رحلة جمالية ودلالية في "من أسفار الطمي" للشاعر المبدع شاهر الخضرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالله حسين كراز
    أديب وكاتب
    • 24-05-2007
    • 584

    رحلة جمالية ودلالية في "من أسفار الطمي" للشاعر المبدع شاهر الخضرة

    سِفْرُ الطَمْي شعر/ شاهر الخضرة
    -1-
    ******
    أنزل قلوعَكَ أيها الطيرُ المهاجرُ
    لاح طميٌ
    والسماءُ تعرّجتْ
    وجعاً كأني بين أضلعها جنين .
    برقَتْ بِـ واديكِ
    الرموزُ
    تكهَّنت أنّي النبيُّ
    دنا تدلّى فوق صدركِ
    سِفْرُ غيبيَ
    والكواكبُ سابقتْ ( جُعَلاً )
    لتحرسَ ( لونَكِ القُزَحيَّ)
    في كتّانِهِ
    ما كان موتاً
    لم يكنْ يعني حياةً
    سمِّهِ اللاموتَ . . شيئاً آخراً
    هل تجفلينَ إذا أحطتُكِ بالبخورِ
    لكي أجيئكِ
    بين بين .
    لا كون يُدرِكُ أنَّ قلبيَ برزخٌ
    والنبضُ رملٌ
    فاسمعي
    وقعَ الخواتمِ تحتَ ليلٍ
    هل أنا ملِكٌ ؟ . . .
    وأنفضُ
    صولجانَكِ
    والغبارُ يصير دودا ؟.
    غنّينَ يا كل العرائسْ ؛
    واشكلنَ تنّوراتِكُنَّ على الخصورِ
    وسرنَ سمراً كالأيائلِ
    ها أنا كالقطنِ
    أطلعُ سُرَّةً
    وأصير تيلتها
    أصيرُ إلى سفوح الشاطئ المحروقِ
    ضمّةَ أقحوانٍ
    والسنابلُ تنحني لعروسةٍ
    _ حَـنِّـيْـنَها
    ضمّخنَ
    نهديها
    بدهن الزعفرانِ
    وسرنَ في سبْحٍ
    إلى عينيَّ
    قَبْلاً كي تفيضا
    واتركوا لي فرصةً أبكي
    وآخذ من لفافةِ بطنها
    ورقاً
    يحنّطني
    وميماً دافئاً
    الإسمُ
    يحملني
    ولا أدري أنا البُرديُّ
    أم قلبي .
    سأشدُّ أعماق السؤالِ
    إلى عيونك .
    إن كنتِ لا تبكين
    من إسمي
    فرحمكِ طيّبٌ
    لي مثلُ رحمكِ تحت شِـعْري
    لي نطافٌ لي براءاتٌ
    ولي سرُّ الأجنّة
    أنتِ لا تدرينَ
    أن الإسمَ يطْمُثُ
    كم طمثتُ القَطْرةَ الأولى بنهركِ
    كاعبَ الماءِ
    التي تمحى إذا طلعَ الصباحُ
    وإن تغيهبَ ليلُها
    بدتِ السماءُ كما القواربِ
    بين سافانا وجمّيزٍ وسيقانِ النساء .
    **********
    -2-

    وحملتُني ظمَأً إلى فيضِ الأنوثةِ
    كم تزوّجَ في الصعيدِ النهرُ
    كم حُمِلَتْ إليه عرائسٌ
    وانتابني شوقٌ لهاتيكَ العذارى
    فاستعرتُ لغايتي أوطارَ ريشِكِ
    واتخذتُ (تحوتَ) لهفةَ أضلعي
    ونقاءَ روحِكِ . . (مونُ !)
    سقيا طينيَ الدهريِّ
    في خَـلَدِ العماءْ .

