بثمن بخس

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمود سعدى
    حُبّك حُرية
    • 13-12-2010
    • 56

    بثمن بخس

    [GASIDA="type=right bkcolor=#FFFFFF color=#000000 width="100%" border="3px none #0066FF" font="bold large Arial" bkimage="""]















    وقف وقد إعتلت عنقه سماعة


    طبيب وهو قابض على معطف
    أبيض بيدين مرتعشتين ، رعشة ينتفض لها كامل جسده الذى لم


    يبلغ عقده السادس بعد ،
    لكنها رعشة تنتابه كلما وطئت قدماه تلك الغرفة التى تنبعث


    منها رائحة زمن دقت ساعات
    رحيله منذ بضع شهور ، زمن كان مغلفاً بأحلام وأمال أكبر من


    تلك الغرفة الصغيرة ،
    ألقى بعينيه على كتاب إعتلى مكتب خشبى وقد تناثر على غلافه


    بعض الحروف اللاتينيه التى
    يجهلها تماماً،أخذ يحملق بعينيه اللامعتين فى الكتاب ثم


    ينقل قبلته صوب الأباجورة
    التى تغير لونها من الأبيض إلى الرمادى بعد أن استقر عليها


    غبار كثيف كذلك المستقر
    فوق الكتاب القابع تحتها ،وراح يتفرس كل ما فى الحجرة من


    أثاث ،ووقع وجهه القمحى
    الذى إرتسمت عليه خطوط وتجاعيد على سجادة
    صلاه زرقاء يعلوها مسجد قبة الصخرة


    ،اشتراها منذ عام ، حيث
    كانفى مكه يؤدى شعائرالحج
    ،كانت ملقاه تحت أرفف خشبية يعلوها مئات الكتب


    ،وعندما لم يتمالك نفسه ،
    قام بوضع السماعة فى أذنيه ليسمع صوت الزمن هكذا كان يقول


    فى قرارة نفسه ،وقد إبتسم
    إبتسامة صبر يخالطها بُشرى وقدأعلنت عينيه سقوط


    المطر....راحت تمطر على خط
    موازى لأصوات ذكريات وأمال تجول بخاطره، إلا أنه فاق فجأة


    من خيلاته وذهب إلى نهاية
    الغرفة لينظر من خلال نافذة خشبية توسطت الحائط ،تطل على


    شارع يكتظ بالناس والمحال
    التجارية ،حيث قام بتصويب نظراته إلى تلك النافذة المجاورة


    ، نافذة الأستاذ (كرم)
    التى كانت تنبض بالمستقبل لتمنح الحياة لتلك الأمال التى تجوب


    سماء الغرفة ، لكن
    النافذة عانت الهجران والقطيعة منذ نكست تلك الغرفة راياتها


    حداداً على صاحبها منذ
    أعلن رحيله بعد ركعتين أقامهم فى قلب الغرفة بعد صلاة ظهر يوم


    سيذكره التاريخ ،لم يخلو
    الركعتين من الدعاء بصلاح الحال ، أتمهما على عجل وخرج ،


    وقد ولى قبلته صوب قلب
    الحدث حيت تتعالى الصرخات فى وجه الظلم ويشتد الصراع ، ذهب


    ليقوم بدوره المعتاد
    مرتدياً البالطو الأبيض الذىي ذهب به للجامعة كل يوم فهو لم


    يُنهى عامه الأخير بعد ،
    توسط زملاءة الأطباء أودارسى الطب والصيدلة أو هؤلاء


    العارفين بمبادىء
    الإسعافات الأولية على أقل تقدير وكان بينهما (أمال) بنت جارهم


    الأستاذ (كرم) التى تدرس
    القانون فى نفس جامعته ، نظر إليها بوجهه الأبيض البشوش


    مبتسماً إبتسامته الخجولة
    الحانية التى تقطر حباً من أعماقه حتى لانت ملامحها


    العابسة قليلاً لما يجرى
    حولهم ،طمئنها بأن حلم الوطن لن يموت ،وأنأحلامهم العريضة


    الحبيسة داخل حجرته يوماً
    ستخرج لتحلق كحمامة بيضاء فى سماء الوطن،لم يكد ينهى


    كلامته حتى قاطعته صرخة
    من أحدهم هناك من يلفظ أنفاسه على بعد خطوات حيث الأحجار


    المتطايرة والأدخنة تتصدر
    المشهد إلى جانب أصوات الفرقعة بين الحين والأخر ، ذهب


