[align=right]أعرف أن سمير سيقبلها مني تجاوزا ...هو متعود دوما على هذه الهلوسات
وأنا لا يسخن جنوني إلا مع نصوص سمير الفيل الحارة المتبلة بقوة ...
وقبل ذلك أخبره أن الله فتح بيني وبين نصوصه بعد ان خاصمتني مرتين
( نصين )
أنا اليوم في وفاق مع ترميم وتجننت عليها ....وفيها ....وبها ....ومعها
منذ الزلنطحي لم أزر حوارى مصر ولم أذق الفول الساخن بقرون الشطة الخضراء الشهية ...ولم أجالس نساءها البضات الطريات الأنثوات في زنقة الستات والسبعات .... ولم اسمع ضجيج العيال في الحارة ...ولم اتطلع الى الشرفات القديمة وهي تتدلى منها السلال لبائع الخضر ليملأها بالمطلوب ...
بصراحة كنت قلقة على نفسي من حرماني من أم الدنيا وأنا بها تعلقت منذ الصغر ...
لولا ترميم لظننت ان أم الدنيا قد بلعها نيلها وتهدمت عليها أهراماتها
لولا ترميم لكنت فقدت الأمل في معانقة مصر المحروسة ولكنت حرمت الشرب من نيلها الزلال ...
أنا الأن في حالة ترميم نفسي مع نص ترميم الذي أعاد اليّ الأمل وأمطرني بالقبل ...
من وجدني ثقيلة فليخرج الآن لأني سأثقل أكثر وأكثر وأكثر ....
إن كان من القراء مخبرين فليقيدوا إسمي من الآن .... لأني سأفتح فمي حتى تظهر نواجده .... وسأطلق العنان لخيلي يركض كيفما أراد ورغب .... وساطلق القيد عن جِنتي وعفاريتي يسرحون ويمرحون .... ثم بعدها علقوا لي المشانق ... يا روح ما بعدك روح ...
هذه قراءتي أنا وفاء الحمري لا دخل لسمير بها .... هي هلوساتي لوحدي وأنا اتحمل تبعاتها ...
ترميم لي وانا افعل بها ما أشاء وأفهمها كيف أشاء ....
انا الآن أكلت صحن الفول بالعيش الساخن وأتبعته كوب شاي أسود لون سماء
مصر أيام الترميم ...
نزلت المقهى المجاور للقسم كان بقربي في المقهى المخبر محروس طلبة النفراوي أمامه كأس الشاي ومستلزمات القعدة (تكون اصطباحته في المقهى المجاور للقسم ، ومع الشاي يناوله الصبي كرسي معسل " قص " أو " سلوم ") وبين يديده جريدته المفضلة ( بعدها يشتري جريدة " الأهرام " ، ويدس رأسه بين أوراقها يبدأ دائما بصفحة الحوادث وينتهي بصفحة الوفيات.)
أنا الآن على ناصية الحارة مقابلة لبيت السيدة البهية الشابة سلوى .... أراها تطل من شرفة البيت (وحدها تقف في الشرفة ، تنظر لشباب البنائين ، وهم يكدحون من النجمة حتى لحظات نقرة الشمس ، حينها يفكون المناديل المحلاوي وينكبون في تناول طعامهم تحت أسقف المحال في الظل . ودت أن تخفف عنهم هذا العناء )...العمال يرممون العمارة- عمارة سلوى واهلها - التي أصابها الشرخ ... بل شروخ كادت ان تودي بها لولا محاولة استطاعت بعسر وجهد جهيد أن تتوصل إلى بدء الترميم ... (كان عليهم أن يتصرفوا في المبلغ المطلوب . رهنت سلوى مصاغها ، واقترض عباس من عمله قرضا ميسرا بفوائد بسيطة ، فيما استطاع معتصم أن يدبر مبلغا معقولا فهو يعمل في أشغال الكهرباء ،أما يسري فقد اعتذر بضيق ذات اليد وإن لم يحرمهم من بيع " السلسلة الذهبية " التي اشترتها نينة نوال من الحجاز لزوجته في عمرتها الأخيرة ، لذا بدأت الأمور تتزن ، والأزمة تنفك )....طلبة محروس النفراوي هذا رغم الهالة التي يحيطها بنفسه والقوة التى يدعيها (مد يده فأخذ الأرغفة كلها ، ثم انتقى رغيفين ، وبيده رمى الباقي على الأرض ،ومشي منفوخ الصدر كأن شيئا لم يحدث ، عندها صرخت تفيدة بائعة الفول النابت : حرام عليك . هذه نعمة ربنا . ) فرغم هذا التظاهر بالشدة أمام اهل الحارة الضعفاء(الولودين) فهوعقيم ... أو شبه عقيم بعد بحثه الحثيث عند الأطباء عن دواء لعقمه ( فهي تعرف أكثر من غيرها أن الولد الوحيد الذي أنجباه قد جاء بعد طلوع الروح ، ولا أمل مطلقا في أن تنجب ثانية فقد أخبرها الطبيب بكل صراحة أن ظهره لم يعد قادرا على أن يهب الأرض بذرة صالحة ،وأخبره هو الآخر بأدب واحترام نفس الشيء ، لكنه في ثورة غضبه أمسك بأوراق التحاليل فمزقها ، وصاح في وجه الرجل الدمث بمعطفه الأبيض أنه سينجب غصب عنه وعن "أجعص " دكتور في البلد ؛ فهو من الحكومة ، ويعرف كيف يتحايل على الأوامر والنواهي والزواجر ، ثم أن النبي زكريا قد أنجب بعد أن وهن العظم منه ، واشتعل الرأس شيبا ) . وتوهمه الدائم انه ولود لذلك تراه يكذب على سلوى التي تامل ان يرزقها الله الاولاد كمثل كل إناث الحارة المصرية الذين لهم في الولد قوة وعزوة وسيادة .... (بعد الإفطار كشف لها عن سره الدفين : أتعرفين . رحت المعمل الطبي ، وأجريت فحوصا جديدة ، وجاءت النتيجة كأحسن ما تكون .قال لي الطبيب أنت سليم وصحتك كالحصان. يمكنك أن تنجب بدل الولد عشرة) ...هذا المحروس طلبة زوج السيدة سلوى الأصيلة بنت الناس الطيبين غدر بها وهي بين احضانه ...كذب عليها وهي تتدفا به .... غدر بها وهي ام إبنه الوحيد ... غدر بها وهي الأصيلة الجميلة الشابة الفتية المشتهاة ... فضل المادة على الحضن والدفئ واللمة والجمال ...
غدرها ووقعها على توكيل ...وتوكيل رسمي ... بالشهود والإثباتات والطابع الرسمي والدمغة الإدارية ... غدر رسمي يعني وبدون تزوير ...
لما أفاقت المسكينة من غفوتها- وما كان لها ان تغفو ابدا في حضرة محروس أبدا - وجدت نفسها قد أوقعت أهلها في مشكلة كبيرة ببيع نصيبها في البيت الكبير ....بيت العيلة ....
تعرف أن أهلها الطيبين سيلملمون هذه السقطة بما لديهم من أصالة وحنان وأخلاق وحب كبير لهذا البيت العتيق الذي يتشبثون به رغم تداعيه ....
فعلا جمعوا أمرهم بياتا ولموا قيمة ما سيعطونه للغدار قريبهم محروس طلبة ...
بقيت سلوى في بيتها وهو يرمم بعرق أبناء الحارة من العمال المخلصين الأقوياء (في اليوم التالي وقفت في الشرفة تنتظر مجيئهم ، كانوا أكثر من تسعة أفراد ، يحملون في أيديهم عددهم ، ومناديلهم المربوطة بإحكام ، وكانت خطواتهم تطرق الأرض في قوة .
خطوات مسموعة من أول الشارع ، أبهجها أن تراه في مقدمة القادمين ، هجست أن نورا في وجهه . نور خفي لا يراه أي أحد . لعلها من أهل الطريقة فتبصر ما لا يبصرون، جسده فارع ووجهه عريض متناسق القسمات . قبل أن يهبط زوجها إلى عمله سألها في ضيق : متى ينتهي البيت من الترميم؟)كل هذه الأحداث مرت بي وأنا على ناصية الحارة وسلوى في الشرفة ترقب عمال الترميم ومحروس زوجها في المقهى المجاور للقسم ...
كل هذا وانا حاضرة ناضرة مترقبة مثلي مثل جميع العرب المخلصين الذين تابعوا أحداث انتخابات مصر الأخيرة ...
رأيت محروس صاحب السلطة ( الدولة )...ورأيت سلوى هي (السلطة نفسها )... كيفما كان الحال هي سلطة ليست حرة لأنها بيد من يديرها ويسيرها ... وإن كانت في الأصل الجميلة البهية ...
ورأيت العمال (هم ابناء مصر) المخلصين الذين لهم رغبة جادة في ترميم البلد ...
ورأيت الترميم هو الإنتخابات الأخيرة في مصر ومحاولة رأب الصدع الذي حصل في البيت المصري العتيق... الأصيل ... بيت الفراعنة من قديم التاريخ ...بيت الجدود الذين شادوا الأهرامات والأحفاد الذين بالكاد يحاولون الترميم ...
ومنهم من خدع وباع مصر في غفلة من إخوانه وأصهاره وعشيرته ... بحجة ان ذاك في مصلحة الشعب( حدقت في وجهه مترقبة ، وهو الخبير في مثل هذه الأحوال ، رأى حيرتها فهش وبش في وجهها ، وربت على منكبيها : طبعا موافقة . إنها أم ثروت ، وعقبى لك أم نوال .
سهـّمت في الفراغ ، وشعرت أن ليلة أمس ستمنحها بنتا دون شك ، لكن لماذا الاستعجال ؟ صحيح أن نوال اسم عزيز عليها فهو اسم أمها التي ماتت منذ أشهر قليلة ، كلمت نفسها : والله فيك الخير يا محروس)وحتى انه ( صاحب السلطة ) لم يكن سعيدا ابدا بهذا الترميم ( الانتخاب) الذي حصل رغما عنه ( بضغوطات أجنبية ) ويتضايق منه... ويقطع الأمل في الإصلاح وعودة أم الدنيا لدورها الأمومي الجميل (قبل أن يهبط زوجها إلى عمله سألها في ضيق : متى ينتهي البيت من الترميم؟
ردت بغير اهتمام ، كأنها تهش بيدها ذبابة تقف على طرف أنفها : الشقوق كثيرة ، يبدو أن الأمر يحتاج لوقت .
أشاح بيده في تأفف : لا أعرف ما الذي يعجبكم في بيت عتيق طالته الرطوبة ، فأكلت أساساته تماما ، وأحاطت به الشروخ من كل جانب ؟
ردت باحتجاج : أخي عباس يقول أن أساساته تعيش مائة سنة وأكثر .