    يا ماءُ رُبْ دمعاً
    سأحملُ كفَّ أحلامي مناديلاً
    لأمسح عن جفونِكِ
    غرغراتِ جرارِنا فرحاً
    وترتعشُ الترائبُ
    تحتَ خصبِكِ
    مثلما نُرمى بقابَيْ قوسِنا
    البشريِّ
    آن الضِّحْـكُ مشدود كنبلٍ في البُكاء .
    * * *


    -3-
    أهذي باحمراري
    - أ-

    أغنية لاسمها:

    يا ليلةً ليلاء فوق الجسر في هنغاريا .
    قالوا : . . قطارُكَ لن يجيءَ إلى الصباحِ
    وكان مقهىً
    راده العشّاقُ أزواجاً
    وكنتُ الوتْرَ مقطوعاً من الأعداد
    مكسوراً كأني (واحدٌ)
    قرضتْهُ دودةُ صفرهِ حتى النحيبْ .
    * * *
    عشّاقُ هذا (النِتّ) حولي
    في هدوء شفاههم
    وكأنني اللاشيء
    في شفة اللهيبْ ؛
    مرّوا كما جبل البلادةِ
    أو عمىً
    وتجاوزوا رقمي الغريب .
    * * *
    هل كنتُ وحدي ؟
    لم أكن وحدي
    فقد كانت معي . . .
    وشعرتُ أني عاشقٌ اسمي
    قرأتُهُ . . .
    كم قرأته . . . ؟ ؟
    كان إسمي عاشقاً أيضاً
    ويبكي
    وهي لا تدري
    بأنَّ الإسمَ يعشقُ
    والأسامي
    قبلما سكنتْ جسوماً
    لم تكن تهوي
    نيازكُها جـُزَافاً
    إنما تأوي إلى شِعْري
    وتمعنُ في الغيوبْ .
    * * *
    كم صرتُ في الأسماءِ
    وهجاً
    وهي لا تدري بأنَّي
    الأفْقَ
    ما بين الطلوعِ إلى الغروبْ .
    * * *
    يا أيُّها (النِتُّ) الحبيبْ !. . .
    * * *
    البردُ يصفرُ خارج المقهى
    ليلهوَ بانتظاري
    ما تبقّى لي سوى سهري
    وإسمكِ
    بين قلبيَ والقطارِ
    كلُّ من في (النِتِّ) ناموا
    ظلَّ إسمُك في ثلاثةِ أحرفٍ حمراءَ
    في فلكٍ يسلّيني
    ويؤيني
    إليهِ
    وكم كتبتُ حروفَه
    حرفاً فحرفاً . .
    لو تخيّلتِ الأصابعَ
    فهي تعشقُ
    والحليبُ ينزُّ منها
    مثل بغوِ التين في نُضْجِ البراري .
    * * *
    ونسيتُ أنّي في وهادِ الليلِ وحدي .
    ....................
    لا لا أريدُ سوى انتظاري .
    واللهِ . .
    والألِفِ الذي كالنيلِ
    مقصوراً
    تلوّى _ في الصعيدِ _ بإسمها
    جاء القطارُ قبيلَ موعدهِ
    ولم أركبْ قطاري .
    لكنَّ إسمَكِ غابَ
    والأحلامُ تهذي لونَهُ
    والآن صرتُهُ
    ها أنا المحشوُّ في الكرسيِّ
    أهذي باحمراري .
    * * *
    -4-
    ضِلعُ المياه
    - ب-

    أغنية مشبوهة :

    تمشينَ أمْ تحكينَ أمْ
    تعنين ماذا
    باسمِكِ الممتدِّ من مــاءٍ . . إلى
    برجِ الحمامْ .

    هذي الـ (قصيدةُ)
    بطءُ ماء النيلِ
    في المعنى
    وفعلُ الطميِ
    في بحرِ الـ شآمْ .
    * * *
    ضلعُ المياهْ !.

    كُفِّي عناءَكِ لستُ إلا فاقداً
    يهذي ويلبسُ تحت ليلٍ عريَهُ
    حتى تلوذَ بهِ الإناثُ من الكلامْ .

