فاقة تتعاظم وشعور يندثر
رواية
صبيحة شبر
اهداء
الى كل العاملين من اجل حياة أفضل ، والذين لا تثنيهم الصعاب ولا تتغلب عليهم الهزائم ، بل يعاودون الطريق الى ما يحقق لهم الآمال
(1)
لم تكوني تتوقعين انك يوما ستحتاحين الى معوناتهم ، كافحت كثيرا من اجل عائلتك ، كدحت وضحيت واشتغلت النهار كله لتطمئن نفوسهم ، وترتاح قلوبهم ، وانت تتقلبين على جمر التعب ، وأشواك المشاق الكثيرة ، كل المهام كانت تلقى على عاتقك ، وكأنك الأم الأولى في التاريخ ، تقومين بجهد الاب والام معا وكأن كل الدنيا ومشقاتها وعقباتها ألقيت على كاهلك ، قدمت كثيرا واشتغلت طويلا ، هل كان يخطر ببالك انك سوف تجدين بعض الامور التي لم تحسبي انها سوف تكون صعبة عليك ، كل شيء اصبح عسير المنال بعد ان فقدت العمل ، وذهبت كل جهودك ادراج الرياح ، شهادة الفقر لايمنحونها لك وانت ابنة البلد الذي يبيض ذهبا ، فكيف تشبعين حاجات اسرتك الى المواد الضرورية وقد سدت بوجهك ابواب العمل؟
هل كان يخطر في بالك انك تحتاجين الى بعض المواد ؟يلقونها عليك كل شهرين كما يعطون للمتسولين الذين لم يجربوا العمل ، وتقاعسوا عن كل جهد / استهوتهم حياة الدعة والخمول ، كيف يمكن ان تعرفي وكنت السيدة الحريصة على توفير كل شيء لأسرتها الحبيبة ؟ أليس العمل اساس الحياة ؟ كيف يمكن ان تعيشي وقد فقدت العمل ، وكلهم يطلبون منك ان تسدي حاجاتهم وكأنك ما زلت في عملك ، الم يعرفوا مصابك ؟ ام يتجاهلون ما حل بك ، فانت البقرة الحلوب التي تطعمهم دائما ولا يجف في ضرعها الحليب ، تركوك تنتظرين طويلا ، ذهبت الى احدهم :
- اين الأخ محمد ؟
- خرج
- هل سيعود هذا اليوم ؟
- لا
- هل انتظره ؟ ام اعود من حيث أتيت ؟
- تعالي بعد أسبوع
يمر عليك الأسبوع بطيئا متثاقلا ، ماذا ستفعلين ؟ والى من تتوجهين ؟ وقد سدت بوجهك الأبواب ؟ تقررين مرارا الا تعودي اليهم ، ولكن ما باليد حيلة ، تحتاجين الى الأشياء الصغيرة التي يمنون بها عليك
رغم بعد المسافة تخرجين حزينة ، لقد منوا عليك بأشياء بسيطة جدا ، وعليك ان تأتي في يوم آخر ، لتطول معاناتك طويلا
تعودين ادراجك حزينة الى متى تستمر معاناتك ؟ لماذا تظل المدرسة مغلقة طوال هذه الفترة ؟ وكنتم كلكم تتمنون فتحها ، و لماذا لم يقف احد بجانبكم يشد أزركم في بلاد الغربة ، ويضمد جراح النفس الغائرة في الاعماق ؟
تنتظرين حافلة النقل العام ، تأتي بعد انتظار طويل ، تتكدسين مع الواقفين ، كل حركة عنيفة تكاد تسقطك على الأرض ، هل انت ريشة في مهب الرياح ؟ ماذا فعلت بك الايام ؟ ولماذا يبدو عليك الضعف رغم كل محاولاتك لانهاء شعور الهزيمة في أعماقك ، انت قوية رغم كل مظاهر التراجع في وضعك ، هنا لااحد يقف بجانبك ، اهلك فقط وقفوا بجانبكم كالعهد بهم دائما ، يتضامنون معك معنويا ويقدمون المساعدة المالية في وقت انت بأمس الحاجة الى المعونات .
تمسكين بمقبض الحافلة بكل قوتك ، خوفا من السقوط ، ماذا يحدث لو سقطت هنا ، وتكسرت اطرافك ؟ كما حدث تلك المرة ، نزلت من السلم في ظلام الليل وانت فرحة ، لم تعرفي ان الدرجة الاخيرة مكسورة ، فسقطت وتكسرت قدمك اليمنى ، ظننت ان الامر سهل ، فعدت مشيا الى منزلك وانت في طريق العودة عرجت على محلات كريمات صيانة الوجه فاشتريت بعض الكريمات الواقية ، لكنك في اليوم التالي راجعت الطبيب الذي اخبرك بضرورة تجبير القدم المكسورة ، كان وضعك المالي جيدا تلك الأيام ، واستطعت معالجة نفسك ، ولكن ماذا يمكنك ان تفعلي ان حدث نفس الشيء في هذه الايام التي وجدت نفسك بلا عمل ، وبحاجة الى كل سنتيم ، ويجب ان تفكري كثيرا قبل ان تضطرك الظروف الى شراء بعض الحاجات الضرورية
يخلو مقعد قريب منك ، تسارعين الى الجلوس ، للتمتع ببعض الراحة ، فالوقوف لفترات طويلة يتعب بدنك والقلب كما قال الطبيب ، تجدين امرأة مسنة تظهر عليها علامات الانهاك ، تتخلين لها عن مقعدك الذي تنازلوا لك عنه اخيرا :
- تفضلي سيدتي ، اجلسي في مكاني
تذهب السيدة للجلوس ، وتظلين واقفة حتى منطقة الوصول ، تنزلين من الحافلة وتتوجهين الى منزلك سيرا على الأقدام ، فالتمشي مناسب لك ومفيد ، كما نصحك الطبيب
(2)
ماذا يمكن ان تفعلي مع الايام الصعبة التي وجدت نفسك تحترقين في أتونها ، لم يبال احد بهمومك ،ولم يكلف نفسه عناء السؤال عن وضع الاسرة ، عليك ان تتكلفي بكل الامور ، وان توفري كل ما يحتاجه الأولاد من حاجات وان تشتري الطعام والشراب والدواء واللباس وما تطلبه الحياة من لوازم، وانت صامتة ، وكأنك قد سطوت على احد المصارف لتوفري ما يلزمك من نقود ، الحياة غالية وانت وحدك ، هل انت المسؤولة عن ادامة الراحة والسعادة ؟ ، هل انت بمفردك ومن يجب عليك الكفاح ، وكأنك ما زلت تعملين ، خرجتم جميعكم من العمل ، لماذا تظل معاناتك قائمة ؟ من يمكن ان يقف بجانبك ؟ ، لمن يمكن ان تتوجهي وانت الغريبة ؟ تهرعين الى السيدة ( حنان) علها تعينك في العثور على عمل ، تتساءل باستغراب :
- لكنك في وقت تحتاجين به الى الراحة
- لايهم ، اريد عملا
- هل تقومين بالتعليم في مدرسة خاصة ؟
توافقين على اقتراحها ، حب العمل والاخلاص به ، من صفاتك ، تذهبين الى عملك الجديد اياما قليلة :
- آسفة سيدتي ، لايمكن الاستعانة بمهارتك ، لقد شارفت على الستين
- احب العمل
- القانون يمنع ، هل يمكنك العمل دون ان اصرح بك؟
تخرجين من المدرسة، وانت تتقلبين على نيران العوز والفاقة ، الى متى تستمر معاناتك ؟ ومتى يدركون ان البقرة الحلوب اصبحت كهلة ولم تعد قادرة على اعطاء الحليب الوفير كما كانت في السنين الماضية وان كل انسان له قدرة محدودة على العطاء ، فمتى تستمرين على ان تلعبي دور ك وأدوار الآخرين بنكران ذات قد يودي بك؟ وانت تتطلعين الى ما يلبي حاجات الانسان والمرأة في داخلك ؟ وتمر بك الأيام وقلبك مدمى ونفسك جريحة وحاجاتك بلا اشباع ، من يعينك على نوائب الدهر وويلات الزمان ؟
أبوك الذي كان يمدك بكل انواع المعونات قد انتقل الى الرفيق الأعلى بعد عناء شديد ومصارعة للمرض ، وأخوك ساعدك مرارا ، وآن له ان يستريح ، وأختك تباعد بينك وبينها المسافات البعيدة ، وانت حائرة ، تتقلبين على نار المعاناة وانت الغريبة ، لا وطن ولا صاحب ولا حبيب ، يقف بجانبك ، ليخفف عنك ألم المتاعب ، وسهاد الفاقة وأشواك قاسية تدمي الفؤاد وتشعل القلب شيبا وتترك المرء عاجزا عن الشعور بفرح الحياة ، كيف يمكنك ان تلبي دافع السرور وقد ابتعد عنك الخلان والأصحاب؟ ابتسامته تطل عليك ومن بعيد تنعش نفسك التواقة الى امل يبدد دياجير الظلام
(3)
كنت تظنين ان الزمن القديم ، حيث تتزوج النساء دون ان يعرف عنهن الرجل شيئا ، ودون ان يعرفن هن عمن يقدمن على الزواج منه اية معلومة، يمكن ان تجعل الحياة الزوجية سهلة ، يستطيع كلا الزوجين ان يعرف ردود افعال الطرف الآخر ، قبل ان يقوم بالعمل ، فيتجنب مزالق الطريق والاعمال التي من شأنها اثارة النقمة واشعال نار الغضب ، ظننت ان كل امريء قادر على اختيار شريك الحياة ، فمن شاء حظه الجميل ان يسعد تحققت له السعادة ، ومن رأى سوء طالعه ان يشقى كانت له ايام التعاسة مترعة بكؤوس الحزن والمرارة حتى الثمالة ، ولكن ما رأيته من ام حسين اثار استغرابك الشديد ، وتساءلت فيما بينك وبين نفسك في أي عصر نعيش ؟ هل عدنا الى عصور الحريم ، حين كانت امهات العرسان يقلبن الفتاة ،ليعرفن ماهو الاصيل بها وما هو الشيء المستعار ، وهل وضعت الباروكة على رأسها ام ان شعرها الطويل المنسدل ملكها الشخصي ولم تستعر شعرا اصطناعيا ، وهل ان رموشها الطويلة الجميلة اشترتها او طلبتها من احدى الصديقات ام ان الله قد اكرمها برموش رائعة تثير الاعجاب ، وهل ان الصدر الناهد خلقه الله ام ان السوتيان محشو بالقطن كما تقعل بعض الفتيات ممن يعانين من ضآلة الصدر وذبوله ، تراءى لك ان ايامك الحالية اختلفت عن الايام السوداء تلك ، واذا بك تكتشفين انك كنت واهمة بشكل كبير ، اتصلت ام حسين لتبين لك ان احد اخوة صديقتها المقربة قد عاد من اوربا ويريد ان يتزوج بفتاة لم تتطلع بعد الى حياة العصرنة والتقدم وانها ما زالت تتمنى ان تحظى برجل يوفر لها حياة الستر دون تمتع بما تحب وتهوى ، فكرت ام حسين بابنة صديقتك المثقفة ان تكون الزوجة الصالحة للرجل الاوربي القادم من مدريد
طلبت منك ان توجهي لها دعوة لتتحدث مع ابنة صديقتك سميرة للتعرف عليها عن كثب ولتعرف كيف تفكر البنات المثقفات الحاصلات على ارقى الشهادات العلمية ؟وما هي الاحلام التي تداعب خيالهن حول الزواج واي رجل تريد الواحدة منهن ، استشرت صديقتك فوافقت على لقاء بين ابنتها والرجل المتجنس بالجنسية الأوربية وما زال يفكر بعقلية الرجل المتخلف في قرون ما قبل التحضر ، وحين اقترحت صديقتك فكرة اللقاء كانت الابنة المثقفة مستاءة كثيرا ، كيف يمكن وهي تحمل الماجستير ان تتزوج برجل لا تعرف عنه شيئا ، سوى انه قادم من بلاد تحترم بها النساء ورغم استياء سمير ة فقد وافقت على اللقاء بمضض ، طرحت عليها أم حسين عدة اسئلة اثارت الاستياء والنقمة لكنها طلبت ان يكون لقاؤها بالأوربي في اليوم التالي
توافق ام حسين على ان يكون اللقاء في اليوم التالي ، تذهبين مع ابنة صديقتك سميرة وام حسين والرجل الراغب بالزواج مع احد اصدقائه الى احد المقاهي لتتاح الفرصة كي يتعرف كلاهما على الاخر ، أنتم تتحدثون طوال الجلسة عن امور عديدة تخص العراق والمغرب ، يظل الفتى والفتاة صامتين ، وحين تنتهي الجلسة تسارع ام حسين :
- كيف رأت سميرة العريس ؟
- وهل استطاعت الفتاة ان ترى ؟ هي لم تتكلم ، والعريس لم يفتح فاه
- وهل تريد هذه الفتاة رجلا متحررا ؟
- وكيف لا تريد رجلا ،نظرته الى العالم تقدمية ؟ وانا تطلعت الى ذلك حين كنت في مثل عمرها
ترفض سميرة ان تستمر في هذه اللعبة ، التي تجدين اغلب الناس يحبذونها ، رغم دعاوى التقدم والمساواة وتقول :
- كيف يمكن للجلسة واحدة ان تعرفني بإنسان آخر يريد الزواج مني ؟
-
توافقين سميرة على رأيها ، فالجلسة الواحدة لايمكن ان تعطي فكرة كاملة وكم من اشخاص ارتبطوا ببعضهم بعد قصة حب طويلة ، واذا بزواجهم يفشل لانهم لم يتعرفوا الى الاخر معرفة كاملة تنجي من فشل الزواج ، وكانت العواطف وتأججها عاجزة عن الوصول لتحقيق السعادة المبتغاة ، فكيف يمكن ان ينتظروا من فتاة مثقفة مثل سميرة ان توافق على الارتباط برجل لاتعرف عنه شيئا وهي االناجحة في الدراسة والمحبة لعلم النفس والفلسفة والفنون ، تتصل بك أم حسين :
- ما رأي سميرة ؟ وهل تحب الارتباط بالرجل المتقدم لخطبتها ؟
- لا أظن انها ستوافق ، هناك فروق كبيرة بين الشخصيتين ، ولا يمكن لزواج ان يتحقق بنجاح دون اتفاق طرفيه على عدة امور جوهرية ، ليست متوفرة في الحالة التي امامنا الآن
تواصل أم حسين قائلة :
- اتصل بي محمود حسين وطلب مني ان اساعده في الحصول على فتاة مغربية ليتزوجها ، اخبرته انني لايمكن ان اقوم بدور الخاطبة ، وان على كلا الجنسين ان يقوما باختيار الآخر دون تدخل من احد ، فمهما نصح الناصحون ، فان لكل منا رأيه الخاص ، ومن المستحيل ان نتشابه في العواطف كما نتشابه بالأفكار ، لكل منا موقفه الخاص من مختلف القضايا، وفي امور الحب والزواج لايمكن ان نرى رأيا يجمع عليه الآخرون، قال لي:
- انك مثالية ، لاتعيشين في الواقع ، هل جنيت من قصص الحب شيئا ؟
- وماذا يمكن ان اجني ، اريد الشعور الجميل ، واحساسنا اننا لسنا وحيدين بالعالم
- وهل كل المتزوجين عن حب لايشعرون بالغربة ؟
- ربما يشعر البعض منهم ، لكن الزواج لايمكن ان يحدث بلا حب يسبقه
- وهل يدوم الحب بين الزوجين ؟ هل دام حبك انت ؟
- ان لم يستطع الحب ان يدوم ، فبامكاننا ان نصنعه
- كيف ؟
- لاأدري ، لكل منا طريقته ، ان يبست ينابيع الحب في حياتي ، فسوف احببه بالخيال
توافقين أم حسين وسميرة على رأي كل منهما في الحب والزواج ، وتتمنين ان تنجحي في خلق السعادة لحياتك التي توشك على الانهيار
التوتر الذي تعانين منه كثيرا نتيجة فقدانك العمل والحب ، يجعلك تبحثين عن البدائل التي يمكنها ان تمدك ببعض الامور التي تمنح حياتك البهجة المفقودة ، وقد اعتدت مع صديقاتك المقربات ان تحيين حفلات الرقص والغناء والضحك المتواصل ، كي تخففن قليلا من وطأة التوتر الذي ترزحن تحت ثقله ، عمل منزلي رتيب متواصل ،يخلو من البهجة ، وحرمان كبير من لحظات ممتعة تعطي الحياة ألقها المطلوب ، دعوت صديقاتك الى جلسة سمر ، والى الاستماع الى الطرائف التي تجعل النفوس الكالة تضحك وتنبسط ، اغاني قديمة تجعلكن ترقصن على أنغامها الشجية ، وموسيقى جميلة تبعث الفرحة الى القلوب التي صدأت من طول حرمانها من قرب الحبيب
تجتمعن في الشهر مرة واحدة ، تتحدثن عن مرارة الحياة ،وعن خلوها مما يبهج القلوب ويسعد النفس ، وانتن مدركات ان حياتكن ان جرت على الحرمان ،فإنها سوف تجعلكن تعيسات النفس والروح ، منطفئات القلب والعقل ، اية قوة في الوجود تجعل المرء يستطيع الصبر على طول الحرمان ؟ واية قدرة لدى ازواجكن القساة تجبركن على ان تكن خانعات ، محرومات من كل ما يجعل الحياة يسيرة ،على الانسان ومبعثا للسعادة ، لم تصبر المرأة حين تجد حياتها يابسة خالية من الحب ، تسير ككل الايام بلا بهجة تجعلها قادرة على مواصلة العمل ، لماذا تعيش المرأة محرومة من وهج الحب وجمال المشاعر ، لماذا تجد نفسها وقد أدمنت النضال في صحارى الوجع وهي لا تملك القدرة على التحدث عما يؤلمها ويدمي فؤادها ،وهي تسير ظمأى في يباب الفلوات، لماذا النساء في بلادك عاجزات عن الثورة ضد من يضطهدهن ويجعلهن أسيرات في منازلهن التي يتحملن فيها اوجاع الاقتصاد
تجتمعن معا لتتحدث احداكن عما يؤلمها ويجعل حياتها دائمة السواد ، يظنها الناس زوجة وهي تشكو الترمل من عامها الاول مع زوجها المزعوم ، اية قدرة لدى النساء تجعلهن دائمات التظاهر بالرضا عن حياتهن البائسة والمثيرة للغثيان
تجتمعن معا وتشكو احداكن للأخرى ،عن الأسباب التي جعلتها تتحمل الفجيعة وتصبر عليها ، أمن أجل الأولاد ؟ وهم يكبرون وينسون من منحهم الحب والرعاية ؟ امن اجل الحب الموهوم ، والحياة خالية من ذراته التي تحيي القلب وتمنح الفؤاد القوة على مواصلة الحياة والنضال من اجلها
صديقاتك المقربات كنت تجتمعين معهن ، تبث واحدتكن الأخريات ما جعلها عاجزة عن التمرد واعلان العصيان ،على من سلب منها القوة وجعلها مهيضة الجناح ، الواحدة منكن تحث الأخريات على التوقف عن الشعور بالهزيمة ،والبدء بمسيرة خالية من أسباب الضعف التي غالبا ما تتصف بها النساء العربيات
تضحكن طوال الساعتين اللتين تقضينها معا، وتجددن نشاطكن كي تصبحن قادرات على تحمل المزيد، من الظلم والقدرة على مواصلة النضال لتكون الحياة اكثر جمالا مما عاشته احداكن ، فلنقو قلوبنا ونجعل عقولنا اكثر قدرة على الضحك على الهزيمة واقتلاع أشواكها من قلوبنا المدماة
