عن كتاب الهداية إلى فرائض القلب لبحيي بن باقوذا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • إبراهيم عبد الله
    أديب وكاتب
    • 06-11-2008
    • 280

    عن كتاب الهداية إلى فرائض القلب لبحيي بن باقوذا


    Haut du formulaire





    مفهوم العلم الالهي عند بحي بن باقوذا
    من خلال كتاب الهداية إلى فرائض القلوب

    إبراهيم بن عبد الله بورشاشن

    إن الحديث عن كتاب الهداية لأبن باقوذا يقود حتما إلى الحديث عن أبي حامد الغزالي للتأثير البليغ الذي خلفه حجة الإسلام فيه، فالغزالي صبغ الثقافة الإسلامية بالصبغة الصوفية وكذلك فعل ابن باقوذا في الثقافة اليهودية. والغزالي كتب متنا يعكس سيرورته الفكرية وتجربته الروحية وذلك نفسُه ما يظهر لنا في هذا الكتاب الذي أراده صاحبه تثبيتا لتجربة علمية وروحية خاصة. والغزالي رجل ضليع في الثقافة الفلسفية لعصره وهذا الكتاب يعكس معرفة صاحبه بالثقافة الفلسفية وبخاصة المنطقية، وهو العلم الذي رفعه الغزالي إلى مستوى فرض العين لكل مثقف جاد.
    وفضلا عن تأثير كتاب الإحياء في نص ابن باقوذا كما أبرز ذلك فعلا محقق الكتاب الأستاذ أحمد شحلان، فإن الجهة التي أحب أن أدخل منها للكتاب هي جهة البحث في مفهوم العلم الإلهي عند مصنف الكتاب وهو يبرز كذلك هذا الأثر البليغ للغزالي في ابن باقوذا.
    لكن قبل ذلك أحب أن أقف وقفة سريعة عند استقبال أبي حامد في الأندلس وهو الاستقبال الذي تميز بمفارقات كثيرة خاصة في عهد المرابطين الذي كان عصر مؤلف كتاب الهداية.
    إذ إنه في الوقت الذي كان ابن باقوذا في الأندلس يعكف على كتب الغزالي يكرع من معينها نجد الغزالي وإحياءه يعانيان من سوء فهم في الجهة الإسلامية ويصب عليه وعلى مؤلفه جام الغضب بل سينتهي الأمر إلى إحراقه، حقا لقد شاع ذكر الغزالي في العالم الإسلامي، واختلف فيه الناس بين محب وقالي، بين منصف وجائر، بين مقبل عليه ومنصرف عنه، لكن الذي لا يختلف فيه أحد هو الأثر الجليل الذي تركه على ثقافتنا العربية الإسلامية وبخاصة في الأندلس رغم المقاومة العنيفة التي لقيها.
    فرغم المسافات الكبيرة التي كانت تفصل الأندلس عن المشرق وصل أثر الغزالي إلى الجزيرة وتحدثت الكتب القديمة عن ذلك بل مزجت هذا الأثر في بعض الأحيان ببعض من أسطورة.
    تميز حضور أبي حامد الغزلي في الأندلس بكثير من المفارقات، يذكر بقضية حضور الفلسفة في هذه الجزيرة، لكن سيكون مصير الغزالي أفضل من مصير الفلسفة على الأقل في الأندلس، حيث سيمتد تأثير أبي حامد ويتوغل في حين سيتقلص تأثير الفلسفة في الأندلس ويتراجع.
    كان حضور الغزالي صادما أولا الأمر وفي حياته، وقد تعددت الروايات عن هذه اللحظة الأولى التي كان فيها تلقي الغزالي في الغرب الإسلامي تلقيا سلبيا، اختطت فيه الحقيقة بالخيال والواقع بالأسطورة، من ذلك أنه كانت للغزالي مكاتبات ومراسلات بينه وبين يوسف بن تاشفين وقد أفتاه بوجوب ضم الأندلس وتأديب السلاطين الظالمين، وهذه الفتوى تحمل كثيرا من الحقيقة التاريخية.
