التلقي بين الانطباعي و المنهجي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد المهدي السقال
    مستشار أدبي
    • 07-03-2008
    • 340

    التلقي بين الانطباعي و المنهجي


    التلقي


    بين الانطباعي و المنهجي


    محمد المهدي السقال
    استهلال:

    دأبت على الانزياح إلى قراءة النص الإبداعي أفقيا، لما يحققه امتداد تفاعلي الشخصي معه،
    من تأثر بمحتواه وإحساس بجماليته، من غير تبعية لأي تقييم سابق له، يمكن أن يحول بين ذائقتي وبين تأثيره، عسى أن يكون اتصالي به، منفصلا عن تحكمات خلفية وعيي الثقافي بما تراكم من تحليلات نقدية، تلغي صوت النص، لفائدة الاشتغال على مكون معجمي أو تركيبي، تحت مظلة الموضوعية في التعاطي مع عبارة اللسان، بعد تغييب عبارة الوجدان.
    وقد
    وجدتني من حيث لا أدري، تابعاً لسبيل معلوم في القراءة، له خلفيته الأدبية والفكرية ضمن ما يصطلح عليه بالانطباعية، و المنطلقة أساسا من القول بعدم تحقق وجود النص الإبداعي، إلا إذا وقع عليه الإدراك من طرف المتلقي، و ظل اقتناعي قائما بتغييب محاولة تفسير أو تبرير الانطباع، فسعيت إلى التحلل من هاجس الإحالة على غير التماهي مع أثر ينطبع في وجداني و تفكيري، خالي الذهن إلا مما تثيره بياضات النص و فراغاته، من حاجات في النفس، ضمن شروطها الواقعية المتعددة المستويات، دونما حاجة ملحة لإسناد مرجعي أحتج به على صدقية توجهي، من قبيل الاستشهاد بالأسماء ذات الرنين، كأنها نياشين لا يصح القول إلا باعتمادها زينة توشح به.
    لكني لم أبالغ في تصديق ما استوقفه الإحساس التذوقي بالنص الإبداعي بعد كل قراءة انطباعية، كأن أقفل أبواب انفتاح النص الممكنة، على تنوع وتعدد القراءات، سواء وافقت ميلي إلى الارتكاز على تقدير الانطباع، أو خالفته اعتماداً على منهج في التحليل ليس فيه للانطباعية أثر يذكر، درءا لكل تعصب يقول بالقراءة ذات البعد الواحد، ما دام ثمة هامش موضوعي للإفادة من ممكنات الاشتغال على النص الأدبي، بالنظر إلى مكوناته اللسانية والدلالية، لبلوغ
    قراءة مغايرة، ليست بالضرورة ذاتية تبحث عن صفاء الإصغاء على الانطباعـي المجرد، بحيث يمكن أن تحقق للنص الإبداعي وجودا آخر، يعتمد اختبار ما عـنّ لها من مناهج النقد تحليلا وتفسيرا، بحثاً عن حقيقة المعنى في أنساق و أنماط الشكل التعبيري مثلا، للوصول إلى المنهجي في بناء التلقي. أمام سؤال المسافة الواصلة أو الفاصلة بين الذاتي و الموضوعي في تلقي النص الإبداعي، دعوت نفسي إلى مراجعة ما يمكن أن يثار حول ذلك التلقي بين الانطباعي والمنهجي، استئناسا بتجربتي الشخصية مع القراءة التأثرية، واستفادة من تحصيلي المتواضع في نقود الأدب واتجاهاته، قديمها وحديثها، بعد استشعار إمكانية التوفيق وليس التلفيق، بين قراءة انطباعية تكون أصلا للتفاعل مع النص الإبداعي، ومقدمة لأي تعامل معه من منظورات بنيته التعبيرية، في ضوء ما تحقق من إنجازات الدرس النقدي المعاصر، علماً بأن آخر صيحات النقد الحداثي تحت عنوان اللانقد، تراهن على تجاوز حدود التقعيد و تعريفات التنظير في التعامل مع التلقي، كأني بها تعود إلى الأصل في القراءة، حين كان الانطباع قاعدتَها الأولى، تأثرا بالتأملات الشخصية في المقول وحجم انعكاساته على العلاقة بين القارئ والمبدع، تواصلا وتفاعلا، على الاتفاق أو على الاختلاف.