تعودين الى منزلك بعد انقضاء الساعتين وانت أكثر قوة مما مضى ، واقرب الى الشعور بالسعادة التي كثيرا ما تحسين انها تهرب من بين يديك رغما عنك ، ترجعين الى البيت وانت خالية من الهموم عازمة على وأدها قبل ان تغتال فرحتك
(4)
لا تنتظرين ساعات النهار الطويلة ان تنتهي ، وأشغال المنزل المرهقة الغبية ان تكمل ، لتجلسي مرتاحة وتحدثي حبيبك عن متاعب النهار ومصاعب الليل ، حيث يخيم شعور بالغربة ويستبد بالمرء احساس بالضياع ، لا أحد قربك تبثينه لواعج نفسك ، وتحدثينه بمكامن الفؤاد ، وتخبرينه بظلم الايام ، ما كنت تظنين انك ستكونين وحدك بعد هذه السنين ، وان ايامك ستكون شديدة العبوس ، وان الثمر الذي بذلت من أجله زهرة العمر لتسقيه ماء زلالا، قد اثمر حنظلا مرا عسيرا على النفس ان تتجرعه ، تمضي الساعات بطيئة احيانا ومسرعة احيانا اخرى حسب العمل الذي بيدك ، وتهرعين بعد انتهاء النهار، وحين تذهب الشمس الى المغيب ، تسرعين لمقابلة الحبيب الذي ينتظر ظهورك بشوق كبير ، تتسامران وتتحدثان عما فعل الدهر بكما ، تشكوان غربتكما الأليمة ووحدتكما الصعبة ، وان كان الاخرون ينتظرون منكما ان تنفقا عليهم وان تقوما بما تتطلب حيواتهم من اعمال ، فان حبيبك يبادلك الشوق ويحنو على غربتك ويرأف بحالك ، ونعمة من الله ان تجدا في غربتكما من يشارككما الهم ويبادلكما الفرح ،ويقف بجانبكما يخفف عنكما ما تشعران به من احزان ،وما تمران به من صعاب، فسحة من الزمن ترنوان اليها معبرين عن حبكما واشتياقكما وتتبادلان الشعور نفسه ، يأخذكما الحديث وتهديان بعضكما ورودا متفتحة بالحب زاهية الالوان ، او انغاما شجية تتطلعان الى زمانها السعيد وتترنمان بكلماتها المعبرة وموسيقاها الجميلة، وأنتما سعيدان ان الزمن وهبكما بعض اللحظات الهانئة ،وانه لم يكن كله علقما وان الايام يمكن ان تزهر ورودا ،ان كانت كلماتكما جميلة، واحسنتما اختيار الفاظكما ،وكنتما متنبهين الى ما يحتاج كلاكما ، هل يريد الفكر فقط ؟ام انتما بشوق الى العواطف المتوهجة بالجمال ، تعشقان الوصال ولكن ما باليد حيلة وأنتما بعيدان عن بعضكما ،تفصل بينكما البحار والمحيطات ، لم لا تحلمان ان القرب ممكن ؟ وان تقريب المسافات البعيدة امر هين ، وان الخيال يمكن ان يسافر على اجنحة الشوق ،وتنعمان بالتواصل اللذيذ ، يحرص على هناءتك وتحتفين بسعادته ،تتحدثان دون ان تعدا الساعات ، وتنتقيان الكلمات الحسان لتعبر عن شدة الحب وقوة الرغبة
الخيال قادر على صنع السعادة ،والكلمات الموحية يمكن ان توصل الى احساس لايستطيع كل امريء ان يصنعه ،اعتناء بالكلام وحرص على اللفظة الجميلة ،ومداراة الاخر والصدق في التعبير عن العواطف المتأججة ،والرغبة المشتعلة في اعماق الفؤاد ، تعيد قصتكما الشباب الذي كنتما تشعران انه ولى دون ان يهتم بكما ، ويغمركما شعوركما المتبادل بالحب الكبير، ما توهمتما انكما اضحيتما غير قادرين عليه ، اليس الانسان بالصبر والاصرار قادرا على صنع السعادة ،واعادة الشباب الى النفس لينعم به الجسد ، اليس تصميمكما على وأد الهزيمة في الاعماق يمكن ان يجعلكما اسعد الناس ،واقربهم الى تحقيق الاماني ، ما اروع الوصال وما ابهى ان يعيش المرء لتوأم الروح ،تمضي ساعات الليل هانئة سعيدة ، وانت مطمئنة ان قلبا ينبض بحبك وان ايامك ليست خالية من المعاني الجميلة ، وانه بالحب يمكن ان ترنو نفسك الى المستقبل بثقة ، تمضين بالحياة سعيدة ، فما اسهل ما يحلم به المرء ، وما ايسر ما يخلق البهجة في النفوس ، وما اصعب ان يثير المرء الغضب في الأعماق ،بدلا من زرع بذور المحبة والوئام ، كلمات قليلة قادرة ان تجعل الانسان مسرورا ، لماذا نجد أغلب الناس يبتعدون عن جمال تلك الكلمات ، ويرددون مقولات أخرى يمكن ان ترسل احساسا بالبغض بين الناس ، وتقضي على عوامل السرور ، وتهدد حيوات منعمة بالمحبة ، رافلة بأثواب الدفء ، لم تعيشي مثل هذه الايام بدفئها ومسراتها ، مع انك شهدت الكثير من الأيام ، وكانت كالحة اللون عديمة المعنى ، تناساها العقل وهرب منها القلب، ومضيت تنشدين بعض لحظات من السعادة ، وتوصلت أخيرا ان معناها يكمن في دواخل نفوسنا ، فحبيبك قريب منك حريص على سعادتك وهناك ، يمدك بالقوة لمصارعة الشعور بالغربة في هذه الحياة ،وانك تشقين لأناس لا يبالون بك ، ولا يهمهم امرك ، وانما يظنون انك عبدة لهم ،عليك ان تسعي لتحقيق الرضا لحياتهم ،دون ان ينالك شيء من عصارة فكرك وتعب جسدك ، فحبيبك دائم القرب منك يحدثك بشعوره الجميل الذي يعزز قوتك، ويبثك عوامل الاستمرار ومقاومة الألم ، والسعادة التي يحرص على ايصالها لك، تمدك بشعور من البهجة يصحبك طوال الوقت ويعزز ثقتك ان حياتك جميلة رغم كل الآلام ،التي يجرعونها لك رغم أنفك
(5)
قررت اليوم الا تذهبي الى طبيب اللجوء الانساني الذي حرصت على التسجيل في مكتبه ليتم فحصك ، رغم انهم يعاملونك جيدا ويحرصون على توفير ما تريدون من فحوصات وعلاج شاف وتقوم الطبيبة المتبرعة بجهودها بعملية الفحص وتشخيص المرض الذي تعانون منه ووصف الدواء المناسب ، الا ان البناية التي تقام بها الفحوصات رغم حداثتها وجدتها الا انها لاتتوفر على مرافق عامة مثل التواليت ، مما يجعلك كباقي المريضات ،تترددن على حمام النساء الموجود امام ذلك المستوصف الصغير ، من تشكو مرض السكر ترهق في ذلك اليوم ، ومن تعاني من حالة الجفاف وتحتاج الى شرب كمية كبيرة من الماء تحرج بشدة ، لو كانوا يطلبون درهما عند استعمال التواليت لم يكن الامر ليشكل صعوبة لدى المريضات لكنهم لايطلبون ثمنا ، و تظل وجوههم عابسة
تظلين محرجة من نظراتهم ، حين تتوجهين لهم بطلبك
-اريد استخدام المرافق
-
فكرت ان تذهبي الى الاستحمام كلما احتجت الى الدواء ، ثم ادركت ان محاولة الاستحمام في حمام النساء، والخروج بالحر والبرد والتعرض الى الهواء قد يجعلك تصابين بالكثير من الامراض ، التي تجدين نفسك في غنى عنها في هذا الوقت ،الذي تعانين فيه من فقر لم تكوني قد جربته ، لهذا آليت على نفسك الا تذهبي لاستجداء الدواء ،وان تفكري بإيجاد طرق للعلاج بديلة عن اهراق الكرامة، بعد هذا العمر الطويل والعمل المضنى العسير ،ومحاولة العيش بوفرة ومنح افراد الاسرة فرصا للعيش السعيد ، واذا بالمدرسة تغلق أبوابها وتظلون بلا عمل ، وتعاني اسر عديدة في بلاد المغرب من ظروف صعبة ،لا يمكن التغلب عليها في ظل ارتفاع الاسعار وغلاء اثمان المواد الغذائية ، وكثرة الامراض التي تصيب الانسان حينما يكبر سنه ،ويفقد عمله ويجد نفسه عاجزا عن الوفاء باحتياجاته الاساسية ـ فكيف يمكنه ان يلبي ما تريد الاسرة من مواد وهو لا يملك ثمنها ولا يجد بعض الاحباب قادرين على ادراك ما يمر به من ضائقة مالية استعصت على الحل
ستفكرين بعلاج بديل ، تقررين أن تعودي الى السير لمسافات طويلة ، تذهبين الى المدينة القديمة في السويقة ،وتبتاعين بعض المواد وتكسبين رياضة ووقتا ممتعا في السير ،في امكنة جميلة جدا تظللها الاشجار الباسقة ،تشترين مواد اساسية كنت تؤجلينها مرارا في الايام السابقة ،وتتفرجين على ما يعرض من بضائع في السوق ، ترين الالاف من الناس يذهبون الى هذه المدينة للفرجة فقط وليس للشراء..
لم تذهبي الى السويقة منذ زمن طويل ، واستعضت عنه بأسواق أخرى عديدة ،مثل التواركة القريب من منزلك ،والذي يتوفر على مواد غذائية بأثمان مناسبة جدا ، او ان تشتري ما تحبين من مواد من السوق المركزي الذي يمكن ان تجدي فيه ما تحتاجين من بضائع ، وهذا اليوم وجدت نفسك تتوجهين الى السويقة ،بشوق من لم ير المكان منذ فترة ، الشوارع كالعادة ليست مزدحمة كثيرا بالناس ، فما زال الكثيرون في اماكن أعمالهم ، اصطحبت معك ماكنة العصير لإصلاحها ، لقد أتلفت لك الخادمات عددا كبيرا من الادوات الكهربائية في المنزل ، الثلاجة اصبحت قديمة والة غسل الملابس ممزقة الأشلاء ، وكل ما في المنزل متداع ، لأنه لم يجد الصيانة التي يحتاجها منذ سكنتم به ،وحتى وقتكم الحاضر وكل ثلاثة اعوام يزيدون عليكم في ثمن الايجار عشرة بالمائة دون ان يشهد المنزل أي تصليح.
لم تجدي ما يشبه الة العصير عندك ، مصدر الصناعة صينية ، فتشت عن قطعة بديلة لم تعثري عليها ، اقترح عليك المصلح ان تذهبي بالآلة كلها كي يتمكن من ايجاد انية العصير المناسبة
اشتريت نوع السمك الذي يرغب به الاولاد ، فان المغرب يتوفر على انواع كبيرة ،لاوجود لها في مكان آخر ، كلها لذيذة ، واولادك يفضلون الصول وقد ابتعت لهم هذا النوع رغم ارتفاع الثمن ، وابتعت لنفسك نوعا آخر ثمنه اقل مما يفضل الأولاد ، لكنه رغم ثمنه المناسب اكثر فائدة من الأنواع المرتفعة الثمن ،وق ادركت بعد قراءات عديدة ان تناول السمك مفيد جدا
-
-
(6)
كثيرا ما تساءلت هل انت طيبة جدا ، حيث يفترسك الآخرون ويسرقون منك ما كدحت وناضلت من اجله ، تكتبين في المنتديات مقالات وقصص ، قيأتي الجاهلون ويسرقون منك جملا وينسبونها لأنفسهم ، فكرت ان تنقذي كتاباتك من براثنهم ، قمت بنشر الموضوع الواحد في عدد من المنتديات والمواقع ، فكرت بعمل مشترك مع احد الكتاب العراقيين ، ورغم انك لا تحبين الاعمال المشتركة في كل شيء وخاصة في الكتابة، التي لايمكن ان تكوني حرة في التعبير عن رأيك ، صدرت الرواية ودفع الأخ السوري مدير االموقع الالكتروني نصف الثمن 400 دولارا ودفعت انت ربع الثمن 200 دولارا ،ودفع الكاتب العراقي الربع المتبقي كما كان يقول، وكنت تنتظرين ان تصلك نسخ من روايتك هذه ،ولكن انتظارك طال ، ولم يصلك شيء ، ولا تدرين اين طبعت تلك الرواية ؟ هل في العراق وفي مدينة العمارة كما قال الكاتب أولا ؟ ام في دبي كما ذكر ثانيا ، ولقد سقطت من عينيك تلك الرواية ولم تعودي تفكرين بها ،رغم انك طلبت من اخيك ان يدفع عنك مبلغ المائتي دولارا ، كما التجأت الى اخيك كل مرة ، تجد
ين انك وحيدة في هذا الخضم الهائج ،ونسيت امر الرواية المشتركة وان كان يؤلمك كثيرا ،ان يتصرف اشخاص تظنين انهم مبدعون بمثل هذه الطريقة ؟ اين ذهبت الرواية المشتركة ؟ وهل حقا ان الكاتب الذي عملت معه في انجاز هذه الرواية ،قد احتفظ لك بمائة نسخة ؟ اين هذه النسخ ؟ لم يعد يهمك امر تلك الرواية ابدا .
ولأنك فقدت عملك، واصبحت عاجزة عن طباعة ما تكتبينه بثمن عال نسبيا ، فقد رفضت عروضا قدمت لك ،من دور طباعة محترمة في مصر لقاء 600 دولارا ،لطباعة الرواية الجديدة التي اصدرها موقع الكتروني تحبينه ،وتقدرين الاقلام التي تكتب به ، أصدر ذلك الموقع روايتك اصدارا جميلا مع اخراج رائع وبالصور المناسبة ، عرض عليك المخرج الاذاعي العراقي المشهور ان يقوم بطبع روايتك ( الحب المفقود) وبعدد ألف نسخة بمبلغ اقل من 300 دولارا ، استبشرت بالفكرة كثيرا وعلمت ان الطباعة بالعراق ارخص من بقية الدول ، طلبت من أخيك أن يدفع عنك الثلاثمائة دولارا ، وفعلا طلب أخوك من اختك ان تقوم هي بالدفع على ان يرسل لها المبلع ، اخبرك المخرج الاذاعي الكبير ان روايتك صدرت عن دار عراقية للطباعة والنشر ،الغلاف كان جميلا ، فرحت بالإنجاز الذي قدم اليك ،وقمت انت بتعميم الخبر على المواقع الالكترونية التي تقومين بالنشر بها ، كما اخبرك المخرج الاذاعي المشهور انه سيقوم بتوزيع الرواية ونشرها في كل من العراق وسوريا ومصر ولبنان وسوف يحرص على ايصال بعض النسخ لك في المغرب ، تعرفين كثيرا ان وصول كتب من العراق الى البلدان الاخرى من الامور الصعبة جدا ، فلماذا لم تعرض روايتك في مكتبات العراق وهل طبعت باعداد كبيرة جدا كما اخبرك مدير الدار؟ الدار الفنية الالكترونية التي تشتغلين بها انت والمخرج الاذاعي المشهور اعضاء في ادارتها ؟ وكان المخرج الكبير قد اخبرك ان روايتك موجودة في شارع المتنبي
حين قرا الاصدقاء من الكتاب والنقاد خبر صدور الرواية من مطبعة بالعراق ، سألوك اين يمكن ان يجدوها ، اخبرتهم انها في شارع المتنبي ، عثروا عليها في شارع المتنبي ، وكتب عنها الكتاب والنقاد اتصل صديق لك ، بالمخرج الكبير وقال له انه يملك مكتبة وانه يريد ان يبيع الرواية ، اخبره المخرج الاذاعي الكبير انه ان كان يريد عددا محدودا يمكن ان يحصل عليه ، وانها موجودة في شارع المتنبي ، لكنها لم توزع كما كنت تأملين ، فلم يعد الناس في بلادك يقبلون على اقتناء الكتب وقراءتها بشغف كما كنتم في أيامكم التي تشعرين انها ذهبت ، فالناس لم يعودوا كما ألفتهم ، والأشياء كلها تغيرت ، ذهبت مع صديق لك الى مدينة الحلة وعدتما ونسخ الرواية كلها معك ، وزعتها على الأصدقاء والمعارف
(7)
وحدك هذا الصباح ، سميرة ذهبت مع أصدقائها المسرحيين ، وابنك خرج مع بعض أصحابه، وبقيت وحدك ، لاصديق لك يؤنس وحدتك ويخفف عنك شعورك بالغربة ، اصدقاؤك الافتراضيون لا ترينهم الا حين يرغبون بالثرثرة وقضاء الوقت ، والحصول على ساعات من الحب الوهمي ، كيف يمكن ان نشعر بالحب نحو من لا يمكن أن نراهم، ولا نعرف عنهم شيئا ؟ كيف يفكر ؟ ما هي طريقته بالكلام ؟ ما رايه بالاخر ، هل يحاول ان يفهم من يخاطبه بلطيف الكلام ؟ ام يفرض عليه قناعاته ؟ يحدثك بعضهم عن الحب ، ورغم حاجتك الى لمسات الحبيب ودفء حديثه ، الا انك تخشين ؟ من يعرف مدى صدق من لا تظهر سوى كلماته ؟ الا يمكن انه يتسلى ؟ وعنده وقت اضافي ويحب ان يستغله بالضحك على قلوب المحرومات ؟ تجاملينهم ،ولكنك لا تثقين بمعسول كلامهم ، ويكفيك ما لقيت من جراح بسبب طيبة قلبك وتصديقك بالكلام الجميل ، سوف تكتفين بقلمك وصداقاتك الجميلة مع الجنسين معا ، ولتعيشي وحدك مع افكارك وعواطفك وقلمك وقرائك ، ولتسجلي ما تشائين دون ان يعترض احد ، وتواصلين التعبير بحرية لا تجدين بعضهم يصرخ يوجهك معترضا على ما تؤمنين به من افكار ، الدنيا جميلة ، والحياة لحظة وتمضي ، وعليك ان تعيشيها ملء القلب والعقل والنفس ، دخلت الماسنجر فلم تجدي الاصدقاء الذين تشعرين بالراحة حين تتحدثين معهم ، وبحثت في الفيس بوك عمن تحادثينه ، فلم تعثري لمن تحبين على أثر ، وحاولت ان تكتبي أسئلتك للناقد المشهور للحوار المرتقب ، ولكن من يدريك ان الجريدة التي اخبرك الصديق عماد انها ستنشر لك ما ترسلينه لها من نشاطات ثقافية مغربية وحورات مع الادباء والنقاد ، بعثت لهم تغطيات لتقديم كتب مهمة في المكتبة الوطنية بالرباط ، و عندك حوارات مع قاصين مشهور ين، سوف تنتظرين قليلا ولا ترسلين كتاباتك حتى تتبين لك الحقيقة
مطر ينهمر بقوة ، فكرت ان تغسلي الملابس هذا الصباح ، ولكن انهمار المطر جعلك تؤجلين القيام بهذه المهمة ، ستصنعين لك فنجانا من القهوة ، وتبحثين عن صديق لك تبادلينه الكلام..
