لفتني هذا المقال وأثّر بي لأسباب :
1- أولاً كشفَ جانباً من حياة مايكل أنجلو لم أكن أعرفه من قبل ، فكل ما درسناه عنه وقرأناه كان حول عظمته كفنّان ، مثّال ورسّام ، وكفى .
2- قدّم رحلةً إنسانيّة إيمانيّة جديرة بالتأمّل والتفكّر .
3- حكى قصّة حبّ واقعيّة غريبة وطريفة ، رسم من خلالها نموذجاً مميّزاً للحب والوفاء .
4- الأسلوب الأدبيّ الراقي الذي كُتب به هذا المقال .
أرجو لكم قراءة ممتعة ومفيدة
مايكل أنجلو
كان المثّال والمُصور والشاعر الإيطاليّ مايكل أنجلو الذي ولد عام 1475 م عبقريّاً فذّاً في أعماله الفنيّة الخالدة ، وفي حياته اليوميّة الصابرة المُجاهدة ، وفي غرامه الفاجع المثاليّ العظيم . وهذه قصّة حياته وحبّه مُستخلصة من اعترافاتٍ كانَ قد أدلى بها إلى صديق له . يقول مايكل أنجلو :
( شعرتُ منذ حداثتي أن المجتمع عدوّي ، وأنّ في العزلة خلاصي ، وفي التأمّل الطويل غذاء لعقلي وصفاء لروحي وحفزاً لقواي الفكريّة الخالقة . ولم أكن قد أولعتُ بالنحت والتصوير فحسب ، بل بالشعر والأدب أيضاً ، وشتّى ألوان الجمال التي افتنّ الخيالُ البشريّ في إبداعها . وهكذا حرمتُ نفسي من لذاذات الصبا وعكفتُ على الدرس والتحصيل ، والعمل والإنتاج واهباً حياتي من أجل فنّي ، مُنقطعاً في سبيله عن العالم . آثرتُ ظُلمةَ بيتي الضيّق الموحش على فسحات الوجود وأضوائه الساطعة ، فرماني أصحابي بالغرور والتكبّر ، وأعرضَ عنّي البعضُ منهم ، وأشفق البعضُ الآخر أن تذهبَ أجملُ أيام شبابي سعياً وراءَ خيالاتٍ وأوهام . كانوا يظنونني شقيّاً ، ولكنني كنتُ أسعدَ الناسِ . كنتُ سعيداً بالفكر والفن والأدب والشعر ، أنظم القصائدَ وأصوّر وأنحت بعزم الجبابرة ، فيخلبني فيضُ القوة المتفق منّي فأحسّ بنبوغي وتفوّقي ، فيُجدّد هذا الإحساسُ إيماني بنفسي ، وبالمستقبل الرائع المرصود في لوح القدر لي .
تتلمذتُ على المصوّر " جيرلندايو " ثم على النحات " برتولدو " فملكتُ ناصيةَ الفنّ فأعجبَ بي الأمير " لورنزو دي ميدتشي " واستشعر عبقريّتي ، وأبى إلاّ أن تكتملَ هذه العبقريّةُ وتنضجَ على يده . وكانَ الأميرُ شاعراً وعالماً ومن هواة ثقافة الإغريق . فرحّب بي وفتح لي أبواب قصره ، وقدّمني إلى أفراد أسرته وإلى الصفوة المختارة من مُريديه . فاتصلتُ هناكَ بأعاظم رجال فلورنسا ، واستمعتُ لأحاديثهم ، وتشربتُ روحهم الوثنيّة الإغريقيّة التي كانت لا تؤمن إلا بالعقل البشري ، والتي كنتُ أعتقد إذ ذاكَ أنّها المثلُ الأعلى . واستولى عليّ سحرُ الترف ، وجذبتني فتنةُ الحواسّ ، فأقبلتُ على الحياة أعبّ في ملذّاتها ، وأثأرُ منها لشبابي المحروم ، وكانت فترةَ استمتاع ونشوة ، تحدّيتُ فيها القدرَ أنْ يعترضَ مشيئتي ، أو يُضعف من عقلي ، أو يكسر من شرة حواسّي ، أو يسلبني ولو جزءاً بسيطاً من قوّتي ، هذه القوّة الغاشمة التي أبرزتُها وسجلتُها في تماثيلي الأولى كـ " الحب الراقد " و " هرقــل " و " داود " و " كوبيدون " . على أنّ إمعاني في الشهوة والتمتّع هو الذي نفّرني من نفسي وأيقظني ، فعفتُ النساء ، وبرمتُ بالملذّات ، وطفقتُ على دهَش منّي أبحثُ عمّا يكمنُ خلفَ مُغريات الحسّ الباطلة من كامل مُطلق إلهيّ ... وأخذتُ أطالعُ " الكوميديا الإلهيّة " للشاعر "دانتي " وأقضي الليلَ ساهِراً أقرأ في الكتب المقدّسة ، وصرخات الأنبياء والمرسلين تُدوّي في أذني ، وتحثّني على تحرير روحي من ربقة جسدي ، ولكني برغم تفتّح عقلي على الشعور الدينيّ لم ينفذ الإيمانُ الخالِصُ إلى أعماقِ قلبي ، فلا الرحمة ولا المحبّةُ ولا الصّفحُ ولا الرقّةُ ولا الحنانُ استطاعتْ أن تتمكّنَ منّي ، وتكبحَ عناصرَ القوّة المضطرمة في كياني . كنتُ أؤمن بالطبيعة الجبّارة فقط ، بالطبيعة التي تطلب إلى الإنسان أ ن يكون قويّاً ، وتأبى أن تُشفق عليه إذا لم يكن قويّاً ، بل وتحثّهُ على القوّة حتى ولو كانَ ظالماً ! هذا الإيمانُ الغاشم الأعمى الذي أسرفتُ فيه إسرافاً تفجر من فرط إحساسي بقيمة فكري وعظمة الأعمال الفنيّة التي ابتدعها خيالي ولّدَ فيّ على مرّ الزمن ضرباً من الكبرياء الجامدة الباردة المترفّعة ، ألقتْ في روعي أنّي أعظمُ من الناس طُرّاً ، بل أعظم من جميع عباقرة عصري ، فاحتقرتُ الناسَ واحتقرتُ العصرَ كلّه ، وارتددتُ إلى غياهبِ وحدتي ، وفي نفسي عزّة شامخة قاسية لم أقوَ أبداً على قهرِها أو تلطيفها . وزادَ في عزلتي وكِبري إمعاني في الخلق والإبداع وانصرافي إلى تجميل ذلك المُصلّى الذي شيّده في الفاتيكان البابا " سيكستوس " الرابع ، مُصلّى " سيكستين " حيثُ تجلّتْ عبقريّتي ، وحيثُ أمضيتُ خمسَ سنواتٍ أرسمُ وأنقشُ على قبّة الهيكل نشوءَ العالَم كما جاء في سِفر التكوين ، وأمثّلُ فوضى الطبيعة وهي خارجةٌ من صُلب الظلام إلى نور الحياة الساطع . ولقد عشتُ مُعظمَ هذه السنوات مشدوداً إلى حبل متطلّعاً إلى قبّة الهيكل ، غائباً عن وعيي تائهاً في فنّي أحاول أن أخالسَ روح الله وأندمجَ في الملأ الأعلى . ولكني ما إن هبطت إلى الأرض حتى افتقدتُ نفسي فلم أجدْها كأنّ الحياة قد أفلتت منّي ، وكأنّ شبابي قد ضاع في غمرة عملي وكأنّ أيسر متعة في هذه الدنيا لم تصبح من نصيبي ولا من حقّي ، فغشيتني كآبةٌ ساهمةٌ آسفةٌ مستعصية ، فارتميتُ مرة أخرى في عزلتي ، ورحت أكتبُ في مذكراتي :
