سالم جبران في قصيدة غير معروفة
يرثي ويتألم وفاة صديق عمره محموددرويش
من سلسلة ذاكرة مبعثرة: أيام مع سالم جبران
بقلم : نبيل عودة
خبر وفاة محمود درويش كان أشبه بكارثة تسانومي.لدقائق جلست بلا حراك. بلا قدرة على استيعاب صحة الخبر. بعد لحظات بدأت أتنقل بينمواقع الانترنت.بدأت صورة محمود درويش تحتل الصفحات الأولى. بدأت أستوعب قساوةالخبر. كان يشغل فكري في نفس الوقت احد أكثر المقربين لمحمود درويش والذي لا ينفكيحدثني بحب غير عادي لمحمود وشعره وانسانيته وشفافيته والطفل الذي يشكل جانباكبيرا من شخصيته. وكان حدثني عن زيارة محمود الأخيرة له في بيته قبل توجهه لاجراءالعملية الخطرة في أمريكا. كان قلقه على محمود أكبر من قلقه على وضعه الصحي الشخصي.ولميكن وضعه الصحي مطمئنا اطلاقا. انه سالم جبران. احد رواد حركتنا الثقافيةوالاعلامية. حضر اللقاء الأخير بين سالم ومحمود المحامي جواد بولس، ويبدو ان ماسجله جواد بولس هو الوثيقة التي تنقل تفاصيل اللقاء الأخير، وعليه أقتبس ما سجله جوادبولس عن اللقاء:
" وصلنا بيتأبي السعيد (سالم جبران) وبدأنا بهبوط درجاته. محمود، وبدعابة مألوفة بين أصدقاء"عتاقى"، أخذ ينادي: سالم ياسالم، أبو السعيد ...ثوان كنا في صالون أبي السعيد.كان سالم يحاول أن يجيب على النداء بالنداء، لكن الصدرخانه والصوت كان عاجزًاخنيقًا. تقابلا، نسمة على كتف نسمة، فكان العطر فواحًا.لا دمع في المآقي، لكنّه،هكذا شعرت، تصبب بين الحنايا وعلى أطراف الضلوع. تحدثا،صديقان لم يقوَ الزمن علىقطع ما عقداه من حبل للمودة، وعهد لم يفسده طول بعاد،ودرب أقوى من الشتات، وهمٍّأعند من الشقاء.
كان اللقاء خاصا وحميميًا. لميتحدثا عن قضايا العصر الكبيرة. سالم، بهدوء زائد عنهدوئه العادي وباختصار، شرح عن تردي حالته الصحية وسألباهتمام واضح وقلق بادٍ عنحالة محمود، ومحمود أجاب بقصاصات حقائق ليعود إلى سالمليطمئنَّوليُطَمئِن.
لعبة الألغام أسميتُها فمحمود يعيش ولغمفي صدره لا يعرف أحد ميعادانفجاره، وسالم بعد عملية كاسحة ومزيلة للألغام من صدره.كلاهما يسعى لإبطال وتسخيفلغمه ليضمن سلامة شريكه/رفيقه.
رغم محاولته إخفاء ذلك، إلا أن الوَهن كانباديًا على أبي السعيد. أقلقَنا ضعفه وأخافنا حزنُهالبادي. نبرة من يأس خالطتحديثه الممتع وكلما حاول إبعادها عاودَت وسقطَت من طرفلسانه غمّة وهمًّا.
بعدأكثر من ساعة غادرنا بيتَ سالم.الذي تمنى لمحمود عودةسليمة وهو معافى من مرض ومنمنفى، ومحمود تمنى لسالم شفاءً كاملًا وراحة بال مصحوبةبسيادة جسد. كانا كنحلتينفي مهب الريح محلّقتين على جناحي قدر". انتهى الافتباس.
سالم نقل لي مشاعره اكثر من تفاصيل اللقاء التياوردها جواد بولس في مقاله.وكان يتحدث شعرا عن محمود وصفاته الانسانية ويستعيدايامهما المشتركة، أيام الدراسة والشباب المبكر والعمل بالصحافة واللقاء الفكريالأيديولوجي الذي وحد بينهما، والهمالوطني الذي شكل مسارا لابداعهما الشعري والسياسي. واللقاءات بعد انتقال محمودللعالم العربي ..