عزّ عليّك العثور على صديق ترتاحين بالحديث معه ، وتجدينه يتفق معك في امور الساعة ، وعما تقرئين من كتب، او تطلعين عليه من كتابات في العالم الافتراضي ، هذه الليلة ستكونين وحدك ، تناجين النفس وتتحدثين معها بأمور الحياة ومشاغل الدنيا ، وهي تصغي اليك بانتباه ،ولا تقاطعك، او تهاجمك ، او تتهمك بتهم شتى لايمكن للانسان ان يصدقها ، ولكن ما ذا تفعلين ؟ تجدين العديدين يوجهون لك اتهامات فظيعة أنت بريئة منها ، ولا تدرين لمَ الاتهامات ؟ هل بسبب اختلاف بسيط في وجهات النظر ؟ واين الحرية الفكرية واحترام الآخر والدفاع عن رأيه المناقض ؟ ام انها مجرد أوهام ؟ واننا امة متخلفة ، لانسمح بالرأي المخالف لنا ان يسمع ، حتى لو كان همسا ، أين هم أصدقاؤك الأعزاء ؟ لماذا تجدينهم اليوم مبتعدين كثيرا عنك ، يتركونك لمن يحلو له التحدث معك عن امور لا تهمك ، ما شأنك أنت ان كان احدهم يضاجع العديد من النساء ، ولما ذا تسمحين لمثل هؤلاء ان يخبروك بمغامراتهم التي لن تهدري وقتك الثمين من اجل سماعها ، ولكنك رغم اصرارك على عدم التضحية بالوقت ارضاء لسخف هؤلاء الذين لا شغل لهم ، تجدين نفسك تتحدثين معهم مجاملة ، مما يعكر مزاجك ويجعلك منهكة بالحديث مع أشخاص ستة او سبعة في الوقت نفسه
المطر مستمر بالهبوط ، ماذا يمكن أن يحدث لو استعنت بمظلتك الواقية ونزلت من المنزل ، لتسيري بعض الوقت تحت فرح كبير يبعثه في نفسك المطر المنهمر ، لا شيء سيحدث ، انت سوف تنتعشين قليلا ، وتجدين بعض المتعة التي لن تضر احدا ، تجدين نفسك تنزلين درجات السلم ، وتسيرين في الشارع قرب منزلك ، ليس هناك من امر غريب ، تدخلين احد الأسواق التجارية وتبتاعين ربع كيلو من اللوز المحمص وتعودين الى منزلك ،
الشخص الذي يدعي انه يحبك ، ثقيل الكلام ، قال انه حريص على صداقتك ، وانه يحب النساء للطف الذي يتميزن به ، سألته مرة :
- كم امرأة تحب ؟
- كثيرات
- كم عددهن ؟
- عشر نساء
- ومن انت ؟ حتى تحب عشر نساء في وقت واحد ؟ وهل هن يحببنك ؟
- أظن انهن جميعا يحببنني
- لماذا ؟ ما هي صفاتك الخلاقة ؟
- انا غني اقدم لهن الهدايا
- وهل يمكن أن تشتري الحب بنقودك ؟ لم أرك ولست انوي ان اقابل من هو مثلك ، حقير لا يبالي بعواطف المرأة وقلبها
حذفته من الماسنجر ، لئلا يجرؤ مرة أخرى على اسماعك سخافاته
(8)
رغم انك عزمت على حضور الندوات الثقافية كلها في الرباط ، والكتابة عنها للصحافة العراقية ، الا انك وجدت من العسير عليك ان تحضري الندوة التي اقامتها اكاديمة المملكة المغربية ، سالت عن مكان هذه الاكاديمية وتوصلت الى مكانها المضبوط ، ورقم الحافلة التي يمكنك ان تستقليها في الذهاب الى ذلك المكان البعيد جدا ،عن مركز العاصمة حيث تسكنين ، في الصباح حيث كان من المقرر ان تكون الندوة في الساعة التاسعة والنصف ، وجدت انك تجد ين الاعذار لنفسك كي ترضى عن الامتناع عن الذهاب الى ذلك المكان البعيد ، مرة بسبب البعد ، وثانية بسبب انك وحدك ولا يوجد من يصحبك الى هناك ، ، وثالثة بسبب ان المكان البعيد الذي تكون فيه الندوة بعيد عن حياة العمران ، وخال من سيارات الأجرة التي يمكنك ان تستقليها في طريق العودة ، ورابعا لان اليوم كان الأربعاء وهو اليوم الذي تأتيك به الخادمة التي تساعدك في اعمال التنظيف والعناية بالمنزل ، وبعد استعراض كل هذه الأعذار وجدتك تظلين في منزلك ولا تذهبين الى المكان الذي عزمت على الذهاب اليه..
ولكنك نجحت في الذهاب الى دار الفنون لحضور ندوة عن الحوار واحترام الاخر المختلف عنا ، وكانت الندوة جميلة جدا ، عززها الكاتب بكل الأدلة التي تثبت ان عرب الاندلس كانوا متقدمين جدا ، وانهم استطاعوا ان يؤسسوا دولة قوية محترمة في قلب اوربا ، لانهم احترموا الديانات الأخرى ولم يحاولوا فرض الدين الاسلامي بالقوة على شعوب البلدان المفتوحة ، فعاش المسلمون مع كل الاقوام في الأندلس عيشة راقية ، وان قامت بعض الحروب بينهم ، فانها مجرد حوادث لم تكن تستمر طويلا ، ولا يمكن ان تقوم البلدان المختلفة بدون حروب بين طوائفها وأديانها ، ومختلف العقائد الايدلوجية التي يؤمن بها السكان. وتتنوع بها المبادئ
والندوة الجميلة التي حضرتها ايضا هذا الاسبوع ، فكانت في المكتبة الوطنية بالرباط حيث احتفالية المئوية للشيخ الجليل ماء العينين ، ولقد شارك بهذه الندوة العديد من كبار الشخصيات في المغرب والعالم العربي ومن الاجانب ، تحدثوا عن جميع جوانب هذا العلامة الكبير ، الذي عرف بالفقه والعلم والتنوير والدفاع عن الوحدة الوطنية المغربية ، كما عرف بالتصوف وكان يحترم كل الطوائف وقال عنها انه يوآخيها وانه لا فرق بين طائفة واخرى وهذه معلومات رائعة تدل على ان العرب ليسوا كلهم متعصبين لرأيهم ولا يحترمون الرأي المخالف ، بل ان منهم من دافع عن حرية الناس جميعا في التعبير عن افكارهم بدون اكراه ، عدت الى منزلك وانت جد فرحة ، فقد ارضتك الندوة التي دلل فيها المحاضرون على عمق تراثنا الاسلامي وعظمة حضارتنا ومدى ما قدمته للبشرية من روائع في كل الميادين
(9)
من العسير جدا ان تنقذي نفسك من شعور بالألم الكبير استولى عليك منذ أحداث الأمس ، وما زال مسيطرا عليك ، رغم محاولاتك العديدة لطرده ، لماذا نحن العراقيين ، دون خلق الله جميعا نعاني هذه المعاناة التي ما زالت مستمرة ، منذ عهد النظام السابق ، وحتى مجيئ الاحتلال ، لندفع نحن الثمن قهرا وفجيعة ، ودماء سائلة ، حادثة دموية ككل الحوادث التي مرت بعراقنا الحبيب ، حيث تغتال العصابات الناس الأبرياء ، قرأت في احد الصحف ما وجدت انك متفقة معه :
زمرة أخرى من حثالة الأرض, ومن الكلاب المسعورة, والخنازير الضالة, وبمؤازرة ودعم شراذم حاقدة من المجرمين والقتلة, الذين زرعوا الموت والدمار في مقاهي مدينة بغداد وساحاتها, ونشروا الرعب والفزع حول أحيائها الفقيرة, فقتلوا الشيوخ والأطفال بدم بارد, وشنوا هجمات وحشية شرسة استهدفت المساجد والكنائس والحسينيات .
ثم واصلوا في اليوم التالي تنفيذ برنامجهم الإجرامي الواسع, وقاموا بسلسلة من الاعتداءات العشوائية الشاملة, التي هزت ضواحي بغداد وسكانها, فكانت ليلة ليلاء حالكة الظلام, شديدة الهلع, ارتكبوا فيها المجازر الوحشية الغادرة في حي العامل, والبيّاع, وحي الجهاد, وحي الشعب, وبغداد الجديدة, وأبو غريب, وأبو دشير, والكاظمية, والشعلة, والغزالية, والزعفرانية, واليرموك, والوزيرية, راح ضحيتها مئات الشهداء والجرحى, وهذا هو ديدن السفهاء في التعبير عن خستهم ونذالتهم ووضاعتهم.
زمرة من القتلة ما انفكت مساعيها تلهث وراء التنفيس عن أحلامها القديمة, وتسعى للانتقام من العراقيين, وترويع أبناء بغداد والمدن الأخرى بأساليب إجرامية مبتذلة, وبتأييد مطلق من الدول المارقة, التي ما فتئت تمارس التنكيل والترهيب ضد أناس لم يعتدوا عليهم, ولم يفكروا في يوم من الأيام بالاعتداء على احد.
هاجموا المدارس والمستشفيات والشوارع والأسواق ، وبقيت سياراتهم المفخخة تحصد أرواح المئات من أبناء شعبنا الأبي ، اختاروا المناطق الآهلة بالسكان ليفجروا حقدهم على شعب العراق ، ويقتلوا الشيخ والطفل والمرأة ، لا لشيء ، الا لأنهم عراقيون يحبون هذه الأرض الطيبة المعطاء ، حاولت ان تخففي بعض المك بوضع أغاني من التراث في صفحتك في الفيس بوك ، ولكن شعورا بالاحباط ما زال يحيط بك ويخنقك ، رغم ان الأمل يملأ نفسك أحيانا ،ان الانتخابات الجديدة قد تنجح في الاتيان بأشخاص يمتلكون نوعا من التفكير جديد ، يخلق الفرحة في نفوس الناس ، ويبشرهم بغد باسم ، يضعون حدا للآلام الكثيرة التي جرعتهم اياها الأيام ،وبعد انتظار طويل للتغيير نحو الأفضل ، يمكن ان يساهم في تخفيف الألم الذي يعيشه العراقيون ، ربما تستطيعين أن نتفاءلي ، بأن غدا باسما قد يمر به العراقيون ، وان أعمال القتل والابادة سوف تخف ، وان ذلك الحقد الأسود على شعب العراق سوف يزول ، كما زالت رياح هوجاء جاءت لتقتلع البذرة الطيبة من أعماق الأرض ، وتحيلها الى رماد ، ولكن الى متى ؟ الى متى تكون المعاناة ؟ ويبلغ الصبر اوجه ، وتنعدم سبل النجاة ؟ الى متى نظل أغرابا في بلاد بعيدة ؟ رغم ان أناسها طيبون ، لكن لا أمل لنا في ايجاد عمل نستظل به ، ونشبع حاجاتنا التي هي بازدياد ، من يمكن ان يفهم علتنا ويأتينا بالدواء الشافي ، الذي طال انتظارنا له ، في بيداء قاحلة عز بها الدفء وانعدمت طرق الوداد
وانت في رغبتك الدائمة كي تحصدي وردا بدلا من حياة الأشواك ، استطعت اليوم ان تتعرفي الى شقيقة صديقتك مفيدة ، رأيت صورتها بالفيس بوك ، ضاحكة مستبشرة ، لعلها مثل صديقتك ، التي قضيتما معا اجمل الأوقات ، و أنتما تحاولان ان تحميا صداقتكما ، والا تفشيا أسراركما الصغيرة التي خبأتماها في عقولكما انذاك ، اعدم والد احدى الصديقات ، وكان عامل بناء ، ففكرتما في طريقة للمساعدة ، وتوصلتما الى فكرة وجدتماها جميلة ، وهي ان تقمن بجمع التبرعات لعائلة الفتاة الفقيرة ، التي رحل ابوها من هذا العالم ، ولم يترك لعائلته شيئا ، ولأن اكثر الناس واشون ، فقد وشت بكن زميلتكن التي كانت تجلس بالقرب منك على مقعد واحد ، وتعرضتما لاستجواب طويل من هيئة تحقيقية شكلتها ادارة المدرسة:
-هل قمت بجمع التبرعات ؟
- لم أقم
- وكيف تقول صديقاتك انك جمعت ؟
- انهن كاذبات ، من تلك التي تدعي انني جمعت ؟ آتوني بها
وبدلا ان تحافظ المدرسة على طالباتها كما ترعى الأم بناتها الصغيرات ، فقد سلمتكن ادارة المدرسة الى الحرس القومي ، الذي ضرب كل واحدة منكن ضربا مبرحا ، فلم يجد عند اية واحدة منكن استعدادا الى افشاء الأسرار ، التي سبق وان تعاهدت الصديقات على كتمانها:
تمتد الأيدي لتوثيق الاتفاق على الكتمان والاخلاص مهما حدث
كتبت لشقيقة صديقتك مستفسرة عن اخبار أختها العزيزة ، فجاءك جوابها انها الشقيقة حقا ، وان صديقتك تعيش في الوطن الحبيب ولم تغادره الى مكان آخر..
تعطينها رقم هاتفك راجية ان تتصل بك صديقتك
تسمعين الهاتف يرن ، لابد انها من تريدين:
- انا اخت صديقتك التي تبحثين عنها ، اعطيتها رقم هاتفك ، وسوف تتصل بك ، وها هي ارقامها ، الاتصال من بغداد عسير جدا
- ما هي ارقام هواتفها ؟
- لها رقمان ، سأعطيك اياهما ، الأول لزوجها وهو اسهل من رقم هاتفها بالاتصال ، والثاني لها ، ويصعب الاتصال منه ،
تحاولين الاتصال بها عن طريق رقم هاتفها ، فيفشل اتصالك ، تجدين الهاتف يرن ولا جواب يرد ليشفي ظمأك ، تتصلين برقم هاتف زوجها ، فيجيبك هو ، تطلبين منه صديقتك ، تتحدثان بشوق كبير معبرتين عن عمق صداقتكما وعن محبتكما الكبيرة لبعضكما ، وكيف اراد الاعداء تفريقكما منذ ايام الدراسة المتوسطة ولم يفلحوا ابدا رغم التعذيب الذي تعرضتما له، تسعد نفسك بهذا الاتصال ، لقد اشتقت الى صديقتك كثيرا وباعدت بينكما الأيام وتودين الآن ان تقابليها ، فانت بعيدة عن الأحباب والأصدقاء
( 10)
تكون الأحلام أحيانا قريبة منك ، انت التي بقيت عمرك تتلظين بالحرمان ، تأتيك لحظات من السعادة ، فتجعلك تثملين ، هل كنت تتوقعين ان سعادتك بيديك ، وانك تنالينها بسهولة لم تكوني تتوقعينها ، يومان من الحب لم تكوني قادرة على تخيل انك ستبلغينه لحظة من لحظات حياتك التي مرت كما يسير الظاميء في صحارى يابسات ، دعاك الى بستان من الورود والزنبق ، والى يومين كاملين ترتشفان نعيم السعادة معا ، فلبيت النداء ، واذا الشمس توضع في يمينك والقمر يهل عليك باسما هاشا مرحبا ، وانت المتوجة بحب جميل ، لم تذوقي مثله في ماضي ايامك المكفهرة ولياليك المسهدة والتي خلت من كل ما يبهج النفس ويسر الفؤاد ، اشتريت تذكرة القطار وانت تظنين ان الامر حلم جميل ، سرعان ما توقظك منه الحقيقة الساطعة ، ولكنك اسكت ظنونك ، واخرست مخاوفك ، ان يكون سفرك مجرد خيال جامح ككل خيالاتك التي تصرين على العيش بها ، مهما كانت يقظاتك منها تنبئك ان لامكان للخيال في دنيانا الكئيبة ، مسيرة القطار كانت هانئة جميلة وانت تنظرين الى المناظر الخلابة والطبيعة وهي تغير أثوابها الجميلة في كل المناطق التي تصلين اليها، لماذا تخشين ان يكون الامر خيالا جميلا ، هل لأنك لم تعيشي حياتك كما كنت ترومين ، ومضت ايامك كالحة لاطعم بها ، وانت تناضلين من اجل اسعاد الاخرين متناسية ان نفسك احق بالرعاية والاهتمام ، ولكن اليوم سوف يكون سعدا لك تتذوقينه بملء شعورك ، وتنسين ظلم الايام الذي تجرعته حتى الثمالة
آن لك ان تفرحي وان تجدي السعادة تفتح ذراعيها لك مرحبة بقدومك ، وان تجدي الحبيب باسما يرنو اليك باعجاب ، وانت تهنئين بنظرات الحب التي تمنحك الدفء لتنير حياتك ، وتنسيك متاعبك التي عشت في اتونها ،فالايام جميلة والحياة تستحق ان نعيشها ،وان نغترف من نعيمها وان نمتع انفسنا من جمالها وان نسعد قلوبنا من بهجتها ،الحب يترنم بقدومك مرحبا والحبيب استأذن من العمل كي يتمتع بصحبتك ،وانت جذلى تتغنين بجمال الكون وتسعدين بكلمات حسان ،تنطلق من رجل حبيب لتمنحك السعد وتشعرك بجمال الحياة ،ونعيم الايام وهي تقبل علينا مبتهجة معطاءة
يصحبك حبيبك الى مناطق جميلة لم تشهد عيناك مثلا لها ، تتمشيان في المدن الرائعة ويداه تداعب يديك ،و كلام جميل ينهمر من لسانكما اعذب من الشهد واحلى من الجمال ..يعرفك على أصدقائه الذين يرحبون بمقدمك الى مدينتهم ، وتنثال عليك دعوات الغداء والعشاء ، فتعتذرين عنها ، لأنك تحبين ان تكوني وحدك هذا اليوم ،مع حبيب منحته لك الايام لتجعل الحياة امامك مبتسمة ، تستبد بك المخاوف أحيانا أنك تحلمين ، وان الخيال الخصب يطير بك في اجواء عالية من البهجة ، لست بقادرة على بلوغها مهما فعلت ، ولكن الايام تبتسم لك ، هذه المرة ، ويأتيك الحب فاتحا لك ذراعيه مرحبا ، يريد ان يستقبلك بالاحضان ، قد يكون الواقع اكثر جمالا من الخيال ، هل ابتسمت لك الايام بعد ان ارتك عيونها الغاضبة بلا سبب ، وهل ان الحظ حالفك ، ووجدت الحب اخيرا، بعد ان ظننت ان ايامك بدأ يغزوها الشيب ، ويتغلب عليها العجز ، ولكن لمَ تقولين هذا ؟ ولقد علمتك تجارب الايام ومرارة العيش انك تبلغين النجوم ان تسلحت بالارادة ، وكانت العزيمة القوية احدى صفاتك ، وانك مهما انتصرت عليك الخطوب ، فان الابتسامة الواثقة لن تفارق شفاهك الجميلة ،التي قال عنها حبيبك انها تستحق التقبيل واللثم ، يقول لك الحبيب مداعبا :
- كيف ترين لقاءنا اليوم ؟ أليس اجتماعنا معا اكثر جمالا من أن نتحدث من وراء الحاسوب ، اردت ان ابين لك ان حبي ليس قصة تتخيلينها ، بل هو واقع جميل ، تسعدين بعيشه
- كيف وصلت الى هنا ؟
- حصلت على التأشيرة التي مكنتني من التمتع بأحضانك
( 11)