" ليس لي صديق ولا حبيب ، أنا وحيد على الدوام ، ولن أجدَ أبداً مَن أخاطبه ! "
وأحسستُ بما يُحسّ به كلّ بطل بعدَ المعركة ، أحسستُ تلك الرغبة المُلحّة في أنْ أريحَ رأسي على صدرِ مُحبٍّ ومحبوب . وكنتُ وحيداً إلا من أحلامي ، خاوي القلب إلاّ من لهفتي على امرأة تُحبّني وتستطيع أن تملأ فراغَ وجداني . على أنّي كنتُ من جرّاء استغراقي في عملي وتغلّبي على صعوبات فنّي وإخضاع تلك الصعوبات المتعاقبة لمشيئتي وسُلطاني ، لا أتصوّر أنّ في مقدوري أن أقنع بحبّ امرأة أقلّ عظمة منّي ، امرأة أراها تتقلّب وتتلوّن وتعبث وتمكر كمعظم النساء . لهذا آثرتُ أن أكبحَ عواطفي وأخنق نداء الجنس في بدني وأهذّب ما استطعتُ ميولي وأهوائي ، وأتجه بها نحو خدمة الفن وحده . وهكذا عشتُ أكثر من ثلاثين سنة لم أقرب فيها امرأة ، حتى عرفتُ " فيتوريا كولونا " فصحوتُ فجأةً ورأيتُ في عينيها وجهَ الدنيا .
لم تكن فيتوريا كولونا امرأة بل كانت نصف إلهة ! كانت أديبة وشاعرة ، رائعة الحُسن ، نبيلة النفس ، موفورة الثقافة ، لا حدّة في غرائزها ولا عُنف في طبعها ، ولا جُموحَ في تفكيرها بل رصانة هادئة واثقة مطمئنة تنبع من أعصاب سليمة ، وعقل راجح ، وضمير حيّ نقيّ . وكانت قد اقترنت وهي في التاسعة عشرة من عمرها بالمركيز ( بسكارا ) الذي أحبته أعمق حب وأكمله والذي قتل في ساحة الحرب بعد أن هزم الملك فرانسوا الأول . بيدَ أنّ زوجها هذا الذي عقدت على حبّه كلّ آمالها ورصدت على إسعاده جهد حياتها ، تُنكر لها بعدَ بضعة أعوام من زواجها ، وأعرضَ عنها ثم انغمسَ في حمأة الفسق والفجور ، متّخذاً من الخمر والميسر والنساء والقتال غاية لحياته المستهترة المتكبّرة .
ومع ذلك فقد ظلت " فيتوريا كولونا " وفية له ، تُحبّه أعظمَ الحب برغم عبثه وفُجوره ولا تُفكّرُ لحظةً في احتمال التطلع إلى رجلٍ سِواه ، فلمّا بلغها نبأ مصرعه تلقّت الصدمةَ برباطة جأشٍ خارقة ، ولم تتحوّل ، لم يتبدّلْ حبّها ، لم تفترْ عواطفُها ، لم تتسلل إلى قلبها أية ومضة من حقد ، أو بارقة من رغبة في انتقام . أحبت زوجها بعد موته أكثر ألف مرة مما أحبّته وهو حيّ . أرادت أن تكونَ إلى الأبد له وحده ؛ فأمعنتْ في ذكره ، وأمعنت في حبّه ، وأمعنتْ في بعثه وتصوّره ، فألهبتْ اللوعةُ عواطفَها ، فانطوتْ على حبّها ، واستمسكتْ به ، ووقفتْ عليه البقيّةَ الباقيةَ من حياتها . ومضتْ تقرضُ الشعرَ تتغنّى فيه بذكرى زوجها ، وتذود به عن طُهرها وعفافها ، وتحمي باتقادِ عاطفته حرمة حبّها .
وهذه إحدى قصائد فيتوريا الخالدة في تمجيد ذكرى زوجها :
" لقد طوّقني حبُّ زوجي بشعلته النبيلة التي ليسَ في وسع الزمن أن يُخمدها .. إنّ قلبي لَمُفعَمٌ بحرارة واحدة . إنّ قلبي ليحتقرُ كلّ قَيْدٍ ما خلا هذا . لم يعُدْ لي من أملٍ في هذه الدنيا غيرُ عبادة الذكرى . أنا لا أخشى شيئاً ، ففؤادي يحترق بنار أحبّها ولا أفتأ أضرمها بكلتا يديّ "
والحقّ أنّ فيتوريا كولونا كانت تحمل حبّها لزوجها على جبينها المُقنّعَ كشِعارٍ تفخر به ، وكانت تخطر في الحياة مهيبة وساكنة ، حزينة وباسمة ، مرسلة على كتفيها الناصعتين جدائلَ شعرها المموج المشوّش ، شاخصة بعينيْها إلى السماء ، عاصبة جبينها بمنديلٍ حريريّ أسود ينمّ عن حدادها الأبديّ ، تبرقُ في وسطه نجمةً صغيرةً من اللؤلؤ صافية كروحها ، متوهّجةً كفكرِها الثابت الحالم المأخوذ ..
****
والتقيتُ أنا بها في روما ذات صباح ، وكنتُ في الحادية والستين من عمري ، وكانت هي قد بلغت السادسة والأربعين . وراعني منها ذلك الجمال المتصوح الساحر المقترن بصفاء العقل ونُبل الثقافة واتّقاد الخيال . فأحسستُ فجأةً أنّ ما قد طالما حلمتُ به من كمال في الجسم وكمال في الروح هو الآن حيّ يترقرق من هاتين العينين الوسنانتين التائهتين ، ومن هذا الجسد الأهيف المُجنّح المتّسق البديع . وفي مثل وقعِ الصاعقة تحلّلَ كِبْري ، وذابتْ قسوتي ، وانخلعَ قلبي ، ثم تفتحت ينابيعُ روحي ، وزايلتني كآبتي المستعصية ، وأذعنْتُ وأحببتُ .. وكنتُ شَيْخاً كلّلَ الشيبُ هامتَهُ ؛ فاستشعرتُ الخجلَ العميقَ من نفسي ، والخجلَ العميقَ من هوىً طائشٍ مشبوبٍ يرجع بي إلى طور حداثتي وجنوني ، فهممتُ بطرْدِ هذا الحبّ عنّي ، وخنقه في صدري وقتله في غياهبِ عُزلتي ، ولكن مرأى فيتوريا كولونا كانَ يهتاجُ أعصابي ، ويُجلد دمي ويبعثُ فيّ أوهامَ المراهقة وأحلام الشباب .
