الوقوف عند النهاية !

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد لاعبي
    أديب وكاتب
    • 14-11-2011
    • 45

    الوقوف عند النهاية !

    الوقوف عند النهاية



    في يوم من أيام الربيع؛ تعلوالابتسامة كثيرا من الوجوه، فيخرج الناس يتمتعون بدفء الشمس، ويتخلصون من آثارالجمود والانقباض، التي علقت بهم أثناء فصل الشتاء الطويل. في مثل هذا اليوم، منعني شيء ما علق بنفسي، من أن أكون مثل بقية الناس.

    لم تكن لدي رغبة في الذهاب إلى العمل هذا الصباح، ولم أجد في نفسي القدرة على مغادرة غرفة نومي. استيقظت على صداع مستمر متواصل، وآلام حاضرة باستمرار، منتشرة في الجسد كله. أضعفت قدرتي على التفكير، والإحساس. أعياني الداء، فضاق بي المكان. لم أقو على حمل الهاتف النقال، للاتصال بصاحب العمل، والاعتذار له عن عدم حضور. تعبت من الاعتذار للبشر! قررت حينئذ أن لا أتصل بطبيب البيت، فالطبيب اليوم أصبح لا يعالج، وإنما أصبح يواسي، وفي كثيرمن الحالات، يشبع المريض بنصائح وإرشادات. يأخذه في نقاش مطول حول صراع الأطباء في محاربة الموت؛ ولا يناقش حول حق الإنسان في الموت. يحاول الطبيب أن يؤجل الوفاة، لكنه لا يستطيع أن يتغلب على ألمي، فأنا أكبر من جسد متهالك.. فتحت كتابا أبحث فيه عن حدث ما، فوقعت عيني على كلمات لا معنى لها. قلبت الصفحات تلو الصفحات لعلي أقرأ قصة رجل يقتل الأطفال لينهي النسل البشري؛ أو أجد قصة رجل يغتصب النساء بلا رحمة ولا شفقة، فصادفتني عناوين عن الحب، وأخرى عن أهمية الصداقة وفوائد التواصل بين البشر. ألفاظ تبعث عن السخرية، كلها كذب ونفاق موجهة إلى من لا عقل له، أو إلى من اتبع هواه.. في آخر الكتاب، قرأت العبارة التالية: « ومع ذلك، فالكلمات لاتستطيع أن تعبر عن كل شيء، إذ أن هناك مواقف تخونك فيها اللغة، فلا تستطيع أن تعبرعما تفكر به، أو تشعر به:إنه السكوت، لم يصنع من حروف، ولا من أصوات، ومع ذلك يمكن أن يعبر عن ما عجزت عنه الكلمات». تركت الكتاب يسقط من يدي، ثم حملت عصاي، واتجهت سيراعلى الأقدام، نحو ساحة كبيرة مجاورة لمأوى العجزة، حيث أسكن منذ وقت غير بعيد. تمنيت لو أنني أرى جماهير من المتظاهرين يصرخون بصوت واحد:«الشعب يريد تغيير نظام الحياة». ثم تأتي قوة مكافحة الشغب فتطلق النار على المتظاهرين. ينفذ الرصاص، فتسير الدبابات في الشوارع، وتحصد الأرواح. تسيل الدماء سيولا جارفة، حتى تلتقي بمياه البحر. يخرس صوت الشعب، ويرتفع النعيق والعواء. يا له من مشهد رائع! يبعد النفس عن حالة الملل والرتابة، ويخلع عني كل ما يرتبط بالحياة اليومية من: مواعيد، ورسائل وهواتف، وهموم ومشاكل.
    أردت أن أتذكر شيئا من ذكرياتي التي ولت؛ لكنني وجدت أن أفكاري قد توقفت. بحثت عن أسماء من عائلتي، فلم تسعفني ذاكرتي. مشاعر سطحية تطفو على جسد متهالك، وعلى دماغ خامل، وعلى بصيرة لاتبصر. سرت بين الأشجار الباسقة أستعرض ببصري فروعها السميكة بدقة متناهية. لم أكن أسمع أصوات الطيور رغم أنها كانت متواجدة؛ ولم أشعر بحرارة أشعة الشمس، رغم أنها كانت تتوسط السماء. كنت أبحث عن جثة متدلية من فرع شجرة، فلم أجدها. شعرت بالخيبة، كنت تواقا إلى حدث مثل هذا، يلهمني الإحساس بأن شيئا ما قد حدث فيشغل بالي؛ فيخرجني من صمتي الرهيب. جلست تحت قنطرة أراقب. لعل أحدا من المارة يرمي بنفسه من فوق. السيارات تمر بسرعة جنونية، وقد تتفتت الجثة تحت العجلات، قبل أن تتوقف حركة المرور. لم يتحقق أملي!. جلست بجانب السكة الحديدية. مرت القطارات السريعة من دون أي حادث يذكر. يا له من يوم غريب! لماذا لم تحدث أية عملية انتحار اليوم؟ ما هو هذا الحدث الوطني الهام، الذي جعل الناس يؤجلون الانتحار؟ لم أصدق نفسي، فاتجهت نحو الشمال. نزعت ثيابي، وغطست في الوادي أبحث عن جثة هامدة.. انزلقت قدمي، كادت تغمرني المياه. صرت أصرخ، أصرخ بقوة..
    فتحيت عيني في قاعة كبيرة، يوجد في كل ركن من أركانها الأربعة، سرير يرقد عليه مريض. سألني الطبيب بصوت رخو:« هل عندك سؤالا أو استفسارا حول وجودك في المستشفى؟».
    أجبته بصدق:« سيدي الطبيب، أنا لا أعرف ماذا أريد بالضبط!».
    التعديل الأخير تم بواسطة أحمد لاعبي; الساعة 06-06-2012, 16:25.
يعمل...
X