رؤية للسرد
لا يزعم امتلاك مفاتيح القصة القصيرة جدا، إلا واهم بالتحكم في بنية مكوناتها،على خلفية وعي أحادي البعد بطبيعتها الفنية،ليس لكونها من الفنون السردية المستحدثة في الأدب الإنساني فقط، ولكن باعتبارها نوعا متجددا، يستعصي على التنميط في قالب مخصوص يمكن ادعاء جاهزيته بالإحالة على مثال معلوم.
لكن زعم الاقتدار على التربص بخصوصيات تفرد القصة القصيرة جدا وارد، بعد اختبار نماذجها بما تسعف به أدوات النقد الأدبي،لأن الأصل في الإبداع باللغة، أنه خلق يتطلع ليكون مثالا بذاته ضمن وسائط التعبير الفني بتلك اللغة، وكغيرها من تلك الوسائط الإبداعية في جنسي الشعر والنثر، تظل القصة القصيرة جدا مصرة على البحث عن موطئ قدم في خارطة الكتابة، يكون سمتها الخاصة وبصمتها الإضافية.
ثمة مواضعات أفرزها التراكم النوعي،يمكن الاستئناس بها كمداخل لأبجدية السرد القصير جدا،لعل أهمها يدرك بنفي ما لا ترتضيه،تمهيدا لإثبات ما تختص به،ضمن النسيج السردي،كالقول:
بنفي الاستطراد في التفاصيل، لإثبات التكثيف في الخطاب،
بنفي التصريح بالخبر،لإثبات التلميح بالإيحاء و الإشارة و الرمز.
بنفي الحرص على حفظ التعاقب في التنامي،لإثبات السعي نحو الفوضى الخلاقة في البناء.
بنفي تسطيح التخيل و رهنه بالواقعية فيما ينشأ من صور،لإثبات تعميقه بهوامش التحرر التي يتنفس منها النص،ككائن متعدد المستويات في تفاعله مع العالم.
بنفي التعالي على اللغة ومحاولة تجاوز آلياتها معجما و تركيبا،لإثبات الحاجة إلى مراعاة ضوابطها التي تقوم عليها في الأصل،كما تشكلت في فنون التعبير بها شعرا ونثرا،مما حوته علوم تلك اللغة قديمها وحديثها.
بنفي سلطة الكاتب على النص قبل و بعد وجوده،لإثبات حق التلقي في إعادة إنتاج النص معنى ومبنى،في ضوء وضعياته و شروط تفاعله معه.
بنفي إطلاق العنان للقول كيفما اتفق علي سبيل الاستسهال،لإثبات حاجة القصة القصيرة إلى الإحكام في التأليف،بوعي و رؤية فنيتين،ليستا بالضرورة نمطيتين.
بنفي التعلق بالداخل كمصدر أحادي البعد،لإثبات الانفتاح على الخارج في أبعاده الكونية.
بنفي الارتهان في الكتابة،إلى الظرفي في مجريات الحياة الخاصة أو العامة،
لإثبات الحاجة إلى فك الارتباط الحرفي بالراهن،حين يصبح عبئا على التخيل،
يقود الكتابة ويتحكم فيها،بدل قيادتها والتحكم فيها.
بنفي الارتكان إلى انتهاء النص في لحظة تشكيله الأولى،لإثبات ضرورة تجدد النص الواحد،عبر عدة نصوص،بالاشتغال عليها وتقليب أوجهها،بحثا عن الوجه الأكثر تمثيلا للاقتناع الداخلي،باستنفاد الممكن.