أجل ، كانت الطبيعةُ تُنكّلُ بي في كلّ ساعةٍ أخلو فيها بنفسي ، كانت قواي لا تلبث أن تنشط وتتحفّز وتُغريني ، حتى تصرعها الشيخوخة الغادرة المتمشّية في تضاعيف عُروقي ودمي . وكنتُ قد أرهقت بدني عملاً مُتواصلاً ، فلم يعد في مقدوره أن يستجيبَ لندائي ، ولم يكن لي بد مع ذلك من أن أحبّ ، وأن أحتملَ هذا الحب ، وأن أعيشَ من اجله ، وأن أمنحه كلّ خفقةٍ من قلبي ، وكلّ شُعاعٍ من نور يُمكن أن يجود به القدرُ عليّ في مغرب حياتي ، فامتثلتُ لحظّي وطفقتُ أ ُشربُ هذا الحبَ كياني ، وأبدعه بفكري ، وأجسّمه بتصوّري ، وأحاولُ وأنا أضرمُ شُعلتَهُ في صدري أنْ ألهبَ نارَهُ أيضاً في قلب فيتوريا كولونا ، ولكنّ المرأة الشامخةَ ، المرأة العاتيةَ ، المرأة التي تعيشُ في جوفِ الأبد وبهْرة الذكرى ، أشفقتْ عليّ فقط ، فازدادَ كمَدي وازدادَ يأسي ، وتمنّيتُ على الله لو أنّ موتاً طارِئاً يُعّجلُ بي ويُنقذني .. وأحسستُ غَيْرةً مُروّعة من الميّت ، من الشبَح ، من الطيفِ القويّ المرهوب الذي كان ما يفتأ يحومُ حول حبيبتي ويسلبها منّي فكرهتُها ، ثم عدتُ فعشقتُها ، أقرضُ مثلَها الشعرَ أحاولُ أن أفرّجَ به عن نفسي وأن أحبّ فيه فيتوريا كمخلوقٍ عزيزٍ المنال ، علويّ سماويّ أثيريّ تعالى عن كلّ دَنَس ..
وبرّح بي هذا الحب وأذلّني في رجولتي .. ولكنني صارعتُ البقيّةَ الباقيةَ من هذه الرجولة الحيْوانيّة وصرعتُها . وما زلتُ بعقلي أروّضه على العِشق الوجدانيّ المجرّد ، وبجسدي أسومه شتّى ضروب الحرمان حتى أشرق ذهني ، وصَفَتْ روحي ، وتفوّقتُ شيئاً فشيئاً على ذاتي الأرضية الفانية ، وأصبحتُ خليقاً لا بالتطلّع إلى الله الذي كان لم يزلْ بعيداً عنّي ، بل بالتطلّعِ إلى ذلك الجوّ السماويّ الرائع الذي كانت تسبحُ فيه فيتوريا كولونا ..
وأحبّتني المرأةُ عندئذٍ وعطفت عليّ ، ولكنها أحبتني كوالدٍ وشقيقٍ وصديق ، فرضيتُ بهذا الحبّ مُختاراً ، ولم أعد أشعر بوجود جسدي ، سَموْتُ وارتقيتُ وحلّقتُ واندمجتُ في حبيبتي اندماجاً رُوحيّاً عميقاً ، خالستُ فيه لأول مرة نعيماً لم أشعرْ بمثله عمري . أجل .. كنتُ أشبهَ بملاكٍ هامَ حُبّاً بملاك . فأردتُ تحتَ تأثير فيتوريا أن أضاعفَ أيضاً قوّتي وسعادتي ، وأن أستكملَ جوانب نبوغي وعبقريّتي ، وأن أتفوّقَ في الأدبِ كما تفوقتُ في الرسم والنحْتِ فانطلقتُ أنافسُ حبيبتي في قرْضِ الشعرِ وأبعثُ إليها بقصائدَ أصبّ فيها عُصارة مُستقطرة من خالص قلبي ودمي . وكانت الأيامُ تجري ، كأنْ لا وقتَ ولا زمنَ ، ولا ليلَ ولا نهار ! وفجأةً تكاثفتْ سمائي وتبدّدَ حُلمي ، وغمرَ الكونَ كلّه ليلٌ لمْ يعقبه نهارٌ . أصيبتْ فيتوريا الإلهية بمرضٍ عُضال وماتتْ .. ماتت في أقلّ من ثلاثة أيام ، ماتت هي وبقيتُ أنا .. أنا الشيخ المُحطّم المُشرّد الوحيد ، فتاهَ عقلي ، وطافتْ بي فكرةُ الانتحار ، ثمّ ملكتني واستغرقتني ..نعم أردتُ أن أموتَ .. بل أردتُ أن تُعذّبني قوّةٌ فاتكةٌ هائلةٌ قبلَ أنْ أموت ، وأنْ تُقطّعَني هذه القوّةُ إرْباً وأنا أرى نفسي أموت ! ولكن كلّ هذه الرغبات كانت – ويا للحسرة – مجرّد أحلام ! لم أستطع أنْ أقتل نفسي ، لم أستطع أن أتصوّرَ أنّي قد انسلختُ عن عقلي الذي أمثّلُ به في فسحة خيالي صورة فيتوريا .. فأردتُ أن أعيشَ لأرى هذه الصورة ، لأنعمَ أيضاً بها .. لأخدعَ الواقعَ المشؤوم وأتخيّل أنها ما تزال هنا .. أمامي .. على ملقى اللهفة منّي ، تنبض وتختلج قوةً وحرارةً وحياةً !
بيدَ أنّ الصورة الوهميّةَ لم تنقع غلّتي .. فأردتُ أن أرسمَها ، أنْ أخلّدها ، فحاولتُ جاهِداً مُستميتاً ورسمتُ من وحيِ خيالي عدّة صورٍ لفيتوريا ، ثم صُغتُ لها أربعةَ تمائيل ، ولكنّ الفنّ الذي كان بالأمسِ عبْدي وكنتُ قد أخضعتُهُ لمشيئتي ، خانني لأوّل مرّة ، واستعصى عليّ وهزئ منّي .. لم أستطع أن أبدعَ من هيكل فيتوريا عملاً فنّيّاً كاملاً يُرضيني .. كنتُ كُلّما رسمتُ لها صورةً أوْ صُغتُ تمثالاً ، أرى في الصورة والتمثال جسدها فقط وجمالها الإنسانيّ فقط . أمّا تلكَ اللمحة الأثيريّة الإلهيّة التي كانت تشعّ من عينيْها ، فقد كنتُ عاجِزاً كلّ العجز عن تأديتها كنتُ مشلولاً أمامها ..كنتُ كإنسانٍ ملوّثٍ بطينِ الأرضِ يُحاول عبثاً أنْ يشقّ حجبَ ظلامه وأنْ ينفذ إلى جوهر السماء ..