    وقد تناولت في هذه المراجعة بعد الاستهلال، أربعة محاور تحديدا، قبل الانتهاء إلى خروج، و هي:

    - النص الإبداعي
    - التلقي الأدبي
    - التلقي الانطباعي

    - التلقي المنهجي
    النص الإبداعي:
    ينسب النص الإبداعي إلى التعبير باللغة، صدورا عن ذات تسعى لنقل تجربة أو رؤية للعالم،من موقع وجودها المتحيز في الزمكان، أو تصوير ما تتطلع إليه تخيلا بالتفكير في الممكن، عسى أن تسعف الترجمة بالرسم، في تمثيل ما تتمثله الذاتَ في الأقصى، ضمن امتداداتها المتفاعلة مع متغيرات كينونتها، واتصالاً بما يشغلها إنسانيا أو ما يراودها كونيا.
    غير أن النص الإبداعي لا يرتهن بالضرورة إلى التصور العام لمعنى الإبداع، والمرتبط في الذهن بالإحداث والاختراع على مطلق الابتداء، كما أنه لا يخرق المتواضع فيما تحقق من اكتمال في الإنشاء، بادعاء التفرد بالخلق لا على مثال في التعبير و التصوير، أو في توليد المعنى المحدث من خارج سياق المعيش أو المتخيل الإنساني، وإلا سيبقى محفوفا بمزالق توهم صلته بالابتكار في مجالات مغايرة، يكون فيها التسليم واردا بإمكان الإحداث من قبيل الاختراع فيما يكون ماديا صرفا، ليس فيه لتركيبة الشعور أو اللاشعور الإنسانيين دخل يذكر، لذلك وجب التنبيه إلى ما بين دواعي الإبداع من اختلاف بين ما هو أدبي يراهن على الكشف والمكاشفة تصريفا بالعبارة، لترجمة ما يعتمل بدواخل الذات من توترات وانفعالات موصولة بكل معاني حمولتها التاريخية، وما هو علمي يراهن على التطوير و التجديد في آليات اشتغال تلك الذات بالحياة في مستواها المادي،
    علما بأن ثمة اختلافاً بين دواعي الإبداع.
    إن
    النص الإبداعي عصارة تجربة إنسانية تتوسل باللغة سبيلا للتعبير عن الواقعي و المتخيل، باعتبار الذات في النهاية، تركيبة معقدة من تفاعل ترسبات تشكيلها التاريخي، مع تأثيرات ظروفها الموضوعية، لذلك لا يجوز ربط منطلق إنتاجه بمحاكاة تكون حسية أو تأملية، فتنتفي عنه صفة الإضافة النوعية، لما تراكم من رؤى للعالم عبر تطور البنى الفكرية في صيرورة الإنسان، بل يجب وصل إنتاج النص الإبداعي بما تنتهي إليه تفاعلات كيمياء الحياة في بنية الذات، باعتباره تعبيرات تجدد طرح أسئلة الوجود، دون الزعم بيقين أجوبتها عن قضاياه، أو الذهاب في تصوراتها عن ديناميته، مذهب القول بالنبوءة المطلقة، مادام مبدع النص كائنا حيا يعيش واقعه و يعايش تحولاته، محكوما برصيد الاستفزاز لكل مكوناته، فيما يتطلع إليه حاضرا ومستقبلا، ضمن موقف من الوجود والحياة بمختلف تجلياتها المادية والروحية.
