Presentata.jpg
[/align]
" يكفي أن تفكي ضفائرك "
شعر
محمد نجيب زغلول
عرض: محمد المهدي السقال
شعر
محمد نجيب زغلول
عرض: محمد المهدي السقال
·[align=justify] في البداية، أزعم أني أتبنى القراءة الانطباعية الهادفة، على أساس الانضباط للقواعد العامة المُجمَع عليها في اللغة والتفكير، سعياً لرد الاعتبار إلى ذلك المتلقي ، كي يستفيد من النقد القريب منه، بعيداً عن التعالُمية التجريديّة باسم التطبيق الصارم لمنهج مخصوص، بعدما ظل الخطاب النقدي مُوجَّها أو موجِّها للمؤلَّف والمؤلِّف، دون كبير اهتمام بالمُتلقي، تاركا تلك المهمة للنص الأدبي بصيغته الإبداعية شعرا أو نثرا.
لذلك، يكون هاجسي في أية قراءة، سؤالان محوريان هما : ماذا أقرأ ؟ ولمَن أقرأ ؟ وينفي السؤال الأول بالمطلق، أي اتكاء على خارجيات النص، عدا ما يكون صريح الإسناد لاعتمادِه مرجعاً، لقناعتي بكون النص الإبداعي، إنما يقوم بذاته و ليس بغيره.
بينما يثبت السؤالُ الثاني حضورَ المتلقي بصفتِهِ المعنيّ بالخطاب، والمستهدَف بالتواصل معه حول المنتوج القرائي، ليس من موقع الإلقاء بالوصاية على تذوُّقِهِ و إدراكه للنص، ولكن من منظور مشاركته وجهة في القراءة، ربما تضيف لوعيه بالنص، ما يغني رؤيتَه و موقفه منه.
· أقف قليلا عند الغلاف لتأمُّلِ العنوانِ: " يكفي أنْ تفكِّي ضفائركِ"، فتلفِتُ انتباهي امرأةٌ شبهَ عاريةٍ من الخلفِ بنصفها العُلويٌّ من الظهرر إلى الرأس، كأنها بصدد فك شعرها من خلال وقوع اليدين عليه.
أربط بسرعة بين العنوان واللوحة، فتنثال على ذهني إيحاءاتٌ تشي بما يمكن أن ينشغل به الديوان، ليكونَ تصورُ اندراج موضوعاتِه ضمنَ باب الغزل في الشعر العاطفي الوجداني، أولَ انطباع يتشكَّل عن الديوان قبل قراءته، بما يستحضره ذلك الانطباع من إحالات على ثيمات و تعبيرات التجليات المختلفة لقيمة الحب في التجارب الإنسانية.
سأحتاج إلى تأمل أبعدَ في صفحة الغلاف، لأن صيغة الإعلان عن انتماء المؤَلَّفِ إلى جنس مخصوص في الأدب بلفظة " شعر"، على التعريف بمطلق النكرة في الاسم، ستأخذني إلى عوالمه الفسيحة بأشكاله و تشكيلاته.
وستُحَرك آلةُ الذِّهْن ما تختزنهُ الذاكرة من مقروءاتٍ شعريةٍ بقديمها وحديثها، اتصالا بما تثيره من تساؤلات حول التصنيفات المتداولة في الخطابات النقدية، لكونها تقربني من منحى النصوص واتجاه الشاعر، و تمدني برؤية أوضح وأكثر انسجاما مع سعيي نحو تلق انطباعي موضوعي، يمكن أن يبرر إلى حد ما الاستنتاجات الواردة بخصوص تقييم المنجز الشعري ثيميا وفنيا و إيقاعيا، على خلفية التراكم التذوقي و المعرفي، والمتراوح بين نمطية الثابت و تجريبية المتحول.
· ألقي نظرة على صفحة التوثيق، فأجد عبارة " جميع الحقوق محفوظة" مع مصاحباتها، من منع إعادة " إصدار هذا الكتاب أو أي جزء منه أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل من الأشكال، دون إذن خطي مسبق من المؤلف".
لا شك أن العبارة في كليتها التعميمية، منسوخة عن أصل صار متجاوزا مع تطور تكنولوجيا الاتصال، و إلا ، كيف سنفسر التعامل النقدي مع المتن في ظل هذا الإكراه، لو كان بالفعل يتخذ مداه الإجرائي في الواقع؟
لعلهُ كان يكفي التأكيد على منع نسخ المؤَلَّف للنشر بغير ترخيص صاحبه، باعتباره حقا ماديا قبل أن يكون حقا معنويا، إذا نظرنا إلى التداول كغايةٍ من النشر في حد ذاته، دونما حاجة إلى جواز مرور لا معنى له.
تقدم الصفحة نفسها معلومة دقيقة حول الطبعة و تاريخ الإصدار، فنحن نقرأ الطبعة الأولى الصادرة شهر ماي 2013، بمعنى أننا نتعامل مع متن شعري جديد في الساحة الأدبية، ربما لم ينل بعدُ حظه الكافي من التعاطي النقدي مع وجوده، و بالتالي، فكل اجتراء على تناوله، إنما يبقى مغامرة قرائية لها ما لها وعليها ما عليها،وضمنها هذه الورقة التي نحن بصددها.
من جهة أخرى، يمكن أن يحيل تاريخ الإصدار القريب جدا منا زمنيا،، على سؤال نقدي عريض، يرتبط باتصال أو انفصال الديوان، عما يشهده مسار الحركة الشعرية باللغة العربية في عصرنا الحديث.
· غير أني لا أبدأ في التصفح مباشرة للقراءة، قبل تلك الإطلالة المألوفة على الفهرست للوقوف على محتويات الديوان، من خلال عناوين نصوصه العشرة، علَّها تُسعفني بما يقوي الانطباع أو يضعفه، استعدادا للدخول في عوالم تشكيل نوعية خطابها الفني.
سأجد في الفهرست ثبْتاً بالنصوص العشرة للديوان بعد الإهداء، موزعةً على عنوانين فرعيين على الشكل التالي :
- " مرايا حالمة " : يكفي أن تفكي ضفائرك / ملح الغمام / سؤال / باقة ورد / عرس القمر / ملائكة وجلى على كف مرتجف.
- " زنابق الحدائق الخلفية ": المداد / سكرات / دقيقة صمت / شهور من الألفية الثالثة.
· بخصوص الفهرست بالذات، وفي محاولة الاقتراب من العلاقة الممكنة بين العنوانين الفرعيين من جهة" (مرايا حالمة " و " زنابق الحدائق الخلفية ")، و العلاقة الواردة بين كل عنوان والنصوص المدرجة ضمنه من جهة أخرى، وجدت صعوبة في تلمس الربط بين مكونات الفهرست، من أجل تبرير القول بنفي الاعتباطية في الوضع من طرف الشاعر.