وكان سؤالا محرجا يستفزني؟
هل سمع سالم الخبر ؟ وكيف سيستقبل رحيل رفيقه ؟
كنت بحاجة الى شخص انقل اليه الخبر . كان اكبرمن أن أحتمله وحيدا. ولم يكن في ذهني الا سالم جبران، وكنت أعرف وضعه الصحي الحرج.. ولكنه أقرب الناس الى محمود درويش. قلتلنفسي ساحاول ان أبلغه بان الخبر غير مؤكد. ليبحث بنفسه ويعرف الحقيقة المرة. ومعذلك كان شيئا يقول لي ان سالم على علم بالخبر المفجع.
بتردد اتصلت تلفونيا بسالم. تعوق في الرد. ثمجاءني صوته باكيا ، بل يجهش بالبكاء. لم اعد اعرف ماذا علي ان أقول. حبست دمعي.وخفت ان نطقت بكلمة ان انفجر انا ايضا بالبكاء. بعد ان تغلبت على حزني قلت: هناك خبر مؤلم ، محمود مات. وصلني صوت سالم :اجل مات. وغابت كل الكلمات من ذهني فاغلقت التلفون.
سافرنا في اليوم التالي لتقديم التعازي لأهلالراحل محمود درويش المقيمين في قريةالجديدة، التي لجأوا اليها من قرية البروة بعد ان هُدمت مثل اخواتها البلداتالعربية الخمسمائة، كعلامة لا تنسى على بشاعة وحجم النكبة الفلسطينية.
لم يسق سالم . بل سلمني مقود السيارة وهو يقول:لا استطيع التركيز على الشارع . وأضاف: أحلم ان أصل بيت أهله ليقولوا لنا ان الخبرغير صحيح.
كان سالم يحلم باستحالة الموت المبكر لرفيقهوصديق عمره محمود درويش. لأول مرة اشاهد سالم يتعلق بوهم ، ويستغرق به بكل وجدانه.
تحدثت مع سالم يوميا تقريبا،لأطمئن على وضعه،عدا زيارته في المستشفى . شعرت بعد زيارة التعزية ان شيئا يعذبه ويغضبه. فاجأنيبعد اسبوع بقوله أنه كتب قصيدة عما يؤلمه من وفاة صديقه.قرأها على مسمعي عبرالتلفون بصوته الضعيف المبحوح. طلبت منه ان يعطيني نسخة لأوزعها. قال :"ليستللنشر".
اصررت يوميا تقريبا ان أحصل على نسخة، وانه علىضوء ما يكتب عن محمود درويش في وسائل الإعلام يجب نشرها، ليفهم القارئ العربي ان هناك مبالغات وأكاذيب وأوهام أكثر منالحقائق.
كان يصر على رفض النشر. أُصبت بحالة يأس. وبدأتالتنازل عن إصراري على نشر قصيدة سالم.
كنت اخبره بما اقرأ في مواقع الانترنت عن تدفقالمقالات التي تبني محمود درويش كما يحلو لها ، محمود درويش آخر أكاد أجهله. لم تكن دراية لسالم باستعمال الشبكةالعنكبوتية، وكان اعتماده الأساسي علي ثم على زوجته بمرحلة متأخرة.
بعد اسابيع قليلة ، قال لي سالم انه سينشرالقصيدة. قلت متحمسا: ممتاز، ساوزعها بشكل واسع. قال: ولكني لن أنشرها باسمي. قلتالأفضل باسمك، واذا كان ذلك يمنعك من نشرها فلا بأس باسم مستعار. قال: سأنشرهاباسم سعيد الحيفاوي.