    وقد حاولت هذه المراجعة كما قلت، التأكيد على صعوبة الفصل ، إن لم تكن استحالته، بين مؤثرات داخلية و تأثيرات خارجية تؤثت إنتاج النص الإبداعي، بحيث يستدعي التعاطي معه مقاربة لصيغة تأليفه و أبعاد دلالاته و إيحاءاته، تجاوز قراءته في ضوء منهج مخصوص يقف ويستوقف عاملا دون آخر، فلا يراعي جدلية تفاعلهما في تقصي وجوده بإدراك آلياته في تفاصيلها، بعد إدراك انطباعها في كليتها بالتلقي الأول.
    لا شك أن إنتاج نص إبداعي يستلزم بالضرورة، وعيا لدى صاحبه بالحاجة إلى وجوده، فيستحضر فضاء الاستقبال ممثلا في الشخصية الذاتية أو الشخصية المعنوية باعتبارهما معنيين بحمولة الخطاب، قبل التفكير فيما ستسعفه به أداة التعبير من إمكانيات التشكيل الفني، سواء خبرها بدربة الاتصال مع الجنس أو النوع المرتضى سبيلا للإمتاع والإبلاغ بما في نفسه، أو حصّـلها بمعرفة ما تراكم من علمٍ بمسارب تلك الإمكانيات في الدروس اللغوية و البلاغية، وسيكون للحظة الإبداعية دورها الحاسم في إنتاج ذلك النص، لكونها تتحكم في مستوى تفجير ما تختزنه الذاكرة، بتواز مع النشاط الذهني والنفسي واقعيا أو تخيليا، بعد اختيار نمط تعبيري يرى فيه قابلية بناء نسق مندمج التركيب بين المعنى والمبنى.
    ثمة من ينظر لقيمة للنص الإبداعي، من زاوية نفعيته كإنتاج تواصلي يستجيب لحاجات آنية، ضمن رؤية استهلاكية لأثره في مسارات الحياة بظرفياتها المتعددة المستويات، اجتماعيا وثقافيا وسياسيا على سبيل التمثيل، بينما ينظر إليه آخرون من زاوية قيمته الجمالية، باعتباره إنتاجا فنيا ضمن أشكال التعبيرات الجمالية في الرسم والموسيقى وغيرهما، مما يبدعه الإنسان في إطار نشاطه الذهني الواعي أو اللاواعي. يحيل النظر الأول، على التقييم البراغماتي للنص الإبداعي، اتصالا برؤية النقد الإيديولوجي لوظيفته المادية ضمن الفعل الممكن للأدب، باعتباره بنية فوقية تستند في وجودها لبنية تحتية، تتحكم في إنتاجه و تحدد قيمته الفنية كحمولة فكرية ذات دور وظيفي، سواء في تصوراتها الذهنية أو في تمثلاتها التخيلية.
    بينما يحيل الثاني على التقييم الفني للنص الإبداعي من خلال أدبيته، سواء تعامل مع تشكيله باللغة منعزلا عن سياقاته، كما دعت إلى ذلك القراءة الواصلة بين الشكلانية والسيميائية،، و المرتهنة في قراءتها إلى ما تقوم عليه بنية النص اللغوية معجميا وتركيبيا، وما تحيل عليه علاماته من دلالات و إيحاءات، تتجاوز السطحي في العبارة إلى عميقها في الوعي أو اللاوعي، فرديا حينا وجمعيا حينا آخر، اعتمادا على تحليل اللسان كنسق من العلامات التي تعبر عن المعنى، في خاصيات شكلنة
    ذلك المعنى، دون اهتمام بالنص في كليته أو بمن صدر عنه ذلك النص ذاتيا و موضوعيا، أو حصر اهتمام قراءته في أفق النص الجمالي، ذي المنحى التذوقي الذاتي في تقييم الأثر الممكن للنص الإبداعي، بحيث تختزل وجوده في عفوية النشاط الذهني الفردي، دون ربطه ضرورة بسياقات إنتاجه المادية في شروطها الموضوعية، و لا يعني ذلك اتجاه الفصل المطلق، كما ذهب دعاة الفن للفن، وإنما يعني اتجاه الفصل النسبي عند رواد الظاهراتية، القائلين بإمكانية تلقي النص الإبداعي من غير وسيط، ما دام تحقق وجوده مرهونا بإدراكه في جوهره التعبيري. سأبتعد ما أمكن، عن إشكالات النص الإبداعي في ضوء تنوع وتعدد مفاهيمه والمداخل إليه بين مختلف الاتجاهات والمدارس الفنية أو النقدية، لأن ذلك سيغرق بحث التلقي بين الانطباعي والمنهجي، في متاهات التأريخ لتطور الرؤية للإبداع ومداخل تناوله، ارتباطا بما عرفته المنظورات الأدبية والفلسفية، المفسرة أو المعللة لأصل وجوده، بين القول بفردانيته المنغلقة على الذاتي، وبين القول باجتماعيته المنفتحة على الموضوعي.
