كانت القلعة تقف شامخة مهيبة مخيفة.. يخشى الناس جميعهم ؛ كبيرهم وصغيرهم ؛ مجرد الاقتراب منها ! ولكن " أندرو " الصبي الهادئ الوديع ذو الستة عشر عاماً كان مجبراً على ذلك !.. ولكن من الذي أجبر هذا الفتى اليافع على ذلك ؟ لا أحد .. إنها الظروف فحسب !
قبل عشرين يوماً فقط كان " أندرو " يعيش بمفرده في بيت أبيه ؛ بعد وفاة والديه ؛ ولم يكن يشاركه في وحدته سوى " بورجيلا " ؛ الخادم العجوز ذو الأصل الأسباني ؛ وكان البيت قديماً صلباً متماسك الأركان.. ولكنه لم يصمد كما صمد " بورجيلا " أثناء حروب الوراثة الأسبانية ؛ فتهاوى على حين غفلة من الزمن.. تاركاً " أندرو " و"بورجيلا "في العراء.. وكان أمر الأخير هيناً ؛ فلديه قبيلة من الأبناء والأحفاد .. ولكن " أندرو " ماذا عنه .. أين سيذهب "أندرو" المسكين الذي لا أحد له في الدنيا؟
وطرق المسكين كل الأبواب المتاحة له .. أبواب الأقارب وأقارب الأقارب والأصدقاء والجيران .. وجيران الجيران أيضاً.. ولكن ولا بيت واحد فتح أبوابه أمام "أندرو " الوحيد المسكين !!
وبعد أن أغلقت المدينة كلها أبوابها في وجهه .. لم يعد أمام " أندرو " إلا المناطق الخالية المحيطة بالمدينة، وهي تضم اختيارين : فإما أن يعيش في المقابر التي تعج بالعفاريت والأشباح والكلاب الضالة المتوحشة.. وإما أن يلوذ ب (بيت الأحزان) !
..قلعة ( بيت الأحزان ) التي فر من جوارها مئات من القرويين في بداية القرن ؛ وتركوا منازلهم خاوية على عروشها تحيط بالقلعة الرهيبة.. كما يحيط الذباب بجثة القتيل !
ولكن هل يملك هو ترف الاختيار .. لا بأس أيها الزمن القاسي.. لا بأس أيتها القلوب المتحجرة التي لا تعرف الرحمة .. فلنذهب إلى ( بيت الأحزان ) .. فربما تكون أشباح القلعة وعفاريتها أكثر رحمة وشفقة من قلوب سكان هذه المدينة اللعينة !
وجمع " أندرو " حاجياته ؛ التي نجت من أنقاض بيته ؛ وتوجه إلى القلعة ..قلعة ( بيت الأحزان ) !
************
ذهب " أندرو " ليودع " بورجيلا " العجوز في بيت أبنه .. فقبله الرجل الطيب ووضع يده على رأسه ؛ وتلا صلاة كاثوليكية طويلة باللغة الأسبانية ؛ ثم منحه هديتين :
الهدية الأولى : صورة للقديسة "كريستينا " شفيعة الصبية .
أما الهدية الثانية :فكانت عبارة عن مسدس !
ولكنه لم يكن مسدساً عادياً ؛ بل كان بالغ الضخامة وشكله غريب حقاً ؛ فرفع" أندرو" عينين متسائلتين نحو العجوز الذي ربت بيده المعروقة على يد " أندرو " بحنان وقال له :
" أحتفظ به ! إنه يحوى أنصاف بنسات فضية ؛ وهي تعويذة تحمى من الأرواح الشريرة ..ستحتاجها حتماً ! "
************
بُنيت قلعة ( بيت الأحزان ) في بداية القرن الرابع عشر ؛ لتحرس الطريق الذي يصل مقاطعة ( أسكس ) بداخل البلاد ؛ وظلت تؤدى مهمتها باقتدار طوال القرنين ال14و15 .. ثم أُخليت القلعة في الربع الأول من القرن ال16 لأسباب غير معروفة .. وقيل أيامها أن القلعة تحتوى على خطأ جسيم في تصميمها يمكن أن يؤدى إلى انهيارها المفاجئ.. وقيل أيضاً أن عملية الإخلاء تمت لأسباب أخرى بعيدة كل البعد عن الأخطاء الهندسية !
المهم أنه بعد أن أُخليت القلعة ظلت لفترة مزاراً ومقصداً مهماً لكل من ينزل بمقاطعة ( أسكس ) .. ولكن بعد أعوام خرجت شائعات كثيرة عن أحداث مخيفة تجرى في القلعة .. وكان مصدر هذه الشائعات هم السكان الذين يقيمون على مقربة من القلعة.. وملأت تلك الشائعات البلاد إلى الحد الذي قلل ؛ تدريجياً ؛ من عدد زوار ( بيت الأحزان ) ؛ حتى اختفى هؤلاء تماماً .. بعد أن أقدم سكان القرى المحيطة بالقلعة على هجر قراهم وبيوتهم والفرار من جوار القلعة.. وبمضي السنين ذاعت سمعة القلعة السيئة بين الناس .. حتى لم يعد أحد يجرؤ على مجرد الاقتراب من ( بيت الأحزان ).. أو الأراضي المحيطة بها !
وهكذا هُجرت القلعة الهائلة ؛ التي كانت يوماً ما مصدراً لفخر وعظمة بلاط ملك عظيم .. وأصبحت مرتعاً للحكايات والشائعات والخرافات؛ التي يطلقها أناس لم يقضوا بين جدران القلعة ساعة واحدة.. ولكن ما الشيء الرهيب الذي يمكن أن يدفع السلطات إلى إخلاء القلعة وتركها خاوية على عروشها .. ويدفع الناس إلى أن يروجوا كل تلك الشائعات والحكايات ويرتجفوا لمجرد ذكر أسمها ؟!!
************
وأول ليلة ل" أندرو " في داخل قلعة ( بيت الأحزان ) !
فتح " أندرو" باب القلعة الرئيسي الخشبي الكبير ذي المصاريع الحديدية العملاقة.. ولم يكن الباب موصداً بإحكام ؛ فقط كان مغلقاً برتاج خشبي خارجي مهشم؛ ولم يحتج من " أندرو " إلا أبسط الجهد لدفعه وفتحه.. وانفتح الباب الضخم كاشفاً عن بهو شديد الأتساع به مدفأة حجرية ضخمة محطمة في الواجهة..
وتحيط بالمدفأة ؛ من الناحيتين ؛ أبواب صدئة مغلقة بسلاسل حديدية صدئة كذلك.. ويوجد أيضاً سلم حجري بدون حاجز على يسار البهو؛ وأخر على يمينه .. وكان البهو مليئاً بالفئران السمينة والحشرات الزاحفة.. أما السقف والحوائط فتتدلى منها خيوط العنكبوت في شكل أشبه بالثريات.. وتلفت " أندرو " حوله كثيراً وأخذ يتفحص المكان ؛ بعينيه ؛ جيداً.. وحاول إقناع نفسه بتجربة فتح أحد تلك الأبواب الصدئة الموجودة على جانبي البهو لمعرفة ما الذي يوجد خلفه.. ولكن " أندرو " غير رأيه فجأة وتوجه ؛ حاملاً حقيبته الصغيرة ؛ إلى السلم الذي على يسار البهو.. وبعد تردد وضع قدمه على أولى درجاته.. فقد قرر أن يستكشف أعلى القلعة أيضاً كذلك.. ليختار أفضل حجرة يقيم فيها !
لهث " أندرو " وهو يصعد السلم ؛ الذي بدا وكأنه سلم برج ( بابل ) لا نهاية له.. وسقط مرتين وسالت الدماء على وجهه ؛ وأصابه تعب غريب ؛ حتى كاد يعدل عن الاستمرار ويهبط ثانية إلى بهو القلعة السفلى .. عندما لفت نظره ضوء غامض يشع من أعلى الدرج الذي سقط أسفله يئن ويبصق الدم !
لم يكن ضوء الشمس قطعاً ..ف" أندرو" ؛ وإن كان يرتدى نظارات طبية كأبيه ؛ إلا إنه لم يكن أعمى.. فرغم أن ضوء النهار ما زال يملأ جنبات القلعة ؛ إلا أن ذلك الضوء القادم من أعلى الدرج ؛لم يكن ضوء النهار ؛ ولا نور الشمس بالتأكيد !