    وإذا رأيتِ على الرصيفِ ثلاثةً . .
    فأنا
    الذي تحتَ القناعِ
    وآخرٌ فوق القناعِ
    وثالثٌ يتوسَّلُ الكلماتِ من غوريهما
    هلاّ ترين ثلاثةً ؟
    أم واحداً
    يبكي بأقنعتي إلى حدِّ الضياعِ
    وإن ضحكتُ لكي أقامرَ
    بالختامْ .
    * * *
    أوّاهُ
    أرصفتي
    وكَفِّي
    والعواءُ على لسان قصائدي
    فكأنني جسدُ النُباحِ
    اْللحمُ في صلصالهِ يعوي
    وخفقُ النبضِ يعوي
    اْلطينُ فخّارُ العُواءِ
    اْبيضَّ حتى صارَ كلساً
    من سينبشني غداً ؟
    يحييِ العُواءَ من الرميمْ ؟
    وهناك أرصفةُ القصائد
    تحتَ كفِّيَ
    سوف تسألني . . .
    وما نفعُ السؤالِ
    عن العِظَامْ .
    * * *

    شامة وشامي
    -5-

    كم صرت قوساً كم
    وكم لانت بمحملها سهامي

    كم صرت بئراً جفَّ فيها الماءُ
    واخُتضَّ الفراغُ على الرّغامِ

    وعقدتُ أحجاراً على صوتي
    وطيّنتُ المشقّقَ من كلامي

    وصببتُ زيتَ الحوتِ في عظمي
    لتزلقَ بي عظامي

    وغرزتُ ظفريَ في الوريدِ
    أهنتُ كِـتْفيَ ثمّ حَنجرتي
    وذارعتُ الخواءَ
    على الركامِ

    فصارتا عيناي خفاشين في عشيهما
    والمحجران تبادلا قُطَعَ الظلامِ

    وسمعتُ صوتَ القلبِ يعوي
    والكلاب تهرُّ في نزوٍ
    وغابات من الأصواتِ
    في سمعي
    كما لو كان في بدني ذئابٌ في خصامِ

    جاءتْ ملائكةٌ تحاسبني
    وقد حملوا صحائف ما كتبتُ
    وما جنيتُ من الغرامِ

    فتشفّعَتْ لي ربَّةٌ سمراءُ
    فرعونيّةٌ
    فاستحسنَ الملكان شامتها
    وقالا لا نحاسبُ عاشقاً
    وصحوتُ في قبري
    ورأسي بين نهديها
    تهدهدني
    ويحرقها فطامي

    أعطتْ ملامحَها لآلافِ السنين
    كأنّها تجني بسمرتها خلاصاتي
    لتجعلَني المسلَّةَ في الهُيام

    ويمرّ هاروتٌ وماروتٌ
    بقاموسين
    قاموس الأنوثةِ والبكارةِ
    تحت طمي النيل
    و الظمإِ الشآمي .

    [align=center]رحلة جمالية ودلالية في "من أسفار الطمي" للشاعر المبدع شاهر الخضرة[/align]

