هوية مبعثرة
لف الصمت الحي الذي أسكن فيه، أصبح كأنه مقبرة مهجورة. لا تسمع فيه إلا أصوات طيور مجهولة. حتى إذا خرجت تبحث عنها لا تجدها. إحساس غريب يشعرني بأن سكون هذا الصمت، يشبه الهدوء الذي يسبق العاصفة.
كنت سعيدا في حياتي الزوجية. لا أخرج من البيت إلا للشغل. ليس لدي أصدقاء أستأنس بهم، وليست لي هوايات أتسلى بها. منذ استقراري في هولندا أصبحت هوايتي هي أسرتي، أحيطها بالحب والرعاية. كان أطفالي الثلاثة لا ينامون إلا إذا كنت بجانهم، ألاعبهم وأحكي لهم قصصا ممتعة. لما جاوزت نصف قرن من عمري، تغير نمط حياتي. أصبح يسهرني هم اللغة ووجع الكتابة. أهيم فوق الأرض أبحث عن العزلة. أشعر أحيانا بالكآبة، وأحيانا أخرى بفرح شديد.. يئست زوجتي من حالتي المنفرة. لم تستطع أن تقتنع بأن هذا الأمر خارج عن إرادتي. أخبرتني يوما أنها لا تريد العيش في حزن بائس، وجمود عاطفي سقيم، فاتصلت بالشرطة. سلموني أمرا يقضي بإخراجي من منزل الأسرة، وتحويل راتبي على حساب خاص لزوجتي.
ربما شتمت العالم كله في سري، لكنني في الحقيقة، أصبحت أتمتع بحرية لا حدود لها، بل أكثر من ذلك، اقتنعت بأن الأولى لزوجتي وأطفالي الثلاثة أن يعيشوا بدوني. لأنهم لايستطيعون التعايش مع مهاجر مثلي. تغمره أحيانا عاطفة جياشة، تتفجر ودا ودلالا. وأحيانا أخرى يصاب بانفعالات نارية، تحرق الأخضر واليابس من حوله.
أصبحت أتلذذ بتنسيق الحروف، أهاجر من وطن إلى وطن بين طيات السطور. صرت أنظر إلى السنوات العشرين التي قضيتها مع زوجتي كحكم بالإعدام! أما سنوات تربية الأطفال، فقد كانت كلها حرمانا وخسرانا. كنت كبش فداء، أتعب وأشقى من أجل تلبية رغباتهم. لما تجاوزوا سن البلوغ انفلتوا من القيم والتقاليد التي نشئوا عليها. منهم من صار مجرما اعتاد دخول السجن، ومنهم من أدمن على المخدرات. أما بنتي الوحيدة، فلذة كبدي، فقد هجرت بيت الأسرة، وسكنت مع صديقها الهولندي.
بينما أنا جالس في غرفتي أكتب آخر قصصي، إذا بي أسمع هرجا ومرجا خلفي. أدرت ظهري، نظرت نحو الكتب التي تملأ الجدار لأستيقن الأمر. فرأيت شرائط عناوين كثيرة، تجذف برشاقة في هواء الغرفة. كلمات وجمل مختلفة الحجم والألوان. حيثما أدرت بصري أرى لغة عربية.. ثم تنقشع سحابة اللغة، فيظهر قريبا من سقف الغرفة، كتاب عرب أعرفهم منذ قرن مضى.أخافني منظرهم المفاجئ، شعرت بفزع شديد، أردت أن أصرخ بأعلى صوتي، فتحت فمي فأخذ فكي الأسفل يصعد ويهبط بمشقة، جف حلقي، استيقنت أن اللغة هجرتني.. لم يعد لدي صوت أدافع به عن نفسي. تعجبت لأمرهم.إخواني من دمي ولحمي، لماذا لا يشفقون علي؟ لقد اخترت بنفسي الهجرة. لماذا هذاالفزع كله؟.
أخذوايتكلمون مرة واحدة، بلهجات مختلفة، من دون أن يصغي أحدهم للآخر. نظرت في عيونهم، كانت شاخصة بيضاء لا تبصر. كانوا يمدون أيديهم نحوي. ينادونني باسمي، بعقيدتي، بجنسيتي، بلوني. تأكدت أنهم يقصدونني أنا وليس أحدا غيري. حاولت أن أقوم من مكاني، فإذا بأيديهم تقترب أكثر فأكثر مني. لم أستطع أن ألبي النداء. لا أستطيع تقبيل الأيدي. ليست لدي رغبة في اللقاء. فأنا هجرت أبي وأمي ووطني، وهجرتني زوجتي وأولادي. لا أعرف من أين أبدء ولا إلى أين أنتهي.. لا أريد لقاء، لا أريد فراقا.
