خنجر الغدر والخيانة
فاجأ الربيع العربي الجميع بعفويته، وجاء بمثابة تذكير للجميع بأن العربي يرفض أن يُوضع خارج ذاكرة التاريخ، وأن الحياة لا تزال تسري في عروقه، وأنه لا يزال يحلم في مستقبل تُحترم فيه آدميته وكرامته وحقوقه الطبيعية، وأنه لا يزال يطمح في أن يؤدي دوره الحضاري في هذا العالم من جديد .. فسارع أعداء الحرية إلى احتوائه بجميع الوسائل للحيلولة دون تحرر الشعوب العربية وتطورها وخروجها من الهامش الذي وُضعت فيه .. فالعرب الذين وهبتهم الطبيعة الخير الكثير، يجب أن يبقوا مستهلكين لما يصنعه الآخر، ويجب أن تُخصى نخبهم، وتُرهَّب خاصتهم، وتُهجر عقولهم، وتُنهب أموالهم، وتُسلب إرادتهم سياسيا واقتصاديا وثقافيا، بل إنه ممنوع عليهم حتى دراسة العلم بلغتهم الأم .. ولتحقيق هذه الأهداف المدمرة قُسِّمَت بلادهم لى كيانات هزيلة، وأُتِيَ لها بأنظمة سياسية قامت بالدور المنوط بها على أكمل وجه، فعطلت حركة التطور في البلاد العربية بطريقة ممنهجة، وكشفت ظهر الأوطان والانسان فيها، وجعلت بلع ما يسمى بالوطن "أسهل من بلع حبة الأسبرين" كما كان نزار قباني يقول. أنظمة سياسية تُعطل – بطريقة بنيوية - كل تطور طبيعي ممكن في دنيا العرب .. فلا المدارس تؤدي دورها المتوقع منها، ولا الجامعات، ولا مراكز البحوث، ولا المصانع، ولا المؤسسات الرسمية ولا غير الرسمية .. أنظمة تستهتر بحياة الانسان استهتارا لا تجد له مثيلا ولا حتى عند أقل الأمم تحضرا .. أنظمة جعلت قيمة العربي - في ميزان القيم - أقل من قيمة علبة سردين فاسدة ..
ما جرى اليوم في مصر من استهتار بحياة الانسان وكرامته رسالة واضحة للمصريين، ومن خلالهم لكل العرب: الحرية ممنوعة عليكم أيها العبيد؛ وجميع ما ينتج عنها من كرامة وتطور وعلم واستقلال وأمن استراتيجي وأمن غذائي وثقافي الخ، كل ذلك ممنوع عليكم .. يجب أن تبقوا قطيعا نعهد إلى مجموعة من الساديين والقتلة المحترفين ترويضكم وإعادتكم إلى الحظيرة التي وضعتم فيها منذ أكثر من قرن تمهيدا لإخراجكم من ذاكرة التاريخ ..
إن أكثر ما يحزنني في نقل هذه الرسالة للشعب المصري هو هذا الاسترخاص للدم المصري، وقد كنا نعتبر الجيش المصري وطنيا لا يسخى بدم شعب ضحى بالغالي والنفيس من أجل بنائه – بعكس الجيش السوري الذي يتكون من الطائفيين السوريين واللبنانيين والعراقيين والإيرانيين وغيرهم من شذاذ الآفاق وحثالات البشر .. كنا نعتبره جيشا لا يمكن له أن يصوب سلاحه ضد أبناء شعبه .. فما تفسير ذلك؟ وما تفسير كل هذا القتل المستحر بالعرب في فلسطين وسورية ومصر ولبنان والعراق واليمن وغيرها من دنيا العرب؟ ولماذا لا يوجد آدمي في العالم أرخص من العربي ومن دمه وعرضه وماله وأوطانه؟
إنه خنجر الغدر والخيانة الذي يُعمل في أحشاء العرب في كل مكان .. إنه خنجر الغدر والخيانة ذاته، إنما اليد التي تحمله في كل مرة، هي التي تختلف .. إنه خنحر الغدر والخيانة الذي حمله مناحيم بيغين وشارون وموشى دايان، وأعملوه في أوصال الفلسطينيين والمصريين في دير ياسين وسيناء .. إنه خنحر الغدر والخيانة ذاته الذي حمله حافظ الأسد وصدام حسين والحسين بن طلال وأعملوه في أوصال السوريين والعراقيين والفلسطينيين في البصرة وحلبجة وحماة وتدمر وأيلول الأسود .. إنه خنحر الغدر والخيانة ذاته الذي حمله آل الجميل ونبيه بري وحسن نصر الله وأعملوه في أوصال الفلسطينيين في صبرا وشاتيلا وتل الزعتر وسورية .. إنه خنحر الغدر والخيانة ذاته الذي يحمله اليوم عبدالفتاح السيسي وعصابته، ويعملانه في أوصال المصريين ..
إنه الخنجر ذاته الذي يُعمل في أوصال العرب والمسلمين في كل مكان، إنما اليد السوداء التي تحمله في كل مرة، هي التي تختلف .. ولا أمل للعرب في غد أفضل إلا بقطع هذه اليد السوداء التي تُسخّر في كل مرة لحمل خنجر الغدر والخيانة من أوساطهم، وبتر لسان هؤلاء الزناة بالكلام الذين يُسخّرون في كل مناسبة لتبرير صنيع المجرمين والقتلة وتعميق الخلاف بين أبناء الوطن الواحد مهما كانت اتجاهاتهم الإيديولوجية والمذهبية، وإيصال البلاد والعباد إلى نقطة اللاعودة بهدف دفعهم إلى الحرب الأهلية. فالمصريون والعرب – مهما كانت اتجاهات أحزابهم وجماعاتهم الإيديولوجية والفكرية وحتى المذهبية – لن يعدموا الوسيلة للالتقاء حول ما يجمعهم ويؤلف بينهم، وهو أكثر بكثير مما يفرقهم ويجعلهم يقتتلون، ولكن بشرط اجتثاث اليد السوداء التي تحمل خنجر الغدر والخيانة من بينهم، وقطع لسان الزناة بالكلام الذين يبررون للمجرمين غدرهم وخيانتهم للسماء والأرض والانسان ..
ويبقى الأمل في غد أفضل قائما رغم كل ما نعيش من ظلم ومن قهر ومن عدوان على السماء والأرض وما بينهما، ذلك أن السماء والأرض قامتا على العدل، وذلك لأن لهذا الكون ربا لا يرضى بدوام الظلم مهما كانت الحكمة الربانية التي تقتضي وقوعه، وذلك لأن ثمة سننا كونية تمضي، وعناية إلهية تتدخل، وأن اشتداد الأزمة أذان باقتراب الفرج ..
أكثر...