروع الإمبريالي حتى تتمكن رءوس الأموال الوطنية من استلام زمام القيادة، وهذا يعني تعليق الصراع الطبقي وإنشاء تحالف بين الرعاع ورأس المال داخل الدولة الأمة، وهذا الأمر يبدو غير طبيعي من وجهة نظر الماركسية لأنه يؤدي إلى تجاهل مخاطر تقسيم البشر إلى أسياد وعبيد، وطبقات عليا وسفلى وبيض وملونين، غير أن التناقض بين القومية البرجوازية والإمبريالية لم يحسم في وقت ازدادت فيه الحاجة إلى إيجاد منافذ لفائض رأس المال، مما أدى إلى ازدياد الضغوط على كل دولة إمبريالية على حدة لتوسيع سيطرتها الجغرافية فكانت النتيجة صراعا بين الإمبرياليين امتد خمسين سنة، كما تنبأ لينين، وهذا أدى بدوره إلى تقسيم العالم إلى مناطق نفوذ شبه احتكارية وتقسيم الشرق الوسط إلى محميات بريطانية فرنسية، ومع ذلك عجزت هذه المظاهر عن التعاطي مع مشكلة فائض رأس المال وظهر الكساد الاقتصادي الكبير في الثلاثينيات قبيل الحرب الكونية الثانية.
كانت أمريكا تطور نوعا من الإمبريالية، فقد اندفعت بعد الحرب الأهلية نحو تنمية رأس المال لتصبح القوة التكنولوجية والاقتصادية المهيمنة في العالم، وكانت السلطة السياسية فيها تكرس الفردية والملكية الخاصة ونسب الأرباح، ولما كانت البلاد تتكون من أعراق مختلفة من الوافدين فقد أصبح من المستحيل نشوء قوميات عرقية فيها، وكان المجتمع الأمريكي يمتلك مساحات واسعة تتيح توسعا داخليا يستطيع فيه منطق رأس المال والمنطق السياسي للقوة أن يتحركا فيه بحرية، وحاولت نشر قيمها بخطاب جميل وصولا إلى فكرة العولمة، وقد استندت أمريكا إلى فكرة اصطناع خطر خارجي " الشيوعية قديما والإرهاب الإسلامي حديث" للمحافظة على تماسك المجتمع الأمريكي ووحدته.
الهيمنة الأمريكية بعد الحر الثانية 1945 – 1970
خرجت أمريكا من الحرب العالمية الثانية باعتبارها الدولة الأكثر هيمنة في العالم وأصبح الدولار أقوى عملة في العالم وجهازها العسكري أقوى جهاز في العالم، وقد فقد عدوها الوحيد "الاتحاد السوفييتي" أعدادا كبيرة من سكانه وانحسرت قوته العسكرية والصناعية بسبب الحرب لأنه تحمل وطأة القتال ضد النازية، وقد تآمرت أمريكا وبريطانيا على جعل روسيا تتحمل العبء الأكبر من الحرب، ولكن ذلك أدى إلى نتائج غير متوقعة فقد سيطر الروس على دول شرق أوروبا ورفضوا الخروج منها، وقد أنكرت أمريكا أهمية الجغرافيا في تكوين القوة الإمبريالية، وقد أكد لوتشه سنة 1941 أن التاريخ أوكل لأمريكا مهمة قيادة العالم وأن عليها أن تضطلع بهذا الدور، وقد آثر لوتشه الحديث عن القرن الأمريكي بدلا من الحديث عن الإمبراطورية الأمريكية، على اعتبار أن السيطرة الأمريكية على العالم هي النتيجة الطبيعية لمسيرة التاريخ، وقد ظهرت المكارثية في أمريكا بحجة محاربة الفكر الشيوعي وقمعت المعارضة الداخلية بحجة الحفاظ على الأمن الداخلي وتم دفع العمال إلى تملق رأس المال وبذلك تمكنت أمريكا من استغلال دعم الطبقة العاملة في مناهضة الشيوعية.
