إعلامنا .. سياحة معرفية على شواطئ الفوضى

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د نزار نبيل الحرباوي
    أديب وكاتب
    • 16-08-2014
    • 76

    إعلامنا .. سياحة معرفية على شواطئ الفوضى

    إعلامنا .. سياحة معرفية على شواطئ الفوضى
    [IMG]file:///C:/DOCUME~1/renk/LOCALS~1/Temp/msohtmlclip1/01/clip_image002.jpg[/IMG]
    د. نزار نبيل الحرباوي
    مستشار إعلامي وإداري – اسطنبول

    بعين ثاقبة يتابع المواطن العربي على مدار ساعات ما تبثه وسائل الإعلام المنوعة من برامج وأخبار ، ومضامين معرفية وتثقيفية وتنموية للإنسان وفق رؤية كل مؤسسة إعلامية لمعنى وشكل الثقافة المرادة لديها وفق مرتكزاتها ومنطلقاتها الخاصة .

    متابعة حثيثة لوسائل الإعلام ، وسائل باتت تسد الأفق بعددها وأسمائها ، ولكل وسيلة جمهورها – قل أو كثر – تحاول جاهدة توسيع دائرة مستهدفيها والتأثير في شرائح واسعة من الناس بما تقدمه من محفزات ومشوقات للبرامج والموضوعات التي تتطرق لها ، ولو سألت القائمين عليها لغرقت في بحار ردود ونظريات وأطروحات يحاول من خلالها تصوير المؤسسة الإعلامية التي يشرف عليها أو يديرها أو يعمل فيها بأنها خمائل المصداقية ، وواحات الموضوعية ، ورياض حرية التعبير والتفكير ، ليجمل صورتها ، وليؤكد لك أن لديهم نظرة استراتيجية ورؤية ورسالة وأهدافاً وما إلى ذلك من منطلقات العمل الإداري العصري الناضج .

    لنبدأ إذا ,,

    لنبدأ بسؤال واضح وصريح ، إن كنا نملك كل وسائل التأثير هذه بأسمائها ومجالات انتشارها ، فلماذا لا يتحقق نمط التغيير الثقافي على المستوى الفردي والجمعي الذي هو مسطور ومكتوب في كل أدبيات ولوائح هذه المؤسسات الإعلامية ؟

    الخطوة على الرمال تترك بصمتها ، ويمكن لك تتبع المسار من خلال تتبع الخطوات ، هل يمكن لنا يا ترى أن نتحدث عن أمر مماثل في واقع عالمنا العربي إعلامياً ؟

    برأيي ، لقد فقدنا بوصلة التوجيه فعلياً ، وانحرفت مسارات العمل لدينا بصورة تجعل منا كالطفل الصغير الجاهل الذي يحاول أن يلعب لعبة :( لنفقأ عيوننا بأيدينا ) ، فما يجري اليوم من دراسات للخريطة البرامجية للقنوات الفضائية ووسائل الإعلام المقروء والمسموع والمرئي ، ينبئ بما لا يدع مجالاً للشك أننا بتنا أسرى رأس المال، وأسرى القرارات السياسية التي تتبع لها هذه الجهات ، أسرى لا نملك أن نفك أنفسنا من قيود وأغلال لا تترك لنا مجالاً للتنفس إلا بما يهوى هذا الطرف أو ذاك .

    معلوم هنا أن أول معايير المهنية الإعلامية هو المصداقية والموضوعية ، ولعل هذا المعيار أو ذاك ، بات شعاراً منطوقاً للعديد من المؤسسات الإعلامية تصدح به صباحا ومساء ، ولكن ، أين هي الموضوعية والحيادية والعقلانية والتجرد ونقل الحقائق مما يجري اليوم .

    الملف السوري أو المصري أو الفلسطيني او اللبناني أو العراقي ، أو غيرها من الملفات ، بات أضحوكة علمية وعملية ، من يتابع وسائل الإعلام العربية العاملة في تغطية الأحداث هناك ، يمكن له أن يحلل ما يقال اليوم وما سيقال غدا في كل وسيلة إعلامية ، فالدولة الفلانية أو الجهة الفلانية أو أنصار التيار الفلاني معروف توجههم ، وصحفهم وإعلامهم ونشرياتهم وفضائياتهم ستتحدث بكذا وكذا ... والمؤسسات التابعة للدولة الفلانية ستتحدث بكذا وكذا ، وهكذا دواليك !!