طرق الباب خلفه في عنف: إنه يخرف ، وأنت تخرفين )أما سلوى ( السلطة ) فهي تهفو إلى حكم شاب فتي له دماء متجددة ويعمل بهمة ونشاط وحيوية لترميم البيت ( مصر) حتى أنها سقطت في حبه هذا الشباب ووقعت معه في تزاوج حميمي ( ولو في خيالها) وبقيت تحن و تأمل أن تصبح يوما بين أحضان القوي الأمين ... الأمين الذي سيزرع وردا وياسمينا وزهورا ويقدمها لها في صباحياتها الحالمة ....( هدأت نفسها وهي ترى فردوسها يتفتح ، غابت عن العالم ، ورأت الدنيا تمتليء بسقالات ، وأحبال مشدودة ، وشقوق بلاحصر .شمت رائحة العرق نفاذة فشهقت من هذا الخاطر الملح الذي يدق بوابتها . كانت تتشتت كجسد وتتفتح كروح في حالة ذهول يشرق بحلم شفيف تملأه النوارس ، وعلى المشجب تبدو السترة معلقة ، وقلم الكوبيا يرصد كل شيء بتفاصيله .)...
سلوى التي تستمع لأغنية عبد الحليم – حبك نار- وتعي أن مصر في دمها وحبها يشتعل نارا بين جنباتها وتريد لها الخلاص وإن لم تقدر عليه ( صاحبها يقيدها) كما كانت تنصت لأغنية عبد الحليم التي لم تسمعها منذ سنوات بعيدة " حبك نار " ( زعق فيها وهو يغالب تثاؤبه : أغلقي " الزفت " .. الراديو .)أما الطفل ابن هذا المحروس فهو غاو وهاو للغرب وألاعيبه ويحاول أن يستميل أمه إليه وهي ترفض رغم أنه ابنها ...( كان الصغير يضحك لفيلم كارتوني تتبادل فيه القطط المكيدة مع الفأرالظريف.... شدها من يدها مسرورا : تعالي يا أمي شاهدي " تومي وجيري ".)اما خلاصة القصة فهي في هذا المقطع ... (لأول مرة تمسك به ، وتقصف سنه الرفيع المدبب ، في شق من الشقوق الطولية بالبيت ، ثم تعيد وضعه في نفس المكمن بميل خفيف نحو اليسار ميل تعرفه ومن خلفه تدرك أن ثمة أوراق لابد أن تـُحبر في غبش الفجر الكثيف .)
سلوى (السلطة ) استطاعت اخيرا أن تكسر سن القلم الذي يخطط به لمستقبل مصر ...وإمالته قليلا لجهة اليسار بعد أن كان مائلا كلية وبتطرف ...تدرك سلوى أن هذا التحريف والتحريك الطفيف البسيط أفضل من لا شئ ... وتعي تمام الوعي أن حتى هذا التغيير البسيط لن يسلم هو الآخر من النقد ومحاولة التصدي ... لكنها مبسوطة بكسر سن القلم واختراق المسكوت عنه والذي تؤمن أنه ما زال يحاك في السر (ومن خلفه تدرك أن ثمة أوراق لابد أن تـُحبر في غبش الفجر الكثيف)
سمير قل انك لا تعرفني اوقل ...أنني من أشهر مجانين المواقع الثقافية العربية ولا علاقة لك بي ...
زروني كل سنة مرة ....لكن لا تنسوني بالمرة ...[/align]
[align=right]ملحق القراءة[/align]
.
------------
[align=right]قصة حالة ترميم : سمير الفيل
محروس المخبر عمل عملة تنجس بحر ، حتى أن زوجته ، حلاله ، أم عياله حين علمت بالمصيبة انهارت تماما ، وارتمت على الأرض في إغماءة طويلة ، وتطلب الأمر إحضار عربة إسعاف تطلق نفيرها فتوقظ من هم في سابع نومة ، وهو يشتال مع إخوتها الجسد المتخشب ويجيب عمن يسأله عن السبب بجملة واحدة : أمر الله!
لم يكن الموضوع إلا طمعه فيما تملكه زوجته من نصيب أمها التي انتقلت إلى الرفيق الأعلى في منتصف شهر رمضان الفائت ، وهو القبيح المنظر، المفلس الجيوب ، ظل يزن على أذنها ، ويعايرها بأنها لا تشتغل ، ولا لزوم لها في الدنيا لأنها لا تأتي كل آخر شهر بمرتب محترم يبشبش الحالة ، ويوسع على العيال .
ترمقه باكية حين يشير إلى حجرة ثروت كلما نطق كلمة العيال ، فهي تعرف أكثر من غيرها أن الولد الوحيد الذي أنجباه قد جاء بعد طلوع الروح ، ولا أمل مطلقا في أن تنجب ثانية فقد أخبرها الطبيب بكل صراحة أن ظهره لم يعد قادرا على أن يهب الأرض بذرة صالحة ،وأخبره هو الآخر بأدب واحترام نفس الشيء ، لكنه في ثورة غضبه أمسك بأوراق التحاليل فمزقها ، وصاح في وجه الرجل الدمث بمعطفه الأبيض أنه سينجب غصب عنه وعن "أجعص " دكتور في البلد ؛ فهو من الحكومة ، ويعرف كيف يتحايل على الأوامر والنواهي والزواجر ، ثم أن النبي زكريا قد أنجب بعد أن وهن العظم منه ، واشتعل الرأس شيبا .
محروس المخبر الذي يسير في الحارة مختالا فخورا بخدمة الحكومة ، ينهض كل صباح وينزل بالبيجامة ليشتري الفول والطعمية والعيش المدعم ، دون أن يقف في الصف ، فإن احتج أحد الواقفين في الطابور نظر إليه شزرا ، وعيناه تطقان شررا، فإن زاد بكلمة أمسكه من قفاه وجره إلى القسم بتهمة تكدير الأمن العام ، وإزدراء السلطات .
هو لا يدخله إلى الضابط ذي الدبورتين على الكتف الذي نهره المرة تلو المرة ، وعاقبه أكثر من مرة بالخصم من راتبه بعد مذكرة تـُرفع للمأمور ، لكنه يتدحلب كالثعلب ، ولمكتب الصول النوبتجي يذهب ، فيؤدي له تحية عسكرية كما أنزلت مشيرا للمواطن المارق : هذا الأفندي يطول لسانه على الحكومة .
من غير أن يدون الصول اسمه يركنه ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات حتى يبان له أهل ، فيخرجونه من الحجز بعد أن يكون قد تلقى من أرباب السوابق نصيبه من اللطم والزغد والتقليب ، والنهش والنبش والتلطيش ، ومن عجائب الأمور أن الكل عرف طريقته فصاروا يوسعون له طريقه كلما أتي المخبز أو توجه إلى الجمعية ، أو عرج إلى مجمعات الصابون والسكر والشاي والزيت المدعم ، فيشتري حاجاته فور وصوله ، فالمثل يقول : إبعد عن الشر وغني له .
لكن الذي حدث من جمعة يفوق الوصف ، فقد مد يده بالجنيه ، فأعطاه ولد جديد ريفي يقف في منفذ البيع عشرين رغيفا ، وقبل أن يعد المخبر العيش صرخ في الولد : ينقص رغيفان .
الولد المدهول العبيط أقسم أن العدد مضبوط ، فهو لا يغلط أبدا لأن هذا شغله وأكل عيشه ، لكن محروس طلبة النفراوي علا صوته ، أنه سيخرب بيته ، فمن يمكنه أن يغالط الحكومة أو يدلس عليها ، أو يعلي صوته في حضورها ، وقبل أن يشده للقسم استاء الناس مما سيحدث من تعطيل مصالح ، ووقف حال فقرروا جميعا أن يتبرعوا للولد المسكين بخمسة أرغفة لا اثنين يأخذها المخبر ليرحل . فوقف الرجل مقطبا جبينه ، وحملق في زبائن الفرن : أترشون الحكومة يا غجر؟
مد يده فأخذ الأرغفة كلها ، ثم انتقى رغيفين ، وبيده رمى الباقي على الأرض ،ومشي منفوخ الصدر كأن شيئا لم يحدث ، عندها صرخت تفيدة بائعة الفول النابت : حرام عليك . هذه نعمة ربنا .
خرجت من الصف بعد أن ألحت على من يليها من جنس الحريم أن يحفظ دورها ، وراحت تجمع الأرغفة الساخنة لتضعها في كيسها القماشي ، وهي تشيح بيدها : روح . تغور ما ترجع.
كان هذا قليل من كثير ، فرغيف عيش أو باكو شاي ، أو قمع سكر ليس نهاية الكون ، لكن الشيء الرهيب الذي حصل هو مكره الذي مكنه من أن يوقع زوجته سلوى في كمين محكم ، مما جعلها تخسر الجلد والسقط.
قبل العيد الصغير بيومين رجع مبكرا ، وبيده أكياس الياميش ، وهو لم يدخل بيته منذ كان ثروت في اللفة يوأوأ .
وضعه على المنضدة ، وقال لها أن ربنا قد فرجها ، وأن بيت العائلة القديم الذي يحتاج إلى ترميم قد وجد له المقاول الذي يعرف الأصول فلا يزيد مليما واحدا عن التكلفة ، ولا يغش في المؤن ، كما لا يبالغ في المصنعية .
بعد الإفطار كشف لها عن سره الدفين : أتعرفين . رحت المعمل الطبي ، وأجريت فحوصا جديدة ، وجاءت النتيجة كأحسن ما تكون .قال لي الطبيب أنت سليم وصحتك كالحصان. يمكنك أن تنجب بدل الولد عشرة .
كانت مهدودة من شغل البيت طول اليوم ، فارتمت على السرير لتستريح قليلا : ربك يسبب الأسباب . لحق بها ، وسألها : أتريدين بنتا ؟
خجلت أن تجيبه ، وبعد إلحاح وتمنع تركته يصعد إلى جوارها بعد أن أغلقت الباب على ثروت الذي كان ملهيا في مشاهدة أفلام الكرتون.
كان صدرها نافرا كبنت لم تدخل دنيا ،كأن الأخبار السارة تفعل الأعاجيب في الصدور و"الأوراك " ، وقد وضعت بودرة بسيطة على الخدين .
رأى في الضوء الكابي شفاها ممتلئة ، وجسدا يفور بماء الحياة ، همس في أذنيها : ستؤنس البنت أخيها ، فضحتها ضحكتها : يا رجل . أصغير أنت على هذا ؟ أتلم!
بعد أن حرث أرضه كأحسن ما يكون جاء لها باللبن الحليب حتى الفراش كأنها عروس بنت عشرين.