وفي السياسة الخارجية صورت أمريكا نفسها على أنها المدافع عن الحريات " الأسواق الحرة" والملكية الخاصة، وقدمت الحماية العسكرية والاقتصادية لطبقة أصحاب الأملاك وللنخب السياسية والعسكرية في العالم، وظهر تعريف سلبي للمملكة الأمريكية بالقول: إنها تضم كل شيء لا يدور في فلك الاتحاد السوفييتي بما فيه الصين، ولذلك استغلت كل الفرص لإضعافه؛ فدعمت المجاهدين الأفغان لتضطر فيما بعد لكبحهم من خلال حربها على الإرهاب، وقد استخدمت التحالفات العسكرية لمنع نشوب حرب بين الرأسماليين مثل حلف الناتو ومكافحة نفوذ روسيا والصين فيما بعد، كما لجأت إلى قلب أنظمة الحكم غير الموالية لها ودعم الأنظمة الموالية، كما لجأت إلى بناء نظام دولي مفتوح في مجال التجارة والتنمية الاقتصادية والتراكم السريع لرأس المال، وقد تطلب ذلك تفكيك الإمبراطوريات القائمة على نظام الدولة الأمة، وقد نتج عن القضاء على الاستعمار قيام دول جديدة تحكم نفسها بنفسها، وقد صاغت أمريكا علاقاتها مع هذه الدول بناء على خبرتها في التعامل مع دول أمريكا اللاتينية قبل الحرب متبعة في ذلك إقامة أنظمة عميلة والعلاقات الاقتصادية المميزة ومحاولة منع أي عمل مشترك بين هذه الدول، كما وضعت نظاما دوليا للتجارة والتنمية الاقتصادية بين تلك الدول الاقتصادية وفي داخل كل منها من خلال اتفاقية بريتون وودز لضمان الاستقرار المالي العالمي والتي ترافقت مع استحداث عدة مؤسسات كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي للتسويات في سويسرا وتشكيل عدد من المنظمات مثل الاتفاقية العامة للتجارة ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وقد تبنت أمريكا نظرية روستوف القائلة بالنمو الاقتصادي على مراحل لتشجيع الاستهلاك في كل بلد على حدة لإبعاد الخطر الشيوعي، وقد أدى تفكيك الإمبراطوريات إلى التخلي عن العنصرية بصورة رسمية على الرغم من استمرار وجودها في أمريكا، ومن هنا جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي يؤكد على الملكية الخاصة وحقوق الفرد بما يتناسب مع المرحلة الثانية من الحكم السياسي للبورجوازية، وهنا بدأ الترويج لتفوق الثقافة الأمريكية على القيم الأوروبية البالية، واستخدمت قوة المال للسيطرة على الإنتاج الثقافي وسرقت نيويورك فكرة الفن الحديث من باريس بحيث أصبحت الإمبريالية الثقافية السلاح الهام في مجال ترسيخ الهيمنة الكلية وتغذية الرغبة في تقليد النمط الأمريكي.
انتهت سنة 1970 المرحلة الثانية لحكم البرجوازية العالمي، وبانتهائها أرادت الولايات المتحد احتواء الشيوعية أو تدميرها، وقد جاءت التكاليف الهائلة لحرب فيتنام على حساب رفاه المواطن الأمريكي مما أدى إلى طباعة كميات كبرى من الدولارات مما أدى إلى التضخم في جميع أنحاء العالم " كما يحدث الآن بسبب الحرب على العراق" مما أدى إلى حدوث انفجار في كميات رأس المال الزائف في العالم المطروحة للتداول دون أية قيمة بالإضافة إلى موجة من الإفلاسات، وانهارت الترتيبات التي أسست التفوق الأمريكي بعد الحرب الثانية وتنامت قوة العمال وزاد الإنفاق الاجتماعي وتضاءلت الأرباح وأصيب الإنتاج بالركود وبرزت أزمة فرط تراكم رأس المال، ومما زاد الأمر سوءا ازدياد القوة التنافسية لألمانيا واليابان اللتان شكلتا تحديا وتفوقا على الهيمنة الأمريكية في الإنتاج، وهكذا ضعف موقع أمريكا الاقتصادي بعد أن غمرت الدولارات الفائضة العالم وانهارت البنية المالية التي أسستها اتفاقية بريتون وودز.