ولسبب غامض .. شعر " أندرو " برغبة غامضة في استكشاف الأمر ؛ والاقتراب من مصدر هذا الضوء الغريب ..وقد أمدته قناعاته بمزيد من الشجاعة .. ألم تقل له أمه ذات مرة ؛ وهي تقرأ له رواية " لي فانو " ( كارميلا ) ؛ أن الأشباح والأرواح الشريرة لا تستطيع أن تظهر والشمس مشرقة أبداً.. أبداً !
وصعد " أندرو " في الدرج بأناة وهو يقوى من نفسه ويشدد عزمه..وبعد عدة درجات وجد " أندرو " نفسه أمام ممر طويل دامس الظلام .. تقع في منتصفه منضدة خشبية عتيقة .. فوقها مصباح مضيء بشمعة !
مصباح مضيء في القلعة المهجورة ؟!.. شيء غريب !
ولكن.. أليس من الممكن أن يكون أحد قد تسلل إلى القلعة ؛ ونسى المصباح فيها ؟!
بل ربما كان شخص ما قد أجبرته ظروفه ؛ مثل " أندرو " نفسه ؛ على اللجوء إلى ( بيت الأحزان ) والمعيشة فيه !ومن الممكن أن يكون ذلك الشخص ما زال موجوداً بالقلعة.. بل مؤكد أنه ما زال موجوداً بدليل المصباح ذو الشمعة !!
وفرح " أندرو " لهذا الخاطر المفاجئ ؛ بل وتمنى لو كان حقيقياً .. وقرر أن ينادى بصوت عالٍ ؛ لعل ذلك الشخص المزعوم يجيب على نداءه !
وتوجه " أندرو " إلى رأس السلم ؛ الذي صعد فيه ؛ ليكون في موضع يمكنه من إسماع نداءاته لأي شخص قد يكون متواجداً في أي مكان بالقلعة .. ووضع" أندرو " راحتيه حول فاه وراح ينادى :
" هووووووه ! هل من أحد هنا.. هاللو .. هاللو .. هل من أحد هنا؟"
وكرر " أندرو " نداءاته عدة مرات ؛ وفي كل مرة كان يسمع صدى صوته يتردد عبر جنبات القلعة ؛ وينتظر أن يسمع جواب على نداءه ولكن دونما فائدة.. وظلت القلعة غارقة في الصمت !
ودون أن يدرى السبب الذي حمله على ذلك .. وجد " أندرو " نفسه يجلس على الأرض ؛ وينخرط في نوبة بكاء عصبية هستيرية.. لم يستطع إيقافها رغم كل محاولاته !
وظل " أندرو " جالساً على الأرض يبكى نحواً من ربع ساعة .. ثم هدأ فجأة وتوقف سقوط الدموع من عينيه ؛ إذ يبدو أنه أفرغ كل ما فيهما من دموع ؛ ووجد نفسه يفكر بهدوء في مصيره.. ماذا يفعل .. إلى أين يمضى.. ماذا سيفعل بنفسه ..هل هو جدير بالحياة ويستحق أن يعيش ..أم لا ؟؟
ماذا ستفعل يا " أندرو " .. بالله عليك ماذا ستفعل ؟!
" سأقاوم .. لن أستسلم أبداً.. لن أستسلم وسوف أقاوم.. وستكون هذه القلعة بيتي .. ولا يوجد شيء في الكون سيجبرني على تركها.. حتى ولا أشباح الأرض كلها ! "
ونهض " أندرو " بتثاقل عن الأرض .. وتنبه لأول وهلة إلى أن الغروب والظلام قد خيما على القلعة بأسرها.. أما الشيء الغريب الذي حدث ؛ فهو إن " أندرو " وجد المصباح ذو الشمعة قد أنطفأ من تلقاء ذاته.. في نفس اللحظة سمع " أندرو " صوتاً غريباً صادراً من إحدى الغرف المغلقة في داخل الممر .. صوت بكاء طفل !!
************
متحلياً بشجاعة لم يعرف من أين أتته.. أستخرج " أندرو " من حقيبته شمعة وثقاب.. وأشعل الشمعة بهدوء وتركيز ، ثم حملها وتوجه نحو الغرفة التي صدر منها الصوت الغريب ؛ متخذاً مظهر البالغين الشجعان؛ وإن كشف اهتزاز الشمعة في يده عن اضطرابه الذي يداريه..
وكان من السهل على " أندرو " تمييز تلك الغرفة ؛ إذ أن الصوت رغم أنه صمت ولم يتكرر ؛ إلا إن صداه بدا وكأنه بخار ماء تجمع وتكثف في سحابة أمام باب الغرفة التي خرج منها.. ومد " أندرو " يداً مرتعشة نحو باب الغرفة ؛ ذو اللون البني الغامق المصقول ؛ وأدار المقبض الصدئ ؛ فصدر عنه صوت يجمد الدم في العروق .. ولكن " أندرو " لم يتراجع ؛ وإن ملأ الذعر قلبه ؛ ودار المقبض بشيء من الصعوبة بين يديه ؛ وأنفتح الباب في بطئ حتى ظهر ....
كلا ! لم يظهر شبح ولا شيطان مريد ولا جثة مفتوحة العينين على أتساعهما تتدلى من حبل..ولا أي شيء آخر من الأشياء التي قد تكون جالت بخاطركم ! بل لم يكن بالغرفة سوى التراب والظلام ؛ ونافذة مفتوحة على مصراعيها وستائر متهرئة تتطاير في الهواء ؛ بفعل الرياح القوية .. وبروية تفحص " أندرو " الغرفة ؛ وقد زال خوفه تقريباً ؛ فلما لم يجد بها أي شيء يستحق الاهتمام ؛ استدار وهم بمغادرتها .. عندما لفت شيء غريب نظره ! أقترب " أندرو " أكثر من الشيء الذي جذب انتباهه ليراه بشكل أفضل؛ وعلى ضوء الشمعة المهتز .. رأى " أندرو " بضع كراسات مدرسية قديمة بالية وممزقة ملقاة في أحد الأركان !
امتلأت نفس " أندرو " بالعجب ؛ ولكن عجبه لم يكن بنفس قدر الفضول الذي أستولي عليه.. فوضع شمعته على الأرض ؛ بجوار الكراسات ؛ وألتقط إحدى هذه الكراسات .. كانت بالية تماماً وممزقة وأوراقها مثنية ومتلاصقة.. على الغلاف كانت هناك كتابة باهتة باللون الأزرق .. وكانت اسم " ستيفن دواتفيلد باركنسون دى زيجا " .. وأخذ " أندرو " يقلب صفحات الكراسة بحرص؛ محاذراً ألا يزيدها تمزيقاً على تمزيق ؛ وفي الصفحة الأولى كانت هناك حروف أبجدية مكتوبة باللون الأحمر ؛ ومكررة بالقلم الرصاص بخط رديء .. وتتابعت الصفحات في بعضها حروف أو أرقام أو قطع صغيرة من الإملاء .. ولكن في الصفحات الأخيرة وجد " أندرو " بضعة أسطر مختلفة ؛ تبدو كأنها مذكرات أو يوميات ؛ وكانت تقول :
" أنا سيئ الحظ.. ف" ماركيلا " الصغيرة تكرهني.. ومدام " بيرودين " لا تكف عن تأنيبي.. ومعلمتي " مسز سميث " تعطيني واجبات كثيرة ؛ لا أكاد أفرغ من تأديتها حتى تكلفني بغيرها.. حتى ماما تركتني بمفردي وأغلقت على الباب .. وذهبت لمقابلة الملكة " !
وبعد أن قرأ تلك السطور القليلة .. أحس " أندرو " برغبة غامضة في أن يعيد قراءة الاسم المدون على غلاف الكراسة .. وقرأ " أندرو " بصوت مسموع " ستيفن دواتفيلد باركنسون دى زيجا ".. وفي تلك اللحظة انطفأت الشمعة..وتجمد " أندرو " في مكانه دون حراك ، فرغم الظلام الدامس ، إلا أن الصبي الفاتح أدرك أن هناك من يقف وراءه.. بل ويضع يده على كتفه !