وهكذا اشتدت حيرتي ، واشتدّ جنوني ، فمزّقتُ الصور ، وحطّمتُ التماثيل ، وانطلقتُ في الحياة كالطيفِ الشارد ، أنظم الشعرَ يائساً مُستصرِخاً ، وأحملُ ذكرى فيتوريا في عقلي وهيكلها في قلبي ونبضَها في جسدي ودمي ، ولا أعرفُ أينَ ألتمسُ الراحةَ والمستقَر ، وأينَ أجدُ العزاء والسلوى . وفي ذات مساء ، وقد برّح بي الهمّ والعذاب ، أردتُ أنْ أرفّهَ عنْ نفسي ، فدخلتُ حانةً من تلك الحانات القصيّة الوضيعة التي يغشاها حُثالة الدهماء ونفاياتُ الغواني وارتميتُ على مقعدٍ وطلبتُ خمراً .. أجل شربتُ ولهوتُ وعربدتُ ، ولكني وأنا أجرعُ الخمرَ ، وأضحكُ وأهذي ، وأداعبُ الغانياتِ وأوشكُ أنْ أذوب وأضمحلّ بين ذراعَيْ الرذيلة والإثم ، أبرقَ فجأةً ذهني ، واتّقدتْ روحي ، واندفقَ في كياني كلّه سيلٌ غامِرٌ من نور ، فوَجَمتُ وذُهِلْتُ وسرعان ما تركتُ الحانةَ ، وهُرعتُ إلى بيتي ، وتناولتُ ورقاً وقلماً ، ونظمتُ هذا القصيدَ .. وكانَ هذا القصيدُ هو الذي مثّلْتُ فيه تحوّلي ، وسجّلتُ بينَ سطوره تلك الساعة المُقدّسةَ المُباركة التي فصلت في مصير حُبّي وحياتي ، وهذا ما نظمتُ :
" أينَ أنا ؟ ... أنا في بيت الخطيئة ، وهذه هي الخمر ، الخمر المُبدعة ، تبرق أمامي كالأمل وتسطع كالعَزاء .. وهذا هو رهط الغانيات الفاجرات يُقهقهن في فرح ، ويربن في جشع ويرقصن في جنون ، كأنما قد احتواهنّ من فرط الهَوَس والطرب شبهُ إعصار ! .. وأنا .. أنا أبحثُ عن عقلي فيفرّ منّي ، وأصرخُ مُنادياً إرادتي فلا يُجيبني سوى الزئير .. زئيرُ دعوة الحيوان للحيوان ، مقروناً بجلجلة البغايا ورنين الكؤوس ! .. ما أحوجني إلى نسمة ربيعيّةٍ ترفّ عليّ وتحملني كالجناح .. ما أحوجني إلى مياه مُطهّرة وزنابق مُعتزّة بيضاء كأطياف ملائكة أبرار ! ... الغواني يتقدمن صَوْبي ، ويسخرن منّي ، ويرقصن حولي ، ويُقدّمنَ لي الكؤوسَ مُترعةً ، ومُشعشعة بسنا الشعاع المُتطاير من ضحكاتهنّ القاصفة ، ومن عيونهنّ الداعية الوسنانة السكرى . . يا لأجسادهنّ المتثنيّة كالأغصان ، المتموّجة كالألحان ، المتلويّة كالأراقم ! .. إنّي لأوشكُ أن أمدّ في نشوةٍ عنقي ، وأمدّ في ترسّلٍ بصري ، وأمدّ في جرأةٍ فمي وشفتي ! ما أحوجني إلى طوقٍ يغلّ عنقي ، وغشاوةٍ تعمي بصري ، وموتٍ جارفٍ باردٍ يختم على فمي وشفتي ! .. وا أسفاه ، الضعف يأخذني ، والشهوة تسحقني ، والخمر تغمرني والغواني الفاجراتُ ، كأزهارٍ من نارٍ ، يتهاوَيْنَ مشتعلاتٍ بين ذراعيّ ! ..أوّاهُ ، لقد خنتُ فيتوريا وتدهورتُ وســقطتُ ، فأيـنَ المفرّ ، أيـنَ الخلاصُ ؟! ....... إنّ صوتَ الفنّ يقول لي : " لاخلاصَ إلاّ في التسليم والانتحار .. " وروحُ الله تهتفُ في أذني : " لا نجاة إلاّ في كمالي الخالد السّرمدي .. " وها أنذا ، ولأوّل مرّةٍ في حياتي ، أفتحُ بالرغم منّي جميعَ خلايا ذهني وجسدي وأنصتُ إلى روح الله الذي كنتُ قدْ شُغلتُ عنه بأنانيتي وكِبْري .. إنّه لينسابُ في عروقي كالماء القَراح ، ويُدوّي في سَمْعي كلحن النّقاهةِ وفرح الشّفاء .. فأقبلْ عليّ يا ألله ولا تتركني .. كنتُ قد نسيتكَ يا ألله ، في حين أنّكَ كنتَ منذ الأبد بجواري .. فأشرقْ من ضباب روحي وأنرْني ، انبثقْ من ظلماتِ طفولتي وخلّصْني ، فأنتَ وحدكَ الذي يُمكن أن تجمعني بحبيبتي في رِحابِ جنّتكَ الطاهرة وتُنقذني ! .. وها أنذا أنسلّ من ماخور جسدي وأتبعُكَ .. لقد لمحتُك .. لقد عرفتُكَ .. لقد لمستُ بيدي الآثمة طرف ثوبكَ يا ألله فَخُذْني ..
****
فتطلّعتُ إليهِ وهو مالئ فكري وكياني ، وأيقنتُ .. أيقنتُ لأنّي آمنتُ .. أيقنتُ أنْ لا بُدّ من بعثٍ بعدَ هذه الدنيا ، ولابدّ من خُلود . أيقنتُ أنّي سأرى بعدَ موتي فيتوريا ، وسأخلد بعدَ موتي في صُحبة فيتوريا ، وسأجلسُ بعدَ موتي أنا وفيتوريا مُتعانقيْن عناقَ الزنابقِ تحتَ أقدام عرشِ الله
وزايلني كلّ قلقٍ وهمّ وعذابٍ .. فخرجتُ من بيتي ، ودخلتُ إحدى الكنائسِ ، وارتميتُ ملهوفاً على الأرض ، وشرعتُ أصلّي .. ) .