في صباح اليوم التالي كانت الأوراق جاهزة ، والدنيا صيام ، ولأنه لا يعمل شيئا إلا بمشورتها فقد وقـّعت على الأوراق أمامه ، وزيادة في الحيطة أخذها معه للشهر العقاري . سألته في قلق: ولم ؟
نظر إليها وقلم الكوبيا الميري الذي انتهى زمنه يطل من جيب سترته يخزق عين الشيطان : لابد من ضمان الحقوق بتوكيل رسمي حتى يعمل المقاول في همة ، ولا يخطف منا قرشا بدون وجه حق .
سألته وصوت مناشير الخشب تتسلل إلى حجرة السفرة فتثير توجسها : ألا ترى أنه من المناسب أن يعلم أخوتي؟
صرخ في وجهها وجسده ينتفض غضبا : قلنا من أول لحظة نريد أن نجعلها مفاجأة .أخشى أن يفسد أحد الوشاة اتفاقي مع المقاول فيزيد المبلغ إلى الضعف .
معه ذهبت ، وقعّت ،وبصمت بالإبهام ، وأخرجت البطاقة ودونت بياناتها كاملة . سألها الموثق : موافقة على التوكيل العام يا ست سلوى؟
حدقت في وجهه مترقبة ، وهو الخبير في مثل هذه الأحوال ، رأى حيرتها فهش وبش في وجهها ، وربت على منكبيها : طبعا موافقة . إنها أم ثروت ، وعقبى لك أم نوال .
سهـّمت في الفراغ ، وشعرت أن ليلة أمس ستمنحها بنتا دون شك ، لكن لماذا الاستعجال ؟ صحيح أن نوال اسم عزيز عليها فهو اسم أمها التي ماتت منذ أشهر قليلة ، كلمت نفسها : والله فيك الخير يا محروس .
تركها تعود وحدها فذهبت السوق لتشتري حوائج العيد ، واتجه إلى القسم وقلبه يرقص طربا ،فيما كانت أوراق السلوفان تغلف الكراتين الفارغة استعدادا للعيد ، فاشترت كعكا وغريبة وبسكويتا وجاءت ببعض شموع وهي تضحك في كمها : واحدة بواحدة . يمكنني أن أشعلها على الإفطار .
بعد أسبوعين بالتمام والكمال جاء المشتري ليعاين البيت ، ومعه مقاول بصاص ، راح يجس الحوائط ، ويدب سيخا رفيعا من الحديد في الأسقف ، ثم يصعد السلالم ويهبط . يدبدب بقدميه ، وإلى السطح يطلع ، وهي لا تفهم ما يجري حولها ، ولما فرغا وانصرفا مع المخبر محروس أخبرها أبوها الحاج عبده فاضل بصوت منكسر أن زوجها قد باع نصيبها من الإرث ، لأن البيت كتبوه منذ بنائه باسم الأم ، وهو يملك توكيلا رسميا موثقا . صرخت سلوى من القهر ، وسقطت في إغماءة لم تفق منها إلا في المستشفى.
ثلاثة أيام قضتها هناك ، لم يزرها سوى مرتين ، وفي كل مرة لم تجد في مواجهته سوى البكاء ، ولما عادت إلى بيتها ، تماسكت . حاولت أن تتكلم دونما انفعال: لم فعلت بي ذلك؟
أمسك بيدها محاولا أن يسحب البساط من تحت أقدام الأشقاء المتربصين : حتى أضمن حقك ، وأحافظ على حقوق العيال.
كان يشير بيده كعادته إلى الحجرة المواجهة حيث يجلس ثروت مخطوف الوجه بعد غياب أمه أياما ، وحزنها الذي ترك بصماته على ملامح الوجه . ردت بصوت ينضح بالحزن : وغضب إخوتي؟ألم تعمل له حسابا؟
هبط على ركبتيه فحاذى سريرها الواطيء : تأكدي أنني لم أفعل سوى ما يمليه علي ضميري؟
أخبرها بالمبلغ الذي سيحصل عليه بعد أن يوقع على عقد البيع النهائي . ضحك في وجهها : بعت نصيبك ، وسنسكن في بيت أمي ، لا تحملي هما. بالمال يمكن أن تنتعش أحوالنا .
كانت غمازة في ذقته الحليق تتحرك ، تحاول أن تنتزع منه كلمة شرف : أقسم بحياة ابنك أن المبلغ في أمان.
حدجها بنظرة محتجة مفعمة بالضيق : هو في أمان. محروس لا يخطف مال أحد . محروس حكومة .
دست يدها تحت الوسادة : سأعطي لك المبلغ كاملا ، وسيساعدني أخوتي ، لكن لنوقف البيع. أقسم على هذا المصحف أن تستعيده .
رمقها بنظرة غاضبة : البيت وقعت على عقد بيع نصيبك فيه. وكل كلام بعد ذلك هو دق مياه في هون.
اختفت ابتسامتها وبدت كالتائهة ، فيما دخل ثروت: خالي معتصم يريد ان يطل عليك يا أمي .
قالت له ، وهي تخفي حسرتها : أرجوك أبق .
دخل معتصم وشقيقه عباس والأكبر يسري.
قال معتصم في حدة : سنعطيك نصيب أختنا مالا عدا ونقدا .
أضاف عباس : بيت أمنا لا نبيع قيراطا فيه.
أكمل يسري المحاسب القديم وأكبر الأخوة : "نقودك تصلك على داير مليم " .
إمتقع وجهه وهو يرى الحصار شديدا : ومن أين أحصل على المصاريف ، والتمغات ، ومتاعب المحامي ؟
أجهشت سلوى في بكاء شديد ، مال معتصم برأسه نحوهم : دعونا نتفاهم في الصالة ، لا نريد أن نرهقها أكثر من هذا ، يكفي ماهي فيه .
خرجوا ، فتحاملت على نفسها وزحفت في أعياء : سأكون معكم . أنا صاحبة المصيبة .
كانوا يتكلمون وهي تجلس مذهولة بالذي حدث لها . ترى كيف أمكنه أن يخدعها وهي التي تعرف طبائعه كخطوط كفها ؟ هل استثار فيها ضعف الأنثى أم كانت مهيأة تماما للسقوط في براثنه؟
ترى أفرع المصابيح الملونة مدلاة على جدران العمارات البعيدة تخترق الظلمة ، وهي تتصور العمارة القديمة التي تسكنها ولعبت فوق سطحها " الأونة" قد جددت ، وعادت إلى عافيتها بعد أن رمـُمت الشقوق هنا وهناك . أفاقت على صوت يسألها : ما رأيك؟
كان جسدها معهم وعقلها يمضي في مروج كثيفة حيث تمسكها أمها طفلة وتفرجها على " السيارة " وهي تمر بالأعلام الخضراء والرجال يذكرون ، وبعضهم يضع في شدقيه سيخا من الحديد الرفيع ، وآخر يمرر من لسانه سكينا لامعا . شهقت وهي ترى كل هذا : ياه يا أمي.
قالت بعد أن عادت لنفسها : أعطوه المال الذي يريده ، البيت سيبقى لنا كله ، وسنرممه بمالنا .
طلع صوته ضعيفا ومخذولا : يعلم الله أنني لم أفعل كل ذلك إلا من أجل العيال .
أستأذن منهم ،شارحا لهم ضغوط العمل ، لكنهم عذروه ، أكد لهم أن الانتخابات على الأبواب ، ولابد من رصد الطامعين في أمن الوطن ، وملاحقة المفسدين في الأرض ،والضرب على أم رأس الخائنين بيد من حديد ، وواجبه يحتم عليه أن يلحق بمكتب الباشا في الواحدة صباحا .
أغرب ما يميز شغل المخبرين أنهم لا يعملون إلا في الظلام ، ولا يتحركون إلا والناس نيام ، ففيهم بعض من صفات الزاهدين والواصلين .
فور أن انصرف بكت بين أيديهم ، واستحلفتهم بالله ألا يغضبوا منها فهو قد غدر بها ، وكان يعدها بمفاجأة يسر بها قلوب المحبين . اقتربوا منها ، واسوها ، حتى أن يسري كبير الأخوة راح يناديها باسمها القديم الذي نسته منذ كانت نينة نوال تدللها به : هيا يا " سوسو " أعدي لنا عشاءا شهيا.
بينهم جلست ،وقبل أن تمتد أيديهم للطعام نطت كأنها تذكرت شيئا : انتظروا دقيقة واحدة . لن أغيب.
طلعت للدور الأخير فجاءت بالأب الحاج عبده فاضل الذي دعا لها بالصحة وراحة البال مع رشفات الشاي من أكواب البنور .
كان عليهم أن يتصرفوا في المبلغ المطلوب . رهنت سلوى مصاغها ، واقترض عباس من عمله قرضا ميسرا بفوائد بسيطة ، فيما استطاع معتصم أن يدبر مبلغا معقولا فهو يعمل في أشغال الكهرباء ،أما يسري فقد اعتذر بضيق ذات اليد وإن لم يحرمهم من بيع " السلسلة الذهبية " التي اشترتها نينة نوال من الحجاز لزوجته في عمرتها الأخيرة ، لذا بدأت الأمور تتزن ، والأزمة تنفك .
عرفوا أن صهرهم محروسا قد غدر بهم جميعا وليس بأختهم وحدها ، لم يكلموها أن تخرج ، فالبيت سيبقى بها ، ولابد من أن يبدأوا الترميم في أسرع وقت.
هي وحدها التي ظلت تحدق في الظلمة ، وتكلم نفسها دون أن تتحرك شفتاها : يارب كيف انتزع مني هذا التوقيع اللعين ؟ وكيف له أن يتجاسر كي يمس جسدي بعد هذا.
حدقت في الشروخ التي بدت في السقف ظاهرة ، وحول حلوق النوافذ ، وخلف مرآة حجرة النوم : كيف لم أرها إلا الآن؟
في مدخل العمارة رأتهم يتحركون ، وفي الواجهة ينصبون السقالات الخشبية العريضة . كانوا في أغلبهم شبابا رقيقي الحال .
يقوم محروس من النجمة فيهبط إلى الحارة ليشتري 22 رغيفا بجنيه كامل ، ويمتليء طبقه دون العالمين بالفول مزينا بقرون الشطة الخضراء التي يحبها وبالزيت الحار ، مع أقراص فلافل لابد أن تصل السفرة ساخنة . بعدها يشتري جريدة " الأهرام " ، ويدس رأسه بين أوراقها . يبدأ دائما بصفحة الحوادث وينتهي بصفحة الوفيات. صندله الأسود المطاطي لا يعمل صوتا في هبوطه أو نزوله . تكون اصطباحته في المقهى المجاور للقسم ، ومع الشاي يناوله الصبي كرسي معسل " قص " أو " سلوم " .