هل كانت النصوص العشرة، مما تجَمَّعَ للشاعر على فترات متباينة تؤطر إنتاجها، من غير اتصال بين تجاربها على التنامي في الزمان أو المكان؟
أم أنها ترد منفصلة بالتشكيل الذي ارتضاه الشاعر، لعلة قد تكون فنية بالأساس، كأن تكون نصوص كل قسم مختلفة عن نصوص القسم الآخر، من حيث ثيماتها الموضوعية أو بنيتها الإيقاعية؟
· كان لا بد من التوقف عند صفحة الغلاف الأخيرة، لكونها تضمنت محتويين أعتبرهما مؤشرين دالين، أولهما صورة الشاعر محمد نجيب زغلول، ذُيِّلَتْ بتعريف جد مُقتضب بشخصيته، وثانيهما مستقطع من آخر نص الابتداء و المعنون باسم الديوان نفسه " يكفي أن تفكِّي ضفائرك".
أما التعريف المقتضب، فاللافت فيه، مجال اشتغال الشاعر بصفته باحثا في علوم الأرض، إلى جانب انشغاله الإبداعي بين الشعر والرواية، بمعنى أن الاهتمام بالشعري، كاختيار فني للتعبير عن الوجود الذاتي، سيتطلب من الشاعر تمكين أدواته التواصلية باللغة، اعتمادا على مرجعية التركيب اللغوي للأدب، واستئناسا بمخزون مقروءاته لجنس الشعر في اللغة التي اختارها أو اللغات الإنسانية التي يتعامل معها، علما بأن تجربة العالم الشاعر، ليست جديدة في تاريخ الآداب الإنسانية، والأمثلة عليها كثيرة عند العرب كما عند الغرب.
وقد تضمنت جملة التعريف، تنصيصا على المنتظر قيد الطبع من أعماله، وهو أيضا ديوان شعري بعنوان" مدائن يسكنها البحر"، إلا أنه سيصدر مترجما للأستاذة أسماء غريب، من غير تحديد للغة الترجمة ، وإن كان المرجح، ترجمته إلى الإيطالية، اعتمادا على العنوان المرفق نفسه، واستئناسا بما يعرف عن الكاتبة من اهتمام بالترجمة للإيطالية، بحكم التواجد.
من موقعي كمتلق، لا بأس أن أتساءل عما إذا كنت سأجد في الديوان أصداء امتداد الروائي في تأليفه الشعري، على الأقل من زاوية البناء السردي المحتمل، وما يمكن أن يضفيه على ذلك النفس الشعري من أبعاد فنية تستفيد من الحبكة الدرامية مثلا.
أما المقطع الشعري المنتقى لواجهة الغلاف الأخير، فقد لا يعدو حضوره أن يكون اسئناسا بما يسعف في جذب انتباه القارئ لإحدى انشغالات الشاعر الكبرى في ديوانه، لذلك لم أنتبه كثيرا إليه.
· بالعودة إلى تصفح الديوان للشروع في القراءة ، تستوقني ورقة إهداء شخصي للشاعر، خصَّ بها تحديدا ولَديْه، مع حضور غامض لامرأة لم يَدلَّ عليها سوى كافُ المخاطبة، سيدفعني فضول التساؤل إلى محاولة تفسير غياب التشخيص لامرأة بعينها في الإهداء، لكني لن أنشغل كثيرا بالتأويلات التي تبقى معلقة على الظن من غير سند يدعمها بالنص أو بالإيحاء.
وفي إطار الفضول نفسه، تساءلت عن غياب الوارد في مثل الإصدار الأول، من قبيل كلمة يضعها الغير بإرادة المؤلف، كي تكون تقديما يعرف بعموم المتن، أو عرضا يضع المتلقيَ في الصورة العامة للمنجز تأليفا و سياقا مثلا؟.
· تضمنت تلك الورقة التمهيدية، تساؤلاتٍ من واقع ما ترسب من انطباعات عن مؤثتات ديوان الشاعر محمد نجيب زغلول، وستكون تلك التساؤلات نفسها موضوع اشتغال هذه القراءة، باعتبارها بوصلة ظلت توجه التفاعل مع المتن.
· يوحي إسناد الفعل المضارع للضفائر اتجاهاً إلى مخاطبة في العنوان، بذهاب الشعر في ديوان محمد نجيب زغلول، منحىً ذا صلةٍ بالنفَس الغزليّ في التعبير عن الوجداني العاطفيّ.
وقد أتوهم بالنظر للسياق المحال عليه، إمكانية الربط بين المقول الشعري في الديوان و معيش التجربة على المستوى الشخصي في حياة الشاعر، بحثاً عن التطابق من عدمه فيما سأقرأه من منظور محاكاتي.
غير أني بذلك ألغي قيمة النص الشعري، باعتباره في الأصل أرقى التعبيرات الفنية باللغة عن الذات، في صدقها مع نفسها بوحاٌ ومكاشفةٌ بما تعانيه وجوديتها في الكون بمختلف مستوياته و أبعاده.
· لذلك، فإن اهتمام القراءة سينصب على التتبع الأفقي تارة والعمودي تارة أخرى، للمنجز النصي في الديوان، من خلال المساءلة المتواصلة للدلالة والإيحاء من حيث المبنى، بتوازٍ مع مساءلة الأداء اللغوي والفني تعبيرا وتصويرا من حيث المبنى.
· لا شك أن العنوان عتبة دالة على الحمولة الواردة في النص، دون أن يعني ذلك إحالته المباشرة على ما ينشغل به أو يشتغل عليه ذلك النص في ظاهرة، وبالتالي، فإن القارئ معني باكتشاف تلك العلاقة الغائبة بين العنوان والمتن، ليس على سبيل التفسير ولكن على سبيل التأويل، الشي يفتح أفقا خصبا لقراءة الدلالات والإيحاءات في العبارة اللغويةوالصورة الفنية.
العنوان الكلمة: سؤال/ المداد/ سكرات:
· في العنوان المفرد، يسعف ما يأتي منه نكرة (سؤال/ سكرات) في تعليق وجوده على الخبر بتقدير حذف الإشارة التي تكون مبتدأ. بينما يبقى المفرد المعرفة ثابت الموقع الإعرابي على الابتداء الذي يحتاج إلى خبر بلاحقه لإتمام المعنى.
و في العربية بالذات، يكون العنوان المفرد النكرة قابلا للحصر إخبارا به في ذاته، مع قبول إلحاقه بما يحدده أو يفسره، إما بالصفة (كأن تقول: هذا سؤال عبثي) أو بالإضافة (كأن تقول: هذا سؤال العبث)،بينما يصعب التعليق على الصفة أو الإضافة في المفرد المعرفة، لحاجته إلى ما يخبر به عنه بالنكرة، (كأن تقول: المداد حزين)، و القصد أن العنوان المفرد متفاوت في قوة دلالته وإيحاءاته بين التنكير و التعريف.
· العنوان الجملة الاسمية بخبر المبتدأ المحذوف بتقدير الإشارة على الإضافة: ملح الغمام/باقة ورد/عرس القمر/ دقيقة صمت/شهور من الألفية الثانية/ ملائكة وجلى على كف مرتجف.
على خلاف بنية شبه الجملة بحرف الجر أو بالظرف، تكون العنونة بالجملة الاسمية الخبرية، أكثر انفتاحا على الغنى الدلالي من جهة إتاحتها للمتلقي فسحة التدخل بالممكن الاستدراك به على الفراغات.