************
بعد سنوات طويلة كان الجد العجوز " برتراند فوك " ؛ الذي كان يعمل حطاباً في شبابه ؛ يجمع أحفاده كل مساء ليحكى لهم ؛ بصوت مرتجف ؛ ما حدث له في ذلك المساء العجيب ؛ منذ أعوام بعيدة ؛ عندما تأخر به الوقت في الغابات المحيطة بقلعة ( بيت الأحزان ) .. كان الجد " فوك " يقول في كل مرة :
" كنت في تلك الليلة أجمع الحطب في الغابة المجاورة .. فالأراضي المحيطة بتلك القلعة الملعونة ظلت دائماً تُنبت أفضل أنواع الأشجار ذات الأخشاب الممتازة.. لم أكن هناك بمفردي ؛ بل كان بصحبتي عدد من الرفاق ؛ كانوا دائماً ما يصاحبونني في جولاتي حول القلعة ؛ إذ لم أكن لأجرؤ على التجول هناك بمفردي.. " ماكولى " العجوز و" أنستاس " ذو الأنف الضخم و" هنري " و" فيكتور " كانوا كلهم هناك .. ولكني ؛ لسوء حظي ؛ غافلتهم وتوغلت في داخل الغابة .. ما زلت أذكر ذلك
اليوم جيداً كأنه بالأمس.. أصابني الهلع عندما أنقطع عنى تماماً صدى أصوات رفاقي ؛ الذي كان يملأ الغابة ؛ وجريت عبر دروب الغابة محاولاً الخروج إلى الطريق الرئيسي ؛ حيث تركت الرفاق ؛ وتهت وضللت طريقي مرات .. وأخذت أدور وأدور حول نفسي .. وفي كل مرة كنت أعود إلى نفس النقطة ثانية .. ولكن قرب الغروب تمكنت ؛ بفضل الله ؛ من الخروج من هذه المتاهة ؛ ووجدت نفسي فوق الممر الرئيسي للغابة .. على مقربة من القلعة المخيفة ؛ ولكنى لم أعثر على أثر لأي أحد من رفاقي .. ومشيت بضع دقائق لأجد نفسي أمام القلعة الملعونة .. وفجأة سمعت صوت باب القلعة ؛ الذي لم يُفتح منذ قرن ونصف ؛ وهو ينفتح بمفرده.. وبعد ثواني رأيت ضوءاً غامضاً في أعلى القلعة يسطع عبر النوافذ .. وبعد قليل أنطفأ هذا الضوء.. ولم تكد تمر لحظة حتى سمعت صرخة قوية صادرة من داخل القلعة.. صرخة صبى لا شك فيها.. أعقبها رياح عاتية هبت حول القلعة ؛ وأخذت كل نوافذ القلعة وأبوابها تصطفق في عنف وظهر نور أزرق غريب في أعلى القلعة . وراح يدنو حيناً ويبتعد حيناً ..... "
ثم يبتلع " فوك " العجوز ريقه بصعوبة؛ ويحفر الخوف خطوطاً غائرة على وجهه ؛ رغم مرور كل تلك السنوات ؛ ويواصل:
" وبعون الله تمكنت من العودة إلى بيتي سالماً .. ولكنى ؛ منذ تلك الليلة ؛ لم أجرؤ على الاقتراب مرة أخرى من أطلال القلعة الملعونة أبداً .... "
ولكن ما حقيقة ما جرى داخل ( بيت الأحزان ) في تلك الليلة ؟ !
************
تجمد " أندرو " في مكانه وتصلبت أطرافه وأحس بكتلة من الثلج تلامس كتفه الأيمن .. ومرت عليه دقيقة شعر خلالها أنه يهوى في فراغ شديد الصمت .. وفجأة أرتعش جسده ؛ من أعلاه إلى أسفله ؛ بعنف حينما أحس باليد الموضوعة فوق كتفه تنطبق وتشدد من ضغط أصابعها عليه.. وأبتلع " أندرو " ريقه وحاول جاهداً أن يدير رأسه ليرى الشخص ؛ أو الشيء ؛ الذي يقف خلفه.. ولكن مفاصل رقبته تصلبت تصلباً مؤلماً وأبت أن تدعه يتحرك بوصة واحدة.. وفي اللحظة التالية مباشرة عربدت عاصفة مخيفة حول القلعة.. وأخذت الأبواب والنوافذ تصطفق كلها في ( كونشرتو ) رهيب.. بينما الرياح العاتية تصرخ وتعربد في الخارج.. وظهر القمر الكامل مرة واحدة وصعد إلى قلب السماء وتسللت أشعته عبر النافذة ؛ وضربت " أندرو " في وجهه فأنفك تصلب جسده فجأة.. واستدار مرة واحدة ليجد .. نفسه !!
نهض " أندرو " كالمسحور ليحدق في نفسه الواقفة أمامه !
فلم يكن أمام " أندرو " إلا " أندرو " آخر ! أو للدقة صبى آخر ؛ هو في الواقع نسخة أخرى منه في كل شيء !
نفس الحجم والطول.. نفس الملامح.. نفس العيون والشعر والشكل.. كل شيء . كل شيء.. عدا الملابس !
فقد كان " أندرو " الثاني يرتدى ثياباً عتيقة فخمة ..فكأنها ثياب ملكية ! وفيما عدا أن " أندرو " الثاني كان جسده شفافاً يظهر عبره كل ما هو موجود خلفه.. وذلك لا يعنى سوى شيء واحد.. إنه شبح !
ظل " أندرو " ؛ صاحبنا القديم ؛ لفترة ذاهلاً يحدق في وجه الشيء الواقف أمامه ؛ كما يحدق النائم في حلم عجيب ؛ ومرت ساعتين كاملتين دون أن يشعر بذلك.. وكأنهما لم تمرا من الأساس !
وفجأة تذكر " أندرو " مشهد غريب رآه في طفولته ولكنه نسيه تماماً فلم يعد ليطرق ذاكرته إلا الآن:
" نعم ! ( كارميلا ) .. لقد قرأتها مثلك ..قبل أن أموت ! "
قالها الشبح ثم ساد الصمت التام.. ومضى الاثنان يحدقان في بعضهما دون نهاية !
************
أستيقظ " أندرو " وقد ملأت الشمس الحجرة الفخمة التي نام فيها.. الحجرة التي قاده إليها صديقه الشبح ؛ وطلب منه أن ينام فيها ! وكان " أندرو " راقداً على سرير ضخم يحتل نصف مساحة الحجرة تقريباً ..
وكانت ملاءات السرير وأغطيته كلها موشاة بخيوط الذهب.. التي لم تفقد بريقها رغم القدم !
وكانت ( لمسة الذهب الساحرة ) تطغى على كل ما بالحجرة من أثاثات ومفروشات وستائر.. بل حتى السجاجيد على الأرض كانت مزينة بخيوط من الذهب .. ولم تكن فخامة الحجرة مبعث دهشة " أندرو " .. ألم تكن هذه هي غرفة نوم .. ملك ؟!
وسارع " أندرو " بالنهوض وارتدى ملابسه سريعاً.. لينفذ ما يجب عليه تنفيذه .. قبل أن يسرقه الوقت ويدهمه الليل !
وبعد لحظات كان " أندرو " قد شرع في العمل !
************
هبط " أندرو " إلى بهو القلعة السفلى.. ذو السلالم والأبواب الصدئة المغلقة والمدفأة الحجرية المحطمة.. وأتجه بثقة نحو ممر جانبي لا يكاد يُرى من أي موضع بالبهو.. ويصعب أن يعرف أحد مكانه إلا إذا أرشده إليه شخص ما ! ووجد " أندرو " نفسه أمام ممر هابط منحدر بشكل شديد الخطورة.. ولكنه لم يأتي معه بالحبال عبثاً.. فك " أندرو " ربطة الحبال وأخذ الطرف الأول ولفه
بإحكام حول أحد أعمدة البهو العملاقة.. بينما ربط الطرف الثاني حول خصره عدة مرات .. وحمل " أندرو " مصباحه وأدواته كلها في حقيبة علقها في كتفه .. ومضى هابطاً الممر المنحدر الخطر ؛ وساحباً الحبل شيئاً فشيئاً ؛ حتى وصل الحبل إلى نهايته ؛ وصار مشدوداً تماماً.. في نفس اللحظة وصل " أندرو " أمام غرفة صغيرة لها باب من الحديد ؛ مغلق بعشرات من الأقفال والسلاسل الحديدية الصدئة .. وكانت كل هذه الأقفال مغلقة بإحكام شديد ؛ ولكن ذلك لم يكن يشكل عائق أمام " أندرو " فقد زوده " ستيفن " بكل ما يحتاج إليه لإتمام هذه العملية بنجاح ..