وحدها تقف في الشرفة ، تنظر لشباب البنائين ، وهم يكدحون من النجمة حتى لحظات نقرة الشمس ، حينها يفكون المناديل المحلاوي وينكبون في تناول طعامهم تحت أسقف المحال في الظل . ودت أن تخفف عنهم هذا العناء .
قالت في نفسها : زوجي لا يشقى مثلهم .
ردت بصوت كاد يكون مسموعا : نعم ، لأن عمله في الظل دائما .
قهقه شيء داخلها : تقصدين الظلام؟
تعامت عن العبارات التي رنت في أذنيها فأربكتها . توجست مما يحدث لها في هذه الأيام .هل هي على شفا الجنون ؟ ذهبت للمرآة ، وتأملت بعض الهالات السوداء تحت الجفنين : هل للسهاد اللون الأسود يا ترى؟
نقرت أصابع مرتبكة الباب ، كان يدس نظراته في البلاطات المربعة للعتبة : لو تسمحين قلة ماء أو زجاجة باردة.
بادلته الخجل بخجل ؛ فهو أول غريب يطرق بابها في طلب حاجة . مدت يدها بالزجاجة ، وتجاسرت فرفعت وجهها رويدا رويدا . تأملت خيوط العرق على خديه تتجمع لتصنع نهيرا صغيرا ينحدر نحو عنقه وهو يرفع رأسه ليشرب . كانت تفاحة آدم تتحرك صعودا وهبوطا . أغلقت الباب وهي تعود بذهنها لتحصر كل السنوات التي عاشرت فيها زوجها . لم تره يوما يعرق. ضحكت من خواطرها المزعجة: وهل كل الناس يعرقون ؟ أبدا .
في المساء فلت لسانها وهو يخلع ملابس الشغل : محروس . لماذا لاتعرق؟
حملق فيها : نعم؟
ندت منها آهة أسف ، وهي تهز رأسها لتنفي أنها نطقتها : لا شيء . لقد شردت .
شدها من يدها فرفضت بحسم ،وقالت إنها تنتظر زيارة أخيها معتصم لتتحدث معه في تكاليف الترميم : لتنم أنت إن أردت.
في ظهيرة اليوم التالي نقرت أصابع نصف مرتبكة الباب ، أطلت من الشراعة ، وجدت الرأس نصف خفيض، والوجه فيه حسرة وكبرياء : ماء. . ماء مثلج!
تركت الباب مواربا ، واتجهت للمرآة فأصلحت زينتها ، ووجدت أوراق محروس وتقاريره ، انهمكت في قراءة السطور ،وغامت نظراتها تماما . أول مرة تقرأ ما يكتبه زوجها عن الناس .
تكرر النقر ، كان شعرها مهوشا فلمته ووضعت طوقا فضيا يجمع ما تنافر منه .
تكلم كلمتين : شكرا يا آنسة.
وجمت : لكنني سيدة ، وعندي ولد اسمه ثروت.
حملق فيها مبهورا : غير معقول . تبارك الله.
مدت يدها بنفس الزجاجة بعد أن هزت رأسها مبتسمة ، أما هو فقد طوى السلم في إحراج بالغ.
حين عاد محروس في المساء خلع صندله ، وطلب منها أن تحذر من فتح الباب لغريب ، فهناك مصائب تسجلها الأقسام كل يوم ، مع زيادة أعداد المجرمين والهجامين والمتشردين ، وزيادة في الحيطة ، فتح ملفا حكوميا وجاء بصورة النسر فلصقه على الباب من الخارج . تساءلت وهي تغالب ضحكها : ماهذا؟
قطـّب جبينه ، وهز كتفيه بثقة تشوبها جدية : ليعرف كل من تسول له نفسه في اقتحام خصوصياتنا أننا " ميري " .. حكومة!
حين ضمتهم السفرة لم يكن لها نفس لتتناول عشاءها ، لكنها تأملت زوجها وهو يحش أعواد السريس ، يغمس اللقمة بالمش ،ويكور نصف رغيف في فمه ، يمضغه بتلذذ غريب ، ثم يطوح جذعه وهو يتجشأ : الحمد لله على هذه النعمة .
لكنها تجاهلت إشارته ، ولم تذهب معه إلى السرير فقد كانت ترتق جوارب ثروت وسراويله القطنية ، كما كانت تنصت لأغنية عبد الحليم التي لم تسمعها منذ سنوات بعيدة " حبك نار " . زعق فيها وهو يغالب تثاؤبه : أغلقي " الزفت " .. الراديو .
كان الصغير يضحك لفيلم كارتوني تتبادل فيه القطط المكيدة مع الفأرالظريف .
شدها من يدها مسرورا : تعالي يا أمي شاهدي " تومي وجيري ".
سمرت الأم عينيها في الشاشة ، وهزت رأسها في تحسر : ليتني أستطيع أن أضحك مثلك يا بني .
تلاحقها صورة لا تغادر مخيلتها للشاب البناء يفتح باب الشقة بمفتاح سحري له مقبض من زمرد ، وقبل أن يدخل عليها حجرتها ، يطرق بأصابعه باب غرفة نومها ، يحدثها بأدب بالغ : سيدتي الصبوحة.إعطني رشفة ماء .
وهي تستقبله فرحة وخجولة . لا تصرخ ولا ترفض يده الممدودة . لقد أجلسها على حافة الفراش ، وجعلها تتمكن من رؤية عرقه. كانت جبهته معفرة بتراب كثيف ، وقد مسحت بيدها هذه الذرات الدقيقة التي كانت ترهقها رؤيتها ، ودعته بحرارة ، وقبل أن تغلق الباب أخبرته أنها لا تريد منه سوى أن تمسح عفار جبهته ، وتجفف عرقه لا أكثر !
في اليوم التالي انتظرت الطرقات ، التصقت بالباب تماما ، كتمت أنفاسها وقبل أن تمضي دقيقة واحدة عن الموعد سمعت الطرق خفيفا مهابا . بسرعة فتحت الباب : لقد تأخرت.
هز رأسه : أعرف .
شعرت أنها تسـّرعت ، حملق في وجهها كالمأخوذ: هات الماء . أرجوك.
مدت يدها بزجاجة الماء ومد يده ولم تلتق اليدان، فقد كانت هناك أربع أعين مغمضة ، وحلم يتشكل ، ومرافيء غامضة بعيدة ، فهوت الزجاجة على البلاط محطمة ، محدثة ضجة هائلة . لم تشعر إلا بيدها تطرق الباب في عنف مرتجف .
في الليل عاد المخبر محروس فاطمئن أن صورة النسر ملصقة في إحكام على باب الشقة من الخارج ، وأنه من الصعب أن يزيلها كائن من كان . دخل متسحبا فوجد سلوى تأكل أرزا باللبن مع الملائكة ، فتركها في نعيمها !
في اليوم التالي وقفت في الشرفة تنتظر مجيئهم ، كانوا أكثر من تسعة أفراد ، يحملون في أيديهم عددهم ، ومناديلهم المربوطة بإحكام ، وكانت خطواتهم تطرق الأرض في قوة .
خطوات مسموعة من أول الشارع ، أبهجها أن تراه في مقدمة القادمين ، هجست أن نورا في وجهه . نور خفي لا يراه أي أحد . لعلها من أهل الطريقة فتبصر ما لا يبصرون ، جسده فارع ووجهه عريض متناسق القسمات . قبل أن يهبط زوجها إلى عمله سألها في ضيق : متى ينتهي البيت من الترميم؟
ردت بغير اهتمام ، كأنها تهش بيدها ذبابة تقف على طرف أنفها : الشقوق كثيرة ، يبدو أن الأمر يحتاج لوقت .
أشاح بيده في تأفف : لا أعرف ما الذي يعجبكم في بيت عتيق طالته الرطوبة ، فأكلت أساساته تماما ، وأحاطت به الشروخ من كل جانب ؟
ردت باحتجاج : أخي عباس يقول أن أساساته تعيش مائة سنة وأكثر .
طرق الباب خلفه في عنف: إنه يخرف ، وأنت تخرفين .
وضعت أذنها اليمنى وراء الباب ، لم تسمع صوت هبوطه . هل يتلصص ، وهل النعال المطاطية بلا صوت إلى درجة انك لا تسمع صدى الخطوات؟
عند الظهيرة نقرت أصابع واثقة الباب ، كانت في انتظاره . كأنها هنا منذ ألف عام . تهدجت أنفاسها وهي تفتح الضلفة المتحركة .
نظر في عينيها مباشرة ، أحست أنها توشك على السقوط بين يديه . كانت رائحة عرقه تملأ خياشيمها . وجهه المتورد بالدماء يوحي بالقوة : أدخل .
هل نطقتها أم أنها تتخيل الكلمات : التجاعيد تملأ روحي .
همس في خفوت : ماء.
هزت رأسها : روحي أرض عطشى تتشقق.
سمعته : أريد .. أن .. أشرب.
كانت رغبات جسدها تدفعها نحو الفراش ، وكانت تطلعات روحها تمنعها ، وصلت إلى هذه النقطة الحرجة .
توسلت إليه : لا أعرف اسمك ، ولا أريد. لماذا تزورني في منامي، وترهقني بزهورك؟ أنت دائما تأتي بزهرة عصفور الجنة ؟
أمسك بأصابعها ، فيما اقتربت منه تمسح ذرات التراب ، قربت يدها من ضوء مصباح صغير . رأت الذرات فراشات تملأ فضاء الحجرة . فراشات صغيرة ملونة بأحمر وأخضر وأزرق وبرتقالي وبنفسجي .
هدأت نفسها وهي ترى فردوسها يتفتح ، غابت عن العالم ، ورأت الدنيا تمتليء بسقالات ، وأحبال مشدودة ، وشقوق بلاحصر .شمت رائحة العرق نفاذة فشهقت من هذا الخاطر الملح الذي يدق بوابتها .
كانت تتشتت كجسد وتتفتح كروح في حالة ذهول يشرق بحلم شفيف تملأه النوارس ، وعلى المشجب تبدو السترة معلقة ، وقلم الكوبيا يرصد كل شيء بتفاصيله .
لأول مرة تمسك به ، وتقصف سنه الرفيع المدبب ، في شق من الشقوق الطولية بالبيت ، ثم تعيد وضعه في نفس المكمن بميل خفيف نحو اليسار .ميل تعرفه ومن خلفه تدرك أن ثمة أوراق لابد أن تـُحبر في غبش الفجر الكثيف .
حين أوشك أن يضع الزهور في الفازة الكريستال المستطيلة هتفت به: أرجوك . لا تفعل .
بعد أن خرج من حجرتها الصغيرة . اتكأت على سور الشرفة ، وظلت تبكي . تبكي بدون انقطاع ، والدموع تصنع بحيرات صغيرة على حافة السور!