-----------------------------------------------------------------------------------------
إبراهيم المصري - سلسلة ( اقرأ ) – عشرة من الخالدين – دار المعارف بمصر
1- أولاً كشفَ جانباً من حياة مايكل أنجلو لم أكن أعرفه من قبل ، فكل ما درسناه عنه وقرأناه كان حول عظمته كفنّان ، مثّال ورسّام ، وكفى .
2- قدّم رحلةً إنسانيّة إيمانيّة جديرة بالتأمّل والتفكّر .
3- حكى قصّة حبّ واقعيّة غريبة وطريفة ، رسم من خلالها نموذجاً مميّزاً للحب والوفاء .
4- الأسلوب الأدبيّ الراقي الذي كُتب به هذا المقال .
أرجو لكم قراءة ممتعة ومفيدة
مايكل أنجلو
كان المثّال والمُصور والشاعر الإيطاليّ مايكل أنجلو الذي ولد عام 1475 م عبقريّاً فذّاً في أعماله الفنيّة الخالدة ، وفي حياته اليوميّة الصابرة المُجاهدة ، وفي غرامه الفاجع المثاليّ العظيم . وهذه قصّة حياته وحبّه مُستخلصة من اعترافاتٍ كانَ قد أدلى بها إلى صديق له . يقول مايكل أنجلو :
( شعرتُ منذ حداثتي أن المجتمع عدوّي ، وأنّ في العزلة خلاصي ، وفي التأمّل الطويل غذاء لعقلي وصفاء لروحي وحفزاً لقواي الفكريّة الخالقة . ولم أكن قد أولعتُ بالنحت والتصوير فحسب ، بل بالشعر والأدب أيضاً ، وشتّى ألوان الجمال التي افتنّ الخيالُ البشريّ في إبداعها . وهكذا حرمتُ نفسي من لذاذات الصبا وعكفتُ على الدرس والتحصيل ، والعمل والإنتاج واهباً حياتي من أجل فنّي ، مُنقطعاً في سبيله عن العالم . آثرتُ ظُلمةَ بيتي الضيّق الموحش على فسحات الوجود وأضوائه الساطعة ، فرماني أصحابي بالغرور والتكبّر ، وأعرضَ عنّي البعضُ منهم ، وأشفق البعضُ الآخر أن تذهبَ أجملُ أيام شبابي سعياً وراءَ خيالاتٍ وأوهام . كانوا يظنونني شقيّاً ، ولكنني كنتُ أسعدَ الناسِ . كنتُ سعيداً بالفكر والفن والأدب والشعر ، أنظم القصائدَ وأصوّر وأنحت بعزم الجبابرة ، فيخلبني فيضُ القوة المتفق منّي فأحسّ بنبوغي وتفوّقي ، فيُجدّد هذا الإحساسُ إيماني بنفسي ، وبالمستقبل الرائع المرصود في لوح القدر لي .
تتلمذتُ على المصوّر " جيرلندايو " ثم على النحات " برتولدو " فملكتُ ناصيةَ الفنّ فأعجبَ بي الأمير " لورنزو دي ميدتشي " واستشعر عبقريّتي ، وأبى إلاّ أن تكتملَ هذه العبقريّةُ وتنضجَ على يده . وكانَ الأميرُ شاعراً وعالماً ومن هواة ثقافة الإغريق . فرحّب بي وفتح لي أبواب قصره ، وقدّمني إلى أفراد أسرته وإلى الصفوة المختارة من مُريديه . فاتصلتُ هناكَ بأعاظم رجال فلورنسا ، واستمعتُ لأحاديثهم ، وتشربتُ روحهم الوثنيّة الإغريقيّة التي كانت لا تؤمن إلا بالعقل البشري ، والتي كنتُ أعتقد إذ ذاكَ أنّها المثلُ الأعلى . واستولى عليّ سحرُ الترف ، وجذبتني فتنةُ الحواسّ ، فأقبلتُ على الحياة أعبّ في ملذّاتها ، وأثأرُ منها لشبابي المحروم ، وكانت فترةَ استمتاع ونشوة ، تحدّيتُ فيها القدرَ أنْ يعترضَ مشيئتي ، أو يُضعف من عقلي ، أو يكسر من شرة حواسّي ، أو يسلبني ولو جزءاً بسيطاً من قوّتي ، هذه القوّة الغاشمة التي أبرزتُها وسجلتُها في تماثيلي الأولى كـ " الحب الراقد " و " هرقــل " و " داود " و " كوبيدون " . على أنّ إمعاني في الشهوة والتمتّع هو الذي نفّرني من نفسي وأيقظني ، فعفتُ النساء ، وبرمتُ بالملذّات ، وطفقتُ على دهَش منّي أبحثُ عمّا يكمنُ خلفَ مُغريات الحسّ الباطلة من كامل مُطلق إلهيّ ... وأخذتُ أطالعُ " الكوميديا الإلهيّة " للشاعر "دانتي " وأقضي الليلَ ساهِراً أقرأ في الكتب المقدّسة ، وصرخات الأنبياء والمرسلين تُدوّي في أذني ، وتحثّني على تحرير روحي من ربقة جسدي ، ولكني برغم تفتّح عقلي على الشعور الدينيّ لم ينفذ الإيمانُ الخالِصُ إلى أعماقِ قلبي ، فلا الرحمة ولا المحبّةُ ولا الصّفحُ ولا الرقّةُ ولا الحنانُ استطاعتْ أن تتمكّنَ منّي ، وتكبحَ عناصرَ القوّة المضطرمة في كياني . كنتُ أؤمن بالطبيعة الجبّارة فقط ، بالطبيعة التي تطلب إلى الإنسان أ ن يكون قويّاً ، وتأبى أن تُشفق عليه إذا لم يكن قويّاً ، بل وتحثّهُ على القوّة حتى ولو كانَ ظالماً ! هذا الإيمانُ الغاشم الأعمى الذي أسرفتُ فيه إسرافاً تفجر من فرط إحساسي بقيمة فكري وعظمة الأعمال الفنيّة التي ابتدعها خيالي ولّدَ فيّ على مرّ الزمن ضرباً من الكبرياء الجامدة الباردة المترفّعة ، ألقتْ في روعي أنّي أعظمُ من الناس طُرّاً ، بل أعظم من جميع عباقرة عصري ، فاحتقرتُ الناسَ واحتقرتُ العصرَ كلّه ، وارتددتُ إلى غياهبِ وحدتي ، وفي نفسي عزّة شامخة قاسية لم أقوَ أبداً على قهرِها أو تلطيفها . وزادَ في عزلتي وكِبري إمعاني في الخلق والإبداع وانصرافي إلى تجميل ذلك المُصلّى الذي شيّده في الفاتيكان البابا " سيكستوس " الرابع ، مُصلّى " سيكستين " حيثُ تجلّتْ عبقريّتي ، وحيثُ أمضيتُ خمسَ سنواتٍ أرسمُ وأنقشُ على قبّة الهيكل نشوءَ العالَم كما جاء في سِفر التكوين ، وأمثّلُ فوضى الطبيعة وهي خارجةٌ من صُلب الظلام إلى نور الحياة الساطع . ولقد عشتُ مُعظمَ هذه السنوات مشدوداً إلى حبل متطلّعاً إلى قبّة الهيكل ، غائباً عن وعيي تائهاً في فنّي أحاول أن أخالسَ روح الله وأندمجَ في الملأ الأعلى . ولكني ما إن هبطت إلى الأرض حتى افتقدتُ نفسي فلم أجدْها كأنّ الحياة قد أفلتت منّي ، وكأنّ شبابي قد ضاع في غمرة عملي وكأنّ أيسر متعة في هذه الدنيا لم تصبح من نصيبي ولا من حقّي ، فغشيتني كآبةٌ ساهمةٌ آسفةٌ مستعصية ، فارتميتُ مرة أخرى في عزلتي ، ورحت أكتبُ في مذكراتي :