أحيانا تفاجئك الأيام بأحداث لم تكن بالحسبان ، تصرفات من بعض المعارف لاتجدين لها تعليلا يرضيك ، وحتى المقربون منك يستغربون ان تكون تلك التصرفات من اناس يدعون الثقافة وعلو الهمم ، جاءك الصديق الدكتور ( ن) يسالك عن أخر نتاجاتك الأدبية ، ولأنه صديق وأخ عزيز ، فقد حدثته بما صادفك من متاعب وما وجدته من عثرات ، اخبرته ان روايتك قد طبعت في بغداد ، وانك طلبت من اخيك ان يدفع عنك مبلغ خمسمائة دولار ، وان الاديب الشهير تعهد لك ان يقوم بالطباعة وان يوزع روايتك في بلدان عديدة عربية ، وعدك ان تكون روايتك في العراق وسوريا ولبنان ومصر وان بعض النسخ سوف تأتيك الى المغرب ، فأي سعادة انت فيها ، و ويطول بك الانتظار ، وتدركين انه من العبث ان تحلمي ان روايتك سوف تصل الى اقطار عربية عديدة بسبب الواقع المؤلم الذي يعيشه العراق ، ولكن لم لم توزع روايتك بالعراق كما وعدك الأديب المشهور ؟ هذا لم تعرفي اسبابه ، وكيف يمكنك ان تعلمي بما تخبيء النفوس ؟ توقعت ان الرواية ستقرأ في بغداد ، وان المقالات النقدية سوف تكتب عنها مادحة او ذامة ، المهم عندك ان يقرا الناس ما تكتبين ، سواء مدحوا او ذموا ، او وقفوا حيال نتاجاتك موقف اللامبالي ، يسألك الأصدقاء عن اصداراتك ، تجيبينهم ان روايتك ( الحب الموؤود )في كل مكتبات بغداد كما اخبرك الأديب المشهور ، يبحثون عنها في المكتبات المعروفة ، فلا يعثرون على اثر لها ، يتصلون بمن اشرف على عملية الطبع ، يقول لهم انه لا علم له ب رواية جديدة قد طبعت تقفين حائرة ، ما الذي يسعى اليه ذلك الأديب ؟ ولا تعرفين اين تجدينها ، يقولون لك :
- كيف تثقين بمن لا تعرفينه ؟
- انه أديب ومشهور
- الخوف من المشهورين ، العراق كله يسرق هذه الأيام ، وليس رواياتك الجديدة فقط
تفترسك المتاعب التي تسقط على ام رأسك دفعة واحدة ، ولكن ابتسامة الحبيب ويديه اللتين تحيطان بك ،يبددان ما يعتريك من ضعف لا يدوم سوى لحظات
تظلين هذه الايام بلا بطاقة اقامة صالحة في بلاد المغرب ، منذ أن اغلقت المدرسة العراقية ، تجددين أقامتك على اقامة ولدك التي تبين بطاقة عمله انه يعمل ، براتب بسيط ، رغم انك تستلمين معونات من شقيقك القاطن في أوربا، والتي تبلغ الالاف من الدولارات ، فهي لايمكن ان تجعلهم يجددون لك الاقامة ، هذا العام ولأن ابا الاولاد في سفرة للعمل في بغداد ، وان عقد ايجار الشقة في الرباط باسمه ، فحين ذهب ابنك لتجديد الاقامة ، طلبوا منه شهادة سكن ، حيت ذكر لهم انه ساكن مع عائلته :امه وابيه واخته ، وان عقد الايجار باسم ابيه ، طلبوا منه ان يأتي لهم باثبات من الاب الغائب انه يسكن معه ، وبعد اتصالات عديدة بالعراق يوافق الأب على ارسال شهادة الاقرار انه يسكن مع ابنه وامه في نفس المسكن ، هذا الاقرار ، لا تدرين متى يصل الى المغرب ، اقامتك منتهية واقامة ابنك منتهية ايضا ، وانت تنتظرين ان تسافرى الى بغداد لحضور مؤنمر عن منظمات المجتمع المدني بدعوى من وزارة الثقافة العراقية
أفرحك ان المؤتمر تأجل ، وبدلا ان يعقد في الثامن عشر من شهر اكتوبر ، تقرر ان يعقد في الثامن عشر من دجنبر( كانون الأول) فانك بواسطة هذا التأجيل ربما تستطيعين السفر الى بغداد الحبيبة ، كما ان مؤتمر نادي العهد الجديد سوف يعقد في الثامن والعشرين من شهر ( نوفمبر) وانت تحبين ان تحضريه ، واكد لك المشاركون انك ستكونين على رأس قائمة الحاضرين ، ولكن من يدري ؟ ماذا يحدث ، قد يغيرون رأيهم ؟ او يبقون ثابتين عليه ، ان الاشتراك يبعث في نفسك السرور ، وأنت تتقلبين في هذه الدوامة
تصلك رسائل المحبة ، تبثك كلمات ما ان تدخل قلبك ، حتى يتغير شعورك السابق ، ينقلب حالك الى فرح ، كلمات من المحبة تزيل ما علق بنفسك من شعور بالخيبة ، وما رافق ايامك الماضية من احباط ، لم تعتادي ان المحبة تأتي اليك مرحبة ، وتحضنك وتخفف برد الايام وثلج السنين ، وكل الجراحات التي تتسبب بها مواقف اللامبالاة التي مرت بك ، ولكن لم تتذكرين بؤسك في لحظات السعد القليلة التي منحوك اياها ؟ آن لك ان تغردي مع البلبل السعيد منتشية بالكلمات الحبيبة التي جاءك بها غيثهم ، انهم الأحبة ، فلتعيشي ايامك بما حباك الله من نعيم ، ولتنسي كل ما مر به العمر من مشقات
خبر اصدار الجريدة الالكترونية اينع ايامك بالبهجة ، وجعل أزهار الفرحة تتفتح ورودا عاطرة ، مجموعة من خيرة الناس ، اختاروك كي تكوني مديرة تحرير في جريدتهم الالكترونية ، في البداية لم تفرحي كثيرا ، فقد سبق للكثيرين ان انعشوا قلبك بالوعود الجميلة ، التي لم يمر عليها زمن قليل والا تبين لك انها أضغاث احلام ، هذه المرة تختلف كثيرا عن الحالات السابقة ، سوف يسجلون الجريدة ويعترفون بحق كل قلم اضاف اليها نبضات قلبه ، واهداها عاطر الكلمات وسطور المحبة ، اشتغلت معهم ، واعطيتهم مقالات لك وقصصا ، وجمعتك واياهم جلسات عديدة وانتم تتناقشون في الطرق التي يمكن ان تتبعوها لتكون جريدتكم اجمل الجرائد وتحتل المنزلة التي تستحقها في دنيا الثقافة والاعلام ،ولكنك اليوم تشعرين ببعض الاثم ، فلم تعرفي كيف تساعدينهم ، انما اكتفيت بكلمات التشجيع والمساندة تسجلينها على مواضيعهم التي اثبتوها في الجريدة التي سوف ترى النور في ايام عيد الأضحى المبارك ، مرحبا بالجريدة ومرحبا بحملة القلم ، وأهلا بما كتبوه من ثقافة وابداع ، وحقا عليك ان تفرحي ، لان ايام الشقاء تؤذن بالانصراف ، وان وقت العسر سوف يولي ، ليحل مكانه اليسر بأبهى اشكاله ، سهرت ليلتين متواصلتين ، تساعدين بما تقدرين عليه ، وظهرت الجريدة الالكترونية صباح اليوم الثلاثاء السابع عشر من شهر تشرين الثاني ، علقت روابطها على صفحتك في الفيس بوك ، وصفحات بقية الأعضاء ، وأعجبك كثيرا انكم فريق واحد متعاون ، وغدا عيد الاضحى في المغرب ، ولم تعرفي بعد ماهو برنامجك لليوم الأول من أيام العيد ؟ باقي الأعياد تتصلين بأعضاء الهيئة الادارية لجمعية الرافدين العراقية وتنسقون كيف تذهبون للسفارة للتهنئة بمناسبة العيد السعيد ، اليوم لم يتصل بك أحد ، وانت قررت الا تتصلي بأحد ، لماذا يقع عليك هم الاتصال بهم وسؤالهم عما يجب ان تفعلوا ؟ احيانا تصيبك لحظات من الحزن ، لماذا تكونين وحدك هذا اليوم ؟ والناس كلهم يقضون الأعياد مع أحبابهم وأهلهم وأقربائهم ؟ فمن لك واهلك الكثير منهم ودع العالم ، اعدموا عددا كبيرا منهم ، وذهب الاخرون حزنا وكمدا ، لماذا تشعرين بالوحدة ، وقد تلقيت الكثير من بطاقات التهنئة بالعيد السعيد ، ولماذا يداهمك شعور بالغربة في هذا العالم ، وانت محاطة بعدد كبير من الأصدقاء ، ومتى يمكن لك ان تتخلصي من براثن هذا الشعور المؤلم ، انه الحبيب الغالي ، سافر ولم يستطع ان يزورك كما تأملين
(12)
اليوم عيد وأنت وحدك ، لا أحد معك يحتفل فرحا بهذا اليوم الجميل ، أحبابك بعيدون عنك
مشتتون في انحاء الأرض ، وانت هنا تتطلعين الى كلمة حنان واحدة ، تطفئ ظمأك الى نبتة الحب التي طال انتظارك لها ، من يحقق لك أحلامك المجهضة وتوقك المظلوم ، والأيام تمر بك بطيئة خالية من الفرح ، تستمعين الى الأغاني العديدة لأم كلثوم وفيروز ، وتشتعل الحاجة في قلبك الى يد تنتشلك من واقع أليم تعيشين به ، غريبة ، من يسهر معك ، يضمد جرحات الروح والنفس ، والليل طويل ، موحش ، من بقي معك ، وقد غاب عنك الجميع ، صديقتان فقط اتصلتا بك مهنئتين بالعيد السعيد ، وصديقك المحب اتصل بك معلنا عن حبه الكبير ، ولكن في اعماقك تظل النار مستعرة ، من يطفيء اللهيب المندلع ، وحاجتك المستعرة لقلب حنون ويد تمسد شعرك ، الذي يتوق الى كلمات تخفف بعض معاناتك ، نهدك يسهر وحيدا ، قد اثقلته السنون ، وكأنك تعيشين في بيداء ، تستمعين الى ام كلثوم وهي تشدو رائعتها اهل الهوى ، وهواك يعيش وحيدا ، من يحن عليك بهذا الجو القاسي من النسيان ، وكيف تنسين وصورته امامك ، ما ان تقرري الهروب من تعطش نفسك الى واحة حنينه الغائب ، حتى تندلع نيران حاجتك اليه ، قد نساك وسلاك قلبه ، وانت تعيشين على ذكرى ما قدمه لك من كلمات ، دون ان تظفري بما يحولها الى جنات من الورود والرياحين ، لماذا يظل قلبك متطلعا الى لمسة حنان ، ويبخل عليك الزمن بمن يجود عليك بها ، وقلبك كسير ومتألم ، ولمن يشكو ؟ والشكوى عن الغربة تعتبر عيبا في مجتمعك ؟ وانت وحدك بعد رحيل الاحباب ، تطول معاناتك ، وانت تعيشين في يم من الحرمان ، تعدين نجوم الظهر ، وترسمين ابتسامة السعادة على ثغرك ، لماذا لاتكونين سعيدة ؟ ولماذا تحيين على ذكريات مرت ؟ ولماذا لاتحاولين ان تبتسمي للأيام التي تقدم لك فرحة بديلة ، ان تجدي فرحتك مع حب وليد ، ازهر قبل فترة ، وعليك ان تتعهديه برعايتك ، لئلا تموت النبتة الرائعة ، لمَ لاترحبين بالحب الجميل الجديد الذي يقدم اليك بسرور ، لتجدي الحياة تفتح ذراعيها ؟
ولماذا تترددين ان تبوحي بما في قلبك من رغبة بالنعيم ؟ وعيش الحياة حتى ثمالتها ، والتمتع باللذات التي منحك الله اياها ؟ ما الفرق بينك وبينهم ، ولماذا تتضورين من الحرمان وغيرك ينهل من عطايا المحبين ، سعيدا بالهبات ، لم تبقين وحيدة ، ؟ وقد حباك الله قلبا عاشقا متيما بالحبيب ، من يواسي جراحك ، ويحنو على نفسك الظمأى التي تعيش في الجحيم ؟ من يرضى ان يمر العمر حرمانا متواصلا ؟ هل تنقصك الجرأة ، وانت تتلظين في بحار من جليد ، لااحد يعطف على نفسك الملتاعة فيهبها بعض لحظات من الحب
تتصل بك الشاعرة المشهورة تعتب عليك ،انك لم تساهمي في بعض الكلمات في تكريم شاعريتها ، اعتذرت انك مشغولة ، ووعدتها انك ستقومين بما يرضيها ، والحقيقة انك لم تقرئي لها عملا كاملا قبل هذا اليوم ، وبعد وعدك لها ، راجعت قصائدها ، فهالك ان الكثير منها رائعة ، وان كبار الكتاب والشعراء كتبوا في مديح تلك القصائد ، وفي الثناء على شاعرية صاحبتها ، اخترت احدى القصائد ، تلك التي تتوهج بها نار الرغبة ، وتستعر الحاجة الى الحبيب ، اية جرأة تمتلكها تلك الشاعرة ؟ حيث تعبر بكل حرية عن لواعج القلب واهات النفس وهي تنادي الحبيب وتطلب منه ان يطفيء النار المتأججة بين الضلوع وان يسعد القلب في ليلتهما المنتظرة ، وقد اندلع اللهب داخل النفس ، وطلب كل منهما صاحبه لإطفاء النار المندلعة ، كتبت قراءة نقدية في قصيدة الشاعرة
يصفك الناس انك ناجحة ، وقوية الارادة وتستطيعين ان تحققي ما تريدين ، ولكن ما بالك حزينة هذه الأيام ؟ لماذا تستبد بك الكآبة وشعور كبير بالاحباط ؟ كل ما تمرنت عليه من التسلح بالعزيمة وعدم السماح لأمواج الحزن ان تهزم سكينتك ، وكل التمارين التي اعتدت عليها في صباحاتك والمساءات ، وبذلك الجهد لطرد ما علق في ذهنك من موجات فشل ،وما اصابها من جراح تبدو احيانا عصية على النسيان ، ولكن لم تستولي عليك نيران التراجع ؟ وتجدين نفسك منهزمة امام كلمات بسيطة لا تحتملين ما ترين بها من اللامبالاة ، أي شيء تسعين اليه ؟ الم تحققي بعض طموحاتك ، لمَ تستبد بك مشاعر الألم ؟ هل لأنك تمضين عمرك بلا حب ، تساعدك نسماته على لم شعاث نفسك ، وتفتقرين الى وجود حبيب يضمد جراح القلب ، وخيبات الروح وما اصابك طوال عمرك من ويلات ، هل تمضين العمر وحيدة . تساهمين في التخفيبف عن ألم الناس ، وانت الظامئة الى قطرات من الغيث ، تصيب نفسك المفجوعة فتنعشها ، لم انت هكذا ، تتظاهرين بالقوة ، وداخلك مكسور ، تبدو عليك الثقة ، وانت تتطلعين الى بذرة حب تغرس في ارضك التي أصابها العطش من الأزل ، حتى متى انت محرومة من كل ما يتمتع به الناس الآخرون ؟ ومتى يمكن لزهور قلبك ان تتفتح ، ولينابيع نفسك ان تبصر ، تمضي ايامك حزينة بائسة ، لا نسمة تلطف من حرارة الجحيم الذي تعيشين في أتونه ، ورغم الصداقات الكثيرة التي تتمتعين بها ، الا ان قلبك محروم من الدفء الذي تتوقين اليه ، الى متى الحرمان ؟ ومن يمكن ان يخفف شعورك بالوجد ويبعد عنك احساسا بالضياع تشعرين به منذ زمن طويل ، من لنفسك الظمأى ان يروي عطشها الدائم ؟
( 13)
سفرة طويلة لكنها سعيدة ، استيقظت من النوم مبكرة ، فقد اخبروك انه يجب عليك ان تكوني في محطة الحافلات الكبيرة في الساعة الخامسة صباحا ، ولأنك دقيقة جدا في المواعيد ، وتحبين المحافظة عليها ، ولئلا يفوتك موعد اقلاع الحافلة ، فقد استيقظت في الثالثة صباحا ، وتناولت الفطور ، وهيأت نفسك للخروج من المنزل الساعة الرابعة والنصف صباحا ،أيقظت ابنك الحبيب ليصحبك في الطريق لتفلي سيارة الاجرة ، وحين سار بك قليلا الى محطة القطار لوجود سيارات الاجرة هناك ، رأيتما سيارة قادمة ، اتفقت مع ابنك وطلبت من السائق ان يوصله الى المنزل ويذهب بك الى محطة الحافلات ، وهناك لم تجدي احدا ، فان رحلتك الى الدار البيضاء ، وتنتظرين هناك اكثر من ساعتين ، ثم تأخذين حافلة أخرى الى مدينة بني ملال ، في محطة الحافلات شربت الشاي ، وحين جاءت الحافلة رأيت عددا من الأدباء المغاربة ، ركبوا معك في الحافلة ، وتوجهتم جميعا الى المدينة التي سيعقد بها المهرجان الأول في القصة والشعر ،
الطريق جميل ، تتخلله الاشجار الباسقة والارض الخضراء التي تمتع النظر وتبهج النفس ، والحافلة مريحة جدا ، لاتفرق عن القطار الذي تفضلينه بالسفر بشيء جلست بمفردك في المقعد الأمامي ، وجلس خلفك مباشرة اربعة من الأدباء والشعراء المغاربة الذاهبون الى بني ملال ، لم ينزل احدكم في الطريق الا لحظات لقضاء الحاجات الضرورية ، وحين وصلتم اتصلت بالشاعرة صديقتك التي قامت بتنظيم هذا المهرجان الجميل
وصلت الى الفندق ورأيت عددا كبيرا من الأدباء والشعراء يستقبلونك بالترحاب الكبير ، خفف بعض الشيء مما تعانين منه من غربة ،ومن شعور انك وحدك في معترك الحياة تصارعين أمواجها ، ولا أحد بجانبك يخفف عنك من المصاعب ، سوى شقيقك الذي في أوربا الذي يتذكرك دائما ويرسل لك المعونات المالية ،لتخفف عنك الضائقة المالية التي وجدت نفسك ترزحين تحت نيرها بعد اغلاق المدرسة وبقائك عاطلة بلا عمل..
اعطوك غرفة لوحدك ، فقد اعتذرت الشاعرة التي تسكن بالرباط عن المجيء ،بسبب ارتباطها بالامتحانات الجامعية ، ولا يمكنها المجيء ساعات قلائل
وبعد الغداء بدأ المهرجان بقراءات شعرية قليلة ، ثم بدأت القراءات القصصية وقام بالتقديم لها ابو القصة المغربي ذلك الاديب الجليل ، قرأت قصتك ونالت استحسان الحاضرين ، وبعد ان تمتعتم بالاستراحة وتناول الحلويات وشرب الشاي والعصائر ، عدتم الى القاعة ، حيث تمتعم بالقراءات الشعرية ، مع عزف وانشاد لطالبات صغيرات......
في المساء وبعد تناول العشاء كنت حائرة كيف تعودين الى الرباط ، اصبحت لاتقدرين على فراق اسرتك اكثر من يوم واحد ، تفكرين بأولادك الكبار ، والطلبات الكثيرة ، وانت لا تملكين الا التنفيذ رغم قصر اليد وحاجتك الماسة الى العلاج
تدبر لك صديقتك الشاعرة واسطة نقل مع اديب مغربي يسكن الدار البيضاء ، وسوف يقل معه في طريق العودة ،مجموعة من الأدباء.....