    إن هذه المحبة التي كان يكنها الغزالي ليوسف بن تاشفين ستتحول إلى نقضيها عندما سيقدم ابنه علي على إحراق كتاب الإحياء.
    مهما قيل عن المسؤولية الكبرى للدولة المرابطية في تنفيذ قرار الإحراق، فلا ينبغي أن يغيب عن أذهاننا أن الغزالي قبل قدوم الموحدين، وهي الدولة التي ستحقق ضربا من الإجماع على حجة الإسلام، كانت تتقاذفه المواقف بين منصرف عنه ومتبع له، فإذا كانت الأندلس قد عرفت تيارا صوفيا سيحتفي بالغزالي في شخص ابن العريف وابن برجان، وكان أبو مدين في بجاية مقبلا على الإحياء، فإن كثيرا من المثقفين المشهود لهم كانوا يضربون صفحا عن أبي حامد، من أمثال ابن العربي والمازري والطوسي وابن باجة.
    لم تكن طائفة من العلماء راضية عن المسار الذي سلكه الغزالي في مسيرته العلمية، وسنجد من هؤلاء من كان قريبا من حجة الإسلام من مثل ابن العربي الذي روى أنه رأى الغزالي في البرية وفي يده عكازه وعليه مرقعة وعلى عاتقه ركوة بعد أن رآه من قبل في بغداد يحضر درسه أربعمائة عمامة من أكابر الناس وأفاضلهم يأخذون عنه العلم، فدنا منه أبو بكر وقال له :
    يا إمام أليس تدريس العلم ببغداد خير من هذا؟
    فنظر إليه الغزالي شزرا وقال له :"لما طلع بدر السعادة في سماء الإرادة، وجنحت شمس الوصول في مغارب الأفول
    تركت هوى ليلى وسعدى بمنزل
    وعدت إلى تصحيح أول منزل
    ونادت بي الأشواق :مهلا، فهذه
    منازل من تهوى، رويدك فانزل
    غزلت لهم غزلا رقيقا، فلم أجد
    لغزلي نساجا، فكسرت مغزلي
    وكان أبو بكر ابن العربي يفسر ما وقع للغزلي كأن عينا أصابته.
    وأبو بكر الطرطوشي الفقيه المالكي الأندلسي الذي استقبل إحياء علوم الدين استقبالا سيئا وهو وإن كان يذكر أنه لقي الغزالي فرآه "رجلا من أهلا العلم قد نهضت به فضائله واجتمع فيه العقل والفهم وممارسة العلوم طول زمانه فإنه يأخذ عليه انصرافه "عن طريق العلماء"حيث "دخل في غمار العمال ثم تصوف ودخل في علوم الخواطر وأرباب القلوب ووساوس الشيطان ثم شابها بآراء الفلاسفة ورموز الحلاج وجعل يطعن على الفقهاء والمتكلمين ..وكاد ينسلخ من الدين" ثم أنشأ الإحياء وتكلم فيه "في علوم الأحوال ومرامز الصوفية" "ثم شبكه بمذاهب الفلاسفة ومعاني رسائل إخوان الصفا" الذين يرون أن "النبوة مكتسبة" و" المعجزات حيل وتخاريق". ويأخذ الفقيه المالكي على الغزالي أنه شحن كتابه بالموضوعات حتى أصبح أكثر الكتب كذبا على الرسول الكريم.