" ليس لي صديق ولا حبيب ، أنا وحيد على الدوام ، ولن أجدَ أبداً مَن أخاطبه ! "
وأحسستُ بما يُحسّ به كلّ بطل بعدَ المعركة ، أحسستُ تلك الرغبة المُلحّة في أنْ أريحَ رأسي على صدرِ مُحبٍّ ومحبوب . وكنتُ وحيداً إلا من أحلامي ، خاوي القلب إلاّ من لهفتي على امرأة تُحبّني وتستطيع أن تملأ فراغَ وجداني . على أنّي كنتُ من جرّاء استغراقي في عملي وتغلّبي على صعوبات فنّي وإخضاع تلك الصعوبات المتعاقبة لمشيئتي وسُلطاني ، لا أتصوّر أنّ في مقدوري أن أقنع بحبّ امرأة أقلّ عظمة منّي ، امرأة أراها تتقلّب وتتلوّن وتعبث وتمكر كمعظم النساء . لهذا آثرتُ أن أكبحَ عواطفي وأخنق نداء الجنس في بدني وأهذّب ما استطعتُ ميولي وأهوائي ، وأتجه بها نحو خدمة الفن وحده . وهكذا عشتُ أكثر من ثلاثين سنة لم أقرب فيها امرأة ، حتى عرفتُ " فيتوريا كولونا " فصحوتُ فجأةً ورأيتُ في عينيها وجهَ الدنيا .
لم تكن فيتوريا كولونا امرأة بل كانت نصف إلهة ! كانت أديبة وشاعرة ، رائعة الحُسن ، نبيلة النفس ، موفورة الثقافة ، لا حدّة في غرائزها ولا عُنف في طبعها ، ولا جُموحَ في تفكيرها بل رصانة هادئة واثقة مطمئنة تنبع من أعصاب سليمة ، وعقل راجح ، وضمير حيّ نقيّ . وكانت قد اقترنت وهي في التاسعة عشرة من عمرها بالمركيز ( بسكارا ) الذي أحبته أعمق حب وأكمله والذي قتل في ساحة الحرب بعد أن هزم الملك فرانسوا الأول . بيدَ أنّ زوجها هذا الذي عقدت على حبّه كلّ آمالها ورصدت على إسعاده جهد حياتها ، تُنكر لها بعدَ بضعة أعوام من زواجها ، وأعرضَ عنها ثم انغمسَ في حمأة الفسق والفجور ، متّخذاً من الخمر والميسر والنساء والقتال غاية لحياته المستهترة المتكبّرة .
ومع ذلك فقد ظلت " فيتوريا كولونا " وفية له ، تُحبّه أعظمَ الحب برغم عبثه وفُجوره ولا تُفكّرُ لحظةً في احتمال التطلع إلى رجلٍ سِواه ، فلمّا بلغها نبأ مصرعه تلقّت الصدمةَ برباطة جأشٍ خارقة ، ولم تتحوّل ، لم يتبدّلْ حبّها ، لم تفترْ عواطفُها ، لم تتسلل إلى قلبها أية ومضة من حقد ، أو بارقة من رغبة في انتقام . أحبت زوجها بعد موته أكثر ألف مرة مما أحبّته وهو حيّ . أرادت أن تكونَ إلى الأبد له وحده ؛ فأمعنتْ في ذكره ، وأمعنت في حبّه ، وأمعنتْ في بعثه وتصوّره ، فألهبتْ اللوعةُ عواطفَها ، فانطوتْ على حبّها ، واستمسكتْ به ، ووقفتْ عليه البقيّةَ الباقيةَ من حياتها . ومضتْ تقرضُ الشعرَ تتغنّى فيه بذكرى زوجها ، وتذود به عن طُهرها وعفافها ، وتحمي باتقادِ عاطفته حرمة حبّها .
وهذه إحدى قصائد فيتوريا الخالدة في تمجيد ذكرى زوجها :
" لقد طوّقني حبُّ زوجي بشعلته النبيلة التي ليسَ في وسع الزمن أن يُخمدها .. إنّ قلبي لَمُفعَمٌ بحرارة واحدة . إنّ قلبي ليحتقرُ كلّ قَيْدٍ ما خلا هذا . لم يعُدْ لي من أملٍ في هذه الدنيا غيرُ عبادة الذكرى . أنا لا أخشى شيئاً ، ففؤادي يحترق بنار أحبّها ولا أفتأ أضرمها بكلتا يديّ "
والحقّ أنّ فيتوريا كولونا كانت تحمل حبّها لزوجها على جبينها المُقنّعَ كشِعارٍ تفخر به ، وكانت تخطر في الحياة مهيبة وساكنة ، حزينة وباسمة ، مرسلة على كتفيها الناصعتين جدائلَ شعرها المموج المشوّش ، شاخصة بعينيْها إلى السماء ، عاصبة جبينها بمنديلٍ حريريّ أسود ينمّ عن حدادها الأبديّ ، تبرقُ في وسطه نجمةً صغيرةً من اللؤلؤ صافية كروحها ، متوهّجةً كفكرِها الثابت الحالم المأخوذ ..
****
والتقيتُ أنا بها في روما ذات صباح ، وكنتُ في الحادية والستين من عمري ، وكانت هي قد بلغت السادسة والأربعين . وراعني منها ذلك الجمال المتصوح الساحر المقترن بصفاء العقل ونُبل الثقافة واتّقاد الخيال . فأحسستُ فجأةً أنّ ما قد طالما حلمتُ به من كمال في الجسم وكمال في الروح هو الآن حيّ يترقرق من هاتين العينين الوسنانتين التائهتين ، ومن هذا الجسد الأهيف المُجنّح المتّسق البديع . وفي مثل وقعِ الصاعقة تحلّلَ كِبْري ، وذابتْ قسوتي ، وانخلعَ قلبي ، ثم تفتحت ينابيعُ روحي ، وزايلتني كآبتي المستعصية ، وأذعنْتُ وأحببتُ .. وكنتُ شَيْخاً كلّلَ الشيبُ هامتَهُ ؛ فاستشعرتُ الخجلَ العميقَ من نفسي ، والخجلَ العميقَ من هوىً طائشٍ مشبوبٍ يرجع بي إلى طور حداثتي وجنوني ، فهممتُ بطرْدِ هذا الحبّ عنّي ، وخنقه في صدري وقتله في غياهبِ عُزلتي ، ولكن مرأى فيتوريا كولونا كانَ يهتاجُ أعصابي ، ويُجلد دمي ويبعثُ فيّ أوهامَ المراهقة وأحلام الشباب .