    [align=right]يبدو أن البنية الأساسية للنص تشكلت من مجموعة تجارب شعورية صاغها الشاعر في سفر موسوعي ثري بالصور الجمالية المعبرة عن تفاصيل تلك التجربة مع وضوح تعدد الأصوات الشاعرية في القصيدة مما أسهم في إتاحة أكثر من فرصة للتأويل النصي والتحليل الرؤيوي مع تنوع القراءات التي يقوم بها أكثر من متلقٍ أو المتلقي نفسه، وربما يتيح ذلك فرصة أخرى للتماهي مع النص وصاحبه، إذ أن ما يعبر عنه النص ليس فردياً أو محض تجربة ذاتية، بل يطرح النص نفسه لسان حال لأكثر من فرد أو مجموعة من الأفراد انغمسوا بالتجربة ذاتها.
    لذلك، جاءت القصيدة مفعمة بالتصوير الحيوي واللفظ القوي ووظف الشاعر ما استطاع من تقنيات للتعبير عن مكنون تلك التجربة التي عاشها بين أكثر من زمن ومكان.
    في البداية كانت الطيور على اختلافها وتنوع دلالاتها تتسيد النص لما تحمله من أبعاد إيحائية وهادفة لتمكن المتلقي من فهم ما يرمي إليه النص في البوح عن مشاعر وأحاسيس فياضة ومؤثرة. فالشاعر يطلب من الطير المهاجر عبر الزمان والمكان أن ينزل قلوعه، لكأنا نقرأ حوارية بين العاقل الشاعر والطير في أسلوب شيق يهدف على أنسنة الطير واللجوء للغته الصادحة لتبديد ما اعترى المتكلم في النص من وجع وعزلة و اغتراب وإحساس بالموت وتأثر بطبيعة العلاقات الإنسانية التي اعتراها نوع من القلق والفتور والخرب:
    أنزل قلوعَكَ أيها الطيرُ المهاجرُ
    ثم، تأتي صور أكثر عمقاً في البحث عن أسباب هذا النزول متمثلةً بتشكل الطمي لما يحمله من معاناة المضي قدماً في متاهات الحياة وسراديبها متجاورةً مع صور السماء التي "تعرجت" ودلت على حالة من التيه والصعوبة في السير بهذا الدرب الذي أفرز وجعاً لا يحتمله إنسان ولا جبل!
    لاح طميٌ
    والسماءُ تعرّجتْ
    وجعاً كأني بين أضلعها جنين .