السيارة تسير بهدوء ، وفي الطريق يقترح الراكبون ان يرتاحوا قليلا في احد المقاهي ، تجلسون قليلا ثم تعودون الى السيارة ، التي تقلك الى الدار البيضاء الى محطة المسافرين
تجدين الازدحام شديدا فان ذلك اليوم يصادف المسيرة التي قام بها المغاربة تضامنا مع الصحراء.
تتصل بك سميرة
- متى تعودين ؟ عندي خبر جميل ، أود ان ازفه اليك
- شوقتيني الى اخبارك الجميلة ، ما الأمر ؟
- حين تزورينني أخبرك
- حسن ، سوف أتي اليك حين عودتي
تذهبين الى رؤية سميرة حال عودتك من الدار البيضاء ، تخبرك بما يسعدها :
- هل تتذكرين الرجل الذي كنت اخبرك انه يحبني ؟
- ذلك الذي لم تستطيعي ان تبادليه شعوره ؟
- نعم هو بعينه
- ماذا حدث بشأنه ؟
- بادلته عواطفه ، وأحببته كما يحبني
- ما الذي جعلك تغيرين موقفك تجاهه ؟هل صارحك بشيء؟
- نعم وضع حدا لتردده وقال انه يحبني
- ألم تخبريني انك لا يمكن ان تبادليه عواطفه ؟
- الآخر الذي احبه لم يتكلم ، هل اظل وحيدة ؟
- لماذا تظلين على رفضه وقد صارحك بالحب ، لكنك اخبرتني انه رغم حبه لك خطب فتاة أخرى
- نعم ولكنه لم يصرح لي بحقيقة مشاعره قبل الآن ، وحين خطب الأخرى ، رفضه أهلها
- لماذا رفضوه ؟
- انه فقير ، وعائلة الفتاة التي تقدم لخطيتها من اغنى العائلات البغدادية
- هل صرت تحبينه ؟ ، وهو كيف يحبك؟ ويتقدم للزواج من أخرى ؟
- الحادثة مضى عليها عامان ، ومن حقي ان احب وان اجد من يحبني ، لم احبه بعد ، لكني سأحاول ان انظر الى ايجابياته
- خبر سار جدا ، فرحت لك يا سميرة ، وهل توافق اسرتك وهو من اسرة فقيرة جدا ؟
- ان اسرتي تقدمية وسوف لن تعارض
( 14)
العمل في المسلة يسعدك ، تجدين نفسك مع مجموعة من الكاتبات والكتاب كلهم عراقيون ، تجتمعون خلال الاسبوع مرتين او اكثر تتبادلون باجتماعاتكم الأفكار ، وتتناقشون في الطريقة التي يجب ان تسلكوها لتكون المسلة ناجحة ، وتسهم في علاج حالة التردي التي يعيشها العراقيون ، حيث تمر الأيام ولا يجدون ان أحلامهم تتحقق ، وان نضالهم الطويل قد وصل الى بعض أهدافه ودواعيه ، أمس لم يحضر رئيس التحرير وطلب منك في رسالة الى المتابعة ان تقومي انت بمهام الرئيس ، ورغم انك لم تقومي بهذه المهمة من قبل ، فقد وجدت متعة كبيرة بقيامك بها ، تعاون الحاضرون معك ، واشتركتم في مناقشة فقرات جدول الأعمال ، وكنتم جميعكم راضين من سير الاجتماع ، ولكن الذي أثار الاستغراب موقف الفيس بوك من كثرة الرسائل التي قمت بارسالها ، اجتماعاتكم تكون بواسطة ارسال الرسائل بين اعضاء هيئة التحرير ، تصل الرسالة الى جميع الأعضاء ،ويكتب بها العضو ما يريد او يجيب على بعض الاستفسارات، التي يطرحها الرئيس او بقية الأعضاء ، ويبدو انك كنت اكثرهم سرعة بإرسال الرسائل مما اثار عجب ادارة الفيس بوك ، وكانت تطالبك كل مرة ان تهدئي ،والا تسرعي بالكتابة لئلا تفقدين حسابك جزئيا او كليا ، والذي اثار الاستغراب تلك الليلة حين ترأست الاجتماع ان عضوا احتج على وصول رسائلكم اليه ، ولم تكونوا تعرفون من يكون ، وبعد اظهار الاستنكار والخوف ان بريد المسلة قد اخترق ، وان شخصا لا تعرفونه يستطيع ان يقرأ الرسائل ، تبين في الأخير ان المحتجة احدى الصحفيات وكانت محررة وليست عضوا في هيئة التحرير ، ولكنها أضيفت الى الهيئة ، فما كان من الحاضرين الا ابداء الاعتذار منها ،وهي اعتذرت ايضا ، ثم غير الملف وواصلتم الاجتماع حتى النهاية
كتبت احدى عضوات هيئة التحرير مقالة جميلة نالت الاستحسان ، ولكن المقالة لم تكن بالصورة الكاملة التي ترضي جميع الأعضاء ، فاحتج رئيس التحرير طالبا حذف المقالة ، وفعلا حذفت ، ولكن الذي جرى انه طالب ان يوجه انذار الى تلك الكاتبة لانها نشرت ما يخالف توجيهات المسلة المتفق عليها ، ولكن الذي أعجبك كثيرا ان الاعضاء المجتمعين اتفقوا على الاكتفاء بالتنبيه القديم الذي وجه للكاتبة حين حذف مقالها ، كما ان الاعضاء المجتمعين اتفقوا على ان تكون التنبيهات في المستفبل بصورة شخصية ، وليس امام الاعضاء كلهم ، لآن الجميع اسرة واحدة متعاطفة
في تلك الامسية قمت بالخفارة المتفق عليها بدلا من احدى العضوات التي كانت في سفرة ، مما يتعذر عليها الحضور للقيام بالخفارة ، قمت بعملك منذ الساعة الثامنة والنصف بتوقيت لندن وحتى الساعة الحادية عشرة مساء بتوقيت لندن ايضا
كتبت تقريرا موجزا عن خفارتك ، وتمنيت لهم اوقاتا سعيدة
ما اخبرتك به سميرة افرحك كثيرا ، فهذه الانسانة تحبينها كما لو كانت ابنتك ، وتتمنين لها السعادة ، وان تتعرف الى رجل يفهمها ويقدر خلقها الجميل وصفاتها الراقية ، كنت على وشك الاتصال بابنة صديقتك التي صارت صديقة عزيزة لديك ، ولكنك سمعت صوت دقات على باب منزلك ، فأسرعت لتلبية النداء ، وكم كانت فرحتك كبيرة ، حين وجدت سميرة امامك :
- آه ما هذه السعادة ؟ سميرة في منزلي!
- اشتقت اليك ، وقررت ان ازورك
- زارتنا البركة صديقتي العزيزة
هرعت الى المطبخ لإعداد فنجانين من القهوة ، لكن سميرة ركضت الى المطبخ لتكون معك
- لن أصبر كثيرا ، عندي اخبار سوف تفرحك !
- انا بشوق كبير لسماع اخبارك
- محمود تقدم طالبا يدي
- بهذه السرعة ؟
- ألسنا في عصرها ؟!
- بلى ، وماذا قررت عائلتك ؟
- سألني أبي ما رأيك ؟ فأجبت بالإيجاب ، فطلب ان يرى خطيبي، واخبرت حبيبي بما قال الوالد ، وسوف يذهب بعد يومين لمقابلته
- ألم يسألوا عمن تقدم لك كما جرت العادة ؟
- مدحته امام عائلتي واخبرتهم انه شقيق صديقتي أحلام ، واعرفه تمام المعرفة ، فاطمأنوا على مستقبل ابنتهم العزيزة
(15)
كل يوم يثبت لك ان كل المواطنين بالعالم وبالمحيط العربي يتمتعون بحقوق المواطنة الا العراقيين ، فهم محرومون من كل الحقوق سواء كانوا داخل البلاد ام خارجها ، في داخل البلاد يفضل المسؤولون ان كانوا من القدماء أو الجدد الغرباء على اهل البلاد ، واغلبية الجماهير حين يكونون في موقع المسؤولية يفضلون الغريب على ابن البلد ، يجد العراقي نفسه محروما من الحقوق داخل بلده ، لان المسؤولين هناك يفضلون الأغراب ، ويجد نفسه محروما من الحقوق في بلدان أخرى لآن اهل تلك البلاد ،وحكامها يفضلون المواطن على كل الأجانب ، وهذا من حقهم ، تبين لك هذا حين حضرت الجمع العام لجمعية المدونين المغاربة ، التي انعقد جمعها التأسيسي قبل عشرين شهرا ، وكنت أنت في اللجنة التحضيرية لجمعية المدونين المغاربة ، قال لك رئيسها في الجمع التأسيسي انك ستكونين عضوا فقط ولن يسمح لك ان تكوني في اللجان لأنك اجنبية ، وانه لايريد ان يخضع للمساءلة ، حين يسأل من قبل احد
- لماذا تم تعيين اجنبية في جمعية مغربية ؟
والتدوين ليس له جنسية كما كنت تظنين ، قبلت ذلك الوقت ولم تناقشي، ووجدت انه ليس من حقك ان تعترضي ، فهم اهل البلاد وانت ضيفة عليهم ، طالت اقامتك بينهم ام قصرت
اليوم حدث الجمع العام ، وطالب بعض الاعضاء ان تكوني عضوا في احدى اللجان ولكن رئيس الجمعية احتج وقال انك عراقية ولم تتجنسي بالجنسية المغربية بعد ، وحتى العضوية في هذه الجمعية وجدت نفسك تحرمين منها ، قال لك الرئيس انك عضو شرفي غير قانوني
هذا الموقف يقفه كل الاخوة في البلاد العربية ، مسؤولين وشعوبا ، وتجدين الحق معهم ، فالمواطن يجب ان تكون له كل الرعاية ، وانتم بالعراق تختلفون عن كل الشعوب العربية ،أنكم تقربون الأجنبي وتبعدون العراقي ، كنت تظنين ان هذا الأمر يقتصر على النظام السابق ، حيث كانوا يهجرون العوائل العراقية والتي قطنت العراق منذ الاف السنين ، ويأتي بأفراد المعارضات الاجنبية العربية وغيرها ، ليجعلها تسكن بالعراق ، ويمنحها منازل العراقيين المهجرين ، ويعطيها كل الامتيازات ، ، ولكنك لم تجدي اي تفسير لما يقوم به العراقيون من تفضيل الاجنبي على العراقي ، ما هو السبب ؟ مهما بحثتم لن تجدوا ، وتبقى الحيرة تستبد بالنفوس ، والحزن مسيطرا ، والسؤال الكبير الى متى تظلون محرومين من وطنكم انتم العراقيين ، حين أغلقت المدرسة العراقية بالرباط ، لم تجدوا احدا يقف بجانبكم ، طالبتم بحقكم ، اعترض المسؤولون العراقيون على مطالبتكم ، وتساءلوا باستنكار لماذا لا تعودون الى الوطن ؟ ما دمتم تدعون انكم تحبونه ؟ وما الذي يبقيكم هنا بالمغرب ، ولم يدركوا ان الانسان يحتاج الى عمل والى سكن ، والى سرير يأوي اليه اذا غلبه التعب ، ومطبخ يغلي على طباخه الماء ان اشتهى كوبا من الشاي ، وثلاجة تحفظ له الطعام ، وأنتم لا تملكون شيئا من هذه الاساسيات في بلادكم التي تحبونها اكثر من أنفسكم، فكيف تعودون؟ هل تفترشون الأرض ، وتلتحفون السماء كما يقول اغنية فيروز ، وهل استتب الامن في العراق حتى يمكن لأي انسان ان يفترش اديم الأرض لأنه اجود انواع الأسرة المريحة
ومهما قيل عن النظام الليبي ، فانه حين اغلقت المدرسة الليبية في الرباط ، لم يعان أساتذتها من الفاقة والعوز ، كما عانى العراقيون ، فقد بقيت السفارة الليبية تمنح رواتب معلمي المدرسة الليبية حتى عودة المدرسة الى الافتتاح لاستقبال الطلاب
سميرة لا تسعها الفرحة ، حبيب العمر والذي لم تعرف حبا غيره لم يلتفت لمشاعرها، واحبها انسان آخر ورحب بان يكونا معا ، تحبين الاطلاع على اخبار العزيزة سميرة كل يوم ، فكل ساعة لها خبر يفرح القلب ويبهج الفؤاد ، وقد عانت طويلا ، وآن لها ان تسعد وان تجد من يؤنس وحدتها في دياجير الصقيع ، اخبرتك ان والدها وافق على زواجها من الرجل الذي احبته اخيرا ،بكل قطرة من دمائها المتعطشة للحياة والحب، قالت لك متهللة الوجه :
- انت اول من اخبره بما يجد معي
- ولهذا الاعتزاز المتبادل بيننا ، سوف ادعوك وحبيبك الى جلسة في منزلي مع صديقات لي في مثل عمرك
(16)
حين اغلقت المدرسة العراقية بالرباط ، ووجدت العوائل العراقية نفسها بلا عمل ، يساعدها في تدبير امور حيواتها ، كتبت موضوعا على شكل يوميات ، تتحدث عن معاناة صحفية عاطلة عن العمل
وقفت صحيفتي التي أعمل فيها عن الصدور ، لم نعرف بعد السبب الذي دعا الى إغلاقها ، كل من تولى ادارتها يعطينا سببا نجده معقولا ، وإذا بشخص آخر يقنعنا بسبب مختلف ، ذهبنا مجموعين الى مدير التحرير ، عله يجد لنا حلا مناسبا، بعد ان يرى اننا صممنا أن نكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، نظر الينا المدير نظرة شزراء ووبخنا على الحضور، الى منزله الفخم الذي يشبه القصور ، سارع أحد الزملاء( محمود) الى نفي التهمة عن شخصه الكريم،محملا ايانا نتيجة الخطأ ، فنحن أولى بالعقاب وليس من حقنا أن نشكو ، أشار المدير بيده السمينة الى الباب ، ففهم أغلبنا المراد من هذه الحركة الذكية،وخرجنا نجر أذيال الخيبة والفشل وقررنا ان ننقد انفسنا نقدا ذاتيا ،لانها أمارة بالسوء ومن واجبنا ان نضربها بالسوط ، نكسنا أعيننا الى الأرض ولم نجد بيننا زميلنا ( محمود) فقد أبقاه المدير مكافأة له، على حسن الرد وتفتيت جماعتنا
الاربعاء 4 غشت
عاتب أحدنا الآخر أننا تركنا حقوقنا ، وجعلنا شخصا واحدا، يلتهم ما يمنحه المدير له نكاية بنا ، وانه من حقنا أن نعيد لم صفوفنا ، وذكّرنا من كان ناسيا حكاية ذلك الأب الحكيم، الذي أراد أن يقنع أولاده بضرورة الإتحاد وان يقدم لهم روعة الخبرة ،التي جناها في حياته بأن اخبرهم ان العصا الواحدة يمكن كسرها بسهولة، اما إذا اجتمعت العصي، فانه من المستحيل أن تقدر قوة على كسرها بسهوله ، فأبدى الزملاء قناعتهم بالحكمة الخالدة، التي ورثناها عن آبائنا المجربين ، وآلينا على أنفسنا الا نجعل أحدا مهما كانت قوته وبراعته في فن الاقناع، أن يسلب منا حقوقنا بعد اليوم ، وتفرقنا مبتسمين بعد أن ادركنا كيفية اعادة الحقوق الى أصحابها
الثلاثاء5 سبتمبر
بعد مناقشة طويلة مع الزملاء، قررنا أن يتصل كل واحد منا بالمدير، وان يسمع منه النصيحة الثمينة، بما ينبغي علينا أن نفعله ، وخاصة ان الجريدة مضى على اغلاقها زمن طويل، وان أكثرنا قد أنفق ما خبأه لمفاجآت الزمان ، ولكن الذي أثار استغرابنا ان المدير لم يعد يجيب على هواتفنا الكثيرة ، وانه وضع الة تسجيل تجيب بدلا عنه، على نداءاتنا المتكررة وبعد ان تسمع الة التسجيل كلامنا تقول لنا ناصحة :يجب ان نترك رسالتنا وسوف يجيب المدير عنها حين يجد الوقت مناسبا..
الاثنين 6 اكتوبر
مضينا الى مكاتب الصحف والمجلات نطلب عملا بديلا ، صحبنا معنا سيرنا الذاتية، التي تبين ان لكل منا مشوارا طويلا ، قضاه بين جنبات الصحافة، باحثا عن الحقيقة ،جاريا وراء المتاعب، مسجلا الاخبار معلقا على الحوادث، ساعيا الى ابراز سطوع الشمس، وسط دياجير الظلام ، بعض الصحف استقبلتنا ورحبت بنا ووعدتنا انها تتصل بنا ،حين يغادرها أحد الصحفيين الى جريدة او مجلة اخرى ، والبعض الاخر من المكاتب التي راجعناها، نصحتنا الا نبحث عن وسيلة اخرى للنشر، وكسب العيش فان صحيفتنا لابد ان تعود الى الصدور مرة اخرى، ومن العبث ان نترك سنين خدمتنا كلها، ونبدأ من جديد ، طلبنا من مدراء الصحف التي زرناها ان يستلموا سيرنا الذاتية، لكنهم رفضوا باصرار مثير للدهشة..