وبثقة أخرج " أندرو " حلقة بها عشرات من المفاتيح ومضى يجربها ؛ مفتاحاً مفتاحاً ؛ حتى تمكن من فتح كل تلك الأقفال الضخمة.. وأنتزع السلاسل الحديدية .. ثم أستجمع كل قوته ودفع الباب الثقيل قليلاً قليلاً .. حتى تمكن من فتحه كاملاً !
أشعل " أندرو " المصباح ذو الشمعة وحمله وخطا داخل الغرفة.. التي صُنعت جدرانها وأرضيتها وأبوابها من النحاس ؛ حتى بدت كعلبة معدنية محكمة الإغلاق .. والتي لم تكن في الواقع سوى .. قبر !!
************
بخطوات مرتعشة دخل " أندرو " إلى الغرفة التي لم تُفتح منذ قرون.. وكانت الغرفة من الداخل فارغة إلا من منضدة حجرية ؛ تماثل تلك الموجودة في الممر الذي بأعلى القلعة ؛ ولكن المنضدة هنا لم يكن فوقها مصباح بشمعة .. ليته كان .. بل كان فوقها تابوت زجاجي !
تصلب " أندرو " أمام هذا المنظر المهيب وبدون شعور منه وضع يده على التابوت العتيق ؛ ثم رفعها ليجدها غارقة في التراب والغبار .. ودار " أندرو " حول التابوت ..وكأنه في حلم ؛ حلم عجيب لم يره أحد من البشر من قبل ؛ وتأمله لحظات طويلة كالمخدر ؛ ثم نفخ عنه التراب .. ليظهر فجأة وجه الشخص الراقد في التابوت .. ولم يكن في التابوت سوى " أندرو " نفسه.. " أندرو " الثاني .. أو شبيهه الذي قضى نحبه منذ قرن ونصف.." ستيفن دواتفيلد باركنسون دي زيجا " !
تأمل " أندرو " وجه الفتى الراقد بداخل التابوت طويلاً .. وفجأة راودته أحاسيس غريبة .. أحس أنه رأى هذا التابوت من قبل ..رآه بل ورقد فيه طويلاً !
************
بصعوبة فتح " أندرو " التابوت الزجاجي.. وعندما هم بالإمساك بالجسد المحنط داخله أصابته موجة مباغتة من الذعر.. وتراجع دون وعى حتى أصطدم بالجدار النحاسي خلفه.. وفجأة انتابته واحدة من النوبات العصبية الهستيرية ؛ التي كثيراً ما كانت تصيبه بعد وفاة والديه ؛ وراح صدره يعلو ويهبط وأنفاسه تمزق صدره ؛ وشعر بيد ثقيلة غشوم تكتم أنفاسه وتسد خيشومه وتحبس أنفاسه
..وأستغرق الأمر أكثر من نصف ساعة حتى عاد " أندرو " إلى وعيه وتمكن من السيطرة على نفسه .. وبسرعة ؛ وقبل أن يجبن مرة أخرى ؛ عاد " أندرو " إلى التابوت الزجاجي وفتحه ؛ ومد يديه والتقط الجسد المحنط من داخله ؛ وتحامل على نفسه كثيراً حتى تمكن من رفع الجسد من التابوت.. وحمله بصعوبة بالغة بين يديه ؛ وكاد يسقط به عدة مرات ؛ ولكنه قاوم ضعفه ومخاوفه.. وتمكن من حمل الجسد وإخراجه من التابوت .. ثم وضعه فوق المنضدة الحجرية ؛ والتقط الحقيبة الجلدية الكبيرة ؛ التي أتى بها معه ؛ وفتحها ثم حرك الجسد برفق .. حتى نجح في إدخاله فيها !
************
أغلق " أندرو " الحقيبة ؛ وحملها بصعوبة بالغة وخرج بها من الغرفة..وجذب طرف الحبل ؛ الذي كان متدلياً أمام باب الغرفة ؛ وربطه حول الحقيبة .. ثم أخذ يدفعها من الخلف ليخرجها من الممر .. ولم يكن هذا بالأمر الهين ؛ فالحقيبة ثقيلة للغاية ؛ والممر شديد الانحدار .. وسقط " أندرو "على وجهه وظهره عدة مرات ؛ وأنفك الحبل من حول الحقيبة أكثر من مرة وسقطت للخلف .. وكان " أندرو " يضطر إلى التوقف في كل مرة وإعادة ربط الحقيبة والبدء من جديد .. وأستغرق الأمر من" أندرو " النهار بطوله ليتمكن من إخراج جثة ( ستيفن ) من الممر إلى بهو القلعة الرئيسي.. ولكنه نجح في ذلك في النهاية .. وهذا هو المهم !
قام " أندرو " بجر الحقيبة على الأرض برفق ؛ إذ لم يعد قادراً على حملها ؛
وجرجرها حتى وصل بها إلى باب القلعة الأمامي .. ثم أنزلها عبر السلالم الخارجية .. ومضى بها عبر الأراضي المحيطة بالقلعة ؛ وكان الظلام قد خيم حينئذ ؛ ولكن" أندرو " بذل جهده لئلا يضل طريقه .. وبعد نصف ساعة وصل " أندرو " إلى هدفه !
************
توقف " أندرو " عند حدود قطعة منعزلة من أراضى القلعة ووضع الحقيبة إلى جواره .. ثم ألتقط جاروفه وأخذ يحفر لمدة تزيد عن ساعة ونصف .. حتى ظهر أمامه شاهد قبر بالغ القدم ؛ وقد غطته أكوام من الحجارة والطين والرمال؛ حتى أخفته تماماً عن الأنظار.. ثم وضع " أندرو " الجاروف جانباً ومضى يحفر بيديه العاريتين في التربة المحيطة بشاهد القبر.. وبعد دقائق وصل إلى حلقة حديدية صدئة جذبها بصعوبة فارتفعت إلى أعلى كاشفة عن غرفة حالكة الظلام أسفلها..
تناول " أندرو" المصباح وأدخل جسده في الفتحة الواقعة أسفل اللوح الحديدي ؛ الذي تقع الحلقة في منتصفه ؛ وهبط " أندرو " على سلالم الغرفة ؛ التي كانت قبر لآل " زيجا " منذ قرون .. وفي ثواني كان يقف وسط مقابر " آل زيجا " تحيط به قبورهم المنسية من كل مكان .. وحمل " أندرو" مصباحه وراح يتفقد المقابر حتى وصل إلى الهدف الحقيقي .. نعم هنا .. ثمة شاهد قبر يحمل أسمه .. " ستيفن دواتفيلد باركنسون دي زيجا " ..
قبر" ستيفن " الذي لم يُسمح له بأن يرقد فيه فمضى هائماً على وجهه حبيساً في القلعة.. حتى جاء المختار لينقذه .. " أندرو " !
************
قبل شروق الشمس كان " أندرو " قد انتهى من دفن جثة " ستيفن " المحنطة في قبرها الحقيقي .. وعاد إلى القلعة ؛ التي صارت آمنة الآن ؛ ليجد كل الأقفال والسلاسل الحديدية المغلقة التي في كل مكان وقد تفتت.. وكل الأبواب المغلقة وقد تفتحت على مصارعيها ونور الشمس يغمر كل ركن في القلعة .. التي زالت عنها كآبتها فجأة .. وسمع " أندرو " صوتاً غريباً من أعلى فرفع رأسه.. ليجد عصفوراً صغيراً يبنى عشه في أحد أركان البهو العملاق !
************
بعد عشرات من السنين كانت عائلة "أندرو" لا تزال تقيم في قصر ( بيت الأحزان ) .. الذي لم يكن قلعة على الإطلاق .. بل قصر" آل زيجا " أكبر وأغنى عائلة في أوربا في القرون الوسطي .. ورغم الثراء الفاحش الذي يتمتع به ( آل أندرو ).. إلا أنهم لم ينسوا أبداً في أي مناسبة من مناسباتهم العائلية أن يقدموا الاحترام والتقدير لجدهم العجوز ( أندرو) ولصديقه العزيز.. المرحوم ( ستيفن دواتفيلد باركنسون دي زيجا ) !!