    ثم يأتي التحول النصي في اللجوء على الديني أو العقائدي لما يمثله هذا التوجه من وعي الشاعر بفكره وثقافته وأيديولوجيته ويعزز من فكرة النص وتسيد ثيمات محددة مصاحبة للخطاب الديني والشعري الذي أدخل القصيدة في معركة مع الوجود أو البحث عن الذات كما ينبغي:
    تكهَّنت أنّي النبيُّ ، دنا تدلّى فوق صدركِ ، سِفْرُ غيبيَ ، والكواكبُ سابقتْ ( جُعَلاً )، لتحرسَ ( لونَكِ القُزَحيَّ)
    ثم يعرض النص ملامح من تراث الشاعر والمرتبط أيضاً بالعادات المستقاة من النصوص الدينية في:
    هل تجفلينَ إذا أحطتُكِ بالبخورِ
    لكي أجيئكِ بين بين .
    ولهذا يلجأ الشاعر لتقنية التجاور والإزاحة التصويرية في:
    لا كون يُدرِكُ أنَّ قلبيَ برزخٌ ، والنبضُ رملٌ ، فاسمعي وقعَ الخواتمِ تحتَ ليلٍ، هل أنا ملِكٌ ؟
    هنا أتت صورة القلب المتحول لبرزخ يطيب للشاعر للجوء إليه وقت اشتداد الوجع، ثم سرعان ما تأتي صورة النبض الرملي وكأننا أمام بحر رملي يتحرك مهدداً الشاعر في استقراره وهدوئه وروعة طبيعته عندما تتداعى لكل ما سبق صورة الخواتم القادمة من متون الليل بما يحمله من دلالة الخوف والوحدة والقلق ، ثم يأتي السؤال المنطوي على استنكار ودهشة في: هل أنا ملك؟ بما تتضمنه هذه العبارة الاستفهامية من رفض التصير للملوكية والتشيؤ بمملكة ترتسم ملامحها فقط في الخيال وليست واقعة بحال من الأحوال، ما يدل على وجود نبرة ساخرة وتهكمية بالعبارة.
    وتتحرك لغة الشاعر بنشاط أكثر توهجاً عندما يأتي على ذكر الأيائل والقطن بتيلته المستمدة من بحر الطبيعة التي تدل على بعدٍ رومانسي يأخذنا إلى سفوح الشاطئ المحروق المتجاورة في تصويرها الفني والمعنوي مع ضمة الأقحوان والسنابل التي تنحني برقصة ترحيبية وحميمية لعروسة شكلها الشاعر بخيال أقرب إلى الواقع اليومي دون غرابة أو خروج عن المألوف، وهنا ترستم مرةً أخرى لوحة جمالية فنية من عالم الشعر الذي يتقن أدواته الرسام / الشاعر، العالم الذي ينشط بحركاته ونبوغه وتورده في تجربة أكثر صدقاً من عوالم الخيال أو التخييل والأسطرة:
    وسرنَ سمراً كالأيائلِ
    ها أنا كالقطنِ
    أطلعُ سُرَّةً
    وأصير تيلتها
    أصيرُ إلى سفوح الشاطئ المحروقِ
    ضمّةَ أقحوانٍ
    والسنابلُ تنحني لعروسةٍ
    ثم يطلب الشاعر متلبساً قناعاً لا يريد الإفصاح الكلي والمباشر به عندما يكون لوحده – هكذا يبدو – إعطاءه فرصة البكاء لما يجد في هذه العادة منفذاً وطريقة ميكانزمية ً دفاعيةً متوفرة وبأقل التكاليف للضخ الهموم ومشاعر اللوعة والحزن أو الفقدان، متمسكاً بورقة هي أشبه لورقة التوت التي تحمل دلالة أسطورية في العرف المعرفي والثقافي لدى الشاعر:
    واتركوا لي فرصةً أبكي
    وآخذ من لفافةِ بطنها
    ورقاً يحنّطني
    وينفتح النص على صور أكثر انسيابية مجترةً من وحي الشاعر المتخيل والمرتبط بنياط الواقع الذي خاض فيه تجربته، مجمعاً ثنائيات متضادة/متعاكسة ليتيح للمتلقي فرص التماهي مع القائل المجرب، فهناك الصبح الطالع من أتون الليل مبشراً بقطرة طمث يبدو أنها لا تروق للشاعر/القناع وهناك صورة الكاعب والنهر والماء بما يحمله من دلالات أسطورية وتراثية تدل على حياةٍ يبدد فيها الشاعر ما غمره من عتمة التجربة وضنكها وفيها إعادة إحياء لما تيسر من زرع الشاعر وحرثه، حيث نجد السافانا والجميز وسيقان النساء في لوحة غرائبية ولكنها قابلة للتخيل والتصديق، ثم التضاد الليلي والتحول المفاجئ بين السماء والقوارب بما يحمل ذلك من دلالات المخاطرة والعنت والمعاناة والتجريب:
    كم طمثتُ القَطْرةَ الأولى بنهركِ
    كاعبَ الماءِ
    التي تمحى إذا طلعَ الصباحُ
    وإن تغيهبَ ليلُها
    بدتِ السماءُ كما القواربِ
    بين سافانا وجمّيزٍ وسيقانِ النساء .

    وبعد ذلك التوزيع في الصور والتخييل، يصر الشاعر على استحضار الماء/الدمع المنسكب من جرار الفرح بعد أن يحمل الشاعر كف أحلامه كالمناديل لتجفيف ما طاب له من هذا الدمع:
    يا ماءُ رُبْ دمعاً
    سأحملُ كفَّ أحلامي مناديلاً
    لأمسح عن جفونِكِ
    غرغراتِ جرارِنا فرحاً
    كل ذلك يأتي بلغةٍ أكثر جزالة وفصاحةً وتبليغاً وجمالاً لكي يقنع المتلقي بقيمة النص وأغراضه، معرجاً على موضوعة الضحك المنزاح فنياً وقيمياً مع البكاء، وكأن الشاعر يذكرنا أن لهذا الضحك وجه آخر عند البكاء ولاكهما يحمل بعداً إنسانياً يفصح عنه الشاعر بنجاح ودون غموض أو إبهام:
    آن الضِّحْـكُ مشدود كنبلٍ في البُكاء .
    وهكذا يشتغل النص على أحداث أكثر واقعيةً وملامسة للفعل اليومي دون اللجوء للتكلف أو الرمزية المقلقة والمشتتة لفعل النص وفائدته:
    جاء القطارُ قبيلَ موعدهِ
    ولم أركبْ قطاري .
    لكنَّ إسمَكِ غابَ
    والأحلامُ تهذي لونَهُ
    والآن صرتُهُ
    ها أنا المحشوُّ في الكرسيِّ
    أهذي باحمراري .