دمياط 5/ 12/ 2005.[/align]
وأنا لا يسخن جنوني إلا مع نصوص سمير الفيل الحارة المتبلة بقوة ...
وقبل ذلك أخبره أن الله فتح بيني وبين نصوصه بعد ان خاصمتني مرتين
( نصين )
أنا اليوم في وفاق مع ترميم وتجننت عليها ....وفيها ....وبها ....ومعها
منذ الزلنطحي لم أزر حوارى مصر ولم أذق الفول الساخن بقرون الشطة الخضراء الشهية ...ولم أجالس نساءها البضات الطريات الأنثوات في زنقة الستات والسبعات .... ولم اسمع ضجيج العيال في الحارة ...ولم اتطلع الى الشرفات القديمة وهي تتدلى منها السلال لبائع الخضر ليملأها بالمطلوب ...
بصراحة كنت قلقة على نفسي من حرماني من أم الدنيا وأنا بها تعلقت منذ الصغر ...
لولا ترميم لظننت ان أم الدنيا قد بلعها نيلها وتهدمت عليها أهراماتها
لولا ترميم لكنت فقدت الأمل في معانقة مصر المحروسة ولكنت حرمت الشرب من نيلها الزلال ...
أنا الأن في حالة ترميم نفسي مع نص ترميم الذي أعاد اليّ الأمل وأمطرني بالقبل ...
من وجدني ثقيلة فليخرج الآن لأني سأثقل أكثر وأكثر وأكثر ....
إن كان من القراء مخبرين فليقيدوا إسمي من الآن .... لأني سأفتح فمي حتى تظهر نواجده .... وسأطلق العنان لخيلي يركض كيفما أراد ورغب .... وساطلق القيد عن جِنتي وعفاريتي يسرحون ويمرحون .... ثم بعدها علقوا لي المشانق ... يا روح ما بعدك روح ...
هذه قراءتي أنا وفاء الحمري لا دخل لسمير بها .... هي هلوساتي لوحدي وأنا اتحمل تبعاتها ...
ترميم لي وانا افعل بها ما أشاء وأفهمها كيف أشاء ....
انا الآن أكلت صحن الفول بالعيش الساخن وأتبعته كوب شاي أسود لون سماء
مصر أيام الترميم ...
نزلت المقهى المجاور للقسم كان بقربي في المقهى المخبر محروس طلبة النفراوي أمامه كأس الشاي ومستلزمات القعدة (تكون اصطباحته في المقهى المجاور للقسم ، ومع الشاي يناوله الصبي كرسي معسل " قص " أو " سلوم ") وبين يديده جريدته المفضلة ( بعدها يشتري جريدة " الأهرام " ، ويدس رأسه بين أوراقها يبدأ دائما بصفحة الحوادث وينتهي بصفحة الوفيات.)
أنا الآن على ناصية الحارة مقابلة لبيت السيدة البهية الشابة سلوى .... أراها تطل من شرفة البيت (وحدها تقف في الشرفة ، تنظر لشباب البنائين ، وهم يكدحون من النجمة حتى لحظات نقرة الشمس ، حينها يفكون المناديل المحلاوي وينكبون في تناول طعامهم تحت أسقف المحال في الظل . ودت أن تخفف عنهم هذا العناء )...العمال يرممون العمارة- عمارة سلوى واهلها - التي أصابها الشرخ ... بل شروخ كادت ان تودي بها لولا محاولة استطاعت بعسر وجهد جهيد أن تتوصل إلى بدء الترميم ... (كان عليهم أن يتصرفوا في المبلغ المطلوب . رهنت سلوى مصاغها ، واقترض عباس من عمله قرضا ميسرا بفوائد بسيطة ، فيما استطاع معتصم أن يدبر مبلغا معقولا فهو يعمل في أشغال الكهرباء ،أما يسري فقد اعتذر بضيق ذات اليد وإن لم يحرمهم من بيع " السلسلة الذهبية " التي اشترتها نينة نوال من الحجاز لزوجته في عمرتها الأخيرة ، لذا بدأت الأمور تتزن ، والأزمة تنفك )....طلبة محروس النفراوي هذا رغم الهالة التي يحيطها بنفسه والقوة التى يدعيها (مد يده فأخذ الأرغفة كلها ، ثم انتقى رغيفين ، وبيده رمى الباقي على الأرض ،ومشي منفوخ الصدر كأن شيئا لم يحدث ، عندها صرخت تفيدة بائعة الفول النابت : حرام عليك . هذه نعمة ربنا . ) فرغم هذا التظاهر بالشدة أمام اهل الحارة الضعفاء(الولودين) فهوعقيم ... أو شبه عقيم بعد بحثه الحثيث عند الأطباء عن دواء لعقمه ( فهي تعرف أكثر من غيرها أن الولد الوحيد الذي أنجباه قد جاء بعد طلوع الروح ، ولا أمل مطلقا في أن تنجب ثانية فقد أخبرها الطبيب بكل صراحة أن ظهره لم يعد قادرا على أن يهب الأرض بذرة صالحة ،وأخبره هو الآخر بأدب واحترام نفس الشيء ، لكنه في ثورة غضبه أمسك بأوراق التحاليل فمزقها ، وصاح في وجه الرجل الدمث بمعطفه الأبيض أنه سينجب غصب عنه وعن "أجعص " دكتور في البلد ؛ فهو من الحكومة ، ويعرف كيف يتحايل على الأوامر والنواهي والزواجر ، ثم أن النبي زكريا قد أنجب بعد أن وهن العظم منه ، واشتعل الرأس شيبا ) . وتوهمه الدائم انه ولود لذلك تراه يكذب على سلوى التي تامل ان يرزقها الله الاولاد كمثل كل إناث الحارة المصرية الذين لهم في الولد قوة وعزوة وسيادة .... (بعد الإفطار كشف لها عن سره الدفين : أتعرفين . رحت المعمل الطبي ، وأجريت فحوصا جديدة ، وجاءت النتيجة كأحسن ما تكون .قال لي الطبيب أنت سليم وصحتك كالحصان. يمكنك أن تنجب بدل الولد عشرة) ...هذا المحروس طلبة زوج السيدة سلوى الأصيلة بنت الناس الطيبين غدر بها وهي بين احضانه ...كذب عليها وهي تتدفا به .... غدر بها وهي ام إبنه الوحيد ... غدر بها وهي الأصيلة الجميلة الشابة الفتية المشتهاة ... فضل المادة على الحضن والدفئ واللمة والجمال ...
غدرها ووقعها على توكيل ...وتوكيل رسمي ... بالشهود والإثباتات والطابع الرسمي والدمغة الإدارية ... غدر رسمي يعني وبدون تزوير ...
لما أفاقت المسكينة من غفوتها- وما كان لها ان تغفو ابدا في حضرة محروس أبدا - وجدت نفسها قد أوقعت أهلها في مشكلة كبيرة ببيع نصيبها في البيت الكبير ....بيت العيلة ....
تعرف أن أهلها الطيبين سيلملمون هذه السقطة بما لديهم من أصالة وحنان وأخلاق وحب كبير لهذا البيت العتيق الذي يتشبثون به رغم تداعيه ....
فعلا جمعوا أمرهم بياتا ولموا قيمة ما سيعطونه للغدار قريبهم محروس طلبة ...
بقيت سلوى في بيتها وهو يرمم بعرق أبناء الحارة من العمال المخلصين الأقوياء (في اليوم التالي وقفت في الشرفة تنتظر مجيئهم ، كانوا أكثر من تسعة أفراد ، يحملون في أيديهم عددهم ، ومناديلهم المربوطة بإحكام ، وكانت خطواتهم تطرق الأرض في قوة .
خطوات مسموعة من أول الشارع ، أبهجها أن تراه في مقدمة القادمين ، هجست أن نورا في وجهه . نور خفي لا يراه أي أحد . لعلها من أهل الطريقة فتبصر ما لا يبصرون، جسده فارع ووجهه عريض متناسق القسمات . قبل أن يهبط زوجها إلى عمله سألها في ضيق : متى ينتهي البيت من الترميم؟)كل هذه الأحداث مرت بي وأنا على ناصية الحارة وسلوى في الشرفة ترقب عمال الترميم ومحروس زوجها في المقهى المجاور للقسم ...
كل هذا وانا حاضرة ناضرة مترقبة مثلي مثل جميع العرب المخلصين الذين تابعوا أحداث انتخابات مصر الأخيرة ...
رأيت محروس صاحب السلطة ( الدولة )...ورأيت سلوى هي (السلطة نفسها )... كيفما كان الحال هي سلطة ليست حرة لأنها بيد من يديرها ويسيرها ... وإن كانت في الأصل الجميلة البهية ...
ورأيت العمال (هم ابناء مصر) المخلصين الذين لهم رغبة جادة في ترميم البلد ...
ورأيت الترميم هو الإنتخابات الأخيرة في مصر ومحاولة رأب الصدع الذي حصل في البيت المصري العتيق... الأصيل ... بيت الفراعنة من قديم التاريخ ...بيت الجدود الذين شادوا الأهرامات والأحفاد الذين بالكاد يحاولون الترميم ...
ومنهم من خدع وباع مصر في غفلة من إخوانه وأصهاره وعشيرته ... بحجة ان ذاك في مصلحة الشعب( حدقت في وجهه مترقبة ، وهو الخبير في مثل هذه الأحوال ، رأى حيرتها فهش وبش في وجهها ، وربت على منكبيها : طبعا موافقة . إنها أم ثروت ، وعقبى لك أم نوال .
سهـّمت في الفراغ ، وشعرت أن ليلة أمس ستمنحها بنتا دون شك ، لكن لماذا الاستعجال ؟ صحيح أن نوال اسم عزيز عليها فهو اسم أمها التي ماتت منذ أشهر قليلة ، كلمت نفسها : والله فيك الخير يا محروس)وحتى انه ( صاحب السلطة ) لم يكن سعيدا ابدا بهذا الترميم ( الانتخاب) الذي حصل رغما عنه ( بضغوطات أجنبية ) ويتضايق منه... ويقطع الأمل في الإصلاح وعودة أم الدنيا لدورها الأمومي الجميل (قبل أن يهبط زوجها إلى عمله سألها في ضيق : متى ينتهي البيت من الترميم؟
ردت بغير اهتمام ، كأنها تهش بيدها ذبابة تقف على طرف أنفها : الشقوق كثيرة ، يبدو أن الأمر يحتاج لوقت .
أشاح بيده في تأفف : لا أعرف ما الذي يعجبكم في بيت عتيق طالته الرطوبة ، فأكلت أساساته تماما ، وأحاطت به الشروخ من كل جانب ؟
ردت باحتجاج : أخي عباس يقول أن أساساته تعيش مائة سنة وأكثر .