    مسرعاً .......... ثم عاد
    إلى قلب المستشفى الميدانى وقد إرتخى جسده دون حراك وفى


    منتصف جبهته كان هناك ثقب
    غائراً ، سالت منه الدماء لتدفع للأرض ثمن الحرية ،بعدما


    إستقرت بالرأس رصاصة قيل
    عنها فيما بعد فى أوراق لا يُشككون في
    نزاهتها إنها مجهولة


    المصدر! ،كانت
    (أمال) فى


    الإنتظار،ثم رأت نفسها
    مرتدية فستانا ابيض
    وهو


    إلى جوارها ببدلته
    السوداء وإبتسامته المعهودة والموسيقى تغرقهم والحضور بالبهجة


    ، الى ان إخترق حفل زفافهم


    رائحه
    نفاذه، فاقت على أثرها لتجد نفسها


    إلى جوار
    جسده الذى


    إستقر بعد ذلك فى سيارة
    إسعاف عرفت طريقها إلى المستشفى ، ومرت أيام وشهور،لكنها


    تركت خطوط وتجاعيد على
    وجه الأب الحاج (حسن)لم تتركها كل سنوات عمره السابقة


    ،لمعت فكرة فى عين الأب
    وقد وضع السماعة والبالطو على المكتب المستقر إلى جواره وهو


    ممسك بهاتفه المحمول الذى
    يتعامل معه بصعوبة بالغة وبأصابع متخبطه راح يقلبها بين


    مفاتيحه وأسنده إلى أذنه
    اليمنى بيده المرتعشة لفترة لم تتجاوز الربع دقيقة


    ليستقرالمحمول بعد ذلك
    على أرضية الغرفة ،خرج الأب وعينيه تقطر قطرات ساخنة لا


    تضاهى لوعة إشتياقه ، وجلس
    إلى جوار زوجته التى ضلت شفتاها نقطة التلاقى وقد إستقرت


    يديهااليسرى إلى جوارها
    على الكنبه فى إرتخاءة لم تعهدها حيث قال (حسن) لها " محمد


    واحشنى أوى "








    حاولت الأم المكلومة


    الرد لكن حروف
    مختلطة بهمهمات غامضة خرجت من بين شفتاها المثقلتين بذكرى قبلات كانت


    تستثمرها دون عائد طيلة
    أعوام كثيرة مضت، بدأت حروف صامته تتساقط من عين الأم دون


    حراك ، قام الأب وقد
    إرتسمت على وجهه ملامح اليأس من الحياة التى فقدت فلسفة الحياة


    نفسها ليفتح باب الشقة ،
    وإنطلق صوت حذائه على درجات السلم يتضائل شيئاً فشيئاً ،


    حتى خرج من باب حديدى وخطى
    نحو المقهى المستقر أسفل البناية خاصتهم حيث إبتلع الكرسى


    الخشبى مؤخرة جسده المرتعش
    ببطء سلحفاه ،ليسمع كلمات تنبعث من الجالسين فى محيطه


    ..








    - مش هتنساه بسرعة أصبر


    شوية ،أنت عارف كويس إلى
    كان بينهم.








    - يا صديقى هى مش هتنساه


    الإ بدخول أخر إلى حياتها
    ليملىء ذاك الفراغ الذى تركه (محمد).








    - صدقنى أنت متعرفش


    (أمال) إبنة عمى ،ممكن
    متفكرش فى الموضوع ده خالص، سيب الموضوع ده عليا وإدينى شوية


    وقت .








    ليقتحم صوت أخر ضاحكاً


    :








    - إعزمنا ما إنتا قبضت


    الزيادة فى المرتب
    .








    - وأخر ما سمعه الأب صوت


    راح يتحدث عن مبلغ زهيد
    كتعويض عن كل شهيد !








    تمتم الأب "بثمن بخس


    أرادوه قتيلاً ،ولا كل
    ملايين الدنيا يا محمد تنفع "وراودته كلمات لإحدى شيوخ


    النفاق الذين لا يحترمون
    قدسية الموت ولا الموتى ، حيث تحدث بثقة من يمتلك مفاتيح


    الجنة ،وقال أن الله لن
    يتقبلهم شهداء ! ،إرتسمت على وجه الأب إبتسامة دبت جذورها فى


    الأعماق ،ثم أسند رأسه
    إلى الحائط خلف الكرسى وإنبسطت جفونه فى إستسلام تام


    ...





























    (إنتهت)



    [/GASIDA]
    أسوان السمراء...
    إختزنت أحزانها من أجل أن تسقى الوطن...
يعمل...
X