    ومع كل ما سبق، لا ينسى الشاعر أن يضعنا ، في لوحةٍ تجمع بين "أناه" الحالمة وعنائها والتي تهذي منكشفةً على الآخرين، مع أنثاه التي تسيدت فيما يبدو بقية زوايا القصيدة وبوحها المزاوج بين الشاعر/المذكر والأنا المؤنث على ما تحمله هذه العلاقة الثنائية من أبعاد إنسانية تروق للشاعر ويحاول إحيائها أمام ناظري المتلقين دون تردد أو أنانية، ولذا نراه يذكر لنا ثلاثة أنواع من الأقنعة التي تحمل فيما بينها دلالات و ثيمات، وهم في حقيقة المقصد والبوح المتألق واحد:
    كُفِّي عناءَكِ لستُ إلا فاقداً
    يهذي ويلبسُ تحت ليلٍ عريَهُ
    حتى تلوذَ بهِ الإناثُ من الكلامْ .

    وإذا رأيتِ على الرصيفِ ثلاثةً . .
    فأنا
    الذي تحتَ القناعِ
    وآخرٌ فوق القناعِ
    وثالثٌ يتوسَّلُ الكلماتِ من غوريهما
    هلاّ ترين ثلاثةً ؟
    أم واحداً
    ثم تحدث طفرة في الخطاب الشعري للنص عندما يتحول الكلام لاجترار إشارات أكثر واقعية وتتفاعل مع صميم تجربة الشاعر، لذا نراه يلجأ لاستحضار أصوات حيوانات من مملكة الحيوانات مثل العواء والنباح بما يحملان من دلالات تبعث على تأثر الشاعر بتفاصيل قاسية في تجربته الشعورية، فالقصائد تحولت لدى الشاعر لذئبٍِ يعوي وجسده أصبح مصدر النباح وليس البكاء والعويل والتنهيد و الشكوى كقيم إنسانية ، كلها صور تدل - كإشارات لها مغزى محدد في ذاكرة الشاعر - على حجم مأساة الشاعر أو قناعه ومدى تأثره بانهيار مجموعة القيم الإنسانية في المجتمع الذي يحيا فيه، مؤثراً ومتأثراً:

    والعواءُ على لسان قصائدي
    فكأنني جسدُ النُباحِ
    اْللحمُ في صلصالهِ يعوي
    وخفقُ النبضِ يعوي
    اْلطينُ فخّارُ العُواءِ
    اْبيضَّ حتى صارَ كلساً
    من سينبشني غداً ؟
    يحييِ العُواءَ من الرميمْ ؟
    وهناك أرصفةُ القصائد
    تحتَ كفِّيَ
    سوف تسألني . . .
    وما نفعُ السؤالِ
    عن العِظَامْ .
    من الملاحظ في الفقرة الشعرية السابقة أن الشاعر استحضر كل ما هو واقعي ومؤثر ورائق للذائقة التي تقرأ النص كل تفاصيله وتضاريسه، موظفاً صور فنيةً تخدم المدلول عليه بما يعزز فكرة الشاعر وقصيدته، حيث نجد الصلصال واللون الأبيض والنبض والقبر والأرصفة والعظام، أتت مشكلةً لوحةً شاعرية – قد تنطوي على غرائبية حميدة قصدها الشاعر – ولكن هي ملك الأنا الشاعرة بما احتوت من مشاعر ناهضةً من طبيعة التجربة وطقوسها الذاتية، والتي تتحول للجمعية عندما نقيس معطيات الصور والفكرة والدلالات قيما إنسانية تنطبق على باقي البشر.
    وبعد هذا التداعي من الكلام المعبر والدال على هول تجربة الشاعر، تأتي صور مجترةً من قاموس أسطوري يدل على معرفة سامقة لدى الشاعر بكل ما تحمل من معانٍ ودلالات، حيث البئر الذي جف فيه ماؤه، ما يدل على فكرة الجفاف ليس الجسدي أو الحياتي بل – ربما – الجفاف الروحي والإنساني وقيم الطبيعة البشرية، خاصةً حينما تأتي تقنية التجاور وتزيح ما سبق ذكره من صور وتحتضن "الفراغ على الرغام"
    كم صرت بئراً جفَّ فيها الماءُ
    واخُتضَّ الفراغُ على الرّغامِ
    ما يدفع الشاعر على أن يقول أن صوته تحجر ولم يعد يقدر على البوح الذي يتمناه ويورق له وأن كلامه تطين ولم يعد يأتي أُكُلَه:
    وعقدتُ أحجاراً على صوتي
    وطيّنتُ المشقّقَ من كلامي
    وهنا يصر الشاعر على المضي قدماً في استحضار صور أخرى تعزز ما سبقها وتكرس المعنى والفكرة، حيث زيت الحوت دخل عظم الشاعر كي لا يستطيع على السير نحو خلاصه و تطهير روحه مما اعتراها:
    وصببتُ زيتَ الحوتِ في عظمي
    لتزلقَ بي عظامي