    التلقي الأدبي:
    ثمة توافق على نفي الموجود بالكتابة خارج المدرك بالقراءة، يجمع على ذلك القدامى والمحدثون، بين من شغلوا أنفسهم بالتواصل مع الآخر فيما يبدعون، بحثا عن التلقي المتفاعل كهاجس أولي لأية كتابة، بعيدا عن الاستهلاك العابر، مادام يقتل الإبداع قبل استواء وجوده بمخاض الولادة، أو بين من اشتغلوا على خصوصية النص الإبداعي، فاحتل التلقي لديهم مساحة عريضة في النقد الأدبي المعاصر، بحثا عن تأصيل لنظرية في التلقي، تتجاوز المناهج ذات البعد الواحد في معالجة ثنائية الكاتب و النص، بطرح بعد ثالث صار جوهريا في عملية أية قراءة تكاملية، تمثله شخصية المتلقي.
    لكن القول، بأن الإبداع يسترجع اعتباره مع دعاة نظرية التلقي، بعودة الاعتبار للمتلقي كشرط وجوب لتحقق حياة النص الإبداعي، من خلال الاهتمام بما يصدر عن القارئ من تعبيرات تعكس مستوى الاستجابة، ضمن السؤال عن تحقق النص، والذي لا يكون له معنى إلا من خلال تلقيه الواقعي بعد إنتاجه الافتراضي، لا يلغي أهمية تزعمها هذه المراجعة، رغم اعتقادها بسبق حضور قيمة التفاعل الحواري حول النص بين منتجه و متلقيه،تتمثل في الحاجة إلى الاستئناس بما أنتجه التراكم النقدي، مستفيدا من تطور أكثر من مجال في العلوم الاجتماعية والنفسية واللغوية، بحيث لم يعد مقبولا ما تروج له بعض الاتجاهات الحديثة عن النص المغلق، في حدود الاشتغال على معطاه الفكري كمضمون، أو على مبناه الشكلي كتأليف، و هذا هو صلب التوجه نحو التأسيس لانطباعية جديدة موضوعية، بسحب البساط من تحت أقدام أصحاب تلك المناهج الصارمة في تغييبها للتلقي، بعد انغلاقها على بحث المكون اللساني أو الدلالي، و معاودة النظر في إمكانية التلقي الإيجابي اعتمادا على فسح المجال أمام قراءة منفتحة تنطلق من الذاتي الحدسي في الاتصال بالنص، آخذة في الاعتبار استحضار ما تعيه تلك الذات، بمخزونها الثقافي ورصيدها المعرفي، لإعادة إنتاج ذلك النص، عبر فعلَيْ الفهم والإدراك في مرجعيتهما الذاتية، قبل أية محاولة لأجرأة ما يمكن من آليات التحليل والفهم والتأويل في الدرس النقدي المعاصر بمختلف اتجاهاته، من قبيل مرجعية القول بالشكل الواحد للمعنى أو القول باللساني كدليل أوحد في قراءة النص.