    و المازري الذي ترك لنا بيانات عن متن الغزالي وشخصيته نستشف منها طبيعة الرؤية التي كان يحملها الفقيه المالكي للفقيه الشافعي، وقد كان سؤال أحد الأشخاص مناسبة للتعرف على موقف المازري الذي لم يكن في عمومه إلا موقفا سلبيا، خاصة أنه موقف أتى بعد إحراق الإحياء في قرطبة. ولعل من أسبابه موقفه هذا أن المازري لم يطلع على متن الغزالي وإنما استقى حكايات عنه ممن أسماهم تلامذة أبي حامد وأصحابه،حيث تجمع له من ذلك ما استطاع أن يكون به فكرة عن مذهب حجة الإسلام وسيرته ورفع هذه الفكرة إلى "مقام العيان" كما يقول، والقاضي عياض الذي اعتبر الغزالي ذا أنباء شنيعة وأن ظنون الأمة الإسلامية ساءت به ويأخذ عليه مغالاته في طريقة التصوف وتجرده لنصرة مذهبهم وتأليفه التآليف المشهورة فيه وما أخذ عليه فيها مما كان سببا في إحراق الإحياء سنة 450 للهجرة . وقد ذهب السبكي إلى أنه لما وقع الإحياء للغزالي للمغاربة لم يفهموه فحرقوه...ثم بعد ذلك أقبلوا عليه ومدحوه، لكن لم يفسر لنا كيف ذلك؟ لكن الذي نفهمه أنه ليس المغاربة الذين كان لهم موقف سلبي من الإحياء فالموقف كان غير مقتصر على المغاربة فضلا عن ذلك كما سنرى كان الإحياء مرجعا هاما للمدرسة الغزالية التي كان ابن العريف وابن برجان قطبيها الكبيرين. لكن لم أحرق الإحياء وكيف؟
    أولا لم يحرق الغزالي في المغرب بل أحرق في قرطبة ثم إنه ليس الفقهاء المغاربة من أفتوا بالإحراق بل القاضي ابن حميدين، ووافق علي بن يوسف على الفتوى وتم الإحراق. فالعملية في الأصل أندلسية قحة، ومع ذلك انبرى لهذه العملية القاضي وافتى بتغريم من اخرق الاحياء.
    في عهد المرابطين هذا وصلت مؤلفات الغزالي الأندلس قبل أن يولد بحي بن باقوذا بأكثر من عقدين من الزمن، وقد ساهمت هذه المؤلفات في ظهور مدرسة غزالية إسلامية تزعمها كل من ابن برجان وابن العريف وسيكون مصيرهما سيئا على يد علي بن يوسف لكن تأثير كتاباتهما سيستمر.
    وسيغترف ابن باقوذا من كتب أبي حامد التي وصلت الأندلس وبخاصة كتاب الإحياء الذي سيظهر أثره البارز في كتابه "الهداية إلى فرائض القلوب والتنبيه على لوازم الضمائر" الذي يبرز "سلطان التصوف الإسلامي على يهودية العصر الوسيط" كما يقول الأستاذ أحمد شحلان ناشر الكتاب، وقد أكد الأستاذ شحلان أن ابن باقوذا "أخذ الكثير من نصوص أبي حامد ...وخصوصا كتاب الإحياء"، وأقام مقابلة بين الكتابين ليبرز التشابه القوي بين كتاب الهداية والمجلد الثالث من كتاب الإحياء. فقد أراد ابن باقوذا "كما يقول الأستاذ شحلان "أن يضع كتابا شبيها بكتاب أبي حامد ...ولكن في مفهوم يهودي يستفيد منه بنو دينه وبالقدر الذي يجعله أول أنموذج في مؤلفات التصوف اليهودي، يمكن قبوله والنسج على منواله"[i]، ويضيف د.شحلان "أن هذه العناية المبكرة بالغزالي من قبل علم من أعمال يهود الأندلس ممن نظر في فرائض القلوب، هي التي ستجعل الغزالي ومؤلفاته، قبلة اليهود خلال تمرسهم بالنصوص العربية كما هي في الأندلس، أو لدى طوائف اليهود في شمال اسبانيا وجنوب فرنسا وإيطاليا، بعد خبو الوجود العربي في شبه الجزيرة الايبيرية حيث عنوا هم على مدى قرون بنقل التراث العربي الإسلامي إلى اللغة العربية ثم اللاتينية وحيث حظيت مؤلفات أبي حامد الغزالي بعناية خاصة فترجمت جل أعماله وشرح بعضها شروحا متعددة.

