وضعت المجلة على المائدة المستديرة التي تحتل الغرفة الصغيرة ...نزعت نظاراتها ووضعتها داخل العلبة البلاستيكية ثم ألقت نظرة خاطفة على "السداري" المجاور ...كان فارغا ، باردا ، مرتبا ...متنكرا للجسد الذي احتله قبل سنين خلت . جسد والدها الآن يرقد في مكان بعيد ...لم يعد يحتاج لكأس الشاي الذي كانت تقدمه إليه كلما صحا من نومه المتكرر .
فكت سدائل ما تبقى من شعرها ثم انزلقت على فخذي أمها التي كانت تتابع باهتمام ما تبقى من حكاية طويلة على شاشة التلفاز.ثبتت عينيها في سقف الحجرة وهي تراقب ظل المصباح الخافت يتحرك يمنة ويسرة عندما تغازله بعض نسمات الريح المتسللة عبر النافذة ...أنامل أمها تداعب شعرها وكأنها تحرك الأحداث المتراقصة المتزاحمة داخل رأسها الصغير ، تمر صور سريعة ، خاطفة ، وأحيانا ، ثقيلة تبعثر ما اعتادته من نظام . تتوقف الصور فجأة أمام حاجز مظلم ، تسقط في مكان ما ثم تعود إلى سرعتها الأولى ...
الأم واجمة ، تحرك شفتيها دون أن تنطق ، توزع نظراتها على أشياء الحجرة وكأنها تراها لأول مرة...تقبض على ابريق الشاي وتسكب ما بداخله في كأس ابنتها :
- خذيه ما دام دافئا ابنتي، سأصنع أبريقا صغيرا لشقيقك عندما يعود...
مدت يدها إلى الكأس ثم وضعته ثانية على المائدة وعادت إلى أسئلتها التي لم تجد لها جوابا...كانت امرأة في مقتبل العمر ، نحيلة هادئة مثل بركان خامد ، وحده الزلزال قادر على تفجير ما بداخله...هاهي الآن تخفي حزنها على أمها الجالسة خلفها ، قلق كبير انتابها وهي ترى جسد أبيها يغادر البيت دون عودة ، كان هو ، ذلك الرجل الذي بحثت فيه عن تفاصيلها ، عن طفولتها وعن كل شيئ كان وما زال يساورها...لم يعد الآن سوى كتلة باردة تحملها الأكتاف لتتوارى بها خلف الأدراج الضيقة ، وهي ...هي ما تزال واقفة في مكانها ، تتنازعها الصور وتغتالها الأسئلة...
لم تكن الموت تفزعها ، ما كانت تخشاه هو أن تفقد بعضا من كينونتها ، كثيرا مما تعتقد أنه لها وحدها ...هاهي الموت تكاد تحطم أحلامها ، تفقدها ما تبقى من كبريائها المتستر خلف جسدها النحيف ، تزعزع مسار حكاياتها ، فتكون النهايات دائما عكس ما تبنيه من أعشاش داخل مخيلتها الهادئة ....
التفتت الى أمها وكأنها تستنجد بها لفك الألغاز التي تبعثر جمجمتها ، لتخلصها من المرأة التي تحتلها ...كانت الأم هي الأخرى مستسلمة لغفوة خفيفة واناملها تقبع داخل الشعر الأسود المنسكب على فخذيها...
أخذت المجلة مرة أخرى وعادت لصورة صديقتها وهي تغازل قصيدة لشاعرة عربية . أخذت الغلاف البلاستيكي وأخرجت نظارتها ثم انخرطت في قراءة ما تبقى من المقال . صديقتها التي تعتبرها امتدادا لطموحها الامتناهي .كانت بين برزخ الحياة والموت ، تعطلت آلة الزمن التي تعنيها ، وهاهي تراقب نجمة الفجر علها تنير طريقها نحو الخلاص...القصيدة تحكي عن مسار امرأة فضلت أن تكون لوحدها، اختارت أن تواجه طقوس الطبيعة وتخلص نفسها من وهم زائف يجبرها على ترك أمها وحيدة ...لقد رفضت أن تتزوج رجلا يملك السلطة والمال والجمال ، لكنها ، وبعد كل العواصف التي اجتاحتها وصمدت في وجهها ، وجدت نفسها فجأة غير قادرة على منع خيوط الموت التي تسللت الى جسد والدتها واجبرتها على الرحيل.
