معنى الهوية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أحمد لاعبي
    أديب وكاتب
    • 14-11-2011
    • 45

    معنى الهوية

    معنى الهوية

    لم أكن أعلم أن استبدال البطاقة الوطنية في الخارج، قد يحتاج إلى إثبات الهوية. بعد ستة أشهر من الانتظار، ذهبت إلى القنصلية العامة لأتسلم بطاقتي الوطنية. لما دخلت الباب، فوجئت برجل سمين، قصير القامة، ترك شعرات طويلة مهملة تحت شفته السفلى. سألني بصوت جاف: ماذا تريد؟ لم ينتظر الجواب، كرر السؤال ثلاث مرات، ثم لوح بكلتا يديه في الهواء، كأنه يزيل عارضا من الطريق. أعطيته التوصيل وأخبرته بطريقة لاتخلو من الارتباك، أنني جئت لأستلم بطاقتي الوطنية.
    أمرني بالإنتظار في قاعة الرجال. سرعان ما أخذ هؤلاء يطرحون علي أسئلة أحرجتني كثيرا؛ إذ لمست لديهم شغفا كبيرا في معرفة معلوماتي الشخصية وتخزينها.. مرت ساعات طويلة. كلما طال علي الأمد، رفعت رأسي إلى الرجل؛ فيشير إلي أن انتظر. بين الفينة والأخرى يأتي ببطاقة، ينادي بصوت مرتفع على صاحبها. يتجمع الناس من حوله، فرحين بلونها وشكلها. أثارت دهشتي تلك الصور التي وضعت مكان الصور الحقيقية لأصحاب البطاقات: رأيت الجمل، والحمار، والبغل، والأفعى. كما رأيت قردا يضحك، وكلبا يبصبص، وعتروسا أجرب يصيح.
    بعد يوم ونصف من الانتظار، نادى علي الرجل، تطلعت إلى صورة البطاقة، فرأيت صورة ليث بلحية بيضاء. خاف الناس من حولي، تقهقروا إلى الوراء. زأرت بقوة فانكمشوا. نظرت في وجوههم نظرة شزر واحتقار، ثم خاطبتهم: أيها الجبناء، يجب على كل واحد منكم، أن يطلعني عن جرمه، أن يحكي لي بصراحة لماذا ألصقت على هويته صورة لا تتطابق مع خلقته؟
    سردوا علي السلوك الذي دأبوا عليه في الوطن. مثل الصبر على الظلم، والغباء في المعاملات، وتحمل المكاره، والتملق لأعوان السلطة.. ومنهم من كان يصيح كالعتروس دون أن ينصت إليه أحد.
    زأرت مرة ثانية وبقوة، فجاء القنصل العام. دخل قاعة الانتظار، كان يرتجف. رأيت في عينيه رقاقة إلكترونية غير مرئية لكل الناس. طلبت منه أن يسلمني بطاقته الوطنية، فإذا بي أرى عليها صورة هدهد أعور. سألته مستفسرا:
    - ما هي خطيئتك أيها الشرير، لماذا عينت خارج الوطن؟
    - لم أكن أنقل الخبر في حينه، كما يفضل الرؤساء.
    أمرت الشرير أن يصعد إلى مكتبه، ثم توجهت إلى الجمع الحاضر قائلا:
    «أيهاالمهاجرون، إن الهوية الحقيقية عندي، لا تعني تبديل صورة بصورة، أو بطاقة ببطاقة، ولكنها تغيير شامل في النفوس والعقول والقيم والمناهج.. ولا يمكن أن يتم في بلاد المهجر تغيير شامل سديد مع إغفال دور المرأة».
    ثم زأرت زئيرا موجعا هذه المرة، فجاءت اللبوءة. دارت من حولي. قالت لي بأسى وود: متىينتهي وجع الهوية؟ رفعت رأسي نحو الأفق، أنظر بعيدا خلف السحب الداكنة. نادت علي من جديد: تعالى نعتني بالأشبال، عسى أن يخرج من أصلابهم من يحتفظ بهويته، فلا تحطمه أبسط الرياح، أو تقتلعه من جذوره.

    6/5/2010
يعمل...
X