    2
    والغرض من هذا القول هو الوقوف عند هذا الكتاب لإبراز مفهوم العلم الإلهي عند بحي بن باقوذا وهو مفهوم كما سنرى له صلة بالحقل الدلالي لمعجم الغزالي إذا لم نقل إنه مفهوم مسافر.
    فنقول :

    يدخل كتاب الهداية إلى فرائض القلوب في إطار الكتب المخترعة والتي تحرص على إبداع قول غير مسبوق في سياقهما العلمي والثقافي، ذلك ما يحرص ابن باقوذا على التصريح به عندما يؤكد أن التقليد الديني اليهودي خال من هذا العلم الذي يبثه في كتابه. فما هو هذا العلم؟ وكيف يؤسس ابن باقوذا لشرعيته؟ وما هي أجزاءه الكبرى؟ وكيف يؤسس للعلم الإلهي داخل هذه الأجزاء؟ وما هي الخلاصات الكبرى التي يمكن استخلاصها من هذا الكتاب.
    يستند ابن باقوذا على التقليد الفلسفي مستلهما تقسيم العلم إلى أقسامه المعروفة في التقليد الأرسطي على الخصوص، مرتبا إياها الترتيب المشهور وبخاصة في التقليد الفلسفي الإسلامي جاعلا العلم الطبيعي وهو العلم الأدنى والعلم الرياضي وهو العلم الأوسط والعلم الإلهي وهو العلم الأعلى، لكن لما كان قصد ابن باقوذا خدمة الفكر الديني اليهودي فقد جعل العلمين الطبيعي والرياضي خاصين بمنافع الدنيا في حين جعل العلم الإلهي خاصا بمنافع الدين. وهو هنا يخرج عن التقليد الفلسفي الأرسطي ويستلهم التقليد الإسلامي الذي يمتاز بطابعه العملي، فإذا كانت العلوم : العلم الطبيعي والرياضي والإلهي، علوما نظرية فإنها ستطبع في التقليد الإسلامي بالطابع العملي، وهو ما سنلاحظه على الخصوص في تعريف الغزالي للعلم الإلهي.
    إن هذه الصلة الوثيقة بين العلم الإلهي وعلم الدين ورغبة ابن باقوذا في خدمة الفكر الديني اليهودي من أجل إصلاح الفكر اليهودي ستجعل يكتب كتابا يدرجه ضمن العلم الإلهي كما يقول ص 34.
    لكن ابن باقوذا في سياق تبريره لعمله هذا وتشديده على الجانب المخترع فيه يؤكد أن كتابه هذا يتناول علما لم يشتغل به في كتب الأوائل وهذا العلم يسميه "علم الباطن" و "علم فرائض القلوب"، فما علاقة العلم الإلهي بعلم فرائض القلوب؟
    إن العلم الإلهي في التقليد الفلسفي هو "العلم بالإله"، بل حتى التقليد الكلامي كان ينظر إلى العلم الإلهي علما بالإله، لكن كيف يكون العلم الإلهي علما للباطن؟
    إن ربط العلم الإلهي بعلم الباطن هو من خصوصية التقليد الفلسفي الإسلامي وبخاصة مع أبي حامد الغزالي الذي ربط بين العلم الإلهي والعلم اللدني، ولعل المعرفة العميقة لابن باقوذا بمتن الغزالي جعله يربط العلم الإلهي بالعلم بالباطن، وإن لم يفصله عن المعنى الأول كما نرى من حرصه على تحقيق معنى وجود الله ووحدانيته وهي من المباحث الكلامية الشهيرة.