طرق الباب خلفه في عنف: إنه يخرف ، وأنت تخرفين )أما سلوى ( السلطة ) فهي تهفو إلى حكم شاب فتي له دماء متجددة ويعمل بهمة ونشاط وحيوية لترميم البيت ( مصر) حتى أنها سقطت في حبه هذا الشباب ووقعت معه في تزاوج حميمي ( ولو في خيالها) وبقيت تحن و تأمل أن تصبح يوما بين أحضان القوي الأمين ... الأمين الذي سيزرع وردا وياسمينا وزهورا ويقدمها لها في صباحياتها الحالمة ....( هدأت نفسها وهي ترى فردوسها يتفتح ، غابت عن العالم ، ورأت الدنيا تمتليء بسقالات ، وأحبال مشدودة ، وشقوق بلاحصر .شمت رائحة العرق نفاذة فشهقت من هذا الخاطر الملح الذي يدق بوابتها . كانت تتشتت كجسد وتتفتح كروح في حالة ذهول يشرق بحلم شفيف تملأه النوارس ، وعلى المشجب تبدو السترة معلقة ، وقلم الكوبيا يرصد كل شيء بتفاصيله .)...
سلوى التي تستمع لأغنية عبد الحليم – حبك نار- وتعي أن مصر في دمها وحبها يشتعل نارا بين جنباتها وتريد لها الخلاص وإن لم تقدر عليه ( صاحبها يقيدها) كما كانت تنصت لأغنية عبد الحليم التي لم تسمعها منذ سنوات بعيدة " حبك نار " ( زعق فيها وهو يغالب تثاؤبه : أغلقي " الزفت " .. الراديو .)أما الطفل ابن هذا المحروس فهو غاو وهاو للغرب وألاعيبه ويحاول أن يستميل أمه إليه وهي ترفض رغم أنه ابنها ...( كان الصغير يضحك لفيلم كارتوني تتبادل فيه القطط المكيدة مع الفأرالظريف.... شدها من يدها مسرورا : تعالي يا أمي شاهدي " تومي وجيري ".)اما خلاصة القصة فهي في هذا المقطع ... (لأول مرة تمسك به ، وتقصف سنه الرفيع المدبب ، في شق من الشقوق الطولية بالبيت ، ثم تعيد وضعه في نفس المكمن بميل خفيف نحو اليسار ميل تعرفه ومن خلفه تدرك أن ثمة أوراق لابد أن تـُحبر في غبش الفجر الكثيف .)
سلوى (السلطة ) استطاعت اخيرا أن تكسر سن القلم الذي يخطط به لمستقبل مصر ...وإمالته قليلا لجهة اليسار بعد أن كان مائلا كلية وبتطرف ...تدرك سلوى أن هذا التحريف والتحريك الطفيف البسيط أفضل من لا شئ ... وتعي تمام الوعي أن حتى هذا التغيير البسيط لن يسلم هو الآخر من النقد ومحاولة التصدي ... لكنها مبسوطة بكسر سن القلم واختراق المسكوت عنه والذي تؤمن أنه ما زال يحاك في السر (ومن خلفه تدرك أن ثمة أوراق لابد أن تـُحبر في غبش الفجر الكثيف)
سمير قل انك لا تعرفني اوقل ...أنني من أشهر مجانين المواقع الثقافية العربية ولا علاقة لك بي ...
زروني كل سنة مرة ....لكن لا تنسوني بالمرة ...[/align]
[align=right]ملحق القراءة[/align]
.
------------
[align=right]قصة حالة ترميم : سمير الفيل
محروس المخبر عمل عملة تنجس بحر ، حتى أن زوجته ، حلاله ، أم عياله حين علمت بالمصيبة انهارت تماما ، وارتمت على الأرض في إغماءة طويلة ، وتطلب الأمر إحضار عربة إسعاف تطلق نفيرها فتوقظ من هم في سابع نومة ، وهو يشتال مع إخوتها الجسد المتخشب ويجيب عمن يسأله عن السبب بجملة واحدة : أمر الله!
لم يكن الموضوع إلا طمعه فيما تملكه زوجته من نصيب أمها التي انتقلت إلى الرفيق الأعلى في منتصف شهر رمضان الفائت ، وهو القبيح المنظر، المفلس الجيوب ، ظل يزن على أذنها ، ويعايرها بأنها لا تشتغل ، ولا لزوم لها في الدنيا لأنها لا تأتي كل آخر شهر بمرتب محترم يبشبش الحالة ، ويوسع على العيال .
ترمقه باكية حين يشير إلى حجرة ثروت كلما نطق كلمة العيال ، فهي تعرف أكثر من غيرها أن الولد الوحيد الذي أنجباه قد جاء بعد طلوع الروح ، ولا أمل مطلقا في أن تنجب ثانية فقد أخبرها الطبيب بكل صراحة أن ظهره لم يعد قادرا على أن يهب الأرض بذرة صالحة ،وأخبره هو الآخر بأدب واحترام نفس الشيء ، لكنه في ثورة غضبه أمسك بأوراق التحاليل فمزقها ، وصاح في وجه الرجل الدمث بمعطفه الأبيض أنه سينجب غصب عنه وعن "أجعص " دكتور في البلد ؛ فهو من الحكومة ، ويعرف كيف يتحايل على الأوامر والنواهي والزواجر ، ثم أن النبي زكريا قد أنجب بعد أن وهن العظم منه ، واشتعل الرأس شيبا .
محروس المخبر الذي يسير في الحارة مختالا فخورا بخدمة الحكومة ، ينهض كل صباح وينزل بالبيجامة ليشتري الفول والطعمية والعيش المدعم ، دون أن يقف في الصف ، فإن احتج أحد الواقفين في الطابور نظر إليه شزرا ، وعيناه تطقان شررا، فإن زاد بكلمة أمسكه من قفاه وجره إلى القسم بتهمة تكدير الأمن العام ، وإزدراء السلطات .
هو لا يدخله إلى الضابط ذي الدبورتين على الكتف الذي نهره المرة تلو المرة ، وعاقبه أكثر من مرة بالخصم من راتبه بعد مذكرة تـُرفع للمأمور ، لكنه يتدحلب كالثعلب ، ولمكتب الصول النوبتجي يذهب ، فيؤدي له تحية عسكرية كما أنزلت مشيرا للمواطن المارق : هذا الأفندي يطول لسانه على الحكومة .
من غير أن يدون الصول اسمه يركنه ساعة أو ساعتين أو ثلاث ساعات حتى يبان له أهل ، فيخرجونه من الحجز بعد أن يكون قد تلقى من أرباب السوابق نصيبه من اللطم والزغد والتقليب ، والنهش والنبش والتلطيش ، ومن عجائب الأمور أن الكل عرف طريقته فصاروا يوسعون له طريقه كلما أتي المخبز أو توجه إلى الجمعية ، أو عرج إلى مجمعات الصابون والسكر والشاي والزيت المدعم ، فيشتري حاجاته فور وصوله ، فالمثل يقول : إبعد عن الشر وغني له .
لكن الذي حدث من جمعة يفوق الوصف ، فقد مد يده بالجنيه ، فأعطاه ولد جديد ريفي يقف في منفذ البيع عشرين رغيفا ، وقبل أن يعد المخبر العيش صرخ في الولد : ينقص رغيفان .
الولد المدهول العبيط أقسم أن العدد مضبوط ، فهو لا يغلط أبدا لأن هذا شغله وأكل عيشه ، لكن محروس طلبة النفراوي علا صوته ، أنه سيخرب بيته ، فمن يمكنه أن يغالط الحكومة أو يدلس عليها ، أو يعلي صوته في حضورها ، وقبل أن يشده للقسم استاء الناس مما سيحدث من تعطيل مصالح ، ووقف حال فقرروا جميعا أن يتبرعوا للولد المسكين بخمسة أرغفة لا اثنين يأخذها المخبر ليرحل . فوقف الرجل مقطبا جبينه ، وحملق في زبائن الفرن : أترشون الحكومة يا غجر؟
مد يده فأخذ الأرغفة كلها ، ثم انتقى رغيفين ، وبيده رمى الباقي على الأرض ،ومشي منفوخ الصدر كأن شيئا لم يحدث ، عندها صرخت تفيدة بائعة الفول النابت : حرام عليك . هذه نعمة ربنا .
خرجت من الصف بعد أن ألحت على من يليها من جنس الحريم أن يحفظ دورها ، وراحت تجمع الأرغفة الساخنة لتضعها في كيسها القماشي ، وهي تشيح بيدها : روح . تغور ما ترجع.
كان هذا قليل من كثير ، فرغيف عيش أو باكو شاي ، أو قمع سكر ليس نهاية الكون ، لكن الشيء الرهيب الذي حصل هو مكره الذي مكنه من أن يوقع زوجته سلوى في كمين محكم ، مما جعلها تخسر الجلد والسقط.
قبل العيد الصغير بيومين رجع مبكرا ، وبيده أكياس الياميش ، وهو لم يدخل بيته منذ كان ثروت في اللفة يوأوأ .
وضعه على المنضدة ، وقال لها أن ربنا قد فرجها ، وأن بيت العائلة القديم الذي يحتاج إلى ترميم قد وجد له المقاول الذي يعرف الأصول فلا يزيد مليما واحدا عن التكلفة ، ولا يغش في المؤن ، كما لا يبالغ في المصنعية .
بعد الإفطار كشف لها عن سره الدفين : أتعرفين . رحت المعمل الطبي ، وأجريت فحوصا جديدة ، وجاءت النتيجة كأحسن ما تكون .قال لي الطبيب أنت سليم وصحتك كالحصان. يمكنك أن تنجب بدل الولد عشرة .
كانت مهدودة من شغل البيت طول اليوم ، فارتمت على السرير لتستريح قليلا : ربك يسبب الأسباب . لحق بها ، وسألها : أتريدين بنتا ؟
خجلت أن تجيبه ، وبعد إلحاح وتمنع تركته يصعد إلى جوارها بعد أن أغلقت الباب على ثروت الذي كان ملهيا في مشاهدة أفلام الكرتون.
كان صدرها نافرا كبنت لم تدخل دنيا ،كأن الأخبار السارة تفعل الأعاجيب في الصدور و"الأوراك " ، وقد وضعت بودرة بسيطة على الخدين .
رأى في الضوء الكابي شفاها ممتلئة ، وجسدا يفور بماء الحياة ، همس في أذنيها : ستؤنس البنت أخيها ، فضحتها ضحكتها : يا رجل . أصغير أنت على هذا ؟ أتلم!
بعد أن حرث أرضه كأحسن ما يكون جاء لها باللبن الحليب حتى الفراش كأنها عروس بنت عشرين.