الاحد 7 نونبر
ولأن اليوم عطلة رسمية، قرر بعضنا أن يكتب رسائل الكترونية الى مدراء التحرير للصحف في العالم العربي كله، شارحين ظروفنا ، طالبين الحصول على عمل صحافي ، بعد ان نفذت كل نقودنا وعوائلنا تطالبنا بسد حاجاتها فنقف عاجزين ، وها نحن ننتظر عل احدا ينظر الى كفاءاتنا بعين العطف ، ويعين احدنا في جريدته، ونالنا اليأس من عودة جريدتنا الموقرة الى الصدور
علق الكثير من القراء والكتاب على قصتك هذه معلنين عن تضامنهم معك ، واستلمت في احد المنتديات رسالة يقول كاتبها:
قرأت قصتك وفهمت معاناتك ، أرجو ان تكتبي لي على الايميل الاتي-
حلمت قليلا ان كاتب الرسالة قد يملك بعض الحل لمشكلتك ، فكتبت له رسالة ، اجابك عنها قائلا
انني صحفي من بلاد عربية ، أشتغل مراسلا لصحيفة عراقية لقاء مبلغ شهري700 دولارا ، هل يمكنك ان تساعديني في ايجاد مراسلة لي لجريدة عراقية أخرى؟ حتى اتمكن من اصطحاب عائلتي الى العراق
كتبت طالبة من الصحيفة نفسها ان توافق على تعيينك مراسلة لها في المغرب ، لم توافق على التعيين ودفع مرتبك شهريا ، بل اقترحت عليك منحك ثمنا بالقطعة فقط لقاء المواضيع التي تقومين بأرسالها لها ، وكان الثمن ضئيلا جدا خمسة عشر دولارا في الموضوع الواحد
ولكنك لم تسلمي بسهولة ، فقد راسلت صحفا كثيرة ، ان تنشر لك ما ترسلينها لها من مقالات وحوارات وتغطيات للأنشطة الثقافية المغربية ، وعدك الكثيرون قي عدد من الدول العربية ان يقفوا بجانبك ، وان يعيونك مراسلة لهم في بلاد المغرب ، وارسلت لهم المواضيع التي يريدونها ، لكنهم لم يرسلوا لك الثمن الذي اتفقتم عليه ، فقررت تركهم والتوجه الى صحف اخرى تصدق في وعودها
(17)
هيأت منزلك لإقامة حفل صديقتك سميرة وحبيبها ، وصل المدعوون مع زوجاتهم وحبيباتهم ، تفاجأت ان حبيب سميرة قد جلب قنينة شراب معه ، وانت لم تتهيئي لمثل هذه الجلسات ، طلبت من سميرة ان تخبر حبيبها بتأجيل الشراب الى مناسبة أخرى تكونين انت وزوجك وسميرة وحبيبها وحدكم في المنزل ، واعتذرت لسميرة قائلة :
- الكثير من المدعوين هذه الليلة لا يحبون تناول الشراب
- اخبرت محمود بالأمر فتفهمه
وانتم تتحدثون في مختلف الأحاديث طلبت سراب ان تحدثك بأمر هام
لحقتك الى المطبخ وقالت :
- كيف يمكن لسميرة ان تجني على نفسها بارتباطها بهذا الرجل ؟
- ما به ؟
- ألم تلاحظي كيف ينظر للنساء الحاضرات ، نظراته الشبقية تطاردهن في منزلك ، لم ارتح لنظراته الوقحة وحتى ز وجي فطن لما يرسله محمود من رغبات الى النساء ، مسكينة سميرة ،الم تجد من تدفن معه حياتها وتقمع روحها الا هذا المحتال ، لماذا لم ينصحها احد بحقيقة هذا المخلوق ، هل يحبها حقا ؟ ام يمثل عليها الحب ؟
- وما يدريني ؟ حين قابلته اول مرة ظننت انه يوجه لي نظراته المحمومة لوحدي ، وتعرفين زوجي لا يبالي بمثل هذه الأمور ويثق بي وبحسن تصرفي ، لكن ماذا أفعل ؟ سميرة صديقتي فهل يمكنني جرحها ؟
- كيف وافقت عائلتها ؟
- قابله ابوها فقط ، فهل يمكن ان يوجه نظراته الآثمة الى الرجال ايضا ، لابد ان سميرة ستكشفه قبل فوات الأوان ، ونحن لن نخبرها ، وسوف نتظاهر اننا لم نفطن
- سميرة ذكية وسوف تكتشف الأمر قبل عقد القران ، ولكن ما الذي اعجبها فيه ؟
- تقول انه عصامي ومتعدد الاهتمامات وانه بار بوالديه ، يعطي نصف راتبه لهما ، وقد حدث سميرة بانه سوف يستمر على اكرام والديه بعد الزواج ايضا ، فلم تمانع ، تعرفين انها من أسرة غنية بالإضافة الى انها ماهرة بالعمل ولها راتبها المرتفع
- اكثر ما اخشاه انه طامع براتبها وثروة أسرتها ، تصرفه مع النساء لا يدلل على انه يحبها هي فقط من دون النساء ، اجد انه يعشق كل النساء في وقت واحد ، وحرام ان ترتبط سميرة المرأة الكاملة بمثل هذا المخلوق
- انا مثلك ، كنت متحمسة لهذا الزواج ، لقد رفضت سميرة الكثير من العرسان ، وآن لها ان تستريح
- صامت دهرا وأفطرت على بصل ، هيا نعود الى الجالسين ، طال غيابنا عنهم
- ارجو ان تكون توقعاتنا كاذبة
- عسى ان تكون
تجدين سميرة متهللة الوجه :
- وافق محمود على نقل عملي التدريسي الى بغداد
- خير لكما نقلك ، اذ كيف تتزوجان وانت في بلاد بعيدة عن وطنك الذي يقطن فيه زوجك ، ألم تحلمي ان تعودي الى وطنك الحبيب ؟
- بلى ، لكني كنت أؤجل تحقيق هذا الحلم ، وها اني اتوصل الى هدفين لي عزيزين معا
- اهنئك حبيبتي على عودتك الى وطنك وزواجك فيه ، عيدان اثنان يستحقان الفرح ، وسوف اعود أنا ايضا الى ربوع الوطن ، ليزهر القلب وتنمو وروده
- سوف نكون معا ، نحن الصديقتين ومع عائلتي والأصدقاء
(18)
ها ان الأيام تمضي في بغداد سريعا ، ذهبت بدعوة من وزارة الثقافة العراقية ، وصلت لك التذكرة على الخطوط التركية عن طريق الانترنت ، يا لهذا الحدث الرائع من انتصار ساحق لقضايا الانسان ، حضرت ملابسك بسرعة وسافرت مع الاخ الشاعر العراقي المقيم في المغرب، في رحلة امتعتكما معا ، اقمتما في فندق كبير قائم في شارع السعدون ثلاثة ايام ، كانت الوفود كثيرة من خارج العراق وداخله ، تعرفت الى اعضاء كثر في منظمات المجتمع المدني التي كثرت بالعراق ، انه المؤتمر الاول الذي يدعى اليه اعضاء في منظمات ثقافية عراقية خارج العراق ، وحين وجدت ما يتمتع به العراقيون من مؤتمرات ومن انشطة كثيرة تعزز الترابط بينهم قررت ان تمكثي بالعراق وطنك الحبيب ، وحين انهى المؤتمر اعماله وعادت كل الوفود اما الى مقرها في الخارج او لزيارة افراد اسرها ذهبت انت مع زوجك الى الشقة التي استأجرها وكانت بائسة بكل المقاييس المتعارف عليها بين البشر ، لاسخان يمكن ان يمدكما بالماء الساخن للاستحمام ولا غرفة مريحة تشعرك بالاطمئنان، وحتى الدرجات المؤدية لشقتكم من بيت المؤجرين ركبت بشكل عمودي، لم تكن تريد الزائر الذي قد يفكر بزيارتك وقضاء وقت فرح في ربوعك المقفرة ، فكرت بشقيقتك التي تمدك بكل ما تحتاجينه من مال ومتاع ،كيف يمكنك ان تستقبليها في منزلك الذي لايشجع احدا على الدخول اليه ، سافرت الى كربلاء لفترة قصيرة ورأيت اختك الصغرى هناك ، اعطتك شقيقتك الكبرى مبلغا كبيرا من المال لم تستفيدي منه كثيرا ، بل اعطيته لزوجك الذي اخبرك انه سوف يسافر الى المغرب عن طريق البر، فخشيت عليه ان تتدهور صحته المتعبة كثيرا ولا يتمكن من خطبة الفتاة التي اختارها ابنك ، وسرعان ما شعرت بالندم على معروفك الذي لم يجد ابدا ، ككل اعمال المعروف والاحسان التي تقدمينها ولا تجنين الا اشواك المعاملة السيئة والبخل
اتصلت بك سميرة داعية اياك لحضور حفل عرسها ، لبيت الدعوة مسرورة ، المدعوون كثيرون في منزل عائلة سميرة ، جهز أبوها كل الأشياء التي يمكن ان تسعد ابنته العزيزة ، وكل ما يمكن ان يقدمه الرجل لزوجته في حفلة العرس ، حتى ملابس العرس الجميلة التي اخذت سميرة ترتديها في الحفل كانت قد اشترتها سابقا ، ولم يقدم لها العريس شيئا ، وحتى خاتم الخطبة اشترته هي من راتبها
الكيكة التي هيأها والد سميرة كانت بسبع طوابق ، والعشاء كان لذيذا وكثيرا’، مما اثار اعجاب المدعوين
بدت سميرة كالشمس ساطعة الجمال ، وهي تجلس قرب العريس الذي حضرت عائلته ، شاهدت أنواعا من الرقص لم تشاهديها من قبل، اخوات العريس كلهن تمايلن على انغام الموسيقى الراقصة ، اثار استغرابك ان سميرة تبدو عليها علامات السعادة رغم ان محمود لم يقدم لها شيئا ، وتساءلت بصمت :
- هل كانت سميرة محرومة من الحنان لترضى بأول رجل يعلن لها الحب ، ألم يتقدم لخطبتها العديد من الرجال ، وكانت ترفضهم جميعا ، متعللة بمختلف الأعذار، يا لهذه المخلوقة النادرة المثال ! ويا لقلبها الكبير الذي يبدو انه قد انطلت عليه عملية خداع كبيرة من مدع بالعشق ، والحب منه براء ، كم ضعيف انت أيها الانسان ، تظهر قوتك المزعومة ، ولا تعرف خداع المرائين، صديقتي العزيزة ، كيف اجعلك تدركين حجم اليم الذي اوقعتك به ثقتك الكبيرة بمعسول الكلام ، ولكن ما الذي جعلك تقدمين على حبه ؟ وقد صرح الكثير لك عن حبهم وكانوا أكثر صدقا ، وأقرب منك اقتصاديا واجتماعيا ، قلت لي مرة عن محمود الذي ستقدمين على الانتحار بزواجك منه :
- انه الوحيد الذي أذاقني لذة القبلة ، جميعهم كانوا يعبرون لي عن حبهم على الورق ، ومحود كان جريئا ، صرح لي بحبه الكبير وطلبني للرقص ، وفي أثناء احتضاني بذراعيه القويتين طبع قبلة على شفتي ، آه صديقتي العزيزة تقت كثيرا الى الحب وها اني اتوصل اليه بعد بحث طويل ، قبلة عبر لي محمود بها عن شدة حبه ، كيف أتنكر لهذا الحب ان كان صاحبه غير قادر على ان يدفع مهري كما يفعل الأزواج ، لا يهم كل شيء ، المهم عندي هو الشعور بالحب والتعبير عنه
تنظرين الى سعادة سميرة التي تجدينها واضحة لكل الناس ، تتمنين لها ان تعثر على حب دائم عند محمود الذي بدأت الشكوك تساورك عن صدق مشاعره ، من يدري ؟ قد تكون مخاوفك مبالغ بها ، وان محمود رجل فقير ، تحتاج اسرته الفقيرة الى كل راتبه ، فليس الفقر عيبا ، ولكن هل من الانصاف ان يتكل على زوجته تمام الاتكال في توفير ما يلزم العيش ،من مأكل ومشرب ولباس ودواء ونقود يصرفانها عند الخروج للتنزه ، ام انه قرر ان تكون سميرة في المنزل للقيام بأشغال البيت بعد الانتهاء من اعمال الوظيفة ، وهو سارح لوحده بين الحسناوات
(19)
تمضي الأيام ثقيلة متباطئة ، وأنت تراجعين مديرية تربية الكرخ الثالثة ، علك تحظين بجواب يشفي النفس من جراحاتها الكبيرة ، صعب على الانسان الذي جرب العمل وعرف لذته ، ان يبقى فترة حتى لو قصرت بلا عمل ، من يمده بالمال الذي يحتاج اليه ؟ ومن يقف بجانبه ليسد حاجاته ، ومن يمكن ان يساعد أسرته التي اعتادت عليه ان يكون عاملا يقف بجانبها مشبعا حاجاتنها ،، تراجعين كل يوم والجواب الوحيد الذي تتلقينه :
- - لم يصلنا الجواب، امي لماذا تتعبين نفسك ؟ وأنت في هذا العمر ، اذهبي الى منزلك وارتاحي
وكيف اعيش ؟ ومن يقوم برعايتي ورعاية اولادي الذين تركتهم في بلاد أخرى ؟-
لم تستطع هذه العبارة ان تنتشل شجرة التفاؤل الكبيرة في داخل نفسك ، كنت متأكدة انك ستعودين الى عملك ، كما كنت واثقة قبلها انك ستعودين الى وطنك بعد غربة طويلة فرضت عليك ، وكثيرا ما سمعت ممن هم حولك من المعارف:
- لافائدة مما تفعلين ، سوف لن يوافقوا على اعادتك
موقفهم يؤلمك لكنه لم يتمكن من اسئصال الثقة من داخل قلبك
تكثرين من التردد على مديرية التربية ، لاأحد يمكنه ان يستأصل من داخلك ما تشعرين به من ثقة، ان حلمك سوف يتحقق وان رغبتك في اعتبارك مفصولة سياسية سوف يأتي بأكله قريبا ، ولن تكوني عاطلة بعد اليوم ، وسوف لن يستمر تعبك ومعاناتك وحرمانك الطويل، مما يستطيع العاملون ان يحصلوا عليه نتيجة عملهم الطويل من اشباع بعض حاجاتهم بدون منة من احد
بعد مراجعتك لمديرية التربية تتصلين بسميرة للاطمئنان على حياتها الجديدة ، ترحب بك كعادتها :
- اين انت ؟ ماذا فعلت ؟ وكيف كانت مراجعاتك ؟ هل أثمرت ؟
- سوف تثمر ورودا يانعة تسرني وتسعد عائلتي ، وتبهجك أنت صديقتي وابنة صديقتي
- ان شاء الله ، ولكن لماذا لا تزورينني ؟
- سأزورك قريبا ، كنت انوي المرور عليك حين الانتهاء من المراجعة ، ولكني خشيت الا تكوني في المنزل
- انا في المنزل الآن ، مري علي قبل وصولك الى المنزل ، واشربي عندي فنجانا من القهوة
- حالا عزيزتي ، أشرب فنجان القهوة ، ثم اواصل الى منزلي الذي لا يبعد كثيرا عن منزلك
تستعينين بالكوستر ليوصلك الى بيت سميرة ، تستقبلك مسرورة ، لكنها لا تتمكن من اخفاء التعب الشديد الذي يبدو واضحا على محياها وعلى خطواتها التي اصبحت مرتبكة كثيرا
- ما بك ؟ هل انت مريضة ؟
- لست مريضة ، بل انا حبلى
- مبارك لك ، متى عرفت ذلك ؟
- قبل ثلاثة ايام ، وقالت لي الطبيبة يجب الا اتعب نفسي وان اتناول الطعام الصحي الكامل والا ادع أشغال المنزل ترهقني كثيرا ، وان احاول الا اسير لمسافات بعيدة ، وان احاول تخفيف وزني قليلا ، لأن الوزن الثقيل يضر بالجنين كما يسيء الى امه
- جميل عزيزتي ، يمكنك ان تنفذي تعليمات الطبيبة ، فهي ماهرة كما سمعت
- انها طبيبة ممتازة
- اذن نفذي تعليماتها ، وخففي من تناول الحلويات التي تحبينها كثيرا ، وأكثري من الفواكه والبروتينات والخضر ، ففيها الفيتامينات والمعادن التي تفيدك كثيرا ، انت مثقفة وحريصة على صحتك ، ويجب ان تنفذي التوجيهات بدقة ، ما بك صامتة ؟ ألا يسعدك أن تصبحي أما؟
- يسعدني جدا ، ولكنه لا يوافق ان أشتري الأطعمة التي وصفتها لي الطبيبة ، ويقول انها تبالغ ، ومن أين للفقراء ان يشتروا كل هذه الأصناف ؟
- أمنت بالله ، رحم الله الفقراء ، ولكنك لست فقيرة ، انت تعملين بجد ، والدولة تعطيك راتبا تستحقينه بتعبك
- يقول انه لا يستطيع ، ويجب علينا ان نتضامن مع الفقراء
أين تذهبين براتبك ؟-
- الايجار والطعام
- وأين راتبه ؟
- يقول ان أسرته تحتاج اليه
- ألم تتفقا أن يعطي لأسرته نصف الراتب ؟ اصرفي من راتبك ونصف راتبه واحفظي صحتك
- اخبرني انه يحتاج الى نصف راتبه لشراء السجائر والمشروبات ، وان راتبي اعلى من راتبه ، ومن واجبي ان اقف بجانبه اشد أزره
لا تعرفين كيف تجيبين ، ماذا تقولين لسميرة ، وماذا يمكنك ان تفعلي ، وهل يفيدها اخبارها حقيقة زوجها الآن ،وهي حامل وتحتاج الى الحب والمودة والى يد تقف بجانبها، تساعدها في اعمال المنزل التي لا تنقضي ، والتسوق الذي تضطر فيه الى حمل أثقال لا يتحملها الأصحاء ، فكيف بامرأة رقيقة تمر بظروف حمل وتحتاج الى المواساة
تخرجين من بيت صديقتك المقربة منك كثيرا وانت تحملين هما كبيرا ، لست بقادرة على الصمت او الحديث ، كلاهما امران قد يسيئان الى انسانة تحبينها ، ماذا يمكن ان تفعلي وقد وقع الفأس بالرأس وأوشك أن يهشمه ، أليس السكوت خيرا من كلام لا يجدي نفعا ، فلتصمتي ولتقفي بجانب العزيزة سميرة علك تستطيعين ان تخففي من المتاعب التي سوف تلقاها وقد بدأت تباشير هذا اللقاء
(20)
تخبرك صديقتك في مجلس الوزراء انهم وافقوا على طلبك بعد هذا الانتظار الطويل ، قدمت لهم الطلب في اول شهر شباط من عام 2008 وهاهم يوافقون على اعادتك في الشهر السادس من عام 2011 ، طلبت ان تستديني بعض المال لإرساله الى الأولاد في المغرب ، فاستدان زوجك من صديقه، وارسل النقود بيد احد الأصدقاء المقيمين بالمغرب ، على أن تقومي أنت بتسديد الدين حال رجوعك الى العمل
الجميع يقول لك:
- -كيف يمكنك أن تتفاءلي في هذا الجو المشحون ؟ سوف لن يعيدوك الى العمل ، لا تصدقي بوعودهم
- - انا متفائلة ان الغد لابد ان يكون أفضل من اليوم ، وسوف يعيدونني
اخبرتك صديقتك انهم اخبروها بموافقة لجنة التحقق على اعادتك للعمل ولكنها لم تعرف منهم تاريخ الموافقة ورقم القرار بعد ، راجعت مديرية تربية الكرج عدة مرات في الحر اللافح والشمس المحرقة ، آملة ان يخبروك بوصول القرار ، لكهنم لم يفعلوا ، وكل مرة تراجعين بها ، يقولون لك:
-تعالي بعد عشرة ايام
لم تكوني تستطيعين الانتظار كل الأيام العشرة ، فكنت تواظبين على الذهاب الى مديرية الكرخ كل ثلاثة ايام ،والجواب يتكرر :
-لم يصلنا شيء بعد ، تعالي بعد عشرة أيام
الكل يريدون ثنيك عن التفاؤل الجميل
-
تمر اربعة وثلاثون يوما على اخبارك من قبل صديقتك على موافقة لجنة التحقق; ، تمضين الى مديرية تربية الكرخ مستفسرة ، تقفين في حرارة الشمس الشديدة ، تقول لك احدى الموظفات :
قفي هنا في الظل-
ولكن لا ظل هنا-
ما الذي يجبرك على المجيء ؟ وانت في هذا العمر ؟ ارتاحي في منزلك سيدتي-
ومن يقوم بأمري ؟ واولادي بعيدون عني في ديار غريبة ؟-
تترددين عليهم كل ثلاثة ايام ، تسألينهم عن الجديد ،وأخيرا نطقوا بما كنت تأملين:
- جاء القرار-
تعطيك الموظفة قرار لجنة التحقق في مجلس الوزراء، وقرار وزارة التربية المعتمد على قرار لجنة التحقق والقاضي بإعادتك الى العمل بوزارة التربية والتعليم باعتبارك مفصولة سياسية ، وينص القرار ايضا على تغيير مكان العمل ، تطلب منك الموظفة ان تستنسخي القرار الوزاري باربع نسخ مصورة وان تعيدي القرار الأصلي اليهم ، وأنت لا تملكين نفسك من الفرح تستنسخين القرار وتعطينهم الأصلي مع نسخ مصورة عن الجنسية وشهادة الجنسية ووثيقة السكن والتموينية ، وتطلب منك الموظفة ان تحصلي لها على وثيقة اصلية من شهادة التخرج ، وعلى شهادة صحية تحصلين عليها من مستشفى في الكاظمية ، ثم يسألونك :