فحين يقول مثلا: ملح الغمام / باقة ورد / عرس القمر / دقيقة صمت...فإن الإحالة بالاستدراك يمكن أن تقع على المكونين منفصلين أو متصلين، فنقول مثلا: ملح الغمام حلو، فنلحق الحلاوة بالملح على الخبرية /أو نقول: ملح الغمام الرمادي، فنلحق الرمادية على الصفة بالغمام.
· أما العنوان الجملة الفعلية، في "يكفي أن تفكي ضفائركِ..."، فقد كان وارداً قيامهُ بذاته،و بالتالي تحليلُه بأي مستوى شئنا لاكتناه أبعاده بالتفسير أو بالتأويل، لولا ما جاء بعده من نقط الحذف و احتمالاتها المتعددة.
جاءت العنوان جملة فعلية متضمنة لمعنى الشرط، صدورا عن متكلم في اتجاه مخاطبة، بقصد الإخبارعما سيأتي منه جوابا للشرط على التعليق، بدلالة نقط الحذف واستدعاءاتها، لما يصح الإخبار عنه اختيارا بين التعليل بحرفي اللام و كي، وبين التعليل بالمفعولية لأجل.
للتمثيل على القصد، يمكن قراءة العنوان بصيغتيه، بعد ملء فراغ الحذف، كأن نقولَ تعليلاً: يكفي أن تفكي ضفائرك لأحس بوجودك / يكفي أن تفكي ضفائرك كي أنفلت إلى جموحي نحوك، أو نقولَ تظريفاً: يكفي أن تفكي ضفائرك تعبيرا عن بلوغ عشقك مداه / يكفي أن تفكي ضفائرك تلميحا برضاك.
و تأتي قوة التضمين للمعنى المعلق على الحذف، من قوة دلالة الفعلين على الكف والفك قريبا من الجناس كمكون جمالي ضمن محسنات البديع في الجملة العربية، إلى جانب ما إحالة الأول على المنع والتوقف، إيذانا بتجدد الابتداء في الزمن على الاستقبال، و إحالة الثاني على الخلاص و التحرر والانعتاق، خروجا من حال واقع إلى حال محتمل.
· يمكن من خلال هذا الافتراض، تجاوزُعتبة العنوان بمنطوقها اللفظي، كي لا تبقى محصورة الاتجاه في امرأة بعينها من خلال ضفيرة محسوسة، وذلك بتصور إمكانية انفتاح العبارة في العنوان، على نزوع الشاعر نحو دفع المرأة الأنثى والإنسان، للتعبير عن حالة توجدنها والصدح بما تكون به أنوثتها، من خلال علامة دالة عليها هي ضفيرتها، وهنا لا بأس من استحضار البعد الرمزي لشعر المرأة تاريخيا، ارتباطا بقوتها و جمالها في الوعي بوجودها في الذاكرة الجمعية.
· و ارتباطا بطبيعة عناوين النصوص في الديوان، لا بأس من إثارة ملاحظة تتصل بما ظهر أنه احتفاء بالعناوين الفرعية، والتي تتخذ في الغالب شكل لازمة بعينها تتكرر.
- (المداد: المداد 5 – يروادني3) –
- (ملائكة وجلى على كف مرتجف: مساء رحلت بهية 6 - ملائكة وجلى على كف مرتجف 4)
- ( سؤال: صباحا سألتُ ليلى7)
- (ملح الغمام : يا امرأة 4)
بينما تكون في نصين آخرين، أقرب إلى العناوين الفرعية، والمختصة بمقطع منفصل عن لاحقه.
( باقة ورد : السمراء/ الصهباء/ الحوراء/ البيضاء/ الدهماء/ الهيفاء/ الشيماء/ الحسناء/ )
( شهور من الألفية الثانية: الشهر الأول.....الشهر الثاني عشر)
هل قصد الشاعر تثبيت جملة بذاتها في ذهن المتلقي، كي تكون بوصلة توجيه قراءته؟
علما بأنها إذا كانت مستساغة في تكرار اللازمة داخل النص الشعري، لما يمكن أن تسهم به دلاليا أو إيقاعيا، فإنها كعناوين فرعية يكون ما بعدها تعريف بها أو تفصيل لها، لا تبدو مستقيمة مع السياق الشعري ببعدي التخييلي والتصويري.
· بالنظرة الأولى لنص الافتتاح في الديوان، أدرك أني بصدد قراءة شعر يراهن على بنية السطر امتداداً للتحول الذي عرفه النص الشعري في اللغة العربية.
و رغم الاقتناع باستبعاد مرجعية النموذج المثال، للقياس عليه في الحكم على النص بالشعرية من عدمها، يبقى التساؤل ورادا حول مستوى ونوعية ارتباط الشاعر باتجاه ما، على الأقل من جهة الإيقاع في النص الشعري بعد كسره لبنية البيت الأفقي.
بالنظر لاعتماد الشاعر على التوزيع السطري، يمكن الاستفسار عن وقفات ذلك السطر الشعري وما يحكمه، بين الحاجة إلى توفيرالتوازن والتناظر في التصويت والإيقاع، وبين ضرورة التوقف عند العبارة للانتقال في المعنى أو في الصورة، أو بينهما معا،عدا ما يمكن أن ألاحظهُ على ذلك التوزيع، حين يضيق السطرإلى حدود الكلمة المفردة حرفا أو اسما أو فعلا(ثلاثون حالة).
· و صلة بتلك الموسيقى الداخلية التي سعى الشاعر محمد نجيب زغلول لتمكينها في نفس المتلقي، لا بأس من تجديد الحديث عن تلك الوقفات وما يلتبس بها، في حضور علامات ترقيم تبدو أحيانا غير منسجمة مع امتداد الجملة الشعرية حسب المتواضَع عليه في العلاقات بين الجمل والفقرات في بنية التعبير العربي، بغض النظر عن طبيعة النص الشعرية أو النثرية.
· وقد يلحق بها تردُّدُ توالي الفواصل الكبرى بشكل لافت، لما تحدثه من نشاز في الإيقاع لا يتناسب مع موسيقى الشعر الداخلية، حين تتوالى في السطر الشعري الواحد أربع حركات إلى خمس (25). مثلك ( - في مزهَرِيَتِكِ الصغيرة - من يقتفي أَثَرَ َقَصَائد - ضَبَطَ عَقَارب ساعته - كان المَطَرُ غَزِيرا -حتى أخمَصِ قَدَمَيّ - )
· قد يكون ذلك مما ينتج عن ظروف الرقن أو الطبع، لكنه يظل محسوبا على النص الشعري، مثله في ذلك، مثل ما يقع في شكل بعض الكلمات نحويا أو إملائيا ( اصعدي قليلا أو أقلَّ قليلا – اسقِني (وهو يخاطب المرأة) – فمِمَن – حسناءٌ – الإرتداء – ثنَيَاها – يقايُضِني – ذَروة – دِفئ – ظمَئ – يعلنَ – سبع ثواني – نهر مَنْحَدِر – أشجار جوز يافعةٍ – سواك ثغورُها - إمِّحاء).