    لقد حرص ابن باقوذا على التأسيس لهذا العلم الذي يعتبره جديدا على الفكر الديني اليهودي واهم حجة يقدمها بين يدي هذا التأسيس هو أن التراث اليهودي يعزف على وتر القلوب على اعتبار أن "أصول الأعمال المبتغى بها وجه الله عز وجل موضوعة على خلوص القلب وصفاء الضمائر ومتى فسدت النيات لم يتقبل الله الأعمال...". لكن مع هذا الأمر هناك إهمال كبير لهذه الأمور أي ما يسميها ابن باقوذا "فرائض القلوب" و"التقصير عن علمها وعملها.
    إن هذه المفارقة الكبرى بين الحضور والغياب هي التي نهضت بابن باقوذا إلى هذا التأليف، مع الحرص على التأسيس العقلي لهذا المنزع موظفا مفهومي : "المعقول" و"علل الشرائع" :
    يؤكد ابن باقوذا أن فرائض القلوب جملة، فروضها عقلية، وأنها سبب تمام وكمال فرائض الجوارح، لذا ففرائض القلوب أسبق وأقدم بالطبع لفرائض الجوارح وهي لازمة في كل مكان، والغريب أن ابن باقوذا يعتبر أن فرائض القلوب لا متناهية، وفرائض القلوب عنده منها نما هو مأمور به مثل "الأشياء التي تصح بالاعتقاد مثل التوحيد والإخلاص لله والتوكل عليه والاستسلام إليه والرضا بقضائه والإيمان بنبيه والتحقق بالشريعة والخوف من الله والحفظ للشرائع والتفكر في عجائبه والاعتبار لنعمه وكثير مثل ذلك مما يطول وصفه"، ومنها ما هو منهي عته "مثل الشرك بالله سرا والرياء وحب فعل ما نهي عن فعله وهو العجب والتكبر والزهو والاحتقار للناس والاستخفاف بالأنبياء والكلام الوارد من الله على ألسنتهم والبغضة في الخير وأهله والأنس بالأشرار والحسد والبغي وحب الشر والبلاء في الناس والتسخط على قضاء الله تعالى وكثير من ذلك" كما يقول لذا نجده يقوم بجملة أمور:
    1 ـ الأمر الأول يحصرها في أصول عشرة سيطوي داخلها، كما يقول، جميع فرائض القلوب وآداب النفوس وهي إخلاص التوحيد والاعتبار والطاعة لله والتوكل وإخلاص العمل والتواضع والتوبة ومحاسبة النفس والزهد والمحبة في الله.
    2 ـ الأمر الثاني أنه تحدث عن أهمية "علل الشرائع السمعية"، فالبحث إذن عن علل الشريعة مقصده الأساس وعلم فرائض القلوب يقدم هذه الإمكانية لتعليل الشريعة وجعلها معقولة المعنى وبالتالي يحرر الدين من التقليد لأن "علم الاستدلال مقدم عنده على علم الخبر والنقل".
    3 ـ الأمر الثالث تأكيده على أن الغرض من الكتاب أن يكشف عما هو مركوز في العقول الصافية من "أصول ديننا ...مكنون في نفوسنا من أقطاب شريعتنا" كما يقول
    4 ـ الأمر الرابع ربطه بين العلم الإلهي وعلم التوحيد وجعله التوحيد فرعا من جملة المعقولات.
    5 ـ الأمر الخامس تأكيده أن مقدمات العلم الإلهي تؤخذ من العلم الرياضي ومن البرهان وما يسميه هو بعلم الاستدلال المنطقي ويؤكد هنا أن من جهل هذه المقدمات أخطأه تمييز آثار حكمة الخالق في مخلوقاته وفي أمور جسمه. وهنا تأثير الغزالي أيضا واضح.