    التلقي الانطباعي:
    لم تعرف الانطباعية طريقها إلى النقد ، باعتبارها منحى في التلقي يختلف جذريا عن الواقعية بمختلف تجلياتها في التعامل مع النص الإبداعي، إلا بعد انطلاقها مع اتجاه في فن الرسم ، قام على فصم الارتباط بالكلاسيكية ذات المنحى التصويري من خارج الذات، والدعوة للانطلاق من اللحظة المعيشة في الواقع كمصدر للإبداع، فألغى أية قيمة للمحاكاة بالتشكيل على خلفية الوعي الديني مثلا، لفائدة ما يصدر عن الذات من دفقات شعورية أو لاشعورية تجسدها التعبيرات الفنية، بصدق يكون الإحساس رائده في محاولة نقل الواقع. وقد تأسست عدة القراءة الانطباعية ، على تلك الاستجابة لما يتركه النص الإبداعي من تأثير في نفس المتلقي، انفعالا و تفاعلا مع مقوله، من غير حاجة لتوجيه مسبق تحكمه معرفة جاهزة بآليات انبنائه.
    يمكن اعتبار القول بأن الإنسان مقياس كل شيء، مدخلا فلسفيا لتلك الانطباعية، لكونها تجرد مقدمات التفكير الاستقرائي الموضوعي، من سلطة التحكم في التعامل الاستنباطي الذاتي مع النص الإبداعي، علما بأن النقد في الأصل، إنما تشكل من خواطر الاستجابة الوجدانية لتأثيرات المنجز التعبيري باللغة عن الكينونة الوجودية للإنسان، قبل أي بحث عن طبيعة مكوناته المعجمية و التركيبية،أو تحليل لصوره الفنية بمنطق ما سيصطلح عليه ببلاغة الخطاب.
    لقد حاولت الانطباعية استدراك العقلانية المبكرة كما نادى بها ديكارت حين قال:
    أن أفكر إذن أنا موجود، من خلال قلب معادلة العقل بالقول:
    أنا أحس إذن أنا موجود، دفعا لإعادة الاعتبار للتذوق الفني القائم على انفعالات وأحاسيس الذات بالتأثيرات المباشرة للعمل الأدبي، وهو ما يتساوق مع نظرية الموجود بالإدراك، الذاهبة إلى اختبار الانطباع كمدخل وحيد لحياة النص الإبداعي.
    في البدء، كان الإسماع سبيل الذات للإبلاغ بما يعتمل في دواخل النفس من حالات الانفعال والتفاعل مع العالم، حزناعلى حادث يطرأ أو فرحا بحدث يقع، إلا أن حاجة الذات إلى مشاركة الآخر فيما تحس به أو تفكر فيه، فاعلة أو مفعولا بها، ستبقى معلقة على أمل بلوغ الاستماع/الإصغاء، كي يكون لمقول الذات تحقق في الوجود، بعد الانتقال إلى تلقي الآخر، يستوي في ذلك الخطاب بالرواية نطقا و بالكتابة حرفا، لأنهما يستهدفان إنتاج فعل بالاستماع أو بالقراءة، من منطلق الانشغال التواصلي بينهما، ليس بغاية الحكم على تشكيل العبارة و البناء، أو تقييم المحتوى و الدلالة، و إنما بهدف القبض على لحظة التلقي التفاعلي، بعد ملامسة حاجات مسكوت عنها في الفكر و الوجدان، من صميم كينونة الإنسان.
