بين الفضيلة والرذيلة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد معمري
    أديب وكاتب
    • 26-05-2009
    • 460

    بين الفضيلة والرذيلة

    بين الفضيلة والرذيلة
    [أسلوب الحكمة]1


    [align=justify]تحت الظل الزائل سئمت نفسي معاناة الأنام... والسعي وراء خيوط دخان أضغاث الأحلام... وعجبت من أناس لا يسأمونها... ومن أناس سفنا جعلوا أحسن ما فيها، ثم ركبوها، بعد أن ذموها، وطلقوها...


    لنا الحياة قد زُيِّنت بمتاع الغرور، كما الغيوم زينت الأرضَ بربيع غنى له الشحرور، فلما انبجس العشب وفتقته الثمار، أحرقه بياتا ريح فيه إعصار ونار.. وما أن انقشعت غيوم الأماني عند الغلس، حتى ماتوا ودفنوا في الرموس..


    فمالي ألاحق ما سوف يُبْلِيني، وفي حفرة يقبروني.. وخشبة المسرح بين من نظر فأبصر، واستمسك بالعروة الوثقى من الفجر إلى السحر، ومن جعل الشهوات سُفُنه، والمنكر سيفه.. فامتلأ المسرح بالحلال والحرام تترى، والخير والشر طرّاً.. وفتنا قد فاضت متلونة بتلون البشر؛ وبذلك، المسرح أصبح بين ظالم ومظلوم، ومتفرج بين كليم ومكظوم...


    ولما نظرت فأبصرت، أدركت أن الطريق مزالق ومآزق، متى سلكه الإنسان في مركب الرذيلة... وكؤوس دهاقا ونمارق، متى سلكه الإنسان في مركب الفضيلة... لكن، الرذيلة لا تحتاج لقدوة إمام، أما الفضيلة فهي في حاجة لمعلم الأنام.. إلا أن بين الرذيلة والفضيلة شك ويقين.. ومن هو معلم البنات والبنين؟... وهل هذا المعلم يتلو فقط زبور داود، أم هو داود؟... من ثمة، ثارت في عقلي عاصفة، أنبتت فيه حب الفضيلة، فتدلت الجذور إلى القلب بروية، فطرح السؤال: لمن سأحتاج لكي يعلمني الفضيلة؟

    * الرذيلة:
    - ما معنى الرذيلة!؟
    غريب أن نطرح مثل هذا السؤال! لأن الرذيلة قد فسرتها القواميس لغة واصطلاحا.. إلا أن تلك القواميس ما تبقى من آثار سفينة سيدنا نوح، عليه السلام... لأن ما نقرأ، ونسمع، ونشاهد في الصحف، وعبر الأثير وعلى الشاشات.. من مجازر، واختلاسات، والسطو على الغير ونهب ثرواته، وهتك أعراضه، وقتل الصغير والكبير، والفتاة والمرأة... يسمونه [حضارة]! التي تؤدي إلى حريات الشعوب، وخلق أسطورة الإرهاب، لقتل الشباب... هذا الكم الهائل في عصرنا، لا ينطبق تماما مع قواميسنا!...
    - فأين هي إذا المشكلة؟
    المشكلة تكمن في أنني أنا الذي لم أعد أفهم معنى الرذيلة، بين الماضي والحاضر، أما في المستقبل فهي جد جلية حتى للأعمى...
    - أليست الكراسي رذيلة زماننا هذا؟ وكذلك كل ما يعلق بها؟
    إن رذيلة الكراسي لأشد من رذيلة مما يعلق بها! والذين اشتروا الرذيلة بالفضيلة فما ربحت تجارتهم، وبذلك، قد أسسوا بنيانهم على جرف هار، فانهار بهم في بحر الظلمات...
    - أليست الرذيلة هي ما أصبح مألوفا في المجتمعات، بعد أن كان فيها القصاص، والإعدام؟..
    لم تعد كلمة "الزنا" كلمة مرعبة، لأن "الحد" مات بالأمس القريب، بين أحضان الأئمة، والعلماء، ما جعل عقول وقلوب المجتمعات تتبرج تبرج الجاهلية الأولى... بل لم تعد حتى قضية دولة إن غزت دولة بعيدة عنها كل البعد.. فقتلت أبناءها، وشردت أسرها، وهتكت أعراضها، ونهبت ثرواتها... وتركت أهلها شيعا يتقاتلون للأبد... "قضية اللاإنسانية"، بل هي تحرير الشعوب، وتصفية الإرهاب، ونزع الأسلحة الوهمية...!
    فكيف يرحل الإنسان إلى الله وهو مُطوَّق بالرذيلة؟

    * الشك في الرذيلة:
    تجولت في بقاع أم دروزة، فوجدت أقواما يتعاملون بالرذيلة على أساس أنها فضيلة! فحرت في أمري، هل أنا إنسان، أم مخلوق غريب الأطوار؟ هناك يأكلون لحم الخنزير، ويشربون الخمور.. فريضة في نواميسهم!.. وآخرون يعيشون عراة في أسرهم ومجتمعهم، وذلك، مبلغهم من الحضارة والرقي.. وأولئك سمح لهم دينهم، وقانونهم الوضعي، وعلماءهم بالتقنين.. أما أنواع الجرائم، فحدث ولا حرج...