    بعد أن اقتنع ابن باقودا وأقنع بهذا العلم الجديد سينتقل إلى الكتابة فيه، وما يسترعي الانتباه هاهنا أنه سيكتب هذا الكتاب على جهة التذكرة لنفسه كما فعل من قبل ابن عبد البر وكما سيفعل من بعد ابن رشد الحفيد. إذ إنه بعد أن وقف على وجوب فرائض القلوب عقلا وشرعا سينتقل إلى مرحلة ثانية سمتها رياضة نفسه على هذا الفرائض علما وعملا، يعني أنه انتقل إلى ممارسة تجربة روحية، في هذه التجربة سيبدأ في "الكشف عن المعاني"، لكن هذه المعاني ستتابع وتكثر حتى يخشى عدم الضبط والنسيان، فيتحرك ليضبط أصولها ويحيط بفصولها وفروعها في مصنف، فالقصد من التأليف هو تثبيت هذه التجربة الروحية حتى يسهل عليه عرض عمله على قانون فرائض القلوب، فما وافق من عمله هذه القوانين حمد الله عليه وما خالف ذم نفسه، إذ كل تجربة روحية تتعدى الآخرين، لذا أراد ابن باقوذا أن يجعل كتابه هذا كما يقول "كلمة كلية باقية وكنزا مذخرا وسراجا يتنفع به الآخرون"
    لكن ما هي أجزاء هذا العلم؟
    أراد أن باقوذا أن يجعل هذا العلم عشرة أصول كما أسلفنا ، تبدأ بالتوحيد وتنتهي بالمحبة مرورا بالاعتبار والطاعة والتوكل والإخلاص والتواضع والاستغفار والمحاسبة والزهد.
    والجدير بالذكر حرص ابن باقوذا على تراتبية هذه الأصول ترتيبا منطقيا بحيث يؤدي الأصل الأول إلى الثاني والثاني إلى الثالث وهكذا حتى نصل إلى آخر أصل.
    ولذا قسم كتابه إلى عشرة أبواب في كل باب أصل واحد واستعمل كما يقول البراهين الإقناعية التي تسكن النفس إليها مبتعدا عن البراهين المنطقية إلا في الباب الأول مؤثرا تقريب الأدلة بالمثالات على عادة الفلاسفة المسلمين وكذا بالنقل المتنوع
    لكن كيف يؤسس ابن باقوذا للعلم الإلهي من خلال هذه الأصول العشرة؟
    يشكل البحث في الذات الإلهية أول موضوع في العلم الإلهي عند ابن باقوذا، لكن القصد الأول عنده هو جلاء مفهوم الإخلاص باعتباره مفهوما قلبيا خالصا، والتوحيد يتأسس عنده على البراهين المنطقية التي من جهلها ضل في البحث لكن لا توحيد دون إخلاص، والإخلاص كما يعرفه ابن باقوذا "تساوي القلب واللسان في التوحيد لله بعد الاستدلال عليه ومعرفة وجوه وحدانيته بطريق النظر" وهذا ما سيصنعه ابن باقوذا طول الكتاب مما جعلنا نخرج بخلاصة أن العلم الإلهي هو مزيج من الكلام والتصوف، العلم الإلهي مزيج من البحث في الذات الإلهية وأخلاق النفوس وربط هذه الأخلاق بالإيمان المطلق والخضوع لله تعالى والإخلاص له الذي هو ركن الدين الأساس. وقد قدم ابن باقوذا الحديث عن الإخلاص على سائر أبواب كتاب الهداية لأسبقية الروحاني على الجسماني أو بعبارة أخرى أسبقية الباطن على الظاهر، وتأسيس الظاهر على الباطن. فعلم الباطن عند ابن باقوذا هو "عواقد جميع الفرائض ومتى دخلها الفساد لم يصح فرض من فرائض الجوارح"، فأساس فرائض الجوراح هي فرائض القلوب فبها يتحقق التمام والكمال. بعد الإخلاص يأتي الاعتبار وهو "التفهم لآثار حكمة الله في