أدرت بصري نحو النافذة. أبحث عن ضوء النهار. لعلي أخلص من هذا الحلم المزعج.. فرأيت اللذة والحرمان، رأيت أزهارا ذات ألوان، رأيت أشواكا منتشرة تحت أشجار الزيتون، رأيت كثبان الرمل تحيط بي تخنقني، فشعرت ببرد قارس. ثم دوى رعد قوي تحت سقف الغرفة. واختلط لمعان البرق بالحروف الهجائية. ارتعدت، صرخت بقوة، بدون لغة، بدون صوت.. لاحياة لمن تنادي!.
بينما أنا على هذه الحال، إذ خرجت من جانبي الأيمن صورة متحركة، تشبه الصورة التي تحمل هويتي. اتجهت نحو الكتاب العرب، واستقرت في زاوية الغرفة. نظرت إليها، أحببتها، فهي مني وأنا منها. أبتسم لابتسامتها، أتتبع خطواتها.
انزعجت كثيرا وخشيت على نفسي من الجنون، فنزلت إلى الشارع وطرقت باب الجيران، أسألهم إذا كانوا هم أيضا يرون في غرفهم ما رأيت، أو يسمعون ما سمعت.
خرج إلي رجل سبق لي أن رأيته عدة مرات، فبادرته بالسؤال:
-« مساء الخير أيها الجار، هل تأذن لي بالسؤال »؟
نظرإلي وفي عينيه استفسار، ثم قال:
-«آسف أيها السيد، أنا على أهبة الذهاب إلى العمل، يجب أن أنطلق الآن وإلا تأخرت، لكن سأنادي على زوجتي، ربما تستطيع مساعدتك». بعد ثواني معدودة خرج إلي رجل آخر، وعرض علي مساعدته. قلت له مستنكرا:« أيها السيد، أنا سعيد جدا بهذا العرض، لكنني في الواقع أنتظر زوجة جاري». ضحك الرجل طويلا، ثم بادرني قائلا:« أنا هي زوجة جارك هاري، اسمي لويس وأنا سعيد بالتعرف عليك». لم أستوعب مما حولي، أخذت أنظر إلى هذا الجسد الواقف أمامي. تذكرت علامات البلوغ عند الرجل. صرت أبحث في وجه الرجل الزوجة عن علامات الأنوثة. لم أصدق أنني لا زلت أتمتع بقواي العقلية. لكن صوت الرجل أمامي أنقذني من جحيم الشك، فسألني:هل بإمكاني مساعدتك في شيء؟
تمنيت لو أنه يستطيع أن يسدي إلي معروفا، ويقول لي من أنا. وﺇلى أي شيء أنتمي؟. لكن حتى لا يفتضح أمري قررت أن أسأله فقلت له بحزم:« عفوا على الإزعاج، أريد فقط أن أسألك إذاكنت تسمع أصواتا غريبة في بيتك »؟ فقال وهو يحاول الاختصار في الكلام:« لا، في الحقيقة لم أنتبه إلى أي شيء مما تقول». شكرته على معاملته الحسنة، وانصرفت.. بينما أنا أمشي على الرصيف، إذ لاحظت طفلا في سن السادس من عمره، اقتربت منه بحذر وسألته بلطف:« أيها الفتى، هل يمكن أن أتحدث إلى أبيك»؟
فأجابني:«أبي يوجد الآن في المطبخ يهيئ طعام العشاء ».
فقلت له وأنا أتتبع كل حركة من حركاته:« لا شك أن أمك في العمل إذن »؟.