[/size][/color][/center]
قبل عشرين يوماً فقط كان " أندرو " يعيش بمفرده في بيت أبيه ؛ بعد وفاة والديه ؛ ولم يكن يشاركه في وحدته سوى " بورجيلا " ؛ الخادم العجوز ذو الأصل الأسباني ؛ وكان البيت قديماً صلباً متماسك الأركان.. ولكنه لم يصمد كما صمد " بورجيلا " أثناء حروب الوراثة الأسبانية ؛ فتهاوى على حين غفلة من الزمن.. تاركاً " أندرو " و"بورجيلا "في العراء.. وكان أمر الأخير هيناً ؛ فلديه قبيلة من الأبناء والأحفاد .. ولكن " أندرو " ماذا عنه .. أين سيذهب "أندرو" المسكين الذي لا أحد له في الدنيا؟
وطرق المسكين كل الأبواب المتاحة له .. أبواب الأقارب وأقارب الأقارب والأصدقاء والجيران .. وجيران الجيران أيضاً.. ولكن ولا بيت واحد فتح أبوابه أمام "أندرو " الوحيد المسكين !!
وبعد أن أغلقت المدينة كلها أبوابها في وجهه .. لم يعد أمام " أندرو " إلا المناطق الخالية المحيطة بالمدينة، وهي تضم اختيارين : فإما أن يعيش في المقابر التي تعج بالعفاريت والأشباح والكلاب الضالة المتوحشة.. وإما أن يلوذ ب (بيت الأحزان) !
..قلعة ( بيت الأحزان ) التي فر من جوارها مئات من القرويين في بداية القرن ؛ وتركوا منازلهم خاوية على عروشها تحيط بالقلعة الرهيبة.. كما يحيط الذباب بجثة القتيل !
ولكن هل يملك هو ترف الاختيار .. لا بأس أيها الزمن القاسي.. لا بأس أيتها القلوب المتحجرة التي لا تعرف الرحمة .. فلنذهب إلى ( بيت الأحزان ) .. فربما تكون أشباح القلعة وعفاريتها أكثر رحمة وشفقة من قلوب سكان هذه المدينة اللعينة !
وجمع " أندرو " حاجياته ؛ التي نجت من أنقاض بيته ؛ وتوجه إلى القلعة ..قلعة ( بيت الأحزان ) !
************
ذهب " أندرو " ليودع " بورجيلا " العجوز في بيت أبنه .. فقبله الرجل الطيب ووضع يده على رأسه ؛ وتلا صلاة كاثوليكية طويلة باللغة الأسبانية ؛ ثم منحه هديتين :
الهدية الأولى : صورة للقديسة "كريستينا " شفيعة الصبية .
أما الهدية الثانية :فكانت عبارة عن مسدس !
ولكنه لم يكن مسدساً عادياً ؛ بل كان بالغ الضخامة وشكله غريب حقاً ؛ فرفع" أندرو" عينين متسائلتين نحو العجوز الذي ربت بيده المعروقة على يد " أندرو " بحنان وقال له :
" أحتفظ به ! إنه يحوى أنصاف بنسات فضية ؛ وهي تعويذة تحمى من الأرواح الشريرة ..ستحتاجها حتماً ! "
************
بُنيت قلعة ( بيت الأحزان ) في بداية القرن الرابع عشر ؛ لتحرس الطريق الذي يصل مقاطعة ( أسكس ) بداخل البلاد ؛ وظلت تؤدى مهمتها باقتدار طوال القرنين ال14و15 .. ثم أُخليت القلعة في الربع الأول من القرن ال16 لأسباب غير معروفة .. وقيل أيامها أن القلعة تحتوى على خطأ جسيم في تصميمها يمكن أن يؤدى إلى انهيارها المفاجئ.. وقيل أيضاً أن عملية الإخلاء تمت لأسباب أخرى بعيدة كل البعد عن الأخطاء الهندسية !
المهم أنه بعد أن أُخليت القلعة ظلت لفترة مزاراً ومقصداً مهماً لكل من ينزل بمقاطعة ( أسكس ) .. ولكن بعد أعوام خرجت شائعات كثيرة عن أحداث مخيفة تجرى في القلعة .. وكان مصدر هذه الشائعات هم السكان الذين يقيمون على مقربة من القلعة.. وملأت تلك الشائعات البلاد إلى الحد الذي قلل ؛ تدريجياً ؛ من عدد زوار ( بيت الأحزان ) ؛ حتى اختفى هؤلاء تماماً .. بعد أن أقدم سكان القرى المحيطة بالقلعة على هجر قراهم وبيوتهم والفرار من جوار القلعة.. وبمضي السنين ذاعت سمعة القلعة السيئة بين الناس .. حتى لم يعد أحد يجرؤ على مجرد الاقتراب من ( بيت الأحزان ).. أو الأراضي المحيطة بها !
وهكذا هُجرت القلعة الهائلة ؛ التي كانت يوماً ما مصدراً لفخر وعظمة بلاط ملك عظيم .. وأصبحت مرتعاً للحكايات والشائعات والخرافات؛ التي يطلقها أناس لم يقضوا بين جدران القلعة ساعة واحدة.. ولكن ما الشيء الرهيب الذي يمكن أن يدفع السلطات إلى إخلاء القلعة وتركها خاوية على عروشها .. ويدفع الناس إلى أن يروجوا كل تلك الشائعات والحكايات ويرتجفوا لمجرد ذكر أسمها ؟!!
************
وأول ليلة ل" أندرو " في داخل قلعة ( بيت الأحزان ) !
فتح " أندرو" باب القلعة الرئيسي الخشبي الكبير ذي المصاريع الحديدية العملاقة.. ولم يكن الباب موصداً بإحكام ؛ فقط كان مغلقاً برتاج خشبي خارجي مهشم؛ ولم يحتج من " أندرو " إلا أبسط الجهد لدفعه وفتحه.. وانفتح الباب الضخم كاشفاً عن بهو شديد الأتساع به مدفأة حجرية ضخمة محطمة في الواجهة..
وتحيط بالمدفأة ؛ من الناحيتين ؛ أبواب صدئة مغلقة بسلاسل حديدية صدئة كذلك.. ويوجد أيضاً سلم حجري بدون حاجز على يسار البهو؛ وأخر على يمينه .. وكان البهو مليئاً بالفئران السمينة والحشرات الزاحفة.. أما السقف والحوائط فتتدلى منها خيوط العنكبوت في شكل أشبه بالثريات.. وتلفت " أندرو " حوله كثيراً وأخذ يتفحص المكان ؛ بعينيه ؛ جيداً.. وحاول إقناع نفسه بتجربة فتح أحد تلك الأبواب الصدئة الموجودة على جانبي البهو لمعرفة ما الذي يوجد خلفه.. ولكن " أندرو " غير رأيه فجأة وتوجه ؛ حاملاً حقيبته الصغيرة ؛ إلى السلم الذي على يسار البهو.. وبعد تردد وضع قدمه على أولى درجاته.. فقد قرر أن يستكشف أعلى القلعة أيضاً كذلك.. ليختار أفضل حجرة يقيم فيها !
لهث " أندرو " وهو يصعد السلم ؛ الذي بدا وكأنه سلم برج ( بابل ) لا نهاية له.. وسقط مرتين وسالت الدماء على وجهه ؛ وأصابه تعب غريب ؛ حتى كاد يعدل عن الاستمرار ويهبط ثانية إلى بهو القلعة السفلى .. عندما لفت نظره ضوء غامض يشع من أعلى الدرج الذي سقط أسفله يئن ويبصق الدم !
لم يكن ضوء الشمس قطعاً ..ف" أندرو" ؛ وإن كان يرتدى نظارات طبية كأبيه ؛ إلا إنه لم يكن أعمى.. فرغم أن ضوء النهار ما زال يملأ جنبات القلعة ؛ إلا أن ذلك الضوء القادم من أعلى الدرج ؛لم يكن ضوء النهار ؛ ولا نور الشمس بالتأكيد !