· انطلاقاً من تلك الانطباعات الخاصة، بما يسندها من حسّ تذوُّقِي و اسْتعدادٍ مَعْرفي شخْصيَّيْن، لا أدَّعي تَميُّـزَهُما عن المتوسط في الثقافة الأدبية، كانتْ رحلتي مع النصوص العشرة لديوان "يكفي أن تفكري ضفائرك...".
· تتوزع النصوص الشعرية في الديوان لغةٌ تمتح من المعجم الطبيعي، مع هامش لِلتكرار اللفظي لافت للنظر، إذ شكَّل حضور ذلك المعجم قرابة ربع مفردات الديوان.
طبعا ليس هدفا هنا تقديم جرد إحصائي للاستعمال المعجمي في بنية الجملة الشعرية دلاليا أو تصويريا، لأن توظيفاتها لابد أن تتفاوت في التأثير بحسب السياقات التعبيرية، ولكن الغاية لفتُ الانتباه إلى إمكانية الربط بين تلك اللغة و منحى في التعبير الشعري له موقعه ضمن مسار تطور القصيدة المعاصرة باللغة العربية، يتعلق الأمر هنا تحديدا بالاتجاه الرومانسي، والذي حاول إعادة الشعر للحياة في بعدها الإنساني، بعدما ظلت القصيدة الكلاسيكية تراهن على إعادة الحياة للشعر من خلال تثبيت تشكيلاته النمطية في المعاني والموسيقى.
· لا يبدو الشاعر محمد نجيب زغلول منشغلا بعموم الاتجاه الرومانسي نحو إسقاطات الذات على الممكن من صدى الطبيعة في نفسه، كأنه يمارس معها تجليات التمرئي من خلال الانتقال بها من كائنات صامتة إلى كائنات صائتة تبادل الشاعر أحاسيسه ومشاعره بل تتجاوب معه.
· يبدو الشاعر محمد نجيب زغلول منشغلا بالصورة الشعرية الموحية بالمعنى الخفي في الذهن وفي الوجدان، متوسلاً بالتشبيهات، والمجازات، والاستعارات في تداولات أنماطها البلاغية عند الأقدمين، أو عند الكلاسيكيين عامة، و يقدم الديوان أمثلة كثيرة على هذا الاستعمال، تنم بشكل واضح عن تمكُّن الشاعر من أدواته و كيفية أجرأتها في الصياغة التعبيرية، من قبيل التنويع في مستويات التشبيه بين مؤكده ومرسله وبليغه، أو من قبيل مخالفة الإسناد المجازي لبناء استعارات تحتاج في عمومها إلى بعد تأويل لتلمس علاقة المشابهة التي تقوم عليها الاستعارة في الأصل قبل دخول المجاز في المرسل القائم على غير المشابهة، و إنما على علاقة ما بين أطراف التشبيه كالسببية والمحلية أو غيرها...
غير أن التوظيف الفني لبعض تلك الأدوات البلاغية، قد يبدو عليه بعضُ التجاوز الموصول بالمغالاة في الربط بين مكونات الإسناد المجازي، فيسعتصي التلقي أحيانا للصورة الشعرية بتركيبها اللغوي، إذ تأتي قريبة من التشكيل السريالي للوحة الفنية بالألوان.
لا يعني ذلك الانتقاصَ من الجملة الشعرية التصويرية ببعدها السريالي في الديوان، ما دام الشعر في الأصل تعبيرا تصويريا باللغة عما في الإحساس الوجداني بالذات وبالعالم عن طريق التخيل المنفلت من إكراهات الحقيقة والوعي ومنطق القياسات المواضعاتية.
لكن، مادامت الصورة الشعرية أبدع وسيلة فنية للتأثير في الآخر ودفعه للتشارك مع المبدع في ذلك الإحساس بالوجود في عمقه الكوني والإنساني، فإنها لا تقوى على الإبلاغ والإمتاع بشكل متزامن، إلا إذا استمدت حضورها من رؤية شعرية ينطلق منها الشاعر في قوله بصيغة دون أخرى، بحيث تحقق تلك الصورة الشعرية رهانها الجمالي والدلالي، ليس فقط اتكاءً على استعمال أدوات متاحة في البيان والبديع، ولكن اعتمادا على خلق أنساق متجددة من العلاقات بين مكونات اللغة، تستفيد من الذهني والرمزي والتاريخي والأسطوري، فتتجاوز تلك الانسيابية التعبيرية إلى استيقافات تدعو القارئ للإحساس بالقلق والصراع في العبارة الشعرية.
· تحضرني هنا رؤية الشكلانيين للشعر، باعتباره تفكيرا بالصورة الفنية، إذ لا توظف للإبلاغ بمعنى مرادٍ يتقصَّده الشاعرُ فقط، بل توظف من أجل خلق إدراك متميز للمعنى ورؤيته بشكل يتجاوز حاجة التعرف عليه، إلى حاجة الإحساس به من الداخل.
· إذا كان البعض يميل إلى تغليب مكون الإيقاع، للشهادة على خروج الكلام من اللاشعر للدخول في الشعر، بالرغم من وقوفه أحيانا عند عتبة الوصف التصويري لمعاناة الذات في تفاعلها مع الطبيعة بمختلف تمظهراتها، فإن هناك أيضا من يغلب مكون الرؤيا الشعرية للتمييز بينهما، باعتبار تلك الرؤيا خلفية التشكيل الفني للصورة الشعرية بحس ومنطق مغاير، يسعى الشاعر من خلاله إضافة معنى جديد يكون للوعي والثقافة بعد الإحساس، أثرهما في النظرة إلى الحياة والعالم.
· سيعتمد الشاعر محمد نجيب زغلول لتمثيل تلك الرؤيا بعد تمثلها،على إمكانيات التركيب اللغوي للجملة الشعرية من خلال استحضار تنوع أساليبها بين الخبر والإنشاء، مع هيمنة ملحوظة للخبر، اعتمادا على تدخل الشاعر غير ما مرة، لتفسير المقول عن طريق الاستدراك للتعليل باللام (12) أو التشبيه بالكاف (11).
بينما تهيمن الجملة الإنشائية بصيغتي الأمر(20) والاستفهام(25) على مستوى القسم الأول خاصة، إذ سيضعف الالتفات إليهما في القسم الثاني لفائدة الخبر.
واتصالا بتلك الهيمنة الواضحة للجملة الخبرية، لا بأس من الإشارة إلى قوة حضور الفعل المضارع بدلالته الزمنية على الحال تخصيصا، لبيان ما يعيشه الشاعر من انفعال شعوري أو ذهني بالموقف أو الرؤية التي يصدر عنها في رصده لتلك الحالة، سواء كان مسندا لمتكلم عائد عليه، أو لغائب عائد على ضمير الاشتغال في النص الشعري، وقد يندرج استعمال الفعل المضارع ضمن اتجاه هيمنة خبرية الجملة الشعرية في الديوان، لأن حضور الفعل الماضي أكثر ارتباطا بجمل الإنشاء الاستفهامية خاصة.