أجابني وهو يبتسم:« كلا أيها السيد، إن أمي هي أبي». تعجبت كثيرا لكلام هذا الطفل. اتهمت نفسي بعدم الثقة في كفاءة التلقي لدي. تذكرت أنني قرأت يوما في إحدى الصحف، أن بعض النساء إذا أرادت أن تتخذ ولدا، تختار رجلا من الشارع، وتنجب منه من دون علمه، فيكبر الابن على فكرة أن أمه هي أباه. ربما شتمت العالم كله في سري، لكنني في الحقيقة، أصبحت أتمتع بحرية لا حدود لها، بل أكثر من ذلك، اقتنعت بأن الأولى لزوجتي وأطفالي الثلاثة أن يعيشوا بدوني. لأنهم لايستطيعون التعايش مع مهاجر مثلي. تغمره أحيانا عاطفة جياشة، تتفجر ودا ودلالا. وأحيانا أخرى يصاب بانفعالات نارية، تحرق الأخضر واليابس من حوله.
أصبحت أتلذذ بتنسيق الحروف، أهاجر من وطن إلى وطن بين طيات السطور. صرت أنظر إلى السنوات العشرين التي قضيتها مع زوجتي كحكم بالإعدام! أما سنوات تربية الأطفال، فقد كانت كلها حرمانا وخسرانا. كنت كبش فداء، أتعب وأشقى من أجل تلبية رغباتهم. لما تجاوزوا سن البلوغ انفلتوا من القيم والتقاليد التي نشئوا عليها. منهم من صار مجرما اعتاد دخول السجن، ومنهم من أدمن على المخدرات. أما بنتي الوحيدة، فلذة كبدي، فقد هجرت بيت الأسرة، وسكنت مع صديقها الهولندي.
بينما أنا جالس في غرفتي أكتب آخر قصصي، إذا بي أسمع هرجا ومرجا خلفي. أدرت ظهري، نظرت نحو الكتب التي تملأ الجدار لأستيقن الأمر. فرأيت شرائط عناوين كثيرة، تجذف برشاقة في هواء الغرفة. كلمات وجمل مختلفة الحجم والألوان. حيثما أدرت بصري أرى لغة عربية.. ثم تنقشع سحابة اللغة، فيظهر قريبا من سقف الغرفة، كتاب عرب أعرفهم منذ قرن مضى.أخافني منظرهم المفاجئ، شعرت بفزع شديد، أردت أن أصرخ بأعلى صوتي، فتحت فمي فأخذ فكي الأسفل يصعد ويهبط بمشقة، جف حلقي، استيقنت أن اللغة هجرتني.. لم يعد لدي صوت أدافع به عن نفسي. تعجبت لأمرهم.إخواني من دمي ولحمي، لماذا لا يشفقون علي؟ لقد اخترت بنفسي الهجرة. لماذا هذاالفزع كله؟.
أخذوايتكلمون مرة واحدة، بلهجات مختلفة، من دون أن يصغي أحدهم للآخر. نظرت في عيونهم، كانت شاخصة بيضاء لا تبصر. كانوا يمدون أيديهم نحوي. ينادونني باسمي، بعقيدتي، بجنسيتي، بلوني. تأكدت أنهم يقصدونني أنا وليس أحدا غيري. حاولت أن أقوم من مكاني، فإذا بأيديهم تقترب أكثر فأكثر مني. لم أستطع أن ألبي النداء. لا أستطيع تقبيل الأيدي. ليست لدي رغبة في اللقاء. فأنا هجرت أبي وأمي ووطني، وهجرتني زوجتي وأولادي. لا أعرف من أين أبدء ولا إلى أين أنتهي.. لا أريد لقاء، لا أريد فراقا.
أدرت بصري نحو النافذة. أبحث عن ضوء النهار. لعلي أخلص من هذا الحلم المزعج.. فرأيت اللذة والحرمان، رأيت أزهارا ذات ألوان، رأيت أشواكا منتشرة تحت أشجار الزيتون، رأيت كثبان الرمل تحيط بي تخنقني، فشعرت ببرد قارس. ثم دوى رعد قوي تحت سقف الغرفة. واختلط لمعان البرق بالحروف الهجائية. ارتعدت، صرخت بقوة، بدون لغة، بدون صوت.. لاحياة لمن تنادي!.
بينما أنا على هذه الحال، إذ خرجت من جانبي الأيمن صورة متحركة، تشبه الصورة التي تحمل هويتي. اتجهت نحو الكتاب العرب، واستقرت في زاوية الغرفة. نظرت إليها، أحببتها، فهي مني وأنا منها. أبتسم لابتسامتها، أتتبع خطواتها.
