مجموعة " عيون القلب " القصصية
للأديبة المغربية "ليلى مهيدرة"
و استعادة متعة الحكاية
محمد المهدي السقال
توطئة:للأديبة المغربية "ليلى مهيدرة"
و استعادة متعة الحكاية
محمد المهدي السقال
الشهادة بطبيعتها، لا تصدر إلا عن معاينة لمادتها في الزمكان، و تقتضي بالضرورة الصدقَ في الصدح بها بعيدا عن المزايدة تحت أي ظرف أو عنوان. و في الأدب، تأخذ بُعْداً إضافياً، لكونها تتأسس على مجمل انطباعات، تجد صداها مما ترسَّب في الوعي بأثر إبداعي يكون موضوع قراءة أو اشتغال. لذلك، تبقى مشوبة بما يمكن أن يعتيريَها من نقص، بحكم هامش الالتباس الوارد في الشهادة الأدبية، لاختلاف في التلقي بمرجع التذوق، أو لتباين في التقييم بمرجع المعرفة بنقد الجنس أو النوع المقروء. في هذا السياق أتقدم اليوم بشهادتي في حق مجموعة " عيون القلب " القصصية، للأديبة المغربية ليلى مهيدرة، باعتبارها عملا سرديا له موقعه في جغرافية القصة المغربية المعاصرة، ضمن إنتاجات العشرية الثانية من القرن الواحد والعشرين.
وقد انطلقت الشهادة من جملة انطباعات تولدت عنها ملاحظات عامة، لم يكن مستساغا الاطمئنان إليها إلا عبر معاودة القراءة، بحثا عن تفسير أو تعليل يقربان الشهادة من الموضوعية في الرصد و التتبع لمختلف مكونات التشكيل القصصي. تساؤل: هل كانت قصص"عيون القلب" للكاتبة المغربية "ليلى مهيدرة"، تعبيرا فنيا تصدر فيه عن اقتناعها بقيمة النص القصصي المؤسس على مادة حكائية، يكون للسارد فيها دور صياغة المتن بما يستلزمه أو يستدعيه من مكونات متفاوتة الأهمية في الحضور والتوظيف، بحسب طبيعة المحكي وسياق تأليف الخطاب؟.
أوحى بذلك السؤال، ما بدا من حرص الكاتبة على تحصين نصوصها القصصية، من ذلك الانزياح التجريبي عن القواعد العامة للسرد، بالشكل الذي روج له دعاة الخرق و المغايرة في الفن، تحت مسمى الإبداع بما يتناسب مع حاجات حداثة العصر.
و قد تمظهر حرص التعامل مع بنية القص في شروطها الفنية المجمع عليها في أدبيات الكتابة القصصية، من خلال الوفاء للخطاطة الثلاثية الأبعاد في البناء، و استهداف المسرود له بتصور واضح عن رهان السارد، بعد تمكين السرد من مؤثثات الوصف والحوار بأداء لغوي تواصلي، يعيد للقصة موقعها في نفس القارئ استجابة لتلك الرغبة الطبيعية في الإنسان للاستماع إلى الحكاية من واقع أو متخيل.
لكن، هل يعني ذلك انضباطَ الكاتبة " ليلى مهيدرة " في مجموعتها "عيون القلب"، لنهج كتاب القصة الكلاسيكية بتشكيلها التقليدي، دون اعتبار لما طرأ عليها من تحولات مست رؤاها و صيغها الفنية، ضمنسياق تطوري متسارع على مستويات عدة، أبرزها ما تحقق من تراكم كمي وكيفي في هذا النوع القصصي، بموازاة ما عرفته السرديات نظريات وتطبيقات، تجاوزت مفاهيم المعاصرة والحداثة إلى مفهوم ما بعد الحداثة في الكتابة السردية.
لعل أبسط طريق لمقاربة مثل تلك التساؤلات، هو الاستماع إلى القصص نفسها، لتنوب عن الكاتبة في تقديم تمثلاتها للكتابة السردية، عبر متابعة أهم مفاصل النصوص بدءا بعناوينها وانتهاءا برهاناتها مرورا بالحكايات التي اشتغلت عليها وما وظفته من عناصر القصة أحداثا وشخصيات و أزمنة وأمكنة.