أجل ، كانت الطبيعةُ تُنكّلُ بي في كلّ ساعةٍ أخلو فيها بنفسي ، كانت قواي لا تلبث أن تنشط وتتحفّز وتُغريني ، حتى تصرعها الشيخوخة الغادرة المتمشّية في تضاعيف عُروقي ودمي . وكنتُ قد أرهقت بدني عملاً مُتواصلاً ، فلم يعد في مقدوره أن يستجيبَ لندائي ، ولم يكن لي بد مع ذلك من أن أحبّ ، وأن أحتملَ هذا الحب ، وأن أعيشَ من اجله ، وأن أمنحه كلّ خفقةٍ من قلبي ، وكلّ شُعاعٍ من نور يُمكن أن يجود به القدرُ عليّ في مغرب حياتي ، فامتثلتُ لحظّي وطفقتُ أ ُشربُ هذا الحبَ كياني ، وأبدعه بفكري ، وأجسّمه بتصوّري ، وأحاولُ وأنا أضرمُ شُعلتَهُ في صدري أنْ ألهبَ نارَهُ أيضاً في قلب فيتوريا كولونا ، ولكنّ المرأة الشامخةَ ، المرأة العاتيةَ ، المرأة التي تعيشُ في جوفِ الأبد وبهْرة الذكرى ، أشفقتْ عليّ فقط ، فازدادَ كمَدي وازدادَ يأسي ، وتمنّيتُ على الله لو أنّ موتاً طارِئاً يُعّجلُ بي ويُنقذني .. وأحسستُ غَيْرةً مُروّعة من الميّت ، من الشبَح ، من الطيفِ القويّ المرهوب الذي كان ما يفتأ يحومُ حول حبيبتي ويسلبها منّي فكرهتُها ، ثم عدتُ فعشقتُها ، أقرضُ مثلَها الشعرَ أحاولُ أن أفرّجَ به عن نفسي وأن أحبّ فيه فيتوريا كمخلوقٍ عزيزٍ المنال ، علويّ سماويّ أثيريّ تعالى عن كلّ دَنَس ..
وبرّح بي هذا الحب وأذلّني في رجولتي .. ولكنني صارعتُ البقيّةَ الباقيةَ من هذه الرجولة الحيْوانيّة وصرعتُها . وما زلتُ بعقلي أروّضه على العِشق الوجدانيّ المجرّد ، وبجسدي أسومه شتّى ضروب الحرمان حتى أشرق ذهني ، وصَفَتْ روحي ، وتفوّقتُ شيئاً فشيئاً على ذاتي الأرضية الفانية ، وأصبحتُ خليقاً لا بالتطلّع إلى الله الذي كان لم يزلْ بعيداً عنّي ، بل بالتطلّعِ إلى ذلك الجوّ السماويّ الرائع الذي كانت تسبحُ فيه فيتوريا كولونا ..
وأحبّتني المرأةُ عندئذٍ وعطفت عليّ ، ولكنها أحبتني كوالدٍ وشقيقٍ وصديق ، فرضيتُ بهذا الحبّ مُختاراً ، ولم أعد أشعر بوجود جسدي ، سَموْتُ وارتقيتُ وحلّقتُ واندمجتُ في حبيبتي اندماجاً رُوحيّاً عميقاً ، خالستُ فيه لأول مرة نعيماً لم أشعرْ بمثله عمري . أجل .. كنتُ أشبهَ بملاكٍ هامَ حُبّاً بملاك . فأردتُ تحتَ تأثير فيتوريا أن أضاعفَ أيضاً قوّتي وسعادتي ، وأن أستكملَ جوانب نبوغي وعبقريّتي ، وأن أتفوّقَ في الأدبِ كما تفوقتُ في الرسم والنحْتِ فانطلقتُ أنافسُ حبيبتي في قرْضِ الشعرِ وأبعثُ إليها بقصائدَ أصبّ فيها عُصارة مُستقطرة من خالص قلبي ودمي . وكانت الأيامُ تجري ، كأنْ لا وقتَ ولا زمنَ ، ولا ليلَ ولا نهار ! وفجأةً تكاثفتْ سمائي وتبدّدَ حُلمي ، وغمرَ الكونَ كلّه ليلٌ لمْ يعقبه نهارٌ . أصيبتْ فيتوريا الإلهية بمرضٍ عُضال وماتتْ .. ماتت في أقلّ من ثلاثة أيام ، ماتت هي وبقيتُ أنا .. أنا الشيخ المُحطّم المُشرّد الوحيد ، فتاهَ عقلي ، وطافتْ بي فكرةُ الانتحار ، ثمّ ملكتني واستغرقتني ..نعم أردتُ أن أموتَ .. بل أردتُ أن تُعذّبني قوّةٌ فاتكةٌ هائلةٌ قبلَ أنْ أموت ، وأنْ تُقطّعَني هذه القوّةُ إرْباً وأنا أرى نفسي أموت ! ولكن كلّ هذه الرغبات كانت – ويا للحسرة – مجرّد أحلام ! لم أستطع أنْ أقتل نفسي ، لم أستطع أن أتصوّرَ أنّي قد انسلختُ عن عقلي الذي أمثّلُ به في فسحة خيالي صورة فيتوريا .. فأردتُ أن أعيشَ لأرى هذه الصورة ، لأنعمَ أيضاً بها .. لأخدعَ الواقعَ المشؤوم وأتخيّل أنها ما تزال هنا .. أمامي .. على ملقى اللهفة منّي ، تنبض وتختلج قوةً وحرارةً وحياةً !
بيدَ أنّ الصورة الوهميّةَ لم تنقع غلّتي .. فأردتُ أن أرسمَها ، أنْ أخلّدها ، فحاولتُ جاهِداً مُستميتاً ورسمتُ من وحيِ خيالي عدّة صورٍ لفيتوريا ، ثم صُغتُ لها أربعةَ تمائيل ، ولكنّ الفنّ الذي كان بالأمسِ عبْدي وكنتُ قد أخضعتُهُ لمشيئتي ، خانني لأوّل مرّة ، واستعصى عليّ وهزئ منّي .. لم أستطع أن أبدعَ من هيكل فيتوريا عملاً فنّيّاً كاملاً يُرضيني .. كنتُ كُلّما رسمتُ لها صورةً أوْ صُغتُ تمثالاً ، أرى في الصورة والتمثال جسدها فقط وجمالها الإنسانيّ فقط . أمّا تلكَ اللمحة الأثيريّة الإلهيّة التي كانت تشعّ من عينيْها ، فقد كنتُ عاجِزاً كلّ العجز عن تأديتها كنتُ مشلولاً أمامها ..كنتُ كإنسانٍ ملوّثٍ بطينِ الأرضِ يُحاول عبثاً أنْ يشقّ حجبَ ظلامه وأنْ ينفذ إلى جوهر السماء ..