المخلوقين وتقديرها حسب قوة تمييز المعتبر" كما يقول مبرزا أن الاعتبار يلزم بالمعقول وبالمنقول مقدما على ذلك شواهد العقل والسمع، والجدير بالذكر أن الحديث عن الاعتبار هو حديث بالدرجة الأولى عن فعل العقل في الموجودات من اجل إدراك حكمة الخالق في خلقه. ثم ينتقل إلى وجوب الطاعة فيشرح "وجوه النعم وواجبات شكرها من العباد بعضهم لبعض ليرتقي من ذلك إلى ما يلزم الإنسان للخالق من الشكر والحمد على عظيم فضله وجزيل إحسانه"، ثم ينتقل إلى التوكل مبرزا منفعته في الدين والدنيا معرفا به وبأسبابه ووجوبه ومفسداته لينتقل إلى الحديث عن إخلاص العمل لله وحده مبرزا أهميته في "صفو الضمائر ونقاء القلوب من التخليط المفسد لها" مفصلا القول فيه من خلال ستة معان، لينتقل إلى التواضع فيتحدث عنه في مقدمة وعشرة فصول لأهميته عنده باعتباره أصل العبودية وبه ينفصل المرء عن الربوبية، ثم ينتقل للحديث عن التوبة فمادام التقصير لا زم للإنسان عقلا ونقلا فهو محتاج كما يقول "إلى زمام شريعة وثقاف سياسة" مقدما نصوصا نقلية لتجلية ذلك، ثم يشرح التوبة ويعرض أقسامهما والأسباب الموجبة لها وشروطها ومفسداتها ومباحث أخرى لينتقل إلى محاسبة النفس لما في ذلك كما يقول من ضروب التنبيه لها لما فيه صلاحها في الدارين، ثم يقدم على شرحها وبيان درجاتها ووجوهها وفائدتها وأهمية لزومها لينتقل بعد ذلك إلى الزهد يشرح معناه في سبعة معان ليتنقل إلى صدق المحبة لله لأنها "غاية المراتب ونهاية المنازل في درجات أهل الطاعة" كما يقول، يلقف عند المحبة مجليا لها في سبعة معان منها محبة الله وعلى كم وجه تكون وكيف السبيل إليها وهل هي في طاقة الإنسان ام لا ؟ وفي وجوه مفسداتها وفي دلائلها وفي سير المحبين في الله لينتهي الكتاب بملحق فيه أبيات عشرة تلخص أبواب الكتاب مع ابتهالات؟

    خلاصة وملاحظات
    إن كتاب الهداية هو كتاب في العلم العملي، فكاتبه يصرح أنه "قصد فيه قصد العمل"، فهو إذا يخرج من إطار العلم النظري، لكن من المعروف أن العلم الإلهي هو في التقليد الفلسفي والكلامي هو علم نظري خالص لكنه سيصبح عند ابن باقوذا علما عمليا، فمعرفة المعاني الروحانية التي تشكل لب علم الباطن الذي هو الوجه الحقيقي لعلم فرائض القلوب الذي يطابق ابن باقوذا بينه وبين العلم الإلهي، إن هذه المعاني الروحية يشدد ابن باقوذا على وجوب العمل بها. وسيعتمد التقريب من أجل تعميمها ويجري في كتابه مجرى التعليم.
    وسننهي هذا العرض بجملة ملاحظات :
    أولها وكما لا حظ الأستاذ شحلان أن روح الكتاب هي روح عربية إسلامية لكن في حلة أخرى.
    ثانيهما، وهي تدعم الأولى أن حضور مفهوم الاعتبار في النص له دلالة كبيرة على حضور الروح الإسلامية وذلك أن هذا المفهوم هو في الأصل مفهوم قرآني، سيوظف في الثقافة الإسلامية في الأندلس على الخصوص توظيفات مختلفة، قبل ابن باقوذا مع ابن مسرة في "رسالة الاعتبار" وبعد ابن باقوذا في فصل المقال لابن رشد وفي ابن عربي.