العنوان اختارت الكاتبة عنوانا لمجموعتها " عيون القلب "، وهو العنوان نفسُه لقصتها التاسعة، حيث اشتغلت على توظيف كلمات أغنية عاطفية مصرية للمطربة نجاة الصغيرة تحت الاسم نفسه، غير أن دلالة العنوان بحكم وقوعه على المجموع، سيتجاوز الإحالة على الخارج نصي من كلمات تلك الأغنية، للسؤال عن الخيط الناظم للعلاقة بين النصوص القصصية السبعة والعشرين، بعد التوسع افتراضا فيما يمكن أن يفيد في تلمس رؤية الساردة للعالم.
هل يعود اختيار عنوان " عيون القلب " لقناعة الكاتبة ليلى مهيدرة، بأن الحكاية عن الذات و الوجود، بالرغم من أفقها التخيلي، تبقى بحاجة إلى سند من الصدق في الرؤية للمحكي بمرجع عيون القلب، وما يتصل بها من عميق الوجدان في الإنسان، بعيدا عن تلك االرؤية المادية، و القابلة بطبيعتها للتغير و عدم الاستقرار؟.
تحتاج فرضية تعلق الكاتبة بإدراك حقيقة المرئي في الوجود من داخل الذات بالإحساس، إلى التمثيل من النصوص على انطلاق السرد لديها من معرفة بالذات والعالم، باعتبار المرجع فيها، ذلك الإبصارَ بالقلب لما وراء الظاهر للعين الحسية. في هذا السياق، أستسمح المتلقيَ لتقديمٍ موجز حول مصدر المعرفة بين الحدس والعقل، باعتبارهما قطبي رحى الرؤية للعالم في كل ما يتصل بالإنسان.
بعيدا عن متاهة السؤال الفلسفي حول تجاذبات تُقدم أو تُؤخر أحدهما على الآخر، من منظور دنو هذا وعلو ذاك، ( نموذجا " كانط" المنتصر للعقل و برجسون المنتصر للحدس)، يمكن القول بأن ثمة صعوبة كبيرة في حسم الأصل الذي تؤول إليه معرفة و إدراك العالم الذي يرتبط به الإنسان بعلاقات تفاعلية، بحيث يستعصي ردهما إلى حدس وحده أو إلى عقل وحده، فبينما يستحضر الحدس في التلقي عمق المعرفة بالباطن في اتجاه الكشف عن المطلق، يستحضر العقل في التلقي حاجته إلى الاستدلال على المجرد في إطاره الزمكاني.
و إجمالا، يمكن الزعم بأن القول بانقيادٍ للقلب في إبصار العالم، لا يعني الاتكاء على المعرفة بالحدس، أي الإحساس بطبيعة الاشياء من داخل الكيان النفسي الوجداني منفصلا عن التاثيرات الخارجية، دون حضور العقل في التعامل مع ظواهر ومظاهر الأشياء من خلال علاقاتها القابلة للمَنْطَقة بآلة التفكير، بمعنى أن صيغة الرؤية للعالم تأسيسا على معرفة ما بوجوده، تبقى بحاجة إلى تلك التركيبة المثالية مما يصدر عن حدس وما يصدر عن عقل، دون نشدان موضوعية مطلقة لا تصح إلا بالبرهنة العقلية، أو نزوع ذاتي مطلق لا يعتبر سوى بفطرة الإحساس، لأنهما على ادعاء الانفراد بالمطلق، ينفيان نسبية التلقي و يلغيان بالتالي هامش الصواب والخطا في التقدير.
بالنسبة للكاتبة ليلى مهيدرة، سيظهر أنها تنتصر لرؤية الإحساس بالقلب، حين تركز على المشاعر والانفعالات في حياة شخوصها، دون كبير اهتمام بمظاهرهم الخارجية من أسماء وصفات و هيآت، كأنها أعراض لا يمكن الاستئناس بالرؤية الحسية إليها، في فهم طبيعتها وخلفيات حركتها أفعالا وردود فعل، وقد يكون اتجاهها الوجداني في التعاطي مع مادتها الحدثية بعيون القلب، أحد وجوه إيمانها بنفي الرؤية العقلية، انسجاما مع الحضور القوي لعمقها الديني، والقائم على حجية تلك الرؤية الوجدانية، و أحقيتها بالتصديق في الشهادة على القول والفعل مما يصدر عن البشر في معاشهم وتفكيرهم.