ولسبب غامض .. شعر " أندرو " برغبة غامضة في استكشاف الأمر ؛ والاقتراب من مصدر هذا الضوء الغريب ..وقد أمدته قناعاته بمزيد من الشجاعة .. ألم تقل له أمه ذات مرة ؛ وهي تقرأ له رواية " لي فانو " ( كارميلا ) ؛ أن الأشباح والأرواح الشريرة لا تستطيع أن تظهر والشمس مشرقة أبداً.. أبداً !
وصعد " أندرو " في الدرج بأناة وهو يقوى من نفسه ويشدد عزمه..وبعد عدة درجات وجد " أندرو " نفسه أمام ممر طويل دامس الظلام .. تقع في منتصفه منضدة خشبية عتيقة .. فوقها مصباح مضيء بشمعة !
مصباح مضيء في القلعة المهجورة ؟!.. شيء غريب !
ولكن.. أليس من الممكن أن يكون أحد قد تسلل إلى القلعة ؛ ونسى المصباح فيها ؟!
بل ربما كان شخص ما قد أجبرته ظروفه ؛ مثل " أندرو " نفسه ؛ على اللجوء إلى ( بيت الأحزان ) والمعيشة فيه !ومن الممكن أن يكون ذلك الشخص ما زال موجوداً بالقلعة.. بل مؤكد أنه ما زال موجوداً بدليل المصباح ذو الشمعة !!
وفرح " أندرو " لهذا الخاطر المفاجئ ؛ بل وتمنى لو كان حقيقياً .. وقرر أن ينادى بصوت عالٍ ؛ لعل ذلك الشخص المزعوم يجيب على نداءه !
وتوجه " أندرو " إلى رأس السلم ؛ الذي صعد فيه ؛ ليكون في موضع يمكنه من إسماع نداءاته لأي شخص قد يكون متواجداً في أي مكان بالقلعة .. ووضع" أندرو " راحتيه حول فاه وراح ينادى :
" هووووووه ! هل من أحد هنا.. هاللو .. هاللو .. هل من أحد هنا؟"
وكرر " أندرو " نداءاته عدة مرات ؛ وفي كل مرة كان يسمع صدى صوته يتردد عبر جنبات القلعة ؛ وينتظر أن يسمع جواب على نداءه ولكن دونما فائدة.. وظلت القلعة غارقة في الصمت !
ودون أن يدرى السبب الذي حمله على ذلك .. وجد " أندرو " نفسه يجلس على الأرض ؛ وينخرط في نوبة بكاء عصبية هستيرية.. لم يستطع إيقافها رغم كل محاولاته !
وظل " أندرو " جالساً على الأرض يبكى نحواً من ربع ساعة .. ثم هدأ فجأة وتوقف سقوط الدموع من عينيه ؛ إذ يبدو أنه أفرغ كل ما فيهما من دموع ؛ ووجد نفسه يفكر بهدوء في مصيره.. ماذا يفعل .. إلى أين يمضى.. ماذا سيفعل بنفسه ..هل هو جدير بالحياة ويستحق أن يعيش ..أم لا ؟؟
ماذا ستفعل يا " أندرو " .. بالله عليك ماذا ستفعل ؟!
" سأقاوم .. لن أستسلم أبداً.. لن أستسلم وسوف أقاوم.. وستكون هذه القلعة بيتي .. ولا يوجد شيء في الكون سيجبرني على تركها.. حتى ولا أشباح الأرض كلها ! "
ونهض " أندرو " بتثاقل عن الأرض .. وتنبه لأول وهلة إلى أن الغروب والظلام قد خيما على القلعة بأسرها.. أما الشيء الغريب الذي حدث ؛ فهو إن " أندرو " وجد المصباح ذو الشمعة قد أنطفأ من تلقاء ذاته.. في نفس اللحظة سمع " أندرو " صوتاً غريباً صادراً من إحدى الغرف المغلقة في داخل الممر .. صوت بكاء طفل !!
************
متحلياً بشجاعة لم يعرف من أين أتته.. أستخرج " أندرو " من حقيبته شمعة وثقاب.. وأشعل الشمعة بهدوء وتركيز ، ثم حملها وتوجه نحو الغرفة التي صدر منها الصوت الغريب ؛ متخذاً مظهر البالغين الشجعان؛ وإن كشف اهتزاز الشمعة في يده عن اضطرابه الذي يداريه..
وكان من السهل على " أندرو " تمييز تلك الغرفة ؛ إذ أن الصوت رغم أنه صمت ولم يتكرر ؛ إلا إن صداه بدا وكأنه بخار ماء تجمع وتكثف في سحابة أمام باب الغرفة التي خرج منها.. ومد " أندرو " يداً مرتعشة نحو باب الغرفة ؛ ذو اللون البني الغامق المصقول ؛ وأدار المقبض الصدئ ؛ فصدر عنه صوت يجمد الدم في العروق .. ولكن " أندرو " لم يتراجع ؛ وإن ملأ الذعر قلبه ؛ ودار المقبض بشيء من الصعوبة بين يديه ؛ وأنفتح الباب في بطئ حتى ظهر ....
كلا ! لم يظهر شبح ولا شيطان مريد ولا جثة مفتوحة العينين على أتساعهما تتدلى من حبل..ولا أي شيء آخر من الأشياء التي قد تكون جالت بخاطركم ! بل لم يكن بالغرفة سوى التراب والظلام ؛ ونافذة مفتوحة على مصراعيها وستائر متهرئة تتطاير في الهواء ؛ بفعل الرياح القوية .. وبروية تفحص " أندرو " الغرفة ؛ وقد زال خوفه تقريباً ؛ فلما لم يجد بها أي شيء يستحق الاهتمام ؛ استدار وهم بمغادرتها .. عندما لفت شيء غريب نظره ! أقترب " أندرو " أكثر من الشيء الذي جذب انتباهه ليراه بشكل أفضل؛ وعلى ضوء الشمعة المهتز .. رأى " أندرو " بضع كراسات مدرسية قديمة بالية وممزقة ملقاة في أحد الأركان !
امتلأت نفس " أندرو " بالعجب ؛ ولكن عجبه لم يكن بنفس قدر الفضول الذي أستولي عليه.. فوضع شمعته على الأرض ؛ بجوار الكراسات ؛ وألتقط إحدى هذه الكراسات .. كانت بالية تماماً وممزقة وأوراقها مثنية ومتلاصقة.. على الغلاف كانت هناك كتابة باهتة باللون الأزرق .. وكانت اسم " ستيفن دواتفيلد باركنسون دى زيجا " .. وأخذ " أندرو " يقلب صفحات الكراسة بحرص؛ محاذراً ألا يزيدها تمزيقاً على تمزيق ؛ وفي الصفحة الأولى كانت هناك حروف أبجدية مكتوبة باللون الأحمر ؛ ومكررة بالقلم الرصاص بخط رديء .. وتتابعت الصفحات في بعضها حروف أو أرقام أو قطع صغيرة من الإملاء .. ولكن في الصفحات الأخيرة وجد " أندرو " بضعة أسطر مختلفة ؛ تبدو كأنها مذكرات أو يوميات ؛ وكانت تقول :
" أنا سيئ الحظ.. ف" ماركيلا " الصغيرة تكرهني.. ومدام " بيرودين " لا تكف عن تأنيبي.. ومعلمتي " مسز سميث " تعطيني واجبات كثيرة ؛ لا أكاد أفرغ من تأديتها حتى تكلفني بغيرها.. حتى ماما تركتني بمفردي وأغلقت على الباب .. وذهبت لمقابلة الملكة " !
وبعد أن قرأ تلك السطور القليلة .. أحس " أندرو " برغبة غامضة في أن يعيد قراءة الاسم المدون على غلاف الكراسة .. وقرأ " أندرو " بصوت مسموع " ستيفن دواتفيلد باركنسون دى زيجا ".. وفي تلك اللحظة انطفأت الشمعة..وتجمد " أندرو " في مكانه دون حراك ، فرغم الظلام الدامس ، إلا أن الصبي الفاتح أدرك أن هناك من يقف وراءه.. بل ويضع يده على كتفه !