    إن من أولى الأولويات علينا كعاملين في البيئة الإعلامية أن نتفرغ لدراسة واقعنا وتطويره ، وبرغم مئات المؤتمرات الدولية وورشات العمل والدورات التأهيلية ومشروعات ترسيم الخطط المشتركة ، إلا أن كل مؤسسة لديها رؤيتها الفردية ونظرتها للحدث وأسلوبها في تسويق معلوماتها ، وهي غير مستعدة لأن تبني أي جسر من التلاقي مع غيرها لا معرفيا ولا تنسيقياً بالمفهوم الشمولي .

    هذا معناه بالضرورة وجود تنوع فوضوي في طرح الأفكار والتدليل عليها ، وعصف ذهني غير مدروس بالعقل العربي ، يسمع من هذه المؤسسة الإعلامية تحليلاً ، فإذا انتقل إلى غيرها سمع تحليلاً مغايراً تماماً ، وإذا تحرك للثالثة رأى العجب العجاب ، وكل مؤسسة إعلامية تمدح ما لديها وتنتقص مما لدى الآخر .

    الحصيلة المعرفية في نهاية الأمر ، أن المواطن العربي يراد تجهيله من خلال الإعلام لا بناؤه ، يراد له أن يدخل من باب التيه نحو صحراء تحليلات لا تبنى فهماً ولا تصنع رؤية.

    علينا أن لا ننسى هنا أن إعلامنا العربي لا يمكن له أن يخاطب المواطن الغربي ، ولا يسمح له ذلك لئلا يؤثر فيه ، فالحرب الإعلامية وحرب الأفكار وسياحة الفوضى المعرفية رهينة بالجغرافيا العربية ، والمطلوب ، أن يحدث صراع فكري عاصف بين المؤسسات الإعلامية ووسائل التأثير لتنشئ جيلاً من الناشئة والشباب لا يؤمن بقيمة واضحة ، ويتوزع اهتمامه ما بين السياسة الجوفاء أو الترفيه الذي يجذبه نحو مسارات لا تخدم تطلعات هويته وثقافته الدينية والثقافية والمعرفية والحضارية ، ليصبح كالتمثال الأجوف المفرغ من كل المضامين .

    التوجيهات الصادرة من وزارات الإعلام ، أو الاتحادات أو المؤسسات الإعلامية الحاضنة ، تبث للقطاع الإعلامي والعاملين فيه نظريات عامة ، وتحاول خداع نفسها – على ما يبدو- بأنها تقوم بدورها .

    ولكن الحقيقة أن هذه الاتحادات باتت منابر تأثير سلبي بحد ذاتها ، فلا هي وحّدت الرأي الإعلامي على صيغة جامعة لبناء الفرد في بيئتنا العربية والإسلامية بشكل تراكمي سليم ، ولا هي أوجدت الإعلامي الحر القادر على صناعة إعلام واعٍ مؤثر إيجاباً في تكوين المجتمع والفرد .

    أرى أن البداية تكون بثورة إعلامية ..
    ثورة من العاملين في قطاع الإعلام ، بأن نقف سوياً على شواطئ السياحة الفوضوية ، أمام اتحادات ومؤسسات ومجاميع العمل الصحافي والإعلامي ، وأن نطالب بسقوط الرؤساء والعاملين وموظفي النظافة العاملين في هذه المؤسسات ، لأن التغيير يحتاج إلى مظلة فكرية ثقافية جامعة ، والتغيير الإعلامي نحو البناء والرفعة لا ولن يكتب له النجاح في ظل موت هذه المجاميع ، وغرقها في بناء نظريات ومؤتمرات وفعاليات هامشية لا تمس أصل المشكلة ولا تعالج أسّ الداء .
يعمل...
X