يمكن للمتتبع أن يجد صدى ذلك الاعتقاد في أكثر من نص قرآني يؤكد على التلازم بين ما يصيب الرؤية بالعين من عمى، رغم توفر إمكانية النظر حسيا، وبين ما تصل إليه الرؤية بالقلب من إشراق بعد توفر إمكانية النظر وجدانيا، قبل الانتهاء إلى الحكم بأفضلية الثانية على الأولى، باعتبار القلب مصدر تلك الرؤية المطلقة و التي لا تخطئ إدراك الجوهر، بعد تخبط العين في الاضطراب أمام العرض.
في هذا السياق يمكن الاستئناس بثلاث آيات، الأولى من سورة الحج في قوله تعالى : " فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور"﴿46﴾ و الثانية والثالثة من سورة الأعراف على التوالي في قوله تعالى : " وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِهَا " ﴿179﴾ و" وَتَرَاهُمْ يَنْظرُونَ إلَـيْكَ وَهمْ لا يُبْصِرُونَ " ﴿198﴾
الإهداء:
يستثير قارئَ مجموعةِ " عيون القلب"، توجهُ الكاتبة في عتبة الإهداء، لشخوصها القصصية، مقدمة لهم على أي استحقاق آخر، من قبيل الاحتفاء بأقرب المقربين إليها عاطفيا أو اجتماعيا مثلا، على غير المألوف المتداول في مثل وضع تلك العتبات، حين تقول: لشخوصي التي تعلن نفسها جهرا وتقتسم الألم معي دهرا و تبتسم وترتسم وحين يشتد صقيع الواقع تموت قهرا.
و هو اختيار مقصود بالضرورة لإثبات حقهم عليها، ما داموا يجسدون صوتها وانشغالها بالوجود، لدرجة تقاسم الألم معها على امتداد زمن المعاناة، مع ما يتخلل ذلك من لحظات فرح، قبل الانتهاء إلى الموت بغمة القهر، كلما اشتد الحال وانتهى الواقع إلى صقيع. سيلمس القارئ قوة ذلك التوحد بين الكاتبة وشخوصها في أكثر من قصة، سواء تعلق الأمر باستحضارهم من حلم اليقظة كمعادلات موضوعية تحت هاجس تيار الوعي، ( الدولاب / قلم أحمر / الخريف الأخير / العودة الى الماضي/ فدائي )، أوتعلق بحضورها الواعي عبر التمرئي، ( المصارحة / هواجس / خطوط عمودية / تخيلات / غرفة الصمت / أنا و شريكتي / القرار الصعب ) للكشف عن الوجه الآخر المسكوت عنه في واقعها، تحت إكراهات المنع أو القمع. بالنظر لما يهيمن على القصص من حضور للساردة بين شخوصها ، سواء حين تتقمص دورا لها بينهم بضمير المتكلم، أو حين تعايش أحداثهم من خلال الحكاية عنهم بضمير الغائب، يمكن الذهاب إلى تصور إمتاح الكاتبة لتلك الشخوص من واقعها الذاتي أو الموضوعي، بحيث تقترب نصوصها من السيري في حياتها الخاصة أو حياة محيطها العيني، الشيء الذي يدفع في اتجاه الاعتقاد بغلبة الواقعي على المتخيل في قصصها.
ثمة ارتهان لانشغالات الذات على المستوى الذهني بقضايا نفسية و ثقافية و اجتماعية و قومية في حدود تفاعلها الفردي مع الواقع، في غياب شبه تام للانشغال بالتحول السياسي و انعكاساته على المجتمع في صيرورته التاريخية، ضمن مخاض صراعات التغيير، فتبدو الحالات المرصودة كأنها منعزلة عن سياقاتها الموضوعية، حين تقدم شخصياتها الفاعلة جاهزة غير متنامية التكوين في بناء تصوراتها أو سلوكاتها، غير أنها بالرغم من وجودها المألوف في المعيش المجتمعي، تصبح ذات حمولة دالة على أبعد من وضعياتها، لتمثيل أزمة الإنسان في بعده الكوني بعد قابلية تجريدها وتعميمها دون رهنها بقيد الزمكان تخصيصا، لكن من غير أن يعني ذلك تقصّـُد الكاتبة ذلك المستوى الرمزي الإيحائي على خلفية المشترك الثقافي مثلا.