هيمنة الليبرالية الجديدة :
لم يعد الذهب يشكل القاعدة المادية لقيمة النقد، وقد استغلت أمريكا أزمة النفط في سنة 1973 للإضرار بدول أوروبا بعد أن استطاعت البنوك الأمريكية وليس البنك الدولي تدوير البترو دولار لتصبح نيويورك المركز المالي للاقتصاد العالمي، وقد شنت أمريكا هجوما على قوة العمال لإخماد دور المؤسسات العمالية في العملية السياسية حيث قضى ريغان على قوة نقابة حركة مراقبي النقل الجوي في رسالة موجهة إلى كل الحركة العمالية بأنها ستلقى المصير نفسه، وقد تدهورت قوة العمال وساءت أحوالهم.
وقد ثبت على الصعيد الدولي أن رأس المال النقدي كثير التقلب وعرضة للأضرار مما شكل مؤشرا على عجز مبكر يصيب استمرارية تراكم رأس المال عن طريق عمليات توسيع إعادة الإنتاج، وأصبح هناك خياران: أن تفتح مناطق جديدة للتراكم المربح لرأس المال ( مثل الصين) أو أن تبدأ جولة جديدة من خفض قيمة رأس المال، وقد كشف انفجار فقاعة المضاربات المالية عن ضعف أمريكا، وإما تخفيض القيمة، كما كشف الركود الاقتصادي الذي بدأ عام 2001 عن هذا الضعف قبل صدمة سبتمبر، بعد عقد من الوفرة في الاستهلاك، وتدهور ميزان المدفوعات داخل أمريكا، مما أدى إلى ضعف الاقتصاد الأمريكي وهروب رأس المال وانهيار قيمة الدولار، وتقوم البنوك المركزية في الصين واليابان وتايوان بمحاولة تغطية عجز الولايات المتحدة عن طريق الإقراض لتمول الاستهلاك الأمريكي الذي يشكل سوقا مهمة لإنتاج هذه البلدان، وتتعرض الهيمنة الأمريكية للخطر بسبب اعتمادها غير المتوازن على رأس المال النقدي الذي اتخذته أمريكا وسيلة لترسيخ هيمنتها، فقد قدر حجم الدعم النقدي لأمريكا سنة 2003م مبلغ 2،3 مليار دولار يوميا، مما يقتضي فرض إجراءات تقشفية يفرضها الينك الدولي لو حدث مثل هذا الأمر مع دولة أخرى غير أمريكا، وقد بدأت مقاومة هيمنة تحالف صندوق النقد الدولي و وول ستريت، وتشكلت حركة عالمية لمقاومة الهيمنة وتشكيل عولمة بديلة تعتمد على الشعوب والحركات الشعبية المضادة لهيمنة أمريكا والتي كانت تابعة لها إلى وقت قريب وبخاصة في آسيا " كوريا الجنوبية " وفي أمريكا اللاتينية تنذر بتحويل المقاومة إلى سلسلة من الشعور القومي ضد أمريكا، وهنا تتخذ مقاومة الإمبريالية لونا مختلفا قد يدفع أمريكا إلى إتباع تكتيكات أكثر قسرا وإكراها مما يحدث في العراق للحفاظ على موقعها المهيمن.