    لم يعد مستساغا ادعاء الفصل بين الإبداع والتلقي في مجال التواصل الفني، إذ لا يكتب عاشق الإبداع نصا أدبيا يريده تعبيرا عن موقف أو رؤية بهدف الإمتاع أو بغرض الإقناع، إلا وفي نفسه رغبة للبوح بما يكنه تلميحا أو تصريحا، عسى أن يجد صدى لما يسعى إلى الإبلاغ به في نفوس الآخرين من حوله، فيتحقق ذلك التواصل بالاستماع لصوته قبل الدخول في التفاعل مع أبعاده و إيحاءاته، إما من خلال التوجدن مع حالته على الاتصال بعد تلمس المشترك في الوجود والكينونة، وإما عبر مساءلة ما تختزنه بنية التعبير التحتية، على التأويل فيما تستدعيه العبارة من استيقاف للدلالة والرمز في العبارة والإشارة... كما لا يقرأ عاشق الإبداع نصا أدبيا، إلا وهو مهووس بأسئلة تلح عليه، بحثا عن تلك الإضافة النوعية على مستويي المعنى والمبنى، فيما يصادفه أو يختاره من شعر أو نثر، فينتفي ذلك التلقي العابر من غير أثر في النفس تأملا وتفكيرا.
    التلقي المنهجي:
    أتصور بداءة أنه لا بأس من التذكير بطبيعة المسافة الواصلة بين القراءة والتلقي، كفعلين إراديي الوقوع على النص الإبداعي بالاختيار، مع اختلاف بينهما في المنطلق والاتجاه، بالنظر إلى قبول القراءة بالأجرأة على منهج في الفهم والتفسير والتأويل، في مقابل رفض التلقي، لما يمكن أن يحول دون التفاعل التأثري بعد تحقق إدراك النص الإبداعي، وانسياب الذات في ذاتية النص، بموازاة انسياب ذاتية النص في الذات. لذلك، تبدو القراءة أعم من التلقي، ليس فقط باعتبار سبقها على أساس حاجات التواصل باللغة في العلاقات الإنسانية، بعد التواضع على رسوم للنطق بها في زمكان مخصوص، ولكن لقيامها على اشتراطات راكمها الفعل القرائي، على امتداد تطور الوعي المتعدد المستويات بأنساق و أنماط التعبير بتلك اللغة، لإنتاج المتواضَع عليه بالنص الإبداعي. وقد دأب النقاد على الاحتفاء بالقراءة قبل التلقي، اعتقادا منهم باحتوائها له، و بكونه لا يعدو أن يكون وجها من أوجه القراءة، ضمن تطور أشكال التفاعل، من الاستجابة للاجتماعي النفعي، إلى الفردي الجمالي، ما دامت القراءة تختص بقابلة الحيادية في التعامل، اختصاصها بقبول توظيف أدوات السبر الممكنة لسانيا ومعرفيا، على هدى منهج في القراءة النقدية.
    هل كان أولى الحديث عن القراءة المنهجية، وهو العنوان المهيمن على عناوين تداول النصوص الإبداعية، بدل الحديث عن التلقي المنهجي؟ على الأقل، باعتبار ما يمكن أن تثيره نسبة التلقي إلى المنهج من تشويش، مرده توهم انغلاقية التلقي على الذاتي الصرف، في مقابل انفتاحية القراءة على الموضوعي الصرف.