تشغل شخصية المجتمع المديني في طبقته المتوسطة، كل نصوص مجموعة " عيون القلب"، بواقعية تنطلق من رصد معاناة الشخوص ومواقفها و سلوكاتها، على خلفية رؤية من داخل وجدان الكاتبة، لا تقف عند المحاكاة و التصوير لحركتها في الواقع، بل تستند إلى تأملات تستغور أعماق كياناتها النفسية، لإشراك المتلقي في المساءلة عن الدوافع والأسباب، بعد أن تكون قد قدمت قراءتها للحدث وصفا و تفسيرا وتعليلا.
لا يعود بنا ذلك، إلى مدخل الرؤية بعين القلب كبوصلة تحكمت في تشكيل نصوص المجموعة القصصية، بل يستدرجنا لمحاولة فهم سوداوية الصور التي تفاعلت معها الكاتبة، حتى بدت معها كأنها تقدم مدونات شخصية لأناس عاديين في وضعيات غير عادية، وضمن ذلك الاستدراج، يطفو سؤال التجديد في واقعية الكاتبة "ليلى مهيدرة"، بالنظر لما أزعمه لها من تجاوز لأبرز اتجاهات الواقعية في السرد القصصي بعد تقاسمها ذلك الارتباط بالإنسان في شروطه الموضوعية.
و لعل أبرز خاصية للواقعية المهيدرية، تركيزها على العمق الشخصاني لتلك الحالات الفردية بمختلف مظاهر صراعها مع الذات في مواجهة مصائرها، بحيث تبدو كثيرة الانشغال بأفكار شخوصها وأحاسيسهم و هواجسهم، أكثر من اهتمامها بالظروف و الملابسات المحيطة بواقع معيشهم المادي، وقد كان من نتائج هذا التوجه في التركيز على الحيوات الداخلية للشخصيات، ما ظهر أنه تغييب للعلل والأسباب الكامنة وراءها، باعتبار ما للبيئة بمختلف مكوناتها من تأثير حاسم على وجود الإنسان بتجلياته الذهنية والاجتماعية.
نستحضر هنا بطل قصة " قلم أحمر" و هو يقترب من نمطية البطل الإشكالي، ممثلا في المثقف الشقي بوعيه، العاجز عن الوصول إلى حل معادلة تغيير الواقع، بعد فشل التنظير الذي يرده إلى الحلم بين أوراقه، و ليس إلى الواقع، كلما كبر الإحساس بالانهزام أمام هيمنة الوصولية الانتهازية فيه. ستجد تلك الشخصية امتدادها في حوارات الذات عبر تقنية التمرئي، حين تتقمص الكاتبة دور القاصة المتحكمة في مصير شخصيتها، لتعلن قرارها برحيله و الانفصال عن حياتها بحثا عن هوية جديدة تحرره من قيدها، بعدما انتهت في قصة " المصارحة"، إلى الاقتناع بلا جدوى استمرارها في الدفع بالشخصية إلى أبعد مما تحقق على يديها، في ظل إكراهات سلبتها قدرتها على التحمل، فآلت بها إلى ما يشبه الاستسلام بظاهر الاستعداد لتغيير المعطف، قريبا جدا مما حدث للمؤلف المسرحي في قصة " هواجس"، حين تمرد عليه أحد أبطاله برفض الدور المنوط به، فواجهه بمقاومة حادة تحت عنوان"ما كنت لأبيع ضميري"، لكن بالرغم من اختلاف رؤيتي القاصة والمسرحي في كل من القصتين، فإن الساردة تنتهي ببطليها إلى اختيار تمزيق الأوراق و إحراقها، ربما إشعارا بعبثية تلك النهاية التي تستوي فيها الشخصية السردية بمبدعها.
و في الاتجاه نفسه، ستتحرك شخصية قصة " خطوط عمودية"، حين تتعلق برسم شيء ما في الفضاء، عبر خطوط عمودية تتجه إلى السماء، لكنها سرعان ما تكتشف أنها إزاء لوحة وهمية، تجسد بقوة انفصال المبدع عن عالمه الواقعي، من خلال ذلك التعلق برؤية عالم آخر لم يكن جزءا منه. من خلال تتبع نماذج الشخصيات السردية في مجموعة " عيون القلب"، تبدو الكاتبة " ليلى مهيدرة " أقرب إلى التعامل معها كحمولات ذهنية، دون كبير اهتمام بتحيزها المادي في الواقع، حين تتجاوز تلك التفاصيل المرتبطة بصفاتها و تكوينها و بأسمائها و هيآتها،عدا ما يتصل بوضعياتها في مسارات الحدث و تحولاته.