القصيدة التي تحتل صدر الصفحة ، تنتهي كما بدأت ، حزينة ، مليئة بالألم ، صامتة رغم ما تركته من كلمات تكاد تخترق هتين العينين الصغيرتين اللتين تنظران الى الحروف المتراصة بنظام داخل الصفحة البيضاء...
رفعت رأسها وأدارته ببطء نحو أمها الغافية ، نظرت إليها قبل أن تناديها بصوت خافت :
-أمي ...أمي ...أمي...
فتحت أمها عينين ثقيلتين وابتسمت في وجه ابنتها ...
- هل اتصلت بك أختي منال ؟
- نعم نعم...قالت أنها ستقضي عطلة نهاية الأسبوع عندنا...مع أبنائها.
عادت سعيدة الى وضعها بين فخذي أمها ، وبدا على وجهها نوع من النفور. مرت أمامها حكايات بسيطة حدثت لها في البيت عندما زارتهم أختها منال آخر مرة. تذكرت كيف استطاع أحمد الصغير ، ابن أختها ، أن يخرج محفظتها من مكتبها ، ويبعثر أوراقها التي كدت في جمعها تحضيرا لنيل الدكتوراه...وعادت الآن تلك الأصوات المشاغبة التي منعتها من النوم بعدما عادت من معرض الكتب حاملة معها هموم صديقتها التي تواجه الحياة في انتظار زيارة مفاجئة لكوكب الموت الذي سيصطدم مع آمالها دونما رحمة أو اعتبار . أصوات الأطفال كانت ترتفع كلما أغمضت عينيها ، وكأنهم يراقبونها ويترصدون جفونها الثقيلة كلما انطبقت على بعضها ، لتنهال عليها صيحاتهم كالمطارق على جمجمتها ، فتحطمها قطعا صغيرة تتناثر في كل أرجاء الغرفة الضيقة...
هي إن شئنا ، لاتكره الأطفال لأنهم أطفال ، أو لأنها لم تتزوج ، أو لما يقومون به ضدها من سلوكات مشينة عندما يحتلون البيت في العطلة بضجيجهم المتكرر وفي كل الأوقات . فقط هي هكذا ، تركيبة من الهدوء والسكينة ، قطعة من تراب آدمي شاءت له الطبيعة والطبع أن يكون هكذا...هاهي قبل لحظات قرأت عن مصير مجهول لامرأة تهوى الكتابة ، وهي كامرأة ، كذات ، ككيان ، هل ستفعل هي الأخرى نفس الشيئ ؟ثم تلقى في النهاية صفعة من إله الموت تجعلها تعض شفتيها حسرة وأـلما على ما ضاع منها جراء مواقفها التي لم تكن صحيحة ؟؟ هل ستنفعها آنذاك تلك الشهادة التي اختارت لها مكانا افتراضيا على حائط الغرفة ؟ وما علاقة الأطفال بالهدوء ؟ هي كذلك كانت فقاعة مليئة بالصراخ عندما كانت بنية صغيرة ، هل كرهها أحد ؟ هل نهرها أحد يوما ما ؟ أبدا ...كانت محبوبة من الجميع ، وحتى عندما كبرت قليلا ، كان والدها يحملها على ظهره في البيت ويغني لها...
لكن أطفال أختها مشهود لهم بالفوضى العارمة ، لذلك ستفتعل موضوعا ما يتعلق بالتحضير للشهادة ، أو الذهاب الى ملتقى ، أو فقط زيارة صديقتها سلمى التي تحتاجها دائما . المهم أنها لن تدع الأطفال ينتصرون عليها .ستتركهم مع أمها وتغادر لساعات حتى تتأكد من أنهم فجروا كل صراخهم واستكانوا...
أخرجتها من هلوساتها الليلية دقات متتالية على الباب الرئيس للبيت الصغير ، فقامت من على فخذي أمها التي انخرطت في حركة آلية مع " التسبيح " الذي يحرك أطراف أصابعها .
- هاهو عمر قد جاء من نادي الأنترنيت ، سأفتح له الباب ثم أذهب لتنظيف أسناني ، هل ما زال عندنا بعض المعجون ؟
أشارت لها أمها الى مكان تضع فيه ما طلبت سعيدة واستمرت في تمتمة لا متناهية...
فتحت سعيدة الباب ونظرت بشكل سريع الى عمر :
- لا تنس أن تقفل الباب جيدا ، لا تنس "عافاك ".
- سأفعل ، لا تخافي فمعك رجل ...
- لم تلتفت الى ابتسامته لها ، فقد هرعت الى حيث أشارت أمها وأخذت المعجون واختفت داخل الحمام.