    وغرزتُ ظفريَ في الوريدِ
    أهنتُ كِـتْفيَ ثمّ حَنجرتي
    وذارعتُ الخواءَ
    على الركامِ

    ثم يكرر أسلوبه في استحضار الحيواني مما يدل على قطيعةٍ مع الإنسان ويدل أيضاً على انعدام ثقة الشاعر/القناع بمن حوله من الناس:
    وسمعتُ صوتَ القلبِ يعوي
    والكلاب تهرُّ في نزوٍ
    وغابات من الأصواتِ
    في سمعي
    كما لو كان في بدني ذئابٌ في خصامِ

    وبعد ذلك يأتي على ذكر الملائكة الأطهار ولكن بشكل ساخر وتهكمي من الناس ممن لا يطيب لهم صورة الملائكة وهي تحتضن الإنسان / الشاعر القناع، مما يعزز قدرة الشاعر على اجترار الديني بما يخدم نصه وأغراضه ويثري تجربته الشعورية والشاعرية، كل ذلك أتى في النص مؤسطراً – إن لم يكن هو بحد ذاته أسطورة مستوحاة من الخطاب أو الثقافة الدينية التي يتمتع بها قاموس الشاعر:
    جاءتْ ملائكةٌ تحاسبني
    وقد حملوا صحائف ما كتبتُ
    وما جنيتُ من الغرامِ

    فتشفّعَتْ لي ربَّةٌ سمراءُ
    فرعونيّةٌ
    فاستحسنَ الملكان شامتها

    ثم هنا يأتي دور أسماء مستدعاة من التاريخي والديني على ما تحمله من أبعاد إشارية تخدم روح النص والشاعر، ولكن هذه المرة متجاورةً مع الأنثوي وطبيعته الخاصة، والتي لا غنى للإنسان عنه وممزوجاً بالواقعي والطبيعي وكأننا أمام استحقاقات نصية وسياقية تفهمها الشاعر من أجل التسهيل على مهمة المتلقي في الاستيعاب والقراءة والفهم، وواضعاً حدود التجربة النصية والشعرية بين قوسي النيل والشام، حباً لهما وهياماً بهما:
    ويمرّ هاروتٌ وماروتٌ
    بقاموسين
    قاموس الأنوثةِ والبكارةِ
    تحت طمي النيل
    و الظمأ الشامي .
    أبدعت عزيزي الشاعر الكبير وإلى حوارات نصية أخرى سامقة في اللغة والبديع والبيان والتعبير والتصوير والفكرة والتميز، ودمت بكل الألق
    .[/align]
    دكتور عبدالله حسين كراز
يعمل...
X