العناوين:
شكلت عناوين النصوص السبعة والعشرين في للمجموعة، عتبات نصية تتعدد وظائفها المتداولة في السرديات المعاصرة، بغض النظر عن قصدية المؤلفة عند الوضع من عدمه، فجاءت متفاوتة في قوة دلالاتها و إيحاءاتها، بتنوع صيغها بين الكلمة المفردة والجملة المركبة، و باختلاف مواقعها كلا أو بعضا من داخل النص ( ثلاثة وعشرون عنوانا ) أو من خارجه (أربعة عناوين).
وقد عمدت إلى وضع فهرس مغاير للمجموعة يعتمد ترتيب العناوين تصاعديا وفق صيغها، إشراكا للمتلقي في تلمس ما بينها من فروق دلالية و إيحائية، فكان على الشكل التالي: الدولاب انسلاخات المصارحة* هواجس* تخيلات* الانصهار ولدي فدائي قلم أحمر القرار الصعب الخريف الأخير طفل صغير خطوط عمودية الوثيقة الوهمية خطة التراجع عن قرار التراجع عيون القلب ضيفة العيد رصاصة الرحمة غرفة الصمت طبل الحرية إحساس الأمومة مملكة الأحلام غرفة الانتظار بلاغ عن طفلة ضائعة* الفائز بالشهادة العودة الى الماضي أنا و شريكتي .
بنظرة أفقية للفهرس، يلاحظ تتوزُعُ العناوين بين: - · صيغة الكلمة والمفردة بثمانية أسماء يهيمن عليها الاشتقاق جمعا أو مصدرا، بما يتضمنه من حمولة الحركة في الزمان، إضافة إلى إحالتها على البعد النفسي في تكوين الشخصية القصصية ( انسلاخات / المصارحة / هواجس/ تخيلات / الانصهار). · صيغة الجملة الاسمية الخبرية، بتسعة عشر عنوانا، متراوحة بين الخبر المضاف بعد حذف الابتداء ( عيون القلب / ضيفة العيد / رصاصة الرحمة / غرفة الصمت / طبل الحرية / إحساس الأمومة / مملكة الأحلام / غرفة الانتظار )، و جملة الخبر الموصوف نعتا بعد حذف الابتداء أيضا ( قلم أحمر/ القرار الصعب / الخريف الأخير / طفل صغير / خطوط عمودية / الوثيقة الوهمية).
قد تبدو العناوين في مجملها موظفة في حدود أدائها التغريضي، بإعلانها عن نفسها مدخلا يساعد القارئ على اختصار الطريق إلى بؤرة القصة أو - على الأقل – إلى الجو العام الذي سيتحرك فيه رهانها أو مادتها الحدثية، دفعا لأي تشويش على أفق انتظار المتلقي، ودعما لإشراكه في صناعة المعنى المحتمل على توقع الدلالة القريبة من إيحاءات اللغة المعجمية. غير أن تأمل بنية العناوين بين الكلمة والجملة، ربما يقدم إمكانية التمييز بين مستويين مغايرين لما يبدو أنه اتجاه أحادي، يستهدف فقط مكاشفة المتلقي قبليا بمضامين المتون، بعيدا عن الانفصال بينها وبين القصص.
فالعناوين المفردة، بالرغم من اقتصادها اللغوي، تبقى منفتحة على التأويل الذهني للوارد من ارتباط مدلولاتها المعجمية بإحالات ثقافية أو تاريخية أو اجتماعية، علما بأن القارئ لا ينفك أن يبادر بالتساؤل عن امتدادات المعنى بتصور الممكن بعد افتراض تركيب المفرد في جملة للاقتراب من المعنى، بمختلف إمكانيات التعبير خبريا أو إنشائيا ( انسلاخات: عن ماذا ؟ / انسلاخات : قاسية / انسلاخات عابرة).