في صباح اليوم التالي كانت الأوراق جاهزة ، والدنيا صيام ، ولأنه لا يعمل شيئا إلا بمشورتها فقد وقـّعت على الأوراق أمامه ، وزيادة في الحيطة أخذها معه للشهر العقاري . سألته في قلق: ولم ؟
نظر إليها وقلم الكوبيا الميري الذي انتهى زمنه يطل من جيب سترته يخزق عين الشيطان : لابد من ضمان الحقوق بتوكيل رسمي حتى يعمل المقاول في همة ، ولا يخطف منا قرشا بدون وجه حق .
سألته وصوت مناشير الخشب تتسلل إلى حجرة السفرة فتثير توجسها : ألا ترى أنه من المناسب أن يعلم أخوتي؟
صرخ في وجهها وجسده ينتفض غضبا : قلنا من أول لحظة نريد أن نجعلها مفاجأة .أخشى أن يفسد أحد الوشاة اتفاقي مع المقاول فيزيد المبلغ إلى الضعف .
معه ذهبت ، وقعّت ،وبصمت بالإبهام ، وأخرجت البطاقة ودونت بياناتها كاملة . سألها الموثق : موافقة على التوكيل العام يا ست سلوى؟
حدقت في وجهه مترقبة ، وهو الخبير في مثل هذه الأحوال ، رأى حيرتها فهش وبش في وجهها ، وربت على منكبيها : طبعا موافقة . إنها أم ثروت ، وعقبى لك أم نوال .
سهـّمت في الفراغ ، وشعرت أن ليلة أمس ستمنحها بنتا دون شك ، لكن لماذا الاستعجال ؟ صحيح أن نوال اسم عزيز عليها فهو اسم أمها التي ماتت منذ أشهر قليلة ، كلمت نفسها : والله فيك الخير يا محروس .
تركها تعود وحدها فذهبت السوق لتشتري حوائج العيد ، واتجه إلى القسم وقلبه يرقص طربا ،فيما كانت أوراق السلوفان تغلف الكراتين الفارغة استعدادا للعيد ، فاشترت كعكا وغريبة وبسكويتا وجاءت ببعض شموع وهي تضحك في كمها : واحدة بواحدة . يمكنني أن أشعلها على الإفطار .
بعد أسبوعين بالتمام والكمال جاء المشتري ليعاين البيت ، ومعه مقاول بصاص ، راح يجس الحوائط ، ويدب سيخا رفيعا من الحديد في الأسقف ، ثم يصعد السلالم ويهبط . يدبدب بقدميه ، وإلى السطح يطلع ، وهي لا تفهم ما يجري حولها ، ولما فرغا وانصرفا مع المخبر محروس أخبرها أبوها الحاج عبده فاضل بصوت منكسر أن زوجها قد باع نصيبها من الإرث ، لأن البيت كتبوه منذ بنائه باسم الأم ، وهو يملك توكيلا رسميا موثقا . صرخت سلوى من القهر ، وسقطت في إغماءة لم تفق منها إلا في المستشفى.
ثلاثة أيام قضتها هناك ، لم يزرها سوى مرتين ، وفي كل مرة لم تجد في مواجهته سوى البكاء ، ولما عادت إلى بيتها ، تماسكت . حاولت أن تتكلم دونما انفعال: لم فعلت بي ذلك؟
أمسك بيدها محاولا أن يسحب البساط من تحت أقدام الأشقاء المتربصين : حتى أضمن حقك ، وأحافظ على حقوق العيال.
كان يشير بيده كعادته إلى الحجرة المواجهة حيث يجلس ثروت مخطوف الوجه بعد غياب أمه أياما ، وحزنها الذي ترك بصماته على ملامح الوجه . ردت بصوت ينضح بالحزن : وغضب إخوتي؟ألم تعمل له حسابا؟
هبط على ركبتيه فحاذى سريرها الواطيء : تأكدي أنني لم أفعل سوى ما يمليه علي ضميري؟
أخبرها بالمبلغ الذي سيحصل عليه بعد أن يوقع على عقد البيع النهائي . ضحك في وجهها : بعت نصيبك ، وسنسكن في بيت أمي ، لا تحملي هما. بالمال يمكن أن تنتعش أحوالنا .
كانت غمازة في ذقته الحليق تتحرك ، تحاول أن تنتزع منه كلمة شرف : أقسم بحياة ابنك أن المبلغ في أمان.
حدجها بنظرة محتجة مفعمة بالضيق : هو في أمان. محروس لا يخطف مال أحد . محروس حكومة .
دست يدها تحت الوسادة : سأعطي لك المبلغ كاملا ، وسيساعدني أخوتي ، لكن لنوقف البيع. أقسم على هذا المصحف أن تستعيده .
رمقها بنظرة غاضبة : البيت وقعت على عقد بيع نصيبك فيه. وكل كلام بعد ذلك هو دق مياه في هون.
اختفت ابتسامتها وبدت كالتائهة ، فيما دخل ثروت: خالي معتصم يريد ان يطل عليك يا أمي .
قالت له ، وهي تخفي حسرتها : أرجوك أبق .
دخل معتصم وشقيقه عباس والأكبر يسري.
قال معتصم في حدة : سنعطيك نصيب أختنا مالا عدا ونقدا .
أضاف عباس : بيت أمنا لا نبيع قيراطا فيه.
أكمل يسري المحاسب القديم وأكبر الأخوة : "نقودك تصلك على داير مليم " .
إمتقع وجهه وهو يرى الحصار شديدا : ومن أين أحصل على المصاريف ، والتمغات ، ومتاعب المحامي ؟
أجهشت سلوى في بكاء شديد ، مال معتصم برأسه نحوهم : دعونا نتفاهم في الصالة ، لا نريد أن نرهقها أكثر من هذا ، يكفي ماهي فيه .
خرجوا ، فتحاملت على نفسها وزحفت في أعياء : سأكون معكم . أنا صاحبة المصيبة .
كانوا يتكلمون وهي تجلس مذهولة بالذي حدث لها . ترى كيف أمكنه أن يخدعها وهي التي تعرف طبائعه كخطوط كفها ؟ هل استثار فيها ضعف الأنثى أم كانت مهيأة تماما للسقوط في براثنه؟
ترى أفرع المصابيح الملونة مدلاة على جدران العمارات البعيدة تخترق الظلمة ، وهي تتصور العمارة القديمة التي تسكنها ولعبت فوق سطحها " الأونة" قد جددت ، وعادت إلى عافيتها بعد أن رمـُمت الشقوق هنا وهناك . أفاقت على صوت يسألها : ما رأيك؟
كان جسدها معهم وعقلها يمضي في مروج كثيفة حيث تمسكها أمها طفلة وتفرجها على " السيارة " وهي تمر بالأعلام الخضراء والرجال يذكرون ، وبعضهم يضع في شدقيه سيخا من الحديد الرفيع ، وآخر يمرر من لسانه سكينا لامعا . شهقت وهي ترى كل هذا : ياه يا أمي.
قالت بعد أن عادت لنفسها : أعطوه المال الذي يريده ، البيت سيبقى لنا كله ، وسنرممه بمالنا .
طلع صوته ضعيفا ومخذولا : يعلم الله أنني لم أفعل كل ذلك إلا من أجل العيال .
أستأذن منهم ،شارحا لهم ضغوط العمل ، لكنهم عذروه ، أكد لهم أن الانتخابات على الأبواب ، ولابد من رصد الطامعين في أمن الوطن ، وملاحقة المفسدين في الأرض ،والضرب على أم رأس الخائنين بيد من حديد ، وواجبه يحتم عليه أن يلحق بمكتب الباشا في الواحدة صباحا .
أغرب ما يميز شغل المخبرين أنهم لا يعملون إلا في الظلام ، ولا يتحركون إلا والناس نيام ، ففيهم بعض من صفات الزاهدين والواصلين .
فور أن انصرف بكت بين أيديهم ، واستحلفتهم بالله ألا يغضبوا منها فهو قد غدر بها ، وكان يعدها بمفاجأة يسر بها قلوب المحبين . اقتربوا منها ، واسوها ، حتى أن يسري كبير الأخوة راح يناديها باسمها القديم الذي نسته منذ كانت نينة نوال تدللها به : هيا يا " سوسو " أعدي لنا عشاءا شهيا.
بينهم جلست ،وقبل أن تمتد أيديهم للطعام نطت كأنها تذكرت شيئا : انتظروا دقيقة واحدة . لن أغيب.
طلعت للدور الأخير فجاءت بالأب الحاج عبده فاضل الذي دعا لها بالصحة وراحة البال مع رشفات الشاي من أكواب البنور .
كان عليهم أن يتصرفوا في المبلغ المطلوب . رهنت سلوى مصاغها ، واقترض عباس من عمله قرضا ميسرا بفوائد بسيطة ، فيما استطاع معتصم أن يدبر مبلغا معقولا فهو يعمل في أشغال الكهرباء ،أما يسري فقد اعتذر بضيق ذات اليد وإن لم يحرمهم من بيع " السلسلة الذهبية " التي اشترتها نينة نوال من الحجاز لزوجته في عمرتها الأخيرة ، لذا بدأت الأمور تتزن ، والأزمة تنفك .
عرفوا أن صهرهم محروسا قد غدر بهم جميعا وليس بأختهم وحدها ، لم يكلموها أن تخرج ، فالبيت سيبقى بها ، ولابد من أن يبدأوا الترميم في أسرع وقت.
هي وحدها التي ظلت تحدق في الظلمة ، وتكلم نفسها دون أن تتحرك شفتاها : يارب كيف انتزع مني هذا التوقيع اللعين ؟ وكيف له أن يتجاسر كي يمس جسدي بعد هذا.
حدقت في الشروخ التي بدت في السقف ظاهرة ، وحول حلوق النوافذ ، وخلف مرآة حجرة النوم : كيف لم أرها إلا الآن؟
في مدخل العمارة رأتهم يتحركون ، وفي الواجهة ينصبون السقالات الخشبية العريضة . كانوا في أغلبهم شبابا رقيقي الحال .
يقوم محروس من النجمة فيهبط إلى الحارة ليشتري 22 رغيفا بجنيه كامل ، ويمتليء طبقه دون العالمين بالفول مزينا بقرون الشطة الخضراء التي يحبها وبالزيت الحار ، مع أقراص فلافل لابد أن تصل السفرة ساخنة . بعدها يشتري جريدة " الأهرام " ، ويدس رأسه بين أوراقها . يبدأ دائما بصفحة الحوادث وينتهي بصفحة الوفيات. صندله الأسود المطاطي لا يعمل صوتا في هبوطه أو نزوله . تكون اصطباحته في المقهى المجاور للقسم ، ومع الشاي يناوله الصبي كرسي معسل " قص " أو " سلوم " .