· أما بعد، فقد انشغلت هذه الورقة بمتابعة ديوان الشاعر محمد نجيب زغلول: يكفي أن تفكي ضفائرك...، من خلال التشكيل اللغوي والفني للعبارة الشعرية، دون احتفاء بالتفصيل في المعاني والثيمات، على أساس إمكانية العودة إليها، لاستكمال القراءة الشمولية للديوان.
[/align]
[align=justify] لذلك، يكون هاجسي في أية قراءة، سؤالان محوريان هما : ماذا أقرأ ؟ ولمَن أقرأ ؟ وينفي السؤال الأول بالمطلق، أي اتكاء على خارجيات النص، عدا ما يكون صريح الإسناد لاعتمادِه مرجعاً، لقناعتي بكون النص الإبداعي، إنما يقوم بذاته و ليس بغيره.
بينما يثبت السؤالُ الثاني حضورَ المتلقي بصفتِهِ المعنيّ بالخطاب، والمستهدَف بالتواصل معه حول المنتوج القرائي، ليس من موقع الإلقاء بالوصاية على تذوُّقِهِ و إدراكه للنص، ولكن من منظور مشاركته وجهة في القراءة، ربما تضيف لوعيه بالنص، ما يغني رؤيتَه و موقفه منه.
· أقف قليلا عند الغلاف لتأمُّلِ العنوانِ: " يكفي أنْ تفكِّي ضفائركِ"، فتلفِتُ انتباهي امرأةٌ شبهَ عاريةٍ من الخلفِ بنصفها العُلويٌّ من الظهرر إلى الرأس، كأنها بصدد فك شعرها من خلال وقوع اليدين عليه.
أربط بسرعة بين العنوان واللوحة، فتنثال على ذهني إيحاءاتٌ تشي بما يمكن أن ينشغل به الديوان، ليكونَ تصورُ اندراج موضوعاتِه ضمنَ باب الغزل في الشعر العاطفي الوجداني، أولَ انطباع يتشكَّل عن الديوان قبل قراءته، بما يستحضره ذلك الانطباع من إحالات على ثيمات و تعبيرات التجليات المختلفة لقيمة الحب في التجارب الإنسانية.
سأحتاج إلى تأمل أبعدَ في صفحة الغلاف، لأن صيغة الإعلان عن انتماء المؤَلَّفِ إلى جنس مخصوص في الأدب بلفظة " شعر"، على التعريف بمطلق النكرة في الاسم، ستأخذني إلى عوالمه الفسيحة بأشكاله و تشكيلاته.
وستُحَرك آلةُ الذِّهْن ما تختزنهُ الذاكرة من مقروءاتٍ شعريةٍ بقديمها وحديثها، اتصالا بما تثيره من تساؤلات حول التصنيفات المتداولة في الخطابات النقدية، لكونها تقربني من منحى النصوص واتجاه الشاعر، و تمدني برؤية أوضح وأكثر انسجاما مع سعيي نحو تلق انطباعي موضوعي، يمكن أن يبرر إلى حد ما الاستنتاجات الواردة بخصوص تقييم المنجز الشعري ثيميا وفنيا و إيقاعيا، على خلفية التراكم التذوقي و المعرفي، والمتراوح بين نمطية الثابت و تجريبية المتحول.
· ألقي نظرة على صفحة التوثيق، فأجد عبارة " جميع الحقوق محفوظة" مع مصاحباتها، من منع إعادة " إصدار هذا الكتاب أو أي جزء منه أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل من الأشكال، دون إذن خطي مسبق من المؤلف".
لا شك أن العبارة في كليتها التعميمية، منسوخة عن أصل صار متجاوزا مع تطور تكنولوجيا الاتصال، و إلا ، كيف سنفسر التعامل النقدي مع المتن في ظل هذا الإكراه، لو كان بالفعل يتخذ مداه الإجرائي في الواقع؟
لعلهُ كان يكفي التأكيد على منع نسخ المؤَلَّف للنشر بغير ترخيص صاحبه، باعتباره حقا ماديا قبل أن يكون حقا معنويا، إذا نظرنا إلى التداول كغايةٍ من النشر في حد ذاته، دونما حاجة إلى جواز مرور لا معنى له.
تقدم الصفحة نفسها معلومة دقيقة حول الطبعة و تاريخ الإصدار، فنحن نقرأ الطبعة الأولى الصادرة شهر ماي 2013، بمعنى أننا نتعامل مع متن شعري جديد في الساحة الأدبية، ربما لم ينل بعدُ حظه الكافي من التعاطي النقدي مع وجوده، و بالتالي، فكل اجتراء على تناوله، إنما يبقى مغامرة قرائية لها ما لها وعليها ما عليها،وضمنها هذه الورقة التي نحن بصددها.
من جهة أخرى، يمكن أن يحيل تاريخ الإصدار القريب جدا منا زمنيا،، على سؤال نقدي عريض، يرتبط باتصال أو انفصال الديوان، عما يشهده مسار الحركة الشعرية باللغة العربية في عصرنا الحديث.
· غير أني لا أبدأ في التصفح مباشرة للقراءة، قبل تلك الإطلالة المألوفة على الفهرست للوقوف على محتويات الديوان، من خلال عناوين نصوصه العشرة، علَّها تُسعفني بما يقوي الانطباع أو يضعفه، استعدادا للدخول في عوالم تشكيل نوعية خطابها الفني.
سأجد في الفهرست ثبْتاً بالنصوص العشرة للديوان بعد الإهداء، موزعةً على عنوانين فرعيين على الشكل التالي :
- " مرايا حالمة " : يكفي أن تفكي ضفائرك / ملح الغمام / سؤال / باقة ورد / عرس القمر / ملائكة وجلى على كف مرتجف.
- " زنابق الحدائق الخلفية ": المداد / سكرات / دقيقة صمت / شهور من الألفية الثالثة.
· بخصوص الفهرست بالذات، وفي محاولة الاقتراب من العلاقة الممكنة بين العنوانين الفرعيين من جهة" (مرايا حالمة " و " زنابق الحدائق الخلفية ")، و العلاقة الواردة بين كل عنوان والنصوص المدرجة ضمنه من جهة أخرى، وجدت صعوبة في تلمس الربط بين مكونات الفهرست، من أجل تبرير القول بنفي الاعتباطية في الوضع من طرف الشاعر.
هل كانت النصوص العشرة، مما تجَمَّعَ للشاعر على فترات متباينة تؤطر إنتاجها، من غير اتصال بين تجاربها على التنامي في الزمان أو المكان؟
أم أنها ترد منفصلة بالتشكيل الذي ارتضاه الشاعر، لعلة قد تكون فنية بالأساس، كأن تكون نصوص كل قسم مختلفة عن نصوص القسم الآخر، من حيث ثيماتها الموضوعية أو بنيتها الإيقاعية؟
· كان لا بد من التوقف عند صفحة الغلاف الأخيرة، لكونها تضمنت محتويين أعتبرهما مؤشرين دالين، أولهما صورة الشاعر محمد نجيب زغلول، ذُيِّلَتْ بتعريف جد مُقتضب بشخصيته، وثانيهما مستقطع من آخر نص الابتداء و المعنون باسم الديوان نفسه " يكفي أن تفكِّي ضفائرك".