وقد ينطبق ذلك على العناوين الجمل، حين يكون الخبر فيها معلقا على المبتدأ المحذوف بتقدير الإشارة، سواء كان الخبر مستدركا بالنعت صفة نكرة مثل : قلم أحمر / طفل صغير / خطوط عمودية ) أو معرفة مثل : القرار الصعب / الخريف الأخير / الوثيقة الوهمية. ذلك أن تلك الجمل، تبقى هي الأخرى منفتحة على قابلية إتمام مبناها لبلوغ الممكن من معناها، باستدراك الخبر بمسند فعلي، أو بشبه جملة حرفا أو ظرفا، بحيث يصير الخبر مبتدأ، كأن تقول: قلم أحمر ينز حزنا / قلم أحمر في قلب العاصفة / قلم أحمر خلف الجدران.
والقصد ، أن عناوين مجموعة " عيون القلب "، بالرغم مما تبدو عليه من مباشرة بالخبر في أبسط صيغه التركيبية، تبقى مسعفة بإمكانية التفكير في أبعاد إحالاتها، دون تقييد مطلق لتوجه القارئ نحو المعنى الواحد بالضرورة. الخطاطة السردية: يفيد الحديث عن الخطاطة السردية في قصص مجموعة " عيون القلب " للكاتبة " ليلى مهيدرة "، في إثبات أصالتها السردية، على اعتبار أن تلك الخطاطة في أبسط تعريفاتها، إنما تجد تفسيرها في تتبع مسار المبنى الحكائي للقصة أو الرواية، لما تسعف به من إمكانيات رصد تراتبية التنامي التصاعدي بداية و وسطا ونهاية، على خلاف النوع السردي القصير جدا مثلا، و الذي يستعصي على التحديد الخطاطي، بحكم قيامه أصلا على التكثيف و الاختزال، في غياب شبه مطلق للتمسك بمكونات النص السردي. وأزعم أن انضباط الكاتبة " ليلى مهيدرة " للبناء الهرمي التقليدي بمستوياته الثلاثة، اختيارٌ مسبق لكتابة قصة متكاملة تحتكم في انتظام متوالياتها السردية، لمنطق القصة الموصولة في الذاكرة الإنسانية بقيمتها الحكائية، دون انشغال بتحولاتها في ظل البحث التجريبي عن قصة ما، لا زالت موضوع سجال في تعريفاتها و بنياتها في الدرس النقدي، من غير أن تجد لها مرفأ تستقر عليه كما تستقر القصة في وجدان التلقي الهادف فكريا وجماليا وقيميا.
غير أن وفاء الكاتبة " ليلى مهيدرة " لخطاطة البداية والوسط والنهاية، مع الحرص على إيفاء القصة حقها من التوليف بحبكة صارمة، لا يجب أن يحجب بعض مظاهر التجديد في بنية تأليفها القصصي، خاصة ما يتصل بالتركيز على محورية الحدث و الاقتصار على الشخصيات الفاعلة في تناميه، مع الاهتمام بالبيئة الزمكانية لنصوصها في حدود ما تسهم به في تأثيث فضائها القصصي. عدا ما توظفه من حوار بمستوييه الداخلي و الخارجي، وما يتضمنه من تناصات استرجاعية، أو ما يرتبط بالنهايات التي اختارت لها الكاتبة قفلات تحيل على المفارقة في القصة الحديثة خرقا لأفق انتظارات المتلقي، رغم التزامها بنسقية التسلسل القريب من موضوعية التطور في بناء القصة. أستحضر هنا نموذجين، الأول يسير في اتجاه التوافق و الانسجام مع التدرج من البداية إلى النهاية، والثاني يسير في اتجاه غير المتوقع بخلق دهشة التلقي.
في قصة" ولدي"، تبدو الساردة مندمجة مع معاناة الطفل ذي الخمس سنوات مع المرض، تجلى ذلك في اهتمامها بتفاصيل شخصيتها اسما وصفات وهيئة، من خلال مسار تصاعدي بالخبر عن تطور الحالة، بدأ بوضعية انطلاق تمهيدية تضع المسرود له في صورة المسرود عنه، قبل الانتقال إلى الحدث موضوع اشتغال القصة، بما عرفه من استغراق في الزمان ( مرض يوسف / مرت عشرة أيام / جاء الغد/ ) وتنوع في المكان(المستشفى / مكتب المؤسسة / الشارع)، وصولا إلى نهاية الحدث بنعي موت الطفل، دون إحساس بانفصال في التدرج. وعلى خلاف ذلك البناء المرتبط بعموم السرد الكلاسيكي.