************
بعد سنوات طويلة كان الجد العجوز " برتراند فوك " ؛ الذي كان يعمل حطاباً في شبابه ؛ يجمع أحفاده كل مساء ليحكى لهم ؛ بصوت مرتجف ؛ ما حدث له في ذلك المساء العجيب ؛ منذ أعوام بعيدة ؛ عندما تأخر به الوقت في الغابات المحيطة بقلعة ( بيت الأحزان ) .. كان الجد " فوك " يقول في كل مرة :
" كنت في تلك الليلة أجمع الحطب في الغابة المجاورة .. فالأراضي المحيطة بتلك القلعة الملعونة ظلت دائماً تُنبت أفضل أنواع الأشجار ذات الأخشاب الممتازة.. لم أكن هناك بمفردي ؛ بل كان بصحبتي عدد من الرفاق ؛ كانوا دائماً ما يصاحبونني في جولاتي حول القلعة ؛ إذ لم أكن لأجرؤ على التجول هناك بمفردي.. " ماكولى " العجوز و" أنستاس " ذو الأنف الضخم و" هنري " و" فيكتور " كانوا كلهم هناك .. ولكني ؛ لسوء حظي ؛ غافلتهم وتوغلت في داخل الغابة .. ما زلت أذكر ذلك
اليوم جيداً كأنه بالأمس.. أصابني الهلع عندما أنقطع عنى تماماً صدى أصوات رفاقي ؛ الذي كان يملأ الغابة ؛ وجريت عبر دروب الغابة محاولاً الخروج إلى الطريق الرئيسي ؛ حيث تركت الرفاق ؛ وتهت وضللت طريقي مرات .. وأخذت أدور وأدور حول نفسي .. وفي كل مرة كنت أعود إلى نفس النقطة ثانية .. ولكن قرب الغروب تمكنت ؛ بفضل الله ؛ من الخروج من هذه المتاهة ؛ ووجدت نفسي فوق الممر الرئيسي للغابة .. على مقربة من القلعة المخيفة ؛ ولكنى لم أعثر على أثر لأي أحد من رفاقي .. ومشيت بضع دقائق لأجد نفسي أمام القلعة الملعونة .. وفجأة سمعت صوت باب القلعة ؛ الذي لم يُفتح منذ قرن ونصف ؛ وهو ينفتح بمفرده.. وبعد ثواني رأيت ضوءاً غامضاً في أعلى القلعة يسطع عبر النوافذ .. وبعد قليل أنطفأ هذا الضوء.. ولم تكد تمر لحظة حتى سمعت صرخة قوية صادرة من داخل القلعة.. صرخة صبى لا شك فيها.. أعقبها رياح عاتية هبت حول القلعة ؛ وأخذت كل نوافذ القلعة وأبوابها تصطفق في عنف وظهر نور أزرق غريب في أعلى القلعة . وراح يدنو حيناً ويبتعد حيناً ..... "
ثم يبتلع " فوك " العجوز ريقه بصعوبة؛ ويحفر الخوف خطوطاً غائرة على وجهه ؛ رغم مرور كل تلك السنوات ؛ ويواصل:
" وبعون الله تمكنت من العودة إلى بيتي سالماً .. ولكنى ؛ منذ تلك الليلة ؛ لم أجرؤ على الاقتراب مرة أخرى من أطلال القلعة الملعونة أبداً .... "
ولكن ما حقيقة ما جرى داخل ( بيت الأحزان ) في تلك الليلة ؟ !
************
تجمد " أندرو " في مكانه وتصلبت أطرافه وأحس بكتلة من الثلج تلامس كتفه الأيمن .. ومرت عليه دقيقة شعر خلالها أنه يهوى في فراغ شديد الصمت .. وفجأة أرتعش جسده ؛ من أعلاه إلى أسفله ؛ بعنف حينما أحس باليد الموضوعة فوق كتفه تنطبق وتشدد من ضغط أصابعها عليه.. وأبتلع " أندرو " ريقه وحاول جاهداً أن يدير رأسه ليرى الشخص ؛ أو الشيء ؛ الذي يقف خلفه.. ولكن مفاصل رقبته تصلبت تصلباً مؤلماً وأبت أن تدعه يتحرك بوصة واحدة.. وفي اللحظة التالية مباشرة عربدت عاصفة مخيفة حول القلعة.. وأخذت الأبواب والنوافذ تصطفق كلها في ( كونشرتو ) رهيب.. بينما الرياح العاتية تصرخ وتعربد في الخارج.. وظهر القمر الكامل مرة واحدة وصعد إلى قلب السماء وتسللت أشعته عبر النافذة ؛ وضربت " أندرو " في وجهه فأنفك تصلب جسده فجأة.. واستدار مرة واحدة ليجد .. نفسه !!
نهض " أندرو " كالمسحور ليحدق في نفسه الواقفة أمامه !
فلم يكن أمام " أندرو " إلا " أندرو " آخر ! أو للدقة صبى آخر ؛ هو في الواقع نسخة أخرى منه في كل شيء !
نفس الحجم والطول.. نفس الملامح.. نفس العيون والشعر والشكل.. كل شيء . كل شيء.. عدا الملابس !
فقد كان " أندرو " الثاني يرتدى ثياباً عتيقة فخمة ..فكأنها ثياب ملكية ! وفيما عدا أن " أندرو " الثاني كان جسده شفافاً يظهر عبره كل ما هو موجود خلفه.. وذلك لا يعنى سوى شيء واحد.. إنه شبح !
ظل " أندرو " ؛ صاحبنا القديم ؛ لفترة ذاهلاً يحدق في وجه الشيء الواقف أمامه ؛ كما يحدق النائم في حلم عجيب ؛ ومرت ساعتين كاملتين دون أن يشعر بذلك.. وكأنهما لم تمرا من الأساس !
وفجأة تذكر " أندرو " مشهد غريب رآه في طفولته ولكنه نسيه تماماً فلم يعد ليطرق ذاكرته إلا الآن:
" نعم ! ( كارميلا ) .. لقد قرأتها مثلك ..قبل أن أموت ! "
قالها الشبح ثم ساد الصمت التام.. ومضى الاثنان يحدقان في بعضهما دون نهاية !
************
أستيقظ " أندرو " وقد ملأت الشمس الحجرة الفخمة التي نام فيها.. الحجرة التي قاده إليها صديقه الشبح ؛ وطلب منه أن ينام فيها ! وكان " أندرو " راقداً على سرير ضخم يحتل نصف مساحة الحجرة تقريباً ..
وكانت ملاءات السرير وأغطيته كلها موشاة بخيوط الذهب.. التي لم تفقد بريقها رغم القدم !
وكانت ( لمسة الذهب الساحرة ) تطغى على كل ما بالحجرة من أثاثات ومفروشات وستائر.. بل حتى السجاجيد على الأرض كانت مزينة بخيوط من الذهب .. ولم تكن فخامة الحجرة مبعث دهشة " أندرو " .. ألم تكن هذه هي غرفة نوم .. ملك ؟!
وسارع " أندرو " بالنهوض وارتدى ملابسه سريعاً.. لينفذ ما يجب عليه تنفيذه .. قبل أن يسرقه الوقت ويدهمه الليل !
وبعد لحظات كان " أندرو " قد شرع في العمل !
************
هبط " أندرو " إلى بهو القلعة السفلى.. ذو السلالم والأبواب الصدئة المغلقة والمدفأة الحجرية المحطمة.. وأتجه بثقة نحو ممر جانبي لا يكاد يُرى من أي موضع بالبهو.. ويصعب أن يعرف أحد مكانه إلا إذا أرشده إليه شخص ما ! ووجد " أندرو " نفسه أمام ممر هابط منحدر بشكل شديد الخطورة.. ولكنه لم يأتي معه بالحبال عبثاً.. فك " أندرو " ربطة الحبال وأخذ الطرف الأول ولفه
بإحكام حول أحد أعمدة البهو العملاقة.. بينما ربط الطرف الثاني حول خصره عدة مرات .. وحمل " أندرو " مصباحه وأدواته كلها في حقيبة علقها في كتفه .. ومضى هابطاً الممر المنحدر الخطر ؛ وساحباً الحبل شيئاً فشيئاً ؛ حتى وصل الحبل إلى نهايته ؛ وصار مشدوداً تماماً.. في نفس اللحظة وصل " أندرو " أمام غرفة صغيرة لها باب من الحديد ؛ مغلق بعشرات من الأقفال والسلاسل الحديدية الصدئة .. وكانت كل هذه الأقفال مغلقة بإحكام شديد ؛ ولكن ذلك لم يكن يشكل عائق أمام " أندرو " فقد زوده " ستيفن " بكل ما يحتاج إليه لإتمام هذه العملية بنجاح ..