الخيارت:
تملك أمريكا قرارات أكبر من تلك التي كانت تملكها بريطانيا قبل قرن ، وذلك يساعدها على تحويل هيمنتها المتراجعة إلى هيمنة استغلالية، إلا إذا تكيفت أمريكا مع تلك القوة الاقتصادية الصاعدة في شرق آسيا للانتقال إلى نظام عالمي جديد دون كوارث، لأن تحول أمريكا نحو الإكراه بالقوة العسكرية للمحافظة على سيطرتها على موارد النفط محفوف بالمخاطر، وتستطيع أمريكا تفادي هذه المخاطر بإعادة توزيع الثروة وتوجيه رءوس الأموال نحو الإنتاج وتجديد البنى التحتية الطبيعية والاجتماعية مما سيؤدي إلى إعادة تنظيم العلاقات بين مختلف طبقات السلطة في أمريكا واستبدال الاستهلاك الخاص بمشاريع تتوجه نحو الرفاه العام، ويتطلب ذلك فرض ضرائب أعلى وتمويل العجز، وهذا ما ترفضه الطبقة المسيطرة في أمريكا، ومن الصعب أن تقبل أمريكا، سلميا، بانتقال مركز هيمنة القوة العالمية إلى آسيا، ولهذا تستعرض إدارة بوش عضلاتها العسكرية التي هي القوة المطلقة الوحيدة التي بقيت لها في محاولة منها لانتزاع الجزية من دول العالم تحت ذريعة تقديم الحرية والسلام للجميع، وتشكل السيطرة على المنابع النفطية الوسيلة المناسبة لمنع أي تحول في القوة الاقتصادية العسكرية يهدد الاقتصاد العالمي، لأن أوروبا واليابان وشرق وجنوب شرق آسيا يعتمدون على نفط الخليج، وهنا فكرت أمريكا في إسقاط كل من صدام حسين وشافيز والتوجه نحو إيران وتعزيز موقعها في تركيا وأوزبكستان لحفظ الاستقرار والسيطرة على احتياطي النفط في حوض بحر قزوين الذي تسعى الصين لشرائه.
تحاول أمريكا التخلي عن التحالفات الثابتة لأنها تقيد حريتها في الحركة، وتفضل عليها التحالفات المؤقتة حسب كل حالة بمفردها حتى تتحكم في العالم أجمع عن طريق الاحتفاظ بتفوق عسكري لا مثيل له ومنع ظهور منافسين جدد في العالم.
المهيمنون الإقليميون ونظراؤهم :
يشكل ظهور الاتحاد الأوروبي إمكانية ظهور منافس حقيقي للولايات المتحدة، وربما أصبح اليورو هو العملة المعتمدة بدلا من الدولار، وقد كان تحول صدام حسين من الدولار إلى اليورو سببا في تعجيل الإطاحة به، وعلى الرغم من عدم رغبة الولايات المتحدة في الاعتماد على التحالفات الثابتة، فإنها تحافظ على حلف الأطلسي، مع عدم جدواه، لإبقاء القوة العسكرية الأوروبية تحت سيطرتها مما يزيد من صعوبة جعل المنطق الإقليمي الأوروبي قوة عسكرية متماسكة.
وتغذي أمريكا التنافس بين دول الاتحاد الأوروبي من باب فرق تسد، وهذا يجعل من العسير ظهور إستراتيجية مشتركة في السياسة الخارجية أو في المجال العسكري، وهذا يجعل التحدي الحقيقي لدول شرق وجنوب شرق آسيا هو الخطر على أمريكا التي تعمل جاهدة للهيمنة على اليابان وتايوان وكوريا الجنوبية لمنع قيام منطق إقليمي متماسك للقوة في هذه المنطقة، ومن هنا تفكر أمريكا في احتواء الصين من خلال سيطرة الأولى على نفط الشرق الأوسط، ولذلك فإن السيطرة على العراق لها مغزى أقوى وأعمق، فهو لا يشكل محاولة للسيطرة على صنبور النفط العالمي فقط بل يشكل رأس جسر عسكريا عظيم القوة تمده الولايات المتحدة نحو العالم" أوروبا وآسيا" إضافة إلى تحالفاتها التي تمتد من بولندا إلى دول البلقان بهدف تعطيل قيام أي قوة أوروبية آسيوية.