    من هذه الزاوية، أصبح الشك في الرذيلة بين الشعوب شيء جوهري، لأننا ننساق بسهولة ويسر وراء هذه الرذائل التي أصبح لها "إشهار"، وتشجيعات...
    في السجون، اختلطت الرذيلة بالفضيلة، والنابل بالحابل... وكل يروي أسطورة مظلمته! فأين هنا الرذيلة من الفضيلة؟ أمَّن هو في السجن؟ أم الظالم، وشاهد الزور؟ أم الأمن والقاضي؟...
    وهناك أشياء أخرى في الخفاء! مثل الانتقام، عن طريق مكائد، من أصحاب الفضيلة بتهم أودت بحياتهم إلى المجهول...

    فهل هؤلاء أصحاب فضيلة، أم أصحاب رذيلة؟
    فلتبكي معي أيها القارئ الكريم، وأنت تنشد معي هذين البيتين البسيطين:
    فاللحم يكسو العظام والعظام سِوَى *** جور كساهم فزادت في رذائلهم
    صارت رميما فألقاها الزمان سَوًى *** في حفرة يُسْألوا ماذا فضائلهم؟


    * اليقين في الرذيلة:
    مما لا شك فيه، أن صاحب الرذيلة لا يكون له قلبا يفقه به، ولا عينان يبصر بهما، ولا عقل يحكم له الأمور، لا كيف جرت، ولا كيف يجب أن تجري...
    فمن خلال الفطرة، ومن خلال شريعة الدين الإسلامي.. فالرذيلة كشمس أغسطس في البراري.. ومع ذلك، فهناك من يرى رذيلته حضارة، تقدما، رقيا، فلسفة الحياة المتحضرة.. وينعت صاحب الفضيلة بالتخلف...
    لذلك، فأنا لا أحتاج إطلاقا لمن يعلمني الرذيلة...
    وما تبقى لي ما قلت في هذا الباب، سوى:
    أقفال الرذيلة أقفلت القلوب إقفالا، وشيَّبت بالعمى العقول.

    * الفضيلة:
    - ما معنى الفضيلة!؟
    الفضيلة هي التخلف، والاندحار نحو مسلك السلف الصالح.. في نظر أهل الرذيلة... ولكن، في نظر الشريعة سورة أُنزلت وفُرضت، وقد بدأت بحرب ضد الرذيلة، وأقرت الفضيلة... لكن، الغرب قد أدرك ماهية الفضيلة.. فحاول، ولا زال يحاول محاربة الفضيلة من شتى الأبواب التي يراها تنخر عقيدتنا ما دمنا نياما، ولكن، ليس مع أصحاب الكهف! لأن هؤلاء أفضل من الكثير في عصرنا الحالي... وكذلك، من باب (المرأة)! لأن فساد (المرأة) يعني فساد المجتمع؛ كما قال الشاعر:

    من لي بتربية النساء فإنها *** في الشرق علة ذلك الإخفاق
    الأم مدرسة إن أعددتها *** أعددت شعبا طيب الأعراق
    الأم روض إن تعهّده الحيا *** بالري أورق أيما إيراق
    الأم أستاذ الأساتذة الألى *** شغلت مآثرهم مدى الآفاق


    * الشك في الفضيلة:
    - عندما تتدخل السياسة في الفضيلة، فيٌعدم صاحبها، بطريقة أو بأخرى... ماذا نسمي هذه القضية؟
    نسميها "تشيكي فارا"، أو نسميها "نيلسون مانديلا"؟، أو "فلسطين"، أو العراق؟، أو "أفغانستان"؟، أو "الشيشان؟، أو مصر؟، أو سوريا؟... واللائحة جد طويلة، وما أطولها! وكم هي متنوعة بين القضايا، والأجناس!...
    لست أدري هنا بين السياسة والفضيلة، من هو صاحب الفضيلة!؟...
    عندما أتجول بين القنوات الفضائية العربية.. أشاهد إشهارا.. أغاني.. مسلسلات.. أفلاما.. في قمة ما يسمونها "الحضارة الغربية"!... فلا أدري من هو صاحب الفضيلة؟ أهو الذي صنع القمر الاصطناعي؟ أم هو صاحب ابتكار الإذاعة والتلفزيون؟ أم هو صاحب تلك البرامج؟ أم هو المدير المسؤول عن ذلك؟ أم التاجر الذي يشتري هذه الآليات، ثم يبيعها لنا؟ أم أنا الذي اشتريته، ثم جلست أمامه أتجول بين قنواته؟...