أما التعريف المقتضب، فاللافت فيه، مجال اشتغال الشاعر بصفته باحثا في علوم الأرض، إلى جانب انشغاله الإبداعي بين الشعر والرواية، بمعنى أن الاهتمام بالشعري، كاختيار فني للتعبير عن الوجود الذاتي، سيتطلب من الشاعر تمكين أدواته التواصلية باللغة، اعتمادا على مرجعية التركيب اللغوي للأدب، واستئناسا بمخزون مقروءاته لجنس الشعر في اللغة التي اختارها أو اللغات الإنسانية التي يتعامل معها، علما بأن تجربة العالم الشاعر، ليست جديدة في تاريخ الآداب الإنسانية، والأمثلة عليها كثيرة عند العرب كما عند الغرب.
وقد تضمنت جملة التعريف، تنصيصا على المنتظر قيد الطبع من أعماله، وهو أيضا ديوان شعري بعنوان" مدائن يسكنها البحر"، إلا أنه سيصدر مترجما للأستاذة أسماء غريب، من غير تحديد للغة الترجمة ، وإن كان المرجح، ترجمته إلى الإيطالية، اعتمادا على العنوان المرفق نفسه، واستئناسا بما يعرف عن الكاتبة من اهتمام بالترجمة للإيطالية، بحكم التواجد.
من موقعي كمتلق، لا بأس أن أتساءل عما إذا كنت سأجد في الديوان أصداء امتداد الروائي في تأليفه الشعري، على الأقل من زاوية البناء السردي المحتمل، وما يمكن أن يضفيه على ذلك النفس الشعري من أبعاد فنية تستفيد من الحبكة الدرامية مثلا.
أما المقطع الشعري المنتقى لواجهة الغلاف الأخير، فقد لا يعدو حضوره أن يكون اسئناسا بما يسعف في جذب انتباه القارئ لإحدى انشغالات الشاعر الكبرى في ديوانه، لذلك لم أنتبه كثيرا إليه.
· بالعودة إلى تصفح الديوان للشروع في القراءة ، تستوقني ورقة إهداء شخصي للشاعر، خصَّ بها تحديدا ولَديْه، مع حضور غامض لامرأة لم يَدلَّ عليها سوى كافُ المخاطبة، سيدفعني فضول التساؤل إلى محاولة تفسير غياب التشخيص لامرأة بعينها في الإهداء، لكني لن أنشغل كثيرا بالتأويلات التي تبقى معلقة على الظن من غير سند يدعمها بالنص أو بالإيحاء.
وفي إطار الفضول نفسه، تساءلت عن غياب الوارد في مثل الإصدار الأول، من قبيل كلمة يضعها الغير بإرادة المؤلف، كي تكون تقديما يعرف بعموم المتن، أو عرضا يضع المتلقيَ في الصورة العامة للمنجز تأليفا و سياقا مثلا؟.
· تضمنت تلك الورقة التمهيدية، تساؤلاتٍ من واقع ما ترسب من انطباعات عن مؤثتات ديوان الشاعر محمد نجيب زغلول، وستكون تلك التساؤلات نفسها موضوع اشتغال هذه القراءة، باعتبارها بوصلة ظلت توجه التفاعل مع المتن.
· يوحي إسناد الفعل المضارع للضفائر اتجاهاً إلى مخاطبة في العنوان، بذهاب الشعر في ديوان محمد نجيب زغلول، منحىً ذا صلةٍ بالنفَس الغزليّ في التعبير عن الوجداني العاطفيّ.
وقد أتوهم بالنظر للسياق المحال عليه، إمكانية الربط بين المقول الشعري في الديوان و معيش التجربة على المستوى الشخصي في حياة الشاعر، بحثاً عن التطابق من عدمه فيما سأقرأه من منظور محاكاتي.
غير أني بذلك ألغي قيمة النص الشعري، باعتباره في الأصل أرقى التعبيرات الفنية باللغة عن الذات، في صدقها مع نفسها بوحاٌ ومكاشفةٌ بما تعانيه وجوديتها في الكون بمختلف مستوياته و أبعاده.
· لذلك، فإن اهتمام القراءة سينصب على التتبع الأفقي تارة والعمودي تارة أخرى، للمنجز النصي في الديوان، من خلال المساءلة المتواصلة للدلالة والإيحاء من حيث المبنى، بتوازٍ مع مساءلة الأداء اللغوي والفني تعبيرا وتصويرا من حيث المبنى.
· لا شك أن العنوان عتبة دالة على الحمولة الواردة في النص، دون أن يعني ذلك إحالته المباشرة على ما ينشغل به أو يشتغل عليه ذلك النص في ظاهرة، وبالتالي، فإن القارئ معني باكتشاف تلك العلاقة الغائبة بين العنوان والمتن، ليس على سبيل التفسير ولكن على سبيل التأويل، الشي يفتح أفقا خصبا لقراءة الدلالات والإيحاءات في العبارة اللغويةوالصورة الفنية.
العنوان الكلمة: سؤال/ المداد/ سكرات:
· في العنوان المفرد، يسعف ما يأتي منه نكرة (سؤال/ سكرات) في تعليق وجوده على الخبر بتقدير حذف الإشارة التي تكون مبتدأ. بينما يبقى المفرد المعرفة ثابت الموقع الإعرابي على الابتداء الذي يحتاج إلى خبر بلاحقه لإتمام المعنى.
و في العربية بالذات، يكون العنوان المفرد النكرة قابلا للحصر إخبارا به في ذاته، مع قبول إلحاقه بما يحدده أو يفسره، إما بالصفة (كأن تقول: هذا سؤال عبثي) أو بالإضافة (كأن تقول: هذا سؤال العبث)،بينما يصعب التعليق على الصفة أو الإضافة في المفرد المعرفة، لحاجته إلى ما يخبر به عنه بالنكرة، (كأن تقول: المداد حزين)، و القصد أن العنوان المفرد متفاوت في قوة دلالته وإيحاءاته بين التنكير و التعريف.
· العنوان الجملة الاسمية بخبر المبتدأ المحذوف بتقدير الإشارة على الإضافة: ملح الغمام/باقة ورد/عرس القمر/ دقيقة صمت/شهور من الألفية الثانية/ ملائكة وجلى على كف مرتجف.
على خلاف بنية شبه الجملة بحرف الجر أو بالظرف، تكون العنونة بالجملة الاسمية الخبرية، أكثر انفتاحا على الغنى الدلالي من جهة إتاحتها للمتلقي فسحة التدخل بالممكن الاستدراك به على الفراغات.
فحين يقول مثلا: ملح الغمام / باقة ورد / عرس القمر / دقيقة صمت...فإن الإحالة بالاستدراك يمكن أن تقع على المكونين منفصلين أو متصلين، فنقول مثلا: ملح الغمام حلو، فنلحق الحلاوة بالملح على الخبرية /أو نقول: ملح الغمام الرمادي، فنلحق الرمادية على الصفة بالغمام.