وبثقة أخرج " أندرو " حلقة بها عشرات من المفاتيح ومضى يجربها ؛ مفتاحاً مفتاحاً ؛ حتى تمكن من فتح كل تلك الأقفال الضخمة.. وأنتزع السلاسل الحديدية .. ثم أستجمع كل قوته ودفع الباب الثقيل قليلاً قليلاً .. حتى تمكن من فتحه كاملاً !
أشعل " أندرو " المصباح ذو الشمعة وحمله وخطا داخل الغرفة.. التي صُنعت جدرانها وأرضيتها وأبوابها من النحاس ؛ حتى بدت كعلبة معدنية محكمة الإغلاق .. والتي لم تكن في الواقع سوى .. قبر !!
************
بخطوات مرتعشة دخل " أندرو " إلى الغرفة التي لم تُفتح منذ قرون.. وكانت الغرفة من الداخل فارغة إلا من منضدة حجرية ؛ تماثل تلك الموجودة في الممر الذي بأعلى القلعة ؛ ولكن المنضدة هنا لم يكن فوقها مصباح بشمعة .. ليته كان .. بل كان فوقها تابوت زجاجي !
تصلب " أندرو " أمام هذا المنظر المهيب وبدون شعور منه وضع يده على التابوت العتيق ؛ ثم رفعها ليجدها غارقة في التراب والغبار .. ودار " أندرو " حول التابوت ..وكأنه في حلم ؛ حلم عجيب لم يره أحد من البشر من قبل ؛ وتأمله لحظات طويلة كالمخدر ؛ ثم نفخ عنه التراب .. ليظهر فجأة وجه الشخص الراقد في التابوت .. ولم يكن في التابوت سوى " أندرو " نفسه.. " أندرو " الثاني .. أو شبيهه الذي قضى نحبه منذ قرن ونصف.." ستيفن دواتفيلد باركنسون دي زيجا " !
تأمل " أندرو " وجه الفتى الراقد بداخل التابوت طويلاً .. وفجأة راودته أحاسيس غريبة .. أحس أنه رأى هذا التابوت من قبل ..رآه بل ورقد فيه طويلاً !
************
بصعوبة فتح " أندرو " التابوت الزجاجي.. وعندما هم بالإمساك بالجسد المحنط داخله أصابته موجة مباغتة من الذعر.. وتراجع دون وعى حتى أصطدم بالجدار النحاسي خلفه.. وفجأة انتابته واحدة من النوبات العصبية الهستيرية ؛ التي كثيراً ما كانت تصيبه بعد وفاة والديه ؛ وراح صدره يعلو ويهبط وأنفاسه تمزق صدره ؛ وشعر بيد ثقيلة غشوم تكتم أنفاسه وتسد خيشومه وتحبس أنفاسه
..وأستغرق الأمر أكثر من نصف ساعة حتى عاد " أندرو " إلى وعيه وتمكن من السيطرة على نفسه .. وبسرعة ؛ وقبل أن يجبن مرة أخرى ؛ عاد " أندرو " إلى التابوت الزجاجي وفتحه ؛ ومد يديه والتقط الجسد المحنط من داخله ؛ وتحامل على نفسه كثيراً حتى تمكن من رفع الجسد من التابوت.. وحمله بصعوبة بالغة بين يديه ؛ وكاد يسقط به عدة مرات ؛ ولكنه قاوم ضعفه ومخاوفه.. وتمكن من حمل الجسد وإخراجه من التابوت .. ثم وضعه فوق المنضدة الحجرية ؛ والتقط الحقيبة الجلدية الكبيرة ؛ التي أتى بها معه ؛ وفتحها ثم حرك الجسد برفق .. حتى نجح في إدخاله فيها !
************
أغلق " أندرو " الحقيبة ؛ وحملها بصعوبة بالغة وخرج بها من الغرفة..وجذب طرف الحبل ؛ الذي كان متدلياً أمام باب الغرفة ؛ وربطه حول الحقيبة .. ثم أخذ يدفعها من الخلف ليخرجها من الممر .. ولم يكن هذا بالأمر الهين ؛ فالحقيبة ثقيلة للغاية ؛ والممر شديد الانحدار .. وسقط " أندرو "على وجهه وظهره عدة مرات ؛ وأنفك الحبل من حول الحقيبة أكثر من مرة وسقطت للخلف .. وكان " أندرو " يضطر إلى التوقف في كل مرة وإعادة ربط الحقيبة والبدء من جديد .. وأستغرق الأمر من" أندرو " النهار بطوله ليتمكن من إخراج جثة ( ستيفن ) من الممر إلى بهو القلعة الرئيسي.. ولكنه نجح في ذلك في النهاية .. وهذا هو المهم !
قام " أندرو " بجر الحقيبة على الأرض برفق ؛ إذ لم يعد قادراً على حملها ؛
وجرجرها حتى وصل بها إلى باب القلعة الأمامي .. ثم أنزلها عبر السلالم الخارجية .. ومضى بها عبر الأراضي المحيطة بالقلعة ؛ وكان الظلام قد خيم حينئذ ؛ ولكن" أندرو " بذل جهده لئلا يضل طريقه .. وبعد نصف ساعة وصل " أندرو " إلى هدفه !
************
توقف " أندرو " عند حدود قطعة منعزلة من أراضى القلعة ووضع الحقيبة إلى جواره .. ثم ألتقط جاروفه وأخذ يحفر لمدة تزيد عن ساعة ونصف .. حتى ظهر أمامه شاهد قبر بالغ القدم ؛ وقد غطته أكوام من الحجارة والطين والرمال؛ حتى أخفته تماماً عن الأنظار.. ثم وضع " أندرو " الجاروف جانباً ومضى يحفر بيديه العاريتين في التربة المحيطة بشاهد القبر.. وبعد دقائق وصل إلى حلقة حديدية صدئة جذبها بصعوبة فارتفعت إلى أعلى كاشفة عن غرفة حالكة الظلام أسفلها..
تناول " أندرو" المصباح وأدخل جسده في الفتحة الواقعة أسفل اللوح الحديدي ؛ الذي تقع الحلقة في منتصفه ؛ وهبط " أندرو " على سلالم الغرفة ؛ التي كانت قبر لآل " زيجا " منذ قرون .. وفي ثواني كان يقف وسط مقابر " آل زيجا " تحيط به قبورهم المنسية من كل مكان .. وحمل " أندرو" مصباحه وراح يتفقد المقابر حتى وصل إلى الهدف الحقيقي .. نعم هنا .. ثمة شاهد قبر يحمل أسمه .. " ستيفن دواتفيلد باركنسون دي زيجا " ..
قبر" ستيفن " الذي لم يُسمح له بأن يرقد فيه فمضى هائماً على وجهه حبيساً في القلعة.. حتى جاء المختار لينقذه .. " أندرو " !
************
قبل شروق الشمس كان " أندرو " قد انتهى من دفن جثة " ستيفن " المحنطة في قبرها الحقيقي .. وعاد إلى القلعة ؛ التي صارت آمنة الآن ؛ ليجد كل الأقفال والسلاسل الحديدية المغلقة التي في كل مكان وقد تفتت.. وكل الأبواب المغلقة وقد تفتحت على مصارعيها ونور الشمس يغمر كل ركن في القلعة .. التي زالت عنها كآبتها فجأة .. وسمع " أندرو " صوتاً غريباً من أعلى فرفع رأسه.. ليجد عصفوراً صغيراً يبنى عشه في أحد أركان البهو العملاق !
************
بعد عشرات من السنين كانت عائلة "أندرو" لا تزال تقيم في قصر ( بيت الأحزان ) .. الذي لم يكن قلعة على الإطلاق .. بل قصر" آل زيجا " أكبر وأغنى عائلة في أوربا في القرون الوسطي .. ورغم الثراء الفاحش الذي يتمتع به ( آل أندرو ).. إلا أنهم لم ينسوا أبداً في أي مناسبة من مناسباتهم العائلية أن يقدموا الاحترام والتقدير لجدهم العجوز ( أندرو) ولصديقه العزيز.. المرحوم ( ستيفن دواتفيلد باركنسون دي زيجا ) !!