    ثالثا، توظيف ابن باقوذا لمفهومي التناهي واللاتناهي الذي أسس عليه المسلمون مفهوم الاجتهاد عندما أكدوا أن النصوص متناهية لكن الوقائع لا متناهية لذا وجب الاجتهاد لتكون للوقائع المتجددة أحكاما وذلك من خلال آليات الاجتهاد المعروفة في الفقه، وكثيرا ما نجد ابن باقوذا يؤكد على هذين المفهومين، فمرة يقول إن فرائض الجوارح متناهية أما فرائض القلوب فلا متناهية ومرة أخرى يؤكد ان فرائض الشريعة متناهية العدد محصورة بل ويجعلها 113 مائة وثلاث عشرة وصية أما الفرائض العقلية فلا تتناهى لأن في كل يوم يزداد الإنسان بصيرة كما يقول، والغرض من ذلك وضع قوانين لحصر المتناهي، وهو تقليد في الثقافة الإسلامية الأصولية.
    رابعا، رغم أن ابن باقوذا لا يقول باستقلالية العقل عن التشريع إلا أننا نلمس نفحة اعتزالية عند قوله بأسبقية العقل على السمع في بعض صفحات الكتاب وقوله بالتحسين والتقبيح العقليين، فالطاعة عنده تلزم ألا بطريق العقل ثم بطريق السمع، اما العلاقة بينهما فهو أنه لما كان التنبيه المركوز في النفس يضعف وجب تقويته بالتنبيه الشرعي، فضلا عن ذلك فما يكون بالعقل يكون أصفى مما يكون بالشريعة، فالطاعة مثلا التي تكون عن تنبيه الشريعة يكون فيها الإخلاص ويكون فيها الرياء أيضا، لأن أصلها موضوع على الرهبة والرغبة أما الطاعة التي تكون بالعقل فلا رياء فيها أصلا لأنها "تكون عن علم واستبصار"، لكن ومع هذا الاحتفاء بالعقل عند ابن باقوذا فهو يعتبر التنبيه عن طريق الشريعة هو الأساس، لأن العقل يهتدي بالشريعة، لكن التنبيه عن طريق العقل هو أقرب إلى الله وأحظى كما يقول. فضلا عن ذلك فالعاقل من وزن أعماله واعتبرها بحسن تفكيره وقوة تمييزه فيختار فعل الحسن ويترك القبيح. نفحة اعتزالية قوية تخترق الكتاب وتظهر في هذا الحوار الطريف بين العقل والنفس والذي يستغرق من ص 145 إلى ص167 والذي يرشد فيها العقل النفس إلى سبيل نجاتها.
    خامسا، أن الأدلة التي قدمها ابن باقوذا على وجود الله تذكرنا بدليلي العناية والاختراع اللذين قدمهما ابن رشد في كتابه مناهج الأدلة للتدليل على وجود الله مما يطرح فرضية إمكانية تأثير ابن باقوذا في فيلسوف قرطبة خاصة أن ابن رشد كان قريبا من حلقات اليهود حتى نسبه خصومه إليهم عندما نفوه إلى أليسانة، وهذه الملاحظة قد تقودنا إلى فرضية تزعم أن قد كان لهذا الكتاب تأثير على الثقافة الفلسفية الإسلام مما يؤكد قانون التأثير والتأثير الذي هو قانون إنساني وطبيعي.
    وبعد، فقد أحسن الأستاذ الجليل أحمد شحلان صنعا بإخراجه هذا الكتاب والشكر موصول له على هذا الاعتناء بالثقافة اليهودية في الأندلس والتي ستساعد على فهم ما جرى في الأوساط الثقافة اليهودية وتسليط الضوء على علاقات التأثير والتأثر المتبادلة في المجتمع العلمي في الأندلس و نأمل أن يعمل على إخراج كتاب تلخيص الأخلاق لابن رشد والذي سيحدث من التأثير في الدراسات الرشدية المعاصرة ما أحدثه الكتاب الموسوم بالضروري في السياسية الذي كان حدثا ثقافيا مهما في سنة الاحتفال بالذكرى الثمانمائة لوفاة ابن رشد.








    [i][i][i][i][i][i] الهداية إلى فرائض القلوب : ابن باقوذا نشرة أحمد شحلان، دار اقرأ للطباعة والنشر الطبعة الاولى 2010 10ــ11
يعمل...
X