    وبما أن مفردات القواميس غيرتها أرضية الواقع.. اعذروني إن رثيت عصرنا بهذا البيت اللامع، والنور ساطع، والدمع دامع:
    ثعلب صار الهوى في زماني *** ثرغل صار فضاء الأماني
    * اليقين في الفضيلة:
    الله، سبحانه وتعالى، هو من خلق الإنسان، وألهم نفسه فجورها وتقواها.. وهو العليم بما توسوس له نفسه، وأنها أمارة بالسوء، وتهوى الشهوات، والملذات... وهو الحكيم الخبير بهذه النفس.. فجعل لها حدودا، وقصاصا، والعين بالعين، والسن بالسن... حتى يكون لحياة الإنسان منهاجا يسير عليه صلاح المجتمع...
    فإذا كنا ندري مفهوم "الفضيلة" أفضل مما عرَّفها الفلاسفة، أمثال: "أفلاطون"، و"أرسطو"، و"كانط"... فنحن فقط في حاجة لمن يعلمنا الفضيلة التي نصت عليها شريعتنا...
    والحياة كلها ظلمة، ولا تنيرها سوى الفضيلة.

    * المعلم:
    - من هو هذا المعلم الذي يستطيع أن يعلمنا الفضيلة التي نصت عليها شريعتنا؟
    ففي ساحة المسرح! لا يوجد هذا المعلم! وليس عدم وجوده يعني أنه غير موجود إطلاقا! بل هو موجود، ولكن، غير موجود! لأن السياسات في العالم أصبحت متشابكة، متداخلة، القوية مأخوذة بعين الاعتبار... فالمعلم لا يستطيع أن يعلمنا الفضيلة التي تعني الفضيلة، وإنما ربما يعلمنا فضيلة الرذيلة!... لأنه يخاف من حبل المشنقة قبل كل شيء، كما يخاف أن يفقد كرسيه، ومنبره... وكذلك، لقد اقتحم عالمنا "الرويبضة"؛ وأصبح له مكان يفوق مقام المعلم بكثير... فاختلط الأمر بين الحابل والنابل، في شباك السياسات.. فأصبحت الشباك تصعد فارغة، ماعدا زبد البحر مختلطا ببعض النفايات...


    وكل علماء الإسلام.. لم يتحدثوا سوى عن الجزئيات!.. فمن يحدثنا عن الكليات؟ وصارت الوظائف عن طريق الرشوة، والوساطة، والوراثة... وبذلك، أشك في المعلم عندما يكون فوق المنبر... لذلك، فأنا:
    لَا أَحْتَاجُ لِسَبُعٍ يُزَخْرِفُنِي رَذِيلَةً، وَلَكِنْ، أَحْتَاجُ لِضَبُعٍ يَزْخَرُنِي فَضِيلَةً.
    * المسرح:
    إن مسرح الحياة يتحرك فيه جمهور، وممثلون، وكواليس... والتمثيلية لازالت مستمرة حتى تطفأ الأضواء، ويسدل الستار، وتفتح الأبواب، ولكل مخلوق طريق...
    إن لمسرح حياة الدنيا طريقين فقط، طريق عن اليمين، مملوء بالأشواك والحفر، والفتن، والبلايا.. إلا أنه مستنير، كل شيء فيه جلي للغاية؛ من أراد أن يسلكه ما عليه سوى إزالة الأشواك، وتجنب الحفر، والصبر، والربط... ففي آخر الطريق ملاك يبشر الذين وصلوا مفترق المراتب! وهناك تشعبت كل طرق التقوى، والإحسان.. ولكل طريق حسب مسعى الإنسان... أما عن الشمال، فهناك صوت مزمار يحن إليه كل عبد ضعيف... طريق كل أجرافه هارية، أرضه ضحلة، ظلامها حالك، إن أضاءت، أضاءت بصاعقة.. وفي آخر الطريق شيطان يدعو حزبه للارتماء في الهاوية، وما أدراك ما الهاوية؟...
    ورب قائل قال:
    اجتهادك فيما لك وتقصيرك فيما طلب منك دليل على انطماس البصيرة منك.

    * الخاتمة:
    لكل قارئ خاتمة.[/align]
    ...............................................
    1- أسلوب الحكمة: منهجية جديدة ابتكرتها، وحاولت الكتابة بها، لأرى انطباعات القراء حول هذا الأسلوب. ومن أراد أن يطلع على هذه المنهجية فعليه بالرابط التالي:
    http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?122454-%C3%D3%E1%E6%C8-%C7%E1%CD%DF%E3%C9&p=1011393#post1011393

    بقلم: محمد معمري
    [glint]
    كل مواضيعي قابلة للنقد

    [/glint]https://maammed.blogspot.com/
يعمل...
X