هذه القصيدة لم تدخل في كتاب الأعمال الشعريةالكاملة لسالم جبران ، الذي صدر بعد وفاته. وهذا نصها كما وزعتها على مواقعالانترنت:
قصيدة لم يكتبها محمود درويش
شعر : سعيد حيفاوي
( سالم جبران)
" القطارُالأخير توقْفَ عند الرصيف الأخير "
هنالك ليلٌ أشَدّ سوادا
" هنالكورد أقلُّ ُ"
" أنايوسف يا أبي "
أمامي طقوس ٌ كثار ٌ وليلٌ طويلٌطويلْ
" أنايوسف يا أبي "
ويسعدني ان بحرا من الناسِ حولي
من الطيبين ،
من البسطاء ،
من الصادقين
ولكنني يا أبي في امتعاضٍ حزين
فكل الذبابِ يحاول ان يتقدم
وكل الذئابِ تحاول أخذ مكان
بجانب نعشي ، وتتلو صلاة الغياب
يريدون ان يأخذوا صورة حول نعشي
ولو بازاحة أمي واخوتي الطيبين
وحولي من الزعماء اناسٌ
يريدون ان يأخذوا صورة حول نعشي
ولو قَدروا اقتلعوا بعض رمشي
ليبقى لهم
وبه يعلنون ارتباطي بهم
عندما يقرب الانتخاب
ولو قدروا مزقوا لحم روحي
انا يوسف يا أبي
انا طيب ، غير اني
قليل السذاجة ، يا أبتي
مثلما كنتُ دوما قليل العتاب
انا يوسف يا أبي
كل الناس بلادي وكل بلاد
رفاقي وأهلي
ولكنني لا أزال وسوف أظل الى أبدالآبدين
عدو الذباب !
******
البعض كالعادة السائدة منذ فترة غير قصيرة، حملني تهمةكتابة القصيدة وأضاف اسم سعيد الحيفاوي لأسماء عديدة تنسب لنبيل عودة. واليوم انزلعن كتفي اسما عزيزا على نفسي. كنت اتمنى لو كنت قادرا حقا على كتابة نص شعري بهذاالتألق.
القصيدة ترجمت أيضا للعبرية ونشرت بالعربيةوالعبرية في موقع "زاوية أخرى"العبري.
________________________
ديوان شعر غزلي مفقود
كتبسالم جبران بين عامي 2003- 2004 ، اثناء عملنا سوية في تحرير جريدة"الأهالي" مجموعة قصائد غزلية،احتفظ فيها بدفتر مدرسي عادي. وقد قرأتها وهي خارجة من "الفران"، وقرأهاسالم امام عدد من الأصدقاء الأدباء في جلسات خاصة.
ورغم محاولتي الحثيثة على اقناعه بالبدء بنشرهافي جريدة "الأهالي" التي كانيرأس تحريرها، الا انه أصر انه لن ينشر شعرا غزليا وقد قارب من السبعين. قلت : "الدهنفي العتاقي". وبررت ضرورة النشر بان كل شعراء العربية واصلوا كتابة الغزل وهمبعد السبعين. وها هو نزار قباني على رأس شعراء الغزل . هل يضر به الأمر أم يزيدهتألقا شعريا؟
لم يتحرك عن رفضه.
القصائد كتبها سالم باسلوب الشعر المنثور.واعتقد كما أسر لي ذلك كل من سمعها، انها من أجمل قصائد سالم، وان نشرها قد يشكلنقلة شعرية نوعية في شعر سالم وفي شعرنا المحلي، وفي شعر النثر العربي كله. لديهصور شعرية مبتكرة، وخروجا عن النمطية في اللغة والصياغة، وقوة الصور الشعريةوموسيقى الكلمات تعانق الروح .
كلامي لم يساعد ولم انجح باقناعه على نشر أيقصيدة . وسالم عندما يصر على موقف لن يغيره الا بعد ان يقتنع بشكل شخصي بدون تدخل"قوى ضغط خارجية".
وظلت نثرياته الغزلية في كهف الدفتر.
بعد وفاته بدأت العائلة تجمع أعماله الشعرية،وجدت زوجته ، الى جانب دواوينه الثلاثة، عددا من القصائد تشكل ديوانا رابعا. الاالدفتر. لم يُعثر عليه.
رغم البحث في مكتبته، واوراقه، ما زال دفترهالشعري الغزلي مفقودا.
هل اكذب نفسي؟ هل يكذب من استمع الى قصائدهالغزلية أنفسهم ؟
كنت الشاهد الأول على ميلاد تلك القصائد.وعبثاحاولت ان اقنعه بنشر بعضها حتى باسم مستعار. وحثثته مرارا ان يطبع قصائده النثريةبملفات وورد ويحضرها للإصدار في كتاب للمستقبل،فلدينا في "الأهالي" فنيغرافيكا ..هكذا يحفظها جاهزة للوقت الذي يقتنع فيه بنشرها.
لم تنجح جهودي.
اسجل هذه الحادثة، لعل الدفتر يقع بيد أمينة، اولعله ما زال تائها في مكتبته.
nabiloudeh@gmail.com