    أزعم أن التلقي المنهجي وارد، بالنظر إلى إمكانية الارتقاء بالتلقي الانطباعي الأحادي المنطلق، من خلال الانفتاح على القبول باستحضار الاستثمارات المعرفية ذات الصلة بتشكيل النص الإبداعي، لإعطائه قيمة مضافة، تتجاوز الحوار مع النص و مكاشفة جماليته من موقع ذاتي، إلى توظيف آليات التفكير في إشعاع كلية النص المنطبعة بالتلقي، بمنأى ما أمكن عن اشتغالات القراءة المنهجية في الدرس النقدي، إذا قامت على منطق تحييد الذات بحمولتها التأملية الشخصية، لفائدة التطبيق وبصرامة، لمعايير تراها موضوعية في الفهم والتفسير والتأويل. ثمة اختلاف بين القراءة والمنهجية والتلقي المنهجي، تتحكم فيه طبيعة الاتصال بالنص المقروء، فبينما تراهن الأولى على وصل مكوناته بإحالاتها الموضوعية في اللغة والتاريخ ببعديهما المعرفي، يراهن التلقي المنهجي، على وصل وجود ذلك النص المقروء، بإدراك يمنحه شهادة ميلاد يكون التفاعل الذاتي صرختها الأولى، قبل تدبر صيغة تركيبه اللغوي وبنائه التخيلي. غير أن الإدراك المقصود، لا يقف عند تلك الحسية المنغلقة في التلقي الانطباعي، كما يذهب البعض، حين يعتبرونه ضربا من المزايدة على المقروء بادعاء ما ليس له أو فيه، استنادا إلى استجابته للتأثر بما انفعل به، دون احتكام لإواليات منتظمة بالمنطق في الفن كما في النقد، وإنما هو إدراك يتأسس على الانفعال ثم المعرفة، لحوار مفتوح على كل الاحتمالات التي تردِ على باله بالتفكير أو بالتخيل، و من ضمنها ما يمكن تصوره من قبيل الإسقاطات، علما بأنها قد تنتج قراءة موازية للمتن، ومتقاطعة معها بشكل متزامن:
    موازية على أساس اعتبار ما للنص ـ وضمنه صاحبه ـ من الحق في أن تكون له سلطته على القارئ، لأنه مصدر البدء في قول ما يمكن أو ما يجب أن يقال
    .
    ومتقاطعة على أساس الانطلاق من حق القارئ في حرية التلقي، فهْماً وتأويلا واستنباطاً، و أزعم أن ذلك القارئ سابق في الوجود على النص، بحيث يكون علته في التمظهر على هيئة معلومة، تحكمت في اختيار الكاتب لهذا الجنس أو هذا النوع، بعد توفر مادة الاشتغال الذاتية أو الموضوعية. من هنا، يأتي استحضار التلقي المنهجي، بخصوصيته التفاعلية الذاتية والموضوعية، بديلا عن القراءة المنهجية بتطبيقاتها على خلفية نظرية أو تنظير، يلغي تدارك وجود النص الإبداعي، حين يخرجه بالقوة من نثلثه البرمودي، الكاتب /النص /القارئ.
    خروج:
    لن أنكر مدى تمسكي بحاجة القراءة إلى تلق تفاعلي يعيد الاعتبار للقارئ كفاعل حيوي في وجود النص الإبداعي، من موقع التأثر بالملفوظ والمسكوت عنه فيه، على هدى بوصلة الانفعال والإحساس بما يتركه النص في الوجدان والتفكير، بعد بلوغ التماهي الممكن مع متعة ولذة جمالية التعبير. لكني في المقابل، لا أنكر حاجة التلقي إلى قراءة واعية، يستفيد فيها القارئ من المنجز النقدي بمختلف مدارسه و مذاهبه، فيعطي لتلقيه أبعادا أعمق من الإحساس بالنص الإبداعي، بتجاوز ثنائية النص/ القارئ، إلى ثلاثية المبدع/ النص/ القارئ، من خلال الانفتاح على أوجه احتمالات النص وسياقات إنتاجه، بعد أن يكون قد اختار الاتصال به، من غير وسيط يحجب عنه رؤية بياضاته و فراغاته، أو يحول بينه وبين استكشاف دلالات و إيحاءات المعنى والمبنى، بلا فرق في التقديم والتأخير أو الاعتبار والتقدير.
    أما بعد، فإن هذه الورقة، ليست أكثر من إطار لمشروع اشتغال موسع على التلقي بين الانطباعي و المنهجي، ضمن مسار تطور القراءة كفعل إنساني يقع على النص الإبداعي.

    **


    التعديل الأخير تم بواسطة محمد المهدي السقال; الساعة 12-01-2013, 13:47.

    " مُـجَـرَّدُ كَـلاَمِ عَـجُـوزٍ لَـمْ يُـدْرِكْـهُ الْـبُـلُـوغ "
يعمل...
X