وحدها تقف في الشرفة ، تنظر لشباب البنائين ، وهم يكدحون من النجمة حتى لحظات نقرة الشمس ، حينها يفكون المناديل المحلاوي وينكبون في تناول طعامهم تحت أسقف المحال في الظل . ودت أن تخفف عنهم هذا العناء .
قالت في نفسها : زوجي لا يشقى مثلهم .
ردت بصوت كاد يكون مسموعا : نعم ، لأن عمله في الظل دائما .
قهقه شيء داخلها : تقصدين الظلام؟
تعامت عن العبارات التي رنت في أذنيها فأربكتها . توجست مما يحدث لها في هذه الأيام .هل هي على شفا الجنون ؟ ذهبت للمرآة ، وتأملت بعض الهالات السوداء تحت الجفنين : هل للسهاد اللون الأسود يا ترى؟
نقرت أصابع مرتبكة الباب ، كان يدس نظراته في البلاطات المربعة للعتبة : لو تسمحين قلة ماء أو زجاجة باردة.
بادلته الخجل بخجل ؛ فهو أول غريب يطرق بابها في طلب حاجة . مدت يدها بالزجاجة ، وتجاسرت فرفعت وجهها رويدا رويدا . تأملت خيوط العرق على خديه تتجمع لتصنع نهيرا صغيرا ينحدر نحو عنقه وهو يرفع رأسه ليشرب . كانت تفاحة آدم تتحرك صعودا وهبوطا . أغلقت الباب وهي تعود بذهنها لتحصر كل السنوات التي عاشرت فيها زوجها . لم تره يوما يعرق. ضحكت من خواطرها المزعجة: وهل كل الناس يعرقون ؟ أبدا .
في المساء فلت لسانها وهو يخلع ملابس الشغل : محروس . لماذا لاتعرق؟
حملق فيها : نعم؟
ندت منها آهة أسف ، وهي تهز رأسها لتنفي أنها نطقتها : لا شيء . لقد شردت .
شدها من يدها فرفضت بحسم ،وقالت إنها تنتظر زيارة أخيها معتصم لتتحدث معه في تكاليف الترميم : لتنم أنت إن أردت.
في ظهيرة اليوم التالي نقرت أصابع نصف مرتبكة الباب ، أطلت من الشراعة ، وجدت الرأس نصف خفيض، والوجه فيه حسرة وكبرياء : ماء. . ماء مثلج!
تركت الباب مواربا ، واتجهت للمرآة فأصلحت زينتها ، ووجدت أوراق محروس وتقاريره ، انهمكت في قراءة السطور ،وغامت نظراتها تماما . أول مرة تقرأ ما يكتبه زوجها عن الناس .
تكرر النقر ، كان شعرها مهوشا فلمته ووضعت طوقا فضيا يجمع ما تنافر منه .
تكلم كلمتين : شكرا يا آنسة.
وجمت : لكنني سيدة ، وعندي ولد اسمه ثروت.
حملق فيها مبهورا : غير معقول . تبارك الله.
مدت يدها بنفس الزجاجة بعد أن هزت رأسها مبتسمة ، أما هو فقد طوى السلم في إحراج بالغ.
حين عاد محروس في المساء خلع صندله ، وطلب منها أن تحذر من فتح الباب لغريب ، فهناك مصائب تسجلها الأقسام كل يوم ، مع زيادة أعداد المجرمين والهجامين والمتشردين ، وزيادة في الحيطة ، فتح ملفا حكوميا وجاء بصورة النسر فلصقه على الباب من الخارج . تساءلت وهي تغالب ضحكها : ماهذا؟
قطـّب جبينه ، وهز كتفيه بثقة تشوبها جدية : ليعرف كل من تسول له نفسه في اقتحام خصوصياتنا أننا " ميري " .. حكومة!
حين ضمتهم السفرة لم يكن لها نفس لتتناول عشاءها ، لكنها تأملت زوجها وهو يحش أعواد السريس ، يغمس اللقمة بالمش ،ويكور نصف رغيف في فمه ، يمضغه بتلذذ غريب ، ثم يطوح جذعه وهو يتجشأ : الحمد لله على هذه النعمة .
لكنها تجاهلت إشارته ، ولم تذهب معه إلى السرير فقد كانت ترتق جوارب ثروت وسراويله القطنية ، كما كانت تنصت لأغنية عبد الحليم التي لم تسمعها منذ سنوات بعيدة " حبك نار " . زعق فيها وهو يغالب تثاؤبه : أغلقي " الزفت " .. الراديو .
كان الصغير يضحك لفيلم كارتوني تتبادل فيه القطط المكيدة مع الفأرالظريف .
شدها من يدها مسرورا : تعالي يا أمي شاهدي " تومي وجيري ".
سمرت الأم عينيها في الشاشة ، وهزت رأسها في تحسر : ليتني أستطيع أن أضحك مثلك يا بني .
تلاحقها صورة لا تغادر مخيلتها للشاب البناء يفتح باب الشقة بمفتاح سحري له مقبض من زمرد ، وقبل أن يدخل عليها حجرتها ، يطرق بأصابعه باب غرفة نومها ، يحدثها بأدب بالغ : سيدتي الصبوحة.إعطني رشفة ماء .
وهي تستقبله فرحة وخجولة . لا تصرخ ولا ترفض يده الممدودة . لقد أجلسها على حافة الفراش ، وجعلها تتمكن من رؤية عرقه. كانت جبهته معفرة بتراب كثيف ، وقد مسحت بيدها هذه الذرات الدقيقة التي كانت ترهقها رؤيتها ، ودعته بحرارة ، وقبل أن تغلق الباب أخبرته أنها لا تريد منه سوى أن تمسح عفار جبهته ، وتجفف عرقه لا أكثر !
في اليوم التالي انتظرت الطرقات ، التصقت بالباب تماما ، كتمت أنفاسها وقبل أن تمضي دقيقة واحدة عن الموعد سمعت الطرق خفيفا مهابا . بسرعة فتحت الباب : لقد تأخرت.
هز رأسه : أعرف .
شعرت أنها تسـّرعت ، حملق في وجهها كالمأخوذ: هات الماء . أرجوك.
مدت يدها بزجاجة الماء ومد يده ولم تلتق اليدان، فقد كانت هناك أربع أعين مغمضة ، وحلم يتشكل ، ومرافيء غامضة بعيدة ، فهوت الزجاجة على البلاط محطمة ، محدثة ضجة هائلة . لم تشعر إلا بيدها تطرق الباب في عنف مرتجف .
في الليل عاد المخبر محروس فاطمئن أن صورة النسر ملصقة في إحكام على باب الشقة من الخارج ، وأنه من الصعب أن يزيلها كائن من كان . دخل متسحبا فوجد سلوى تأكل أرزا باللبن مع الملائكة ، فتركها في نعيمها !
في اليوم التالي وقفت في الشرفة تنتظر مجيئهم ، كانوا أكثر من تسعة أفراد ، يحملون في أيديهم عددهم ، ومناديلهم المربوطة بإحكام ، وكانت خطواتهم تطرق الأرض في قوة .
خطوات مسموعة من أول الشارع ، أبهجها أن تراه في مقدمة القادمين ، هجست أن نورا في وجهه . نور خفي لا يراه أي أحد . لعلها من أهل الطريقة فتبصر ما لا يبصرون ، جسده فارع ووجهه عريض متناسق القسمات . قبل أن يهبط زوجها إلى عمله سألها في ضيق : متى ينتهي البيت من الترميم؟
ردت بغير اهتمام ، كأنها تهش بيدها ذبابة تقف على طرف أنفها : الشقوق كثيرة ، يبدو أن الأمر يحتاج لوقت .
أشاح بيده في تأفف : لا أعرف ما الذي يعجبكم في بيت عتيق طالته الرطوبة ، فأكلت أساساته تماما ، وأحاطت به الشروخ من كل جانب ؟
ردت باحتجاج : أخي عباس يقول أن أساساته تعيش مائة سنة وأكثر .
طرق الباب خلفه في عنف: إنه يخرف ، وأنت تخرفين .
وضعت أذنها اليمنى وراء الباب ، لم تسمع صوت هبوطه . هل يتلصص ، وهل النعال المطاطية بلا صوت إلى درجة انك لا تسمع صدى الخطوات؟
عند الظهيرة نقرت أصابع واثقة الباب ، كانت في انتظاره . كأنها هنا منذ ألف عام . تهدجت أنفاسها وهي تفتح الضلفة المتحركة .
نظر في عينيها مباشرة ، أحست أنها توشك على السقوط بين يديه . كانت رائحة عرقه تملأ خياشيمها . وجهه المتورد بالدماء يوحي بالقوة : أدخل .
هل نطقتها أم أنها تتخيل الكلمات : التجاعيد تملأ روحي .
همس في خفوت : ماء.
هزت رأسها : روحي أرض عطشى تتشقق.
سمعته : أريد .. أن .. أشرب.
كانت رغبات جسدها تدفعها نحو الفراش ، وكانت تطلعات روحها تمنعها ، وصلت إلى هذه النقطة الحرجة .
توسلت إليه : لا أعرف اسمك ، ولا أريد. لماذا تزورني في منامي، وترهقني بزهورك؟ أنت دائما تأتي بزهرة عصفور الجنة ؟
أمسك بأصابعها ، فيما اقتربت منه تمسح ذرات التراب ، قربت يدها من ضوء مصباح صغير . رأت الذرات فراشات تملأ فضاء الحجرة . فراشات صغيرة ملونة بأحمر وأخضر وأزرق وبرتقالي وبنفسجي .
هدأت نفسها وهي ترى فردوسها يتفتح ، غابت عن العالم ، ورأت الدنيا تمتليء بسقالات ، وأحبال مشدودة ، وشقوق بلاحصر .شمت رائحة العرق نفاذة فشهقت من هذا الخاطر الملح الذي يدق بوابتها .
كانت تتشتت كجسد وتتفتح كروح في حالة ذهول يشرق بحلم شفيف تملأه النوارس ، وعلى المشجب تبدو السترة معلقة ، وقلم الكوبيا يرصد كل شيء بتفاصيله .
لأول مرة تمسك به ، وتقصف سنه الرفيع المدبب ، في شق من الشقوق الطولية بالبيت ، ثم تعيد وضعه في نفس المكمن بميل خفيف نحو اليسار .ميل تعرفه ومن خلفه تدرك أن ثمة أوراق لابد أن تـُحبر في غبش الفجر الكثيف .
حين أوشك أن يضع الزهور في الفازة الكريستال المستطيلة هتفت به: أرجوك . لا تفعل .
بعد أن خرج من حجرتها الصغيرة . اتكأت على سور الشرفة ، وظلت تبكي . تبكي بدون انقطاع ، والدموع تصنع بحيرات صغيرة على حافة السور!
دمياط 5/ 12/ 2005.[/align]