· أما العنوان الجملة الفعلية، في "يكفي أن تفكي ضفائركِ..."، فقد كان وارداً قيامهُ بذاته،و بالتالي تحليلُه بأي مستوى شئنا لاكتناه أبعاده بالتفسير أو بالتأويل، لولا ما جاء بعده من نقط الحذف و احتمالاتها المتعددة.
جاءت العنوان جملة فعلية متضمنة لمعنى الشرط، صدورا عن متكلم في اتجاه مخاطبة، بقصد الإخبارعما سيأتي منه جوابا للشرط على التعليق، بدلالة نقط الحذف واستدعاءاتها، لما يصح الإخبار عنه اختيارا بين التعليل بحرفي اللام و كي، وبين التعليل بالمفعولية لأجل.
للتمثيل على القصد، يمكن قراءة العنوان بصيغتيه، بعد ملء فراغ الحذف، كأن نقولَ تعليلاً: يكفي أن تفكي ضفائرك لأحس بوجودك / يكفي أن تفكي ضفائرك كي أنفلت إلى جموحي نحوك، أو نقولَ تظريفاً: يكفي أن تفكي ضفائرك تعبيرا عن بلوغ عشقك مداه / يكفي أن تفكي ضفائرك تلميحا برضاك.
و تأتي قوة التضمين للمعنى المعلق على الحذف، من قوة دلالة الفعلين على الكف والفك قريبا من الجناس كمكون جمالي ضمن محسنات البديع في الجملة العربية، إلى جانب ما إحالة الأول على المنع والتوقف، إيذانا بتجدد الابتداء في الزمن على الاستقبال، و إحالة الثاني على الخلاص و التحرر والانعتاق، خروجا من حال واقع إلى حال محتمل.
· يمكن من خلال هذا الافتراض، تجاوزُعتبة العنوان بمنطوقها اللفظي، كي لا تبقى محصورة الاتجاه في امرأة بعينها من خلال ضفيرة محسوسة، وذلك بتصور إمكانية انفتاح العبارة في العنوان، على نزوع الشاعر نحو دفع المرأة الأنثى والإنسان، للتعبير عن حالة توجدنها والصدح بما تكون به أنوثتها، من خلال علامة دالة عليها هي ضفيرتها، وهنا لا بأس من استحضار البعد الرمزي لشعر المرأة تاريخيا، ارتباطا بقوتها و جمالها في الوعي بوجودها في الذاكرة الجمعية.
· و ارتباطا بطبيعة عناوين النصوص في الديوان، لا بأس من إثارة ملاحظة تتصل بما ظهر أنه احتفاء بالعناوين الفرعية، والتي تتخذ في الغالب شكل لازمة بعينها تتكرر.
- (المداد: المداد 5 – يروادني3) –
- (ملائكة وجلى على كف مرتجف: مساء رحلت بهية 6 - ملائكة وجلى على كف مرتجف 4)
- ( سؤال: صباحا سألتُ ليلى7)
- (ملح الغمام : يا امرأة 4)
بينما تكون في نصين آخرين، أقرب إلى العناوين الفرعية، والمختصة بمقطع منفصل عن لاحقه.
( باقة ورد : السمراء/ الصهباء/ الحوراء/ البيضاء/ الدهماء/ الهيفاء/ الشيماء/ الحسناء/ )
( شهور من الألفية الثانية: الشهر الأول.....الشهر الثاني عشر)
هل قصد الشاعر تثبيت جملة بذاتها في ذهن المتلقي، كي تكون بوصلة توجيه قراءته؟
علما بأنها إذا كانت مستساغة في تكرار اللازمة داخل النص الشعري، لما يمكن أن تسهم به دلاليا أو إيقاعيا، فإنها كعناوين فرعية يكون ما بعدها تعريف بها أو تفصيل لها، لا تبدو مستقيمة مع السياق الشعري ببعدي التخييلي والتصويري.
· بالنظرة الأولى لنص الافتتاح في الديوان، أدرك أني بصدد قراءة شعر يراهن على بنية السطر امتداداً للتحول الذي عرفه النص الشعري في اللغة العربية.
و رغم الاقتناع باستبعاد مرجعية النموذج المثال، للقياس عليه في الحكم على النص بالشعرية من عدمها، يبقى التساؤل ورادا حول مستوى ونوعية ارتباط الشاعر باتجاه ما، على الأقل من جهة الإيقاع في النص الشعري بعد كسره لبنية البيت الأفقي.
بالنظر لاعتماد الشاعر على التوزيع السطري، يمكن الاستفسار عن وقفات ذلك السطر الشعري وما يحكمه، بين الحاجة إلى توفيرالتوازن والتناظر في التصويت والإيقاع، وبين ضرورة التوقف عند العبارة للانتقال في المعنى أو في الصورة، أو بينهما معا،عدا ما يمكن أن ألاحظهُ على ذلك التوزيع، حين يضيق السطرإلى حدود الكلمة المفردة حرفا أو اسما أو فعلا(ثلاثون حالة).
· و صلة بتلك الموسيقى الداخلية التي سعى الشاعر محمد نجيب زغلول لتمكينها في نفس المتلقي، لا بأس من تجديد الحديث عن تلك الوقفات وما يلتبس بها، في حضور علامات ترقيم تبدو أحيانا غير منسجمة مع امتداد الجملة الشعرية حسب المتواضَع عليه في العلاقات بين الجمل والفقرات في بنية التعبير العربي، بغض النظر عن طبيعة النص الشعرية أو النثرية.
· وقد يلحق بها تردُّدُ توالي الفواصل الكبرى بشكل لافت، لما تحدثه من نشاز في الإيقاع لا يتناسب مع موسيقى الشعر الداخلية، حين تتوالى في السطر الشعري الواحد أربع حركات إلى خمس (25). مثلك ( - في مزهَرِيَتِكِ الصغيرة - من يقتفي أَثَرَ َقَصَائد - ضَبَطَ عَقَارب ساعته - كان المَطَرُ غَزِيرا -حتى أخمَصِ قَدَمَيّ - )
· قد يكون ذلك مما ينتج عن ظروف الرقن أو الطبع، لكنه يظل محسوبا على النص الشعري، مثله في ذلك، مثل ما يقع في شكل بعض الكلمات نحويا أو إملائيا ( اصعدي قليلا أو أقلَّ قليلا – اسقِني (وهو يخاطب المرأة) – فمِمَن – حسناءٌ – الإرتداء – ثنَيَاها – يقايُضِني – ذَروة – دِفئ – ظمَئ – يعلنَ – سبع ثواني – نهر مَنْحَدِر – أشجار جوز يافعةٍ – سواك ثغورُها - إمِّحاء).
· انطلاقاً من تلك الانطباعات الخاصة، بما يسندها من حسّ تذوُّقِي و اسْتعدادٍ مَعْرفي شخْصيَّيْن، لا أدَّعي تَميُّـزَهُما عن المتوسط في الثقافة الأدبية، كانتْ رحلتي مع النصوص العشرة لديوان "يكفي أن تفكري ضفائرك...".