وهكذا اشتدت حيرتي ، واشتدّ جنوني ، فمزّقتُ الصور ، وحطّمتُ التماثيل ، وانطلقتُ في الحياة كالطيفِ الشارد ، أنظم الشعرَ يائساً مُستصرِخاً ، وأحملُ ذكرى فيتوريا في عقلي وهيكلها في قلبي ونبضَها في جسدي ودمي ، ولا أعرفُ أينَ ألتمسُ الراحةَ والمستقَر ، وأينَ أجدُ العزاء والسلوى . وفي ذات مساء ، وقد برّح بي الهمّ والعذاب ، أردتُ أنْ أرفّهَ عنْ نفسي ، فدخلتُ حانةً من تلك الحانات القصيّة الوضيعة التي يغشاها حُثالة الدهماء ونفاياتُ الغواني وارتميتُ على مقعدٍ وطلبتُ خمراً .. أجل شربتُ ولهوتُ وعربدتُ ، ولكني وأنا أجرعُ الخمرَ ، وأضحكُ وأهذي ، وأداعبُ الغانياتِ وأوشكُ أنْ أذوب وأضمحلّ بين ذراعَيْ الرذيلة والإثم ، أبرقَ فجأةً ذهني ، واتّقدتْ روحي ، واندفقَ في كياني كلّه سيلٌ غامِرٌ من نور ، فوَجَمتُ وذُهِلْتُ وسرعان ما تركتُ الحانةَ ، وهُرعتُ إلى بيتي ، وتناولتُ ورقاً وقلماً ، ونظمتُ هذا القصيدَ .. وكانَ هذا القصيدُ هو الذي مثّلْتُ فيه تحوّلي ، وسجّلتُ بينَ سطوره تلك الساعة المُقدّسةَ المُباركة التي فصلت في مصير حُبّي وحياتي ، وهذا ما نظمتُ :
" أينَ أنا ؟ ... أنا في بيت الخطيئة ، وهذه هي الخمر ، الخمر المُبدعة ، تبرق أمامي كالأمل وتسطع كالعَزاء .. وهذا هو رهط الغانيات الفاجرات يُقهقهن في فرح ، ويربن في جشع ويرقصن في جنون ، كأنما قد احتواهنّ من فرط الهَوَس والطرب شبهُ إعصار ! .. وأنا .. أنا أبحثُ عن عقلي فيفرّ منّي ، وأصرخُ مُنادياً إرادتي فلا يُجيبني سوى الزئير .. زئيرُ دعوة الحيوان للحيوان ، مقروناً بجلجلة البغايا ورنين الكؤوس ! .. ما أحوجني إلى نسمة ربيعيّةٍ ترفّ عليّ وتحملني كالجناح .. ما أحوجني إلى مياه مُطهّرة وزنابق مُعتزّة بيضاء كأطياف ملائكة أبرار ! ... الغواني يتقدمن صَوْبي ، ويسخرن منّي ، ويرقصن حولي ، ويُقدّمنَ لي الكؤوسَ مُترعةً ، ومُشعشعة بسنا الشعاع المُتطاير من ضحكاتهنّ القاصفة ، ومن عيونهنّ الداعية الوسنانة السكرى . . يا لأجسادهنّ المتثنيّة كالأغصان ، المتموّجة كالألحان ، المتلويّة كالأراقم ! .. إنّي لأوشكُ أن أمدّ في نشوةٍ عنقي ، وأمدّ في ترسّلٍ بصري ، وأمدّ في جرأةٍ فمي وشفتي ! ما أحوجني إلى طوقٍ يغلّ عنقي ، وغشاوةٍ تعمي بصري ، وموتٍ جارفٍ باردٍ يختم على فمي وشفتي ! .. وا أسفاه ، الضعف يأخذني ، والشهوة تسحقني ، والخمر تغمرني والغواني الفاجراتُ ، كأزهارٍ من نارٍ ، يتهاوَيْنَ مشتعلاتٍ بين ذراعيّ ! ..أوّاهُ ، لقد خنتُ فيتوريا وتدهورتُ وســقطتُ ، فأيـنَ المفرّ ، أيـنَ الخلاصُ ؟! ....... إنّ صوتَ الفنّ يقول لي : " لاخلاصَ إلاّ في التسليم والانتحار .. " وروحُ الله تهتفُ في أذني : " لا نجاة إلاّ في كمالي الخالد السّرمدي .. " وها أنذا ، ولأوّل مرّةٍ في حياتي ، أفتحُ بالرغم منّي جميعَ خلايا ذهني وجسدي وأنصتُ إلى روح الله الذي كنتُ قدْ شُغلتُ عنه بأنانيتي وكِبْري .. إنّه لينسابُ في عروقي كالماء القَراح ، ويُدوّي في سَمْعي كلحن النّقاهةِ وفرح الشّفاء .. فأقبلْ عليّ يا ألله ولا تتركني .. كنتُ قد نسيتكَ يا ألله ، في حين أنّكَ كنتَ منذ الأبد بجواري .. فأشرقْ من ضباب روحي وأنرْني ، انبثقْ من ظلماتِ طفولتي وخلّصْني ، فأنتَ وحدكَ الذي يُمكن أن تجمعني بحبيبتي في رِحابِ جنّتكَ الطاهرة وتُنقذني ! .. وها أنذا أنسلّ من ماخور جسدي وأتبعُكَ .. لقد لمحتُك .. لقد عرفتُكَ .. لقد لمستُ بيدي الآثمة طرف ثوبكَ يا ألله فَخُذْني ..
****
فتطلّعتُ إليهِ وهو مالئ فكري وكياني ، وأيقنتُ .. أيقنتُ لأنّي آمنتُ .. أيقنتُ أنْ لا بُدّ من بعثٍ بعدَ هذه الدنيا ، ولابدّ من خُلود . أيقنتُ أنّي سأرى بعدَ موتي فيتوريا ، وسأخلد بعدَ موتي في صُحبة فيتوريا ، وسأجلسُ بعدَ موتي أنا وفيتوريا مُتعانقيْن عناقَ الزنابقِ تحتَ أقدام عرشِ الله
وزايلني كلّ قلقٍ وهمّ وعذابٍ .. فخرجتُ من بيتي ، ودخلتُ إحدى الكنائسِ ، وارتميتُ ملهوفاً على الأرض ، وشرعتُ أصلّي .. ) .
-----------------------------------------------------------------------------------------
إبراهيم المصري - سلسلة ( اقرأ ) – عشرة من الخالدين – دار المعارف بمصر