ستحقق الكاتبة في نصها الثاني بعنوان: " الفائز بالشهادة " تلك الطفرة الجمالية بنهاية يصعب تصورها في ضوء ما مهدت به الساردة لأجواء قصتها، أو ما وفرته من ظروف التصعيد، بعد وضع القارئ بالوصف أو الحوار في صورة انشغالات الطفل الفلسطيني في غزة، في انتظار ما سيختاره موضوعا لرسمه في القسم، أملا في الفوز بالجائزة.
فعلى غير المتوقع، انتهى الطفل إلى الفوز بالشهادة مضمخا بدماء " قذيفة طائشة من طائرة العدو"، بعدما كان التباري على جائزة معنوية. الرؤية السردية: تعمدت تأخير محور الرؤية السردية أو ما يُتداول تحت عنوان التبئير، ليكون امتدادا للتوطئة، و التي زعمت فيها أن الكاتبة "ليلى مهيدرة" تنتصر لرؤية الإحساس بالقلب، حين تركز على المشاعر والانفعالات في حياة شخوصها، دون كبير اهتمام بمظاهرهم الخارجية من أسماء وصفات و هيآت، كأنها أعراض لا يمكن الاستئناس بالرؤية الحسية إليها، في فهم طبيعتها وخلفيات حركتها أفعالا وردود فعل، وقد يكون اتجاهها الوجداني في التعاطي مع مادتها الحدثية بعيون القلب. من بين سبعة وعشرين نصا ضمتها مجموعة " عيون القلب"، سنجد هيمنة حضور الساردة برؤية سردية من الداخل، تبدو فيها ماسكة كل خيوط السرد بضمير المتكلم، و ما جاء بلسان الغائب، سيعرف هو الآخر حضور الأنا ضمن سياقات الحوار خارجيا أو داخليا، وهو ما قد يرى فيه البعض، تراجعا عن التقدم الذي حققته الرؤية السردية من الخارج، بإمكانيات فنية مغايرة .
ليست زاوية الرؤية تقنية سردية لحكي القصة، فيقصد من ورائها التأثير على المروي له أو القارئ فحسب، كما يذهب كثير من النقاد الغربيين، بل هي قناة تعبيرية للذات عن وجودها وكينونتها، يجد المتلقي في الحكاية من خلالها صدى الكاتب السارد، سواء أعلن عن نفسه أو أناب عنه غيره.
لا أفهم لماذا وصف جينيت الرؤية التي يكون فيها السارد عليما بكل تفاصيل حكايته، بالتبئير الصفر أو اللا تبئير: و هو ما يعبر عنه بالسارد كلي المعرفة، علما بأن أرقى ما نسجه الإنسان من خطاب باللغة، إنما ظل مرتهنا في قوته التعبيرية بالذات وصدقها مع نفسها في المكاشفة والبوح، وأزعم أن تلك الرؤية من الداخل، إنما تحكمها رؤية للعالم تبحث لنفسها عن تمظهر كينونتها في السرد، بما يكونه السارد العليم بكل ما وقع و يقع، في أفق ما يمكن أن يقع.
إلا أن يكون القصد لديه، حاجة السرد الفني إلى الصدور عن سعة في التخيل، تتجاوز فيها الذات حضورها الواعي ، لتترك إمكانية انفلات اللاوعي، كي تجسده سرودها بعد التحرر من كل أشكال الرقابة الذاتية والموضوعية، فيصبح السارد في متوسط الأحوال مصاحبا بالرؤية مع، إن لم يجد سبيلا لتلك الرؤية المحايدة من الخارج، يعبر من خلالها شخوصه بكل حرية .
و في هذا السياق ، لا بأس من التذكير بما يلحق النص التقليدي أو حتى الرومانسي من إجحاف، حين يعتبر الراوي وهو المهيمن فيهما، في درجة الصفر من التبئير، فقط لأن الأحداث فيهما تنطلق من قوة حضور السارد من الداخل، حين يتولى توجيه المتلقي في اتجاه خاص من زاوية نظره الشخصية،ويتكفل بالتالي بالتحكم في مصائر شخوصه انطلاقا من تلك الرؤية للعالم بحمولتها الذهنية.
************
" عيون القلب " : قصص.
تأليف : ليلى مهيدرة
الطبعة الأولى يناير 2013[/align][/align]