انزعجت كثيرا وخشيت على نفسي من الجنون، فنزلت إلى الشارع وطرقت باب الجيران، أسألهم إذا كانوا هم أيضا يرون في غرفهم ما رأيت، أو يسمعون ما سمعت.
خرج إلي رجل سبق لي أن رأيته عدة مرات، فبادرته بالسؤال:
-« مساء الخير أيها الجار، هل تأذن لي بالسؤال »؟
نظرإلي وفي عينيه استفسار، ثم قال:
-«آسف أيها السيد، أنا على أهبة الذهاب إلى العمل، يجب أن أنطلق الآن وإلا تأخرت، لكن سأنادي على زوجتي، ربما تستطيع مساعدتك». بعد ثواني معدودة خرج إلي رجل آخر، وعرض علي مساعدته. قلت له مستنكرا:« أيها السيد، أنا سعيد جدا بهذا العرض، لكنني في الواقع أنتظر زوجة جاري». ضحك الرجل طويلا، ثم بادرني قائلا:« أنا هي زوجة جارك هاري، اسمي لويس وأنا سعيد بالتعرف عليك». لم أستوعب مما حولي، أخذت أنظر إلى هذا الجسد الواقف أمامي. تذكرت علامات البلوغ عند الرجل. صرت أبحث في وجه الرجل الزوجة عن علامات الأنوثة. لم أصدق أنني لا زلت أتمتع بقواي العقلية. لكن صوت الرجل أمامي أنقذني من جحيم الشك، فسألني:هل بإمكاني مساعدتك في شيء؟
تمنيت لو أنه يستطيع أن يسدي إلي معروفا، ويقول لي من أنا. وﺇلى أي شيء أنتمي؟. لكن حتى لا يفتضح أمري قررت أن أسأله فقلت له بحزم:« عفوا على الإزعاج، أريد فقط أن أسألك إذاكنت تسمع أصواتا غريبة في بيتك »؟ فقال وهو يحاول الاختصار في الكلام:« لا، في الحقيقة لم أنتبه إلى أي شيء مما تقول». شكرته على معاملته الحسنة، وانصرفت.. بينما أنا أمشي على الرصيف، إذ لاحظت طفلا في سن السادس من عمره، اقتربت منه بحذر وسألته بلطف:« أيها الفتى، هل يمكن أن أتحدث إلى أبيك»؟
فأجابني:«أبي يوجد الآن في المطبخ يهيئ طعام العشاء ».
فقلت له وأنا أتتبع كل حركة من حركاته:« لا شك أن أمك في العمل إذن »؟.
عدت على التو إلى غرفتي، فوجدت أولائك الكتاب العرب جالسين في حلقة دائرية، يناقشون بصخب شديد. لما سمعوا بقدومي أفسحوا لي المجلس، فاستأذنت للحديث وقلت لهم:« لقد تيقنت الآن من أنكم موجودون حقيقة في بيتي، وستبقون، وسوف نتعايش معا في ظل الاختلاف والتنوع. لكن لنبدأ أولا بالتعارف: من أنتم؟ ماذا تريدون؟ ما هو منهجكم؟ ولمن تكتبون؟
لم أحصل على أجوبة مقنعة، فنظرت إلى الصورة التي ما تزال قابعة في زاوية الغرفة. امتلأت نفسي بنشوة الانتماء.. إلى درجة التلاشي.
ابتسمت الصورة علامة عن الرضا، ثم قالت وفي عينيها إعجاب لا تستطيع أن تخفيه:
- الكاتب هو صورة كونها القارئ في ذهنه لأسلوب معين، وليس لشخص بذاته. فما هو موقفك أنت؟
قلت بتحد واضح:
-منذ اليوم! لا خوف ولا وجل! سأكتب للتاريخ، سأكتب عن الإنسان وعن الوطن.. من هنا وهناك، سأصنع الأمل.
11-11-2009
laabi61@hotmail.com
ابتسمت الصورة علامة عن الرضا، ثم قالت وفي عينيها إعجاب لا تستطيع أن تخفيه:
- الكاتب هو صورة كونها القارئ في ذهنه لأسلوب معين، وليس لشخص بذاته. فما هو موقفك أنت؟
قلت بتحد واضح:
-منذ اليوم! لا خوف ولا وجل! سأكتب للتاريخ، سأكتب عن الإنسان وعن الوطن.. من هنا وهناك، سأصنع الأمل.
11-11-2009