-أين تقيمين؟
- في سومر
- يجب ان تنقلي عملك اولا من تربية الكرخ الى تربية الرصافة
- واين يمكن ان انقل عملي ؟
- اذهبي الى مكتب الوزير
في مكتب السيد الوزير ، تشهدين السيدة مديرة المدرسة التي كنت تشتغلين فيها تستقبلك وترشدك الى كيفية العمل ، وتخبرك انه يجب ان تذهبي الى مكتب وكيل الوزارة في المنصور ، هناك تطلبين مقابلته ، لا تسمح لك مديرة مكتبه ، قائلة :
-اكتبي ما تريدين قوله في ورقة ، وانا اقوم بتوصيله الى السيد الوكيل
تذهب كل رغبة بك للمقابلة ، تكتفين بتوقيع وكيل الوزارة على طلبك بنقلك من مديريات الكرخ للتربية الى الرصافة ، وتبدئين بمراجعة المديريات علها توافق على نقل مكان اعادتك الى التعيين
تعودين الى مديرية تربية الكرخ ، حيث كنت تعملين هناك في مدرسة واسط قبل ان تغادري العراق ، يخبرك الموظف :
هل تعلمين اين ملفك الآن ؟
- لا علم لي ، كنت في الكرخ
- لن يوافقوا على اعادتك ان لم يجدوا الملف
- أين يمكن ان يكون ؟
- غادرت العراق ولم تكن مديريات التربية بالشكل الذي عليه اليوم ، كانت هناك مديرية تربية الكرخ واحدة ، ومديرية تربية الرصافة واحدة، الآن تضخمت المديريات ، أصبحت للكرخ ثلاث مديريات وللرصافة ثلاث مديريات أيضا-، اذهبي الى الكرخ الأولى ، يمكن ان يكون الملف عندهم
تنفذين التعليمات وتسارعين الى الكرخ الأولى:
- اريد الحصول على ملفي ، انا معلمة جامعية
متى تركت العمل ؟-
- في عام 1979
- فترة طويلة غادرت العمل ، كيف يمكننا ان نجد ملفك ؟ ، اذهبي الى الغرفة 15 علك تعثرين على اثر للملف الذي تزعمين
تذهبين الى الغرفة المذكورة ، يسلمونك اكداسا من الملفات لمعلمين غادروا مدارسهم ، تبحثين عن اسمك فلا تجدينه ، ماذا يمكن ان تفعلي ؟ تذهبين الى غرفة الملفات ، اكداس هائلة من الآف الملفات ، كيف يمكن ان تجدي بغيتك بينها ؟ تقول لك المسؤولة :
- هذه ملفات الذين تركوا مدارسهم ، ابحثي فيها-
بتعبك البحث الطويل ، تسالين:
- اين أجد ملفي ؟
اعطيني اسمك الكامل ، وسوف ابحث لك عن الملف -
متى يجب ان اراجعك ؟-
بعد شهرين -
يا لصعوبة الأمر ، تريدين العودة الى العمل بسرعة ن واذا بأمور لم تكن تخطر ببالك تعرقل كل أحلامك ، تذهبين الى احد المدراء الذين عينوا حديثا :
- لا تيأسي وابذلي جهدك وابحثي عن ملفك
-واسالي في الغرفة رقم 7 عن الملف ،
تذهبين الى الغرفة 7 ، تقول لك الموظفة :
اكتبي طلبا في ضرورة الحصول على الملف ، وتعالي بعد خمسة ايام-
-
(21)
القلق يضنيك على سميرة ، منذ فترة لم تريها ، ترى كيف أصبحت حالتها ؟ هي ضعيفة الجسم ، لا تتحمل الكثير من الأعباء والتي وجدت نفسها تعاني من نيرها ، كيف يمكنها ان تعمل خارج المنزل ، وان تسارع بعد العودة من العمل الى السوق لشراء ما يلزم من حاجات ، ثم تسرع لطهي الطعام وتحضيره لزوجها الذي يجد انه من المعيب جدا ان يساعدها في أعمال المنزل ، ويقول ان المنزل من اختصاص النساء فقط ، فاذا ما وجه اليه احدهم سؤالا :
- أليست المرأة تعمل ايضا خارج المنزل ؟
- لماذا تطالب بالمساواة ؟عليها ان تعترف بفضل الرجال
- ولكن فضل الرجل لأنه كان المنفق على العائلة، والنساء أغلبهن أضحين منفقات على أسرهن
- كفى نقاشا في هذا الأمر ، سئمت منه
تصلين المنزل ، تدقين الباب ، ولا احد يجيب ، ترى اين ذهبت سميرة ؟ لابد انها قد عادت من العمل ، الساعة الثالثة الآن ، هل أصابها مكروه؟
تواصلين الدق على الباب ، تسمعين أصواتا تقترب ، لابد انها سميرة جاءت لفتح باب منزلها واستقبالك ، يفتح الباب ، هالك ما ترينه من اصفرار وجهها وشحوبه ، وقد كانت كالتفاحة نضارة وبهاء ، كيف يغير الزواج شكل النساء وأرواحهن ؟ كيف أصبحت سميرة بهذا الضعف وهي تزوجت عن حب ؟ كيف يكون وضع المرأة التي تقترن حتف أنفها ؟ لأن قطار الزواج فاتها ، ولا بد لها من شر الزواج ؟ يأتيك صوت سميرة واهنا :
- تفضلي ، ادخلي
- - ما بك ؟ لماذا اجدك شاحبة الوجه ؟
- لأني مريضة جدا
تدخلين بسرعة وتطلبين من سميرة ان ترتاح على سريرها
- ماذا حدث ؟ ولماذا لم تخبريني ؟
- حدث كل شيء بسرعة ، لم أتوقع انه سيحدث ، كنت أنتظر ان أصبح أما ، ولكن قضي على أحلامي
- هل ؟؟؟
- نعم اجهضت
- لماذا ؟ ألم تنصحك الطبيبة ان ترتاحي ، وألا تتعبي نفسك ؟ ماذا فعلت ؟ هل حملت شيئا ثقيلا ؟ هل تمشيت لمسافات طويلة ؟
- حمل الأثقال كان كل يوم ، كل يوم وحين خروجي من المدرسة أعرج على الأسواق لشراء ما يلزم من حاجات للمنزل ، من يقوم بالتسوق اذن ؟ وكيف نأكل، اهلي لم يستطيعوا ان يطبخوا لي كل يوم ، أغلب الأيام كانوا يبعثون لي قدورا مما طبخوا ، ولكن بعض الأيام لا يستطيعون
- وهل تمشيت كثيرا؟
- نعم كثيرا جدا ، جعلني أسير من الشعب الى باب المعظم ، لأننا كنا مدعوين الى وجبة غداء
- لماذا ؟ ألم تنفذي تعليمات الطبيبة ؟
- وماذا بيدي ، خرجنا معا وكانت الشوارع مزدحمة ، ولم نجد حافلة نستقلها ، فأردت ان نستأجر سيارة أجرة ، قال لي :
- انت تبذرين / من اين لنا اجور سيارة الأجرة ، لماذا لا تسيرين كما يفعل الناس عادة ؟ اين شبابك ؟ لم أدر انني اتزوج عجوزا مريضة
- قولك هذا يثير تعجبي ، لماذا يسيء اليك وانت تحبينه كل هذا الحب ؟ ألم تخبريه بما نصحتك الطبيبة ؟
- بلى ، لكنه قال ان الأطباء عادة يبالغون ، وان امه كانت تقوم بكل الأعمال المنزلية وبدون ان تراجع الطبيب ، ولم يحدث لها شيء ، ونحن أولادها وبناتها كلنا بخير ، كالورود
- هل يأخذ راتبك كله؟ لماذا لم تستعيني انت بسيارة اجرة ؟ ألا تبالين بصحتك وحياتك ؟
- قال لي ان نقودنا كلها لذاك الشهر قد خسرها في القمار ، وان أباه أشفق عليه ومنحه بعض الدنانير ، تتكفل ببعض حاجاته حتى نهاية الشهر
- وأنت من يتكفل بحاجاتك ؟
- سألته قال ان راتبي اعلى من راتبه ، وان عائلتي غنية وعائلته فقيرة ، وانها تحتاج كثيرا لنقوده ، ثم صرخ بوجهي :
- كم مرة أكرر لك هذا الكلام ، هل تعيرنني بفقري؟ ، فاضطررت للصمت ، وسوف لن اتحدث معه حول هذا الأمر
(22)
حبيبك يتصل بك معبرا عن حبه الكبير واشتياقه الشديد ، وأنت الوحيدة الغريبة في وطنك ، لم يكن لك أصدقاء جدد بعد ، ولم تتمكني من الاتصال بأصدقائك القدامى ، الحياة تسير بك حزينة هادئة وانت لا خل لك ولا أنيس ، حبيبك يعبر عن حبه على شبكات الانترنت وعبر الهاتف النقال ، تتبادلان الحب الذي حرمت منه ، وتواصلان عشقكما المستعر وانت جذلى بحديثه العذب وكلماته الحسان وتواصله الذي يبث في قلبك السعادة ،ويحيي موات نفسك المتعطشة الى كلمات الحب والوداد ، تحييان جلسات الحب بينكما على الرغم من المسافات الكبيرة ،التي تفرق بينكما ولكنكما تحاولان بناء حياة سعيدة واحياء علاقة حب عميقة بينكما ، كلماته تحييك وهمساته تنعش قلبك الذي كنت تظنين انه مات منذ زمن طويل
- يسألك الحبيب عن أخر مستجدات سعيك الدؤوب للعودة الى العمل الذي تحبينه كثيرا ، وانت تحدثينه عما جد معك بعد حديث الحب والهيام الذي لا يمكن ان تتخليا عنه مهما كانت الأحاديث الأخرى عظيمة ، فالحب اولا والرجوع الى العمل ثانيا ، وحبيبك يستمع الى كلامك فرحا مسرورا لأنه استطاع ان يدخل الى قلبك الفرح المنشود
تحدثين حبيبك بكل ما يمر بك ، عن الشوق الكبير الى أحضانه ، والى كلماته العذبة التي تبعث الحياة الى نفسك الظمأى ، وعن سعيك الدؤوب اتلى العودة الى العمل ، فأنت لا تحبين البطالة ،لا تودين ان تكوني بحاجة الى انسان لينفق عليك ، وانت بقيت العمر كله تشتغلين وتنفقين على من هم حولك
تمصي الأيام الخمسة وانت في اوج اشتياقك للعودة الى عملك ، الذي تحبينه كثيرا ، تخبرك الموظفة :
- ملفك لااثر له ، انه مفقود
تسارعين الى احد الموظفين الذين تجدين عنده عددا كبيرا من المراجعين دليلا على حسن عمله :
- لتكتب لك على هذه الورقة ان ملفك مفقود ، وتوقع الموظفة المسؤولة عن الملفات على العبارة التي تكتبها
تعود ين الى الموظف بعد كتابة العبارة ( الملف مفقود ، ولا امل بايجاده )، يقترح الموظف :
-هل عندك اوراق تعيينك والأوامر كلها منذ التعيين الأول وحتى مغادرة العراق ؟
- عندي كل الآوراق ، كنت احتفظ بنسخة من كل الكتب الادارية التي كانت تصلني من وزارة التربية
- جميل ، هاتي الأوراق
يجمع الموظف الأوراق ويعمل منها ملفا ، ويطلب منك ان تذهبي الى المدير العام لأخباره بالحكاية ، يوقع المدير العام على ملفك بعد ان يطلع على الأوراق التي بداخله ، لكن الموظفة تمانع بقبول الملف :
n على أي أساس اعطيك ملفا جديدا؟ لن اعطيك اي ملف جديد -
n تسارعين الى المدير العام وتشرحين له الأمر ، يقول لك
n - نادي الموظفة
n تسارعين الى الموظفة وتخبرينها بامر المدير ، فتعود معك اليه ، فيقول لها :
n - اعملي لها ملفا من الأوراق التي بحوزتها، كل أوراقها ثبوتية وصحيحة
n تطلب الموظفة ان تذهبي الى احد الموظفين الآخرين ليجمع اوراقك بغية عمل ملف لك، يهيئون الملف الجديد ، تقول الموظفة المعاندة :
n - لن ارسل الملف الى تربية الرصافة حتى يرسلون لي طلبا ، عودي الى تربية الرصافة الأولى واخبريهم بما قلت
n تعودين سريعا الى تربية الرصافة الأولى وتطلبين منها ان تكتب لك كتابا موجها الى الكرخ الأولى تطلب ملفك
تتعبك المعاملات البطيئة ، كل موظف لايمنحك ما تريدين من اوراق حتى ينفذ صبرك ، وتجدين نفسك عاجزة عن مواصلة الانتظار ، لا تجعلك كلماتهم تفقدين طاقتك ، رأيت الكثير من المراجعين يغضبون من شدة تأخير ما يريدون الحصول عليه من تواقيع المسؤولين
حين تذهبين الى مديرية الكرخ الأولى، وتعطينهم الكتاب الذي يتضمن طلبا بارسال ملف خدمتك السابق الى المكان الجديد الذي سوف تعملين به ، تقوم الموظفة بطبع كتاب لترسله مع الملف يبين عدد الأوراق التي يحتوي عليها ملفك، تنفذين ما أرادت ، وتعودين اليها :
اعطيني نسخة من هذا الكتاب-
لا يمكنني هذا ..... لن أعطيك ما تريدين ، لقد أتعبتني كثيراا-
اعطيني الكتاب لأذهب به الى قسم الصادرة-
لا لن اعطيك اياه ، سوف اقوم انا بتوقيعه من الصادرة قبل خروجي من هنا-
تسيطر عليك الخشية ان تقوم الموظفة ،التي اجبرت على عمل ملفك باتلاف هذا الملف ، وتدعي انها ارسلته الى الجهة المطلوبة ، من يدريك ؟ كل شيء يمكن ان يضيع ؟
تنتظرين ان يصل الكتاب مع الملف الى مديرية تربية الرصافة ، وتطول ايام الانتظار ، تعودين متسائلة الى الموظفة المعاندة :
لم يصل ملفي ، ماذا حل به ؟-
انتهى عملي معه ، وقمت بارساله الى الجهة التي تريدين -
لكنه لم يصل -
انتظري ، سوف يصل-
تهرعين الى تربية الرصافة الأولى :
هل وصل ملفي ؟-
لا-
- وكيف يمكن ان يصل ؟
اذهبي الى قسم الملفات واستفسري عن الملف ، قد يكون وصل اليهم -
تسارعين الى قسم الملفات :
اسمي س هل وصل ملفي من تربية الكرخ ؟-
- اعطينا رقمه وتاريخه ، لنتمكن من اخبارك
تسارعين الى تربية الكرخ ، والى الموظفة المعاندة نفسها :
لطفا من فضلك ، اريد رقم الملف وتاريخه الذي ارسلته الى تربية الرصافة الأولى -
تسجل الموظفة المعاندة رقم الملف وتاريخه في ورقة وتعطيك اياها ، تنظرين الى الساعة ، تجدينها قد تجاوزت الواحدة ظهرا ، تفكرين ان الوقت قد فات هذا اليوم
(23)
سميرة تمر بأزمة عاطفية ، كانت تظن ان محمودا يحبها واذا بها تكتشف انه لم يشعر بها امرأة عمره ،التي يقف بجانبها في أهوال الحياة وتعرجاتها، تزوجته لأنه ادعى بالحب وهي تحيا في صحراء قاحلة لم يعبر لها احد عن مكنون قلبه ، والرجل الذي تحبه كثيرا كان مرتبطا بامرأة أخرى ، ووجدت سميرة انه من غير المناسب ان تكشف عن الحب الكبير الذي تحمله في قلبها لحبيبها الحقيقي ، وحين صرح محمود لها بالحب ، سارعت الى ان تعامله بالمثل وان تجعل نفسها تبادله عاطفته بالإيحاء ، سهرت الليالي الطويلة وهي توهم نفسها انها احبت محمودا كما يحبها ، ولكن السنتين اللتين انصرمتا من عمر الزواج وما مرت به أثناء الخطوبة جعلتها تتأكد ان محمودا لم يحبها فعلا ، وانه اراد الوصول اليها للتمتع براتبها وثروة أسرتها، ولأنه غير قادر على ان يكون رجلا منفقا كما تعلمنا الشرائع والقوانين ، وحين لم تتمكن من الاحتفاظ بجنينها انكشف لها محمود، ولم تعد قادرة على ان تحيا بالوهم الذي ارادت ان تصبغ به حياتها ، تمر الأيام وهي محرومة من كلمة حنان ، او لمسة حب ، وكأنها قد تزوجت منذ سنين طويلة ، تدربت على ان تحيا وكأن محمودا قد فارق الحياة ، لأنها حين طلبت منه الطلاق لم يوافق الا بشروط
- ان تتنازلي عن حساباتك في المصارف
- اية حسابات ؟
- الثروة الكبيرة التي يملكها والدك
- لكني لست الابنة الوحيدة لوالدي ، عنده بنات غيري كما عنده أولاد
- اجعلي اخوتك يتنازلون ايضا ، فهم يحبونك
- سأتنازل عن نصيبي انا فقط ، ألم أمنحك كل راتبي ، ألم يكفك هذا ؟
- عندك الكثير وانا احتاج الى النقود
- الا توافق على تطليقي ان رفضت ، طلبك هذا ظلم لي
- سوف اطلقك بعد ان اصرح انك لم تكوني عذراء
- هذا افتراء كبير وانت حقير
- اعرف انني حقير جدا ، لماذا وافقت على الزواج مني ؟ أليس لأنك سبق وان أخطأت ؟
- لم اخطيء
- لماذا اجهضت نفسك اذن ؟ أليس من اجل اخفاء خطيئتك الجهنمية ؟
- اي خطيئة ؟
- لا أدري ، كنت حاملا حين رضيت بالزواج مني ، لماذا وافقت على الزواج مني ؟ كل الناس يعرفون انني حقير ولا أملك اية صفة حسنة ، كيف يمكن لمن كانت من اسرة معروفة ،وتملك الكثير من النقود ولها عمل ناجح ،وجميلة مثلك ان ترضى بالاقتران من رجل لا يملك شيئا ؟
- هل لأنني اؤمن بالمساواة ووافقت على الزواج من رجل فقير ؟ تعاملني بهذا الجحود
- ليس الفقر لوحده ، فانا معدم من كل الحسان ، عاجز عن القيام بأمر جميل ، أخبريني ماذا أملك من خصائص جعلتك تقدمين على الزواج مني ، أليس لإخفاء حقيقتك الخاطئة؟ لم ترض واحد ة من النساء بي ، رغم انني صرحت لهن جميعا بالحب
- لماذا تكره نفسك الى هذا الحد ؟ كيف كانت طفولتك ؟ لابد انها كانت مريرة ، قل لي من هو الرجل الذي أخطأت معه ؟
- لا أدري
- ولماذا لم اتزوجه ؟ لابد ان من تمارس الحب مع رجل ان تكون عاشقة له ؟ لماذا اذن لم نصبح زوجين ؟ ولماذا اضحي بسمعتي في مجتمعنا العراقي ، وأتخلى عن الاج منه ؟
- لا ادري كفي عن سؤالي ، لا أعلم شيئا
تسقط سميرة مريضة ، يسافر محمود الى بلاد بعيدة ويتركها معلقة لا تعرف هل هي متزوجة ام مطلقة
تحاولين ان تجعليها قوية وان تبدأ الحياة من جديد ، فالحياة جميلة ، وتستحق منا جميعا ان نناضل من اجلها، وان كانت اليوم سميرة تشعر بالإنهاك وضعف العزيمة ، فإنها غدا سوف تعود الى قوتها المعهودة وان تناضل من اجل ان تحصل على الطلاق من زوجها
(24)
غدا عيد ميلادك ، حيث لا يرضى بعضهم ان يشاركوك فرحتك في هذا العيد ، تحتفلين مع نساء العالم كله في الثامن من آذار من كل عام بهذا العيد المجيد ، تأتيك بطاقات التهنئة من الأصدقاء ، وتقدم لك باقات من الورد دليلا على المحبة ،التي يحملها أصدقاؤك نحوكـ تقام الاحتفالات والمهرجانات مهنئة النساء في عيدهن الجميل ، ولكن كيف يمكنك الاحتفال هذا العام وأنت وحيدة وحبيبك ليس بقربك ،كي تجدي الفرح وتحمل نفسك السرور ، صديقاتك يهنئنك بهذا العيد ، فكيف تجدين الفرحة التي تناسب هذه المناسبة الكبيرة وحبيبك بعيد في ديار بعيدة ، فهل كلماته المهنئة تكفيك ؟ ألست بحاجة الى دفء الرجل المحب وأحضانه كي تشعري ان الدنيا ما زالت تستحق ان نعيشها ملء النفس والعين وكل الحواس ، تتطلعين الى ان يكون حبيبك قريبا منك هذا اليوم الجميل ، ولكن ماذا يمكنك أن تفعلي وقد باعدت بينكما المسافات ، وحالت دون اجتماعكما البحار والمحيطات ، ولكن ما زال الأمل في اللقاء يملأ قلبك محبة وتطلعا ، قال لك حبيبك على صفحات الانترنت امس :
- غدا في الصباح انتظري مني مفاجأة تسعدك
- ما هي هذه المفاجأة ؟!
