أشجار صلعاء
محمد شكري
قاصّ و روائي مغربي
ضخم.منقاره معقوف. براثنه طويلة و حادّة. أصلع. الشّمس تحرق. أشجار هذه المنطقة لم تعد تورق منذ زمان. ظلال فروعها قصيرة و رقيقة. لم يبق من بعضها إلاّ جذوعها. محروق أكثرها و بعضها مخروم بالنّّار أو بالسّوس. جثث بشريّة تفشّى فيها الانحلال. ملابس عسكريّة، أحذية، خوذات، معدّات حربيّة محطّمة، قليلها سليم. كل ما هو مبعثر على امتداد المنطقة الشّاسعة محطّم و محروق. الشّمس تكوي. لا أثر لحياة إنسانيّة.
كواسر تحلّق هنا و هناك تجثم على الأشجار اليابسة أو فوق الجثث.
ضخم. منقاره معقوف. براثنه طويلة و حادّة. أصلع. الشّمس قويّة. تحرّك. تحرّكت. طار. يحلّق فوقي. ظلّه يدنو منّي. صارخا أستنجد و خابطا بيدي تحته. عاد ليجثم على فرع مجذوع. ألهث. الّلعين! لا يلهث مثلي. يسخر مني. يستهلك قواي. ينومني الآن بنظراته الشّرسة. يستنزفني كلما خبطت تحت. لقد أجبرني على هذا الوضع. إنّني شبيه بسلحفاة مقلوبة على ظهرها تحت هذه الشّمس القاتلة. لا شك سيفقأ لي عيني ثم يمزّق أحشائي.
السراب يتموج على مدى مرآي. حلقي متخشب. أبذل جهدا قاسيا في حركة البلع. أحس كأنّما حلقي سينسلخ عندما أبلع ريقي. أخرجت قلم الرصاص من جيب قميصي. أقضمه و أمضغه بجهد بالغ. سائل ساخن ينبجس في فمي كلما مضغت.
خزرت إليه بقساوة حتى لا أضعف. عضلات وجهي ترتعش. لابد أنها تفضح ضآلتي و خوفي منه. الّلعنة! ماذا سأفعل معه! تحرك، تحركت مثله. انفتح جناحاه الهائلان، مخالبه تنتصب و تنكمش. هاجمني. تفلت الخشيبات الدّامية التي لم أمضغها بعد. يخبط بأظافره القويّة و أنا بأطرافي الخائرة صارخا بجنون. عاد إلى عرفه. حبات العرق تتكوّر من على جبيني ثم تستقر على رموش عيني الملتهبتين. هذه المرة أنظر إليه بعيني اليسرى و يداي و رجلاي تنزف. يشحذ منقاره في مخالبه و في نتوءات الجذع. في الجولة القادمة ربما سيغمض لي العين الأخرى. سيجثم علي كما يجثم الآن على فرعه.
تحرك. صرخت. خبطت. تموضع على الفرع. حدقت فيه بجنون. يهزأ بي. تحرك. لم أتحرك. هذه المرة باغتني. يغطيني ظلّه الخافق و أنا أصرخ بضعف. جناحاه كأنّهما مروحة كبيرة تهوّيني. عاجز عن حماية عيني بيدي. بعد لحظة هدوء انقلبت على ظهري و عيناي مغمضتان. بذلت كامل جهدي لأمسح دمهما الدافق على وجهي. أطبقت يدي على برغشة تخبط فوق جفني العرقان. فتحت عيني على الشّجرة. لم يعد هناك. أمزاق قميص قاتم الّلون ترفّ فوق فرع.
لم أعد أستطيع أن أقوم بحركة البلع. رأسي يغلي. حاولت أن أستريح منكفئا على وجهي. اختنقت وعدت إلى وضعي. كنت، من قبل، أرتاح دائما حين أستلقي على وجهي، لكنّني الآن أجد هذا الوضع غير مريح. الأرض تختزن حرارة النّهار طوال الّليل. أحسّ نبضات قلبي تكاد تتوقّف : بليم....بلام....بليم...بليم...بلام...بلام....
هل سأجف هنا كما تجف الخضر في الصيف؟ جربت صوتي : ايه!ايه! واهن و غريب عنّي. بعد هذا الأنين، سال تحسن طفيف في جسمي. لكن ربما لن أستطيع مرة أخرى أن أبذل هذا المجهود الفاني.
***
النصّ مأخوذ من
المجموعة القصصيّة " مجنون الورد " ، منشورات الجمل ، الصفحة 101
للأديب المغربي محمد شكري.
وُلد سنة 1935 . رغم أنّه لم يعرف المدرسة يُعدّ محمد شكري من أفضل من كتب الرواية و القصّة في العالم العربي ، من أشهر أعماله رواية "الخبز الحافي" ؛ "وجوه" ؛ "الخيمة : مج.ق"
تُرجمت جلّ أعماله إلى العديد من الّلغات العالميّة.