· تتوزع النصوص الشعرية في الديوان لغةٌ تمتح من المعجم الطبيعي، مع هامش لِلتكرار اللفظي لافت للنظر، إذ شكَّل حضور ذلك المعجم قرابة ربع مفردات الديوان.
طبعا ليس هدفا هنا تقديم جرد إحصائي للاستعمال المعجمي في بنية الجملة الشعرية دلاليا أو تصويريا، لأن توظيفاتها لابد أن تتفاوت في التأثير بحسب السياقات التعبيرية، ولكن الغاية لفتُ الانتباه إلى إمكانية الربط بين تلك اللغة و منحى في التعبير الشعري له موقعه ضمن مسار تطور القصيدة المعاصرة باللغة العربية، يتعلق الأمر هنا تحديدا بالاتجاه الرومانسي، والذي حاول إعادة الشعر للحياة في بعدها الإنساني، بعدما ظلت القصيدة الكلاسيكية تراهن على إعادة الحياة للشعر من خلال تثبيت تشكيلاته النمطية في المعاني والموسيقى.
· لا يبدو الشاعر محمد نجيب زغلول منشغلا بعموم الاتجاه الرومانسي نحو إسقاطات الذات على الممكن من صدى الطبيعة في نفسه، كأنه يمارس معها تجليات التمرئي من خلال الانتقال بها من كائنات صامتة إلى كائنات صائتة تبادل الشاعر أحاسيسه ومشاعره بل تتجاوب معه.
· يبدو الشاعر محمد نجيب زغلول منشغلا بالصورة الشعرية الموحية بالمعنى الخفي في الذهن وفي الوجدان، متوسلاً بالتشبيهات، والمجازات، والاستعارات في تداولات أنماطها البلاغية عند الأقدمين، أو عند الكلاسيكيين عامة، و يقدم الديوان أمثلة كثيرة على هذا الاستعمال، تنم بشكل واضح عن تمكُّن الشاعر من أدواته و كيفية أجرأتها في الصياغة التعبيرية، من قبيل التنويع في مستويات التشبيه بين مؤكده ومرسله وبليغه، أو من قبيل مخالفة الإسناد المجازي لبناء استعارات تحتاج في عمومها إلى بعد تأويل لتلمس علاقة المشابهة التي تقوم عليها الاستعارة في الأصل قبل دخول المجاز في المرسل القائم على غير المشابهة، و إنما على علاقة ما بين أطراف التشبيه كالسببية والمحلية أو غيرها...
غير أن التوظيف الفني لبعض تلك الأدوات البلاغية، قد يبدو عليه بعضُ التجاوز الموصول بالمغالاة في الربط بين مكونات الإسناد المجازي، فيسعتصي التلقي أحيانا للصورة الشعرية بتركيبها اللغوي، إذ تأتي قريبة من التشكيل السريالي للوحة الفنية بالألوان.
لا يعني ذلك الانتقاصَ من الجملة الشعرية التصويرية ببعدها السريالي في الديوان، ما دام الشعر في الأصل تعبيرا تصويريا باللغة عما في الإحساس الوجداني بالذات وبالعالم عن طريق التخيل المنفلت من إكراهات الحقيقة والوعي ومنطق القياسات المواضعاتية.
لكن، مادامت الصورة الشعرية أبدع وسيلة فنية للتأثير في الآخر ودفعه للتشارك مع المبدع في ذلك الإحساس بالوجود في عمقه الكوني والإنساني، فإنها لا تقوى على الإبلاغ والإمتاع بشكل متزامن، إلا إذا استمدت حضورها من رؤية شعرية ينطلق منها الشاعر في قوله بصيغة دون أخرى، بحيث تحقق تلك الصورة الشعرية رهانها الجمالي والدلالي، ليس فقط اتكاءً على استعمال أدوات متاحة في البيان والبديع، ولكن اعتمادا على خلق أنساق متجددة من العلاقات بين مكونات اللغة، تستفيد من الذهني والرمزي والتاريخي والأسطوري، فتتجاوز تلك الانسيابية التعبيرية إلى استيقافات تدعو القارئ للإحساس بالقلق والصراع في العبارة الشعرية.
· تحضرني هنا رؤية الشكلانيين للشعر، باعتباره تفكيرا بالصورة الفنية، إذ لا توظف للإبلاغ بمعنى مرادٍ يتقصَّده الشاعرُ فقط، بل توظف من أجل خلق إدراك متميز للمعنى ورؤيته بشكل يتجاوز حاجة التعرف عليه، إلى حاجة الإحساس به من الداخل.
· إذا كان البعض يميل إلى تغليب مكون الإيقاع، للشهادة على خروج الكلام من اللاشعر للدخول في الشعر، بالرغم من وقوفه أحيانا عند عتبة الوصف التصويري لمعاناة الذات في تفاعلها مع الطبيعة بمختلف تمظهراتها، فإن هناك أيضا من يغلب مكون الرؤيا الشعرية للتمييز بينهما، باعتبار تلك الرؤيا خلفية التشكيل الفني للصورة الشعرية بحس ومنطق مغاير، يسعى الشاعر من خلاله إضافة معنى جديد يكون للوعي والثقافة بعد الإحساس، أثرهما في النظرة إلى الحياة والعالم.
· سيعتمد الشاعر محمد نجيب زغلول لتمثيل تلك الرؤيا بعد تمثلها،على إمكانيات التركيب اللغوي للجملة الشعرية من خلال استحضار تنوع أساليبها بين الخبر والإنشاء، مع هيمنة ملحوظة للخبر، اعتمادا على تدخل الشاعر غير ما مرة، لتفسير المقول عن طريق الاستدراك للتعليل باللام (12) أو التشبيه بالكاف (11).
بينما تهيمن الجملة الإنشائية بصيغتي الأمر(20) والاستفهام(25) على مستوى القسم الأول خاصة، إذ سيضعف الالتفات إليهما في القسم الثاني لفائدة الخبر.
واتصالا بتلك الهيمنة الواضحة للجملة الخبرية، لا بأس من الإشارة إلى قوة حضور الفعل المضارع بدلالته الزمنية على الحال تخصيصا، لبيان ما يعيشه الشاعر من انفعال شعوري أو ذهني بالموقف أو الرؤية التي يصدر عنها في رصده لتلك الحالة، سواء كان مسندا لمتكلم عائد عليه، أو لغائب عائد على ضمير الاشتغال في النص الشعري، وقد يندرج استعمال الفعل المضارع ضمن اتجاه هيمنة خبرية الجملة الشعرية في الديوان، لأن حضور الفعل الماضي أكثر ارتباطا بجمل الإنشاء الاستفهامية خاصة.
· أما بعد، فقد انشغلت هذه الورقة بمتابعة ديوان الشاعر محمد نجيب زغلول: يكفي أن تفكي ضفائرك...، من خلال التشكيل اللغوي والفني للعبارة الشعرية، دون احتفاء بالتفصيل في المعاني والثيمات، على أساس إمكانية العودة إليها، لاستكمال القراءة الشمولية للديوان.
[/align]
[/align]