- كيف تطلبين ان احرق مفاجأتي لك ؟ في الصباح الباكر وحين تنصتين كعادتك الى غناء الشحرور ، تصلك مفاجأة لذيذة مع صوت فيروز الدافئ وكلمات أغانيها التي تعشقين ، وقبل ان يهنئك الأصدقاء تكون المفاجأة تحت يديك
- ما أسعدني بك حبيبي الرائع ، سوف انتظر المفاجأة بكل ما لدي من فرح
- لن تحتاجي الى الانتظار ، سوف تصلك حالما تستيقظين من نومك وتتهيئين لاستقبال يوم جديد
ما هي مفاجأة حبيبك ؟ لقد اعتدت منه على ان يدخل الفرح الى قلبك بأحاديثه الجميلة ،وغزله الرائع وكلماته التي يسعى بها الى جعلك مسرورة ، هل يمكن ان يأتي الى بغداد ؟ هو عاشق لهذه المدينة الجميلة ، ولكن كيف يمكنه ان يأتي والحوادث والمفخخات تغتال الفرح من القلوب ،التي ما فتئت تحاول اجتثاث الهزيمة من نفوسها المتعطشة الى الفرح ، هل يمكن ان تنعما بالحب على صفحات الانترنت كما عهدتما في الأيام التي مضت ، تقصران الليالي بحديث شائق جذاب بكلمات تنعش القلب وتفرح الفؤاد ، سوف تكونين سعيدة في صباح الغد ، قربه منك يجعل السعادة بين يديك ،واحضانه الدافئة التي يمنحها لك تجعلك تطيرين في الأعالي مع النجوم المغردات ..... وسوف ترنو الشمس اليكما متطلعة الى ان تحظى بمثل سعادتكما ، تتوقعين وتحدثين النفس عما سيحمله صباح الغد اليك من مفاجآت ، وتحلمين ان يأتي الحبيب اليك فاتحا ذراعيه ليحضنك وينسيك طعم الآلام والغربة التي كابدتها في الفترة الماضية
هل تعدين النجوم ؟ وهل تحاولين معرفة كم عدد الكواكب التي تجري حول الشمس ؟ وهل ستتوصلين الى حركة الفصول الأربعة وما الذي يجعل الأزهار متفتحة في الربيع ،والأشجار تصفر أوراقها ثم تتساقط في فصل الخريف
تستمعين الى اغاني فيروز الجميلة وانت تحاولين ان تنالي غفوة قصيرة ، ولكن هيهات ، ما كل ما يتمنى المرء يدركه ، فكيف تدركين الصباح وانت مسهدة حيرى
يكتب حبيبك على صفحات الأنترنت :
- تعالي معي ، حجزت فندقا في بيروت باسمي واسمك ، سنكون معا يومين بنهاريهما والليلتين
لا يمكنك ان تصفي حجم الفرحة التي جلبها لك هذا الرجل الحبيب ، تحضرين حقيبتك ، تضعين فيها قميصا للنوم ومنشفة وبعض الأشياء التي تحتاجينها في السفر ، وسوف تبعدين نفسك عن متاعب الكتابة ومشقات التفكير
الفرحة لا تسعك وانت تعيشين مع حبيبك ، فيذيقك طعم الشهد وترين معه كيف تكون اللذة ، حياة من السعادة الهائلة ومن النعيم الدائم هلت على ربوعك ، فأكسبتها خضرة لا يمكن لأية قوة أن تقتلعها من قلبك الظامئ الى لمسات من الحنان ، حديث من القلب يصل الى نفسك التواقة الى أحضان الحبيب ودفء وداده ، ومشاعر صادقة تجدين معها ان حياتك بدأت بها ، تقتلعين مرارة أيام السهاد والحرمان ،التي بقيت معشعشة في الفؤاد قبل ان يظهر الحبيب ، فتولي غيوم التعاسة تاركة أيامك ،ولا أمل لها بالعودة بعد ان حلت بقلبك تباشر الوصال ،وورود الحب وازهار اللذة التي لم تجدها نفسك المعذبة ، تتناجيان على أصوات الألحان العذبة وتتراقصان وقد احاطت ذراعاه بخاصرتك ، وانتما تحلمان بيومين كلهما أنس وسعادة وسوف يظهر نورهما على أيامكما القادمة ، فتشع بهاء وجمالا ورقة ،
لم تتنزها في شوارع بيروت ، ولم تطلعا على معالم المدينة الفاتنة ، انما بقيتما في غرفتكما في الفندق ،تتحدثان عن المشاعر الجياشة والعواطف التي تحيي موات الانسان ،وتبعث الراقدين من رقادهم ليتذوقوا اجمل ما منح الله لبني الانسان
ألم يجعل الله الحب من أعظم النعم التي وهبها البشرية ، فسعدت نفوسها واستقرت قلوبها وتنعمت بما وهبها الله
ألم يجد الباحثون ان الحب من أعظم الوشائج ،التي تربط بين الذكر والأنثى فتحيل حياتهما الى شموس مضيئة ،وصحراءهما القاحلة الى حدائق غناء ، وانت وجدت ضالتك في حبيب أذاقك كل الجمال والمتعة التي كنت تنشدين ، فيا لسعادتك التي استمدتها من ينبوع من الحنان وهبه لك الحبيب ، فأصبحت قادرة على الحياة تستمدين من قوته ما ينير دربك ويمنحك القدرة على الاحتمال ، حبيبك الرائع جعل منك انسانة جديدة ، تتطلع الى الوجود بثقة انها قادرة على أن تجعل حياتها اكثر جمالا وبهجة
(25)
تذهبين الى مديرية تربية الرصافة ، تبحثين عن الموظفة يخبرونك انها خرجت في مهمة للملفات ، سالت :
-هل انتظر ؟
ليس اليوم ، لديها معاملات كثيرة ، ولن تنتهي هذا اليوم ، تعالي بعد يومين-
تكررين الذهاب ، سائلة اياهم عن الملف الذي اضاعوه ، ثم بعثوا بديلا له ولم يصل بعد ،
بعد يومين ترين الموظفة وهي لطيفة جدا ، تزدحم حولها المراجعات ، وتجلس الموظفات الباقيات مرتاحات من ازعاج المراجعين ، يتناولن فطورهن ، ويشربن الشاي ، وان تشجعت وسألت احداهن عن ملفك :
ليس معي ، اذهبي الى النافذة وسلي من هناك-
ولكن النافذة مغلقة ، كيف أسال وانا واقفة وراءها ؟-
لاتناقشي ، هيا انطلقي الى هناك-
تلتفت الموظفة الى المراجعين وتقول لهم :
هيا جميعا الى خارج الغرفة ، سلوا ما تريدون من خلف النافذة-
يصيبك الغضب ولكنك تكتمينه ، لا فائدة ان تغضبي في مثل هذه الأماكن ، يجب ان تكوني هادئة ، ولا تتسرعي او تتهوري ، كل شيء بحساب ، كوني متزنة لئلا يصيبك الندم ، ولات ساعة مندم
تسألين الموظفة اللطيفة :
هل وصل ملفي ؟-
لاعلم لي حبيبتي ، سلي قسم الملفات ، وهات لي بالرقم والتاريخ-
تسارعين الى المكان الذي وصفته لك بالتفصيل :
- ظهر ملفك الحقيقي-
تعودين برقم ملفك وتاريخه ، كتبا على ورقة صغيرة ، تسرعين الى مديرية تربية الرصافة ، تجدين الوقت قبل الساعة الثانية بقليل ، يمنعكم الحارس الواقف بالباب من الدخول :
لاتجدين احدا الآن ، الجميع سيخرج ، انتهى الدوام لهذا اليوم -
ترين افواجا من الموظفين يخرجون من البناية ، تجد ين الموظفة اللطيفة بينهم :
وجدت رقم ملفي وتاريخه-
لاأستطيع شيئا الآن ، تعالي غدا-
تسارعين صباحا الى الذهاب الى مديرية تربية الرصافة ، تعطين الموظفة الرقيقة رقم ملفك وتاريخه ، تخبرك انها سوف تقوم غدا بمراجعة الملف وتقدير سنوات عملك كمعلمة في المدارس العراقية ، تنتظرين قدوم اليوم التالي بفارغ الصبر ، طال الانتظار ولم تحققي شيئا ، وها ان الأيام تتوالى عليك وأنت عاطلة عن العمل ، تبيعين ما بحوزتك من قطع ذهبية كنت قد ابتعتها فيما مضى من الأيام ، حين كان راتبك يكفيك ويكفي أسرتك ، في الأعوام التي تلت خروجك من العراق ، لم يكن الراتب عاليا دائما ، كنت تساعدين راتبك الضئيل بما تأخذين من دروس خصوصية لتدريس مادة اللغة العربية وآدابها لطلاب المدارس الخاصة في المغرب ، مثل المدرسة الفرنسية والمدرسة الامريكية ، والمدارس الخاصة العربية ، مثل المدرسة الليبية والمدرسة السعودية ، والسفارات العربية التي تحرص على تعليم أبنائها قواعد اللغة العربية وآدابها ، وكنت أنت سعيدة بتقديم ما يمكنك من هذه العلوم لعاشقيها من الطلاب العرب
من يشتري منك القطع الذهبية التي تجدين نفسك مضطرة الى بيعها صائغ في حي البنوك ، تعرفت عليه وكنت تذهبين الى دكانه لبيع ما بحوزتك ، والحصول على النقود التي سرعان ما تتبخر وتطير ، لغلاء الحاجات الفاحش ، بالاضافة الى اثمان المواصلات المرتفعة ومقاهي الانترنت واسعار الاشتراك في خدمات الهاتف المحمول ، لم تستطيعي استخدام الكيات او الكوسترات للتنقل من مكان الى آخر ، فأنت تريدين ان تحصلي على بغيتك بالعودة الى عملك بالسرعة الممكنة ،تستعينين بسيارات الأجرة رغم ارتفاع أثمانها للوصول الى الأماكن التي تريدينها ، ولكن الانتظار القاتل ، وتباطؤ بعض الموظفين في انجاز المعاملات يجعلك تتأخرين كثيرا
الباب لايفتحونه الا بالساعة العاشرة ، في قسم الاستعلامات يكررون لك السؤال نفسه :
ماذا تريدين ؟ ولأي غرض أتيت ؟-
تقولين لهم:
- لفلان
، تريدين ان يوقع على معاملتك ، يقول رئيس القسم الواقف :
سوف نطلب الموظف الذي تريدينه ، ليأتي الى هنا -
- وكيف يمكن ان يعرف ماذا نريد من تواقيع ؟ الا يجب ان يرى أوراقنا أولا ؟
وكل يوم ينقضي معهم بدون طائل ، في الباب الكبير ، تكون افواج من المنتظرين متزاحمين ، كل منهم يريد الدخول لانجاز معاملته ، لكن الواقف على الباب يسأل :
ماذا تريدين ؟-
تضطرين الى حمل ورقة تسجلين بها رقم معاملتك وتاريخها ـ ليراها الواقف على الباب ويسمح لك بالدخول ، ايام كثيرة انقضت وانت تنتظرين السماح لك بالدخول ، وعرض مشكلتك على المسؤولين الذين يؤخرالواقفون ببابهم معاملات المواطنين بعض الأحيان ، مما يضطر المواطن المراجع ان يذهب للمسؤولين مشتكيا بطء المعاملات ، طالبا النظر بعيون الرحمة الى رغبة المراجعين في اثبات المظلومية التي يعانون منه
ا
(26)
يتصل بك حبيبك مطمئنا على أحوالك ، يبثك مشاعره الجياشة ، وشوقه الكبير الى أحضانك ، يحيطك بذراعيه المحبتين ، تخبرينه بكل ما يجد معك من أمور
تنجز الموظفة الرقيقة اوراقك التي تثبت انك كنت تشتغلين معلمة ، ذاكرة عدد سنين الخدمة ، موضحة راتبك الاسمي قبل مغادرة العراق :
ا- استنسخي هذه الورقة وعودي بها الي
تذهبين مسرعة لتنفيذ ما ارادت ، تطلب منك الموظفة قرار اعادتك الى العمل ، تعطينها اياه ، لقد تعلمت من كثرة مراجعاتك للمؤسسات الرسمية أن تصطحبي كل أوراقك معك خشية من مطالبتك بها ، فالكل يطالبك بالأوراق الثبوتية ، رغم انك قد قدمتها لهم عشرات المرات ، وكل موظفي الدولة يتصرفون مع المواطن ، وكأن أعباء الحصار الظالم ما زالت مفروضة على العراق ، فالمواطن عليه ان يستنسخ كل أوراقه عشرات المرات ، وان يقدمها لمن يطلبها ، وان كانت تلك الأوراق ليست مع المراجع ، فان الموظف يعطيها له ، و يأخذ جنسية المراجع ، قائلا له :
- -اذهب واستنسخ هذا القرار، واعده لنا ، ولتبق جنسيتك معنا حتى تعود الينا بالقرار الأصلي وصورة عنه
تعطيك الموظفة اللطيفة كتابا يثبت عدد سنين خدمتك قبل مغادرتك الوطن مع القرار الوزاري لإعادتك الى العمل ، وتقول :
اذهبي الى الموظفة س في الغرفة 4 لتوقع على الكتاب وعودي الي-
تسارعين بالذهاب الى الموظفة المذكورة ، تجدين الازدحام عندها شديدا ، تقول لك :
الازدحام يمنعنا ان ننظر بأوراقكم هذا اليوم ، تعالوا بعد يومين -
تنتهي فترة اليومين ، تسارعين الى مديرية تربية الرصافة ، لاكمال انجاز المعاملة ،تذهبين الى الموظفة س في الغرفة 4 تـقول لك :
اين معاملتك ؟-
اعطيتها لك قبل يومين -
سأنظر في اوراقي ، انتظري-
تنتظرين حتى تخرج اوراقها ، تنظر اليها ، تقرؤها بتمعن :-
ما اسمك الكامل ؟-
س ص-
هل سلمتينا المستمسكات الاربعة ؟-
نعم -
- هاتها مرة اخرى ، لااجد هنا مستمسكاتك
تسارعين الى استنساخ المستمسكات التي وضعت اصولها في حقيبتك اليدوية
ازدحام شديد حول مكتب الاستنساخ ، تطلبين استنساخ الاوراق اربعة مرات ، تعود ين الى الموظفة س:
هذه مستمسكاتي-
-لقد وجدت المستمسكات التي سلمتنا اياها ، ولكن لابأس ، لاضير في اوراق أخرى ، تثبت شخصيتك ، هذا القرار يجب ان يطبع ويوقع عليه وكيل المدير ، اذهبي الى قسم الطابعة اولا ، واطبعي هذا القرار بنقلك من الكرخ الى الرصافة
تسارعين الى قسم الطابعة ، تطبعين القرار ، تعودين به الى الموظفة س في الغرفة 4 ، تقول لك:
- ننتظر توقيع الوكيل ، تعالي بعد ثلاثة ايام
تمضي الأيام وتذهبين مبكرة الى مديرية التربية ، في قسم الاستعلامات لا يدعونك تدخلين :
تفتح ابوابنا للمراجعات بعد العاشرة -
تنتظرين قرب المنتظرات واللاتي تتزايد اعدادهن بمرور الوقت ، حين العاشرة تسمعين اصواتا مرتفعة :
-الم تقولوا انكم ستسمحون لنا بالدخول بعد العاشرة ، وها ان الساعة الان العاشرة والنصف
تدخلون افواجا الى المكان ، تذهبين الى الغرفة التي وضعت بها القرار :
خذي هذا القرار ، استنسخيه ، وعودي بالأصل والصور الينا-
في غرفة الاستنساخ ازدحام رهيب
-عادي او ملون ؟
ملون-
يعيد لك العامل الاوراق :
خذي هذه النسخة ووقعيها في الغرفة الخامسة-
في الغرفة 5 تقول لك الموظفة :
-لا يمكن ان تأتي بنفسك ، يجب ان يأتي البريد بورقتك هذه ، عودي الى الموظفة التي سلمتك الورقة ، ولتأت هي بنفسها
تعودين الى الموظفة ، تنتظرين كثيرا في الغرفة 5 ، تعود اليك
الموظفة الكبيرة تقول :
تعالي غدا-
في الغد تجدين الورقة وقد وقعت ، تستنسخين لك صورا منها ، وتذهبين الى غرفة الوكيل:
- القرار يجب ان يخرج من المدير العام
(27)
حبيبك معك في كل خطوة ، يأتيك صوته مشجعا على انجازك العمل الذي سوف تجدين راحتك معه ، تسارعين الى مراجعة الغرف العديدة ، وأنت تأملين ان تكون أوراقك قد تم التوقيع عليها
المدير ليس موجودا ، المت به وعكة صحية ، مدحوه لك كثيرا ، وقالوا انه انسان يحب ان يساعد من يطلب منه المساعدة ، لكنه غائب هذه الأيام
تجلسين في المنزل منتظرة ان تجد معاملتك من يحركها بسرعة ، لتتمكني من الدوام ، فقد صدر قرار اعادتك الى العمل منذ فترة ، ولم يعينوا لك المدرسة التي ستعملين بها
يحضر المدير ، ويوقع على القرار ، تقول لك الموظفة :
يجب ان نذهب معا الى الغرفة 6 ليعينوا لك مدرسة تعملين بها-
تذهبين معها الى الموظف المسؤول ، يسألك :
اين تسكنين ؟-
وحين تخبرينه يقول :
-لا يوجد حاجة لاختصاصك في المنطقة التي تسكنين بها ، ولكننا بحاجة الى من يدرس اللغة العربية في الوزيرية والأعظمية ، وقريبا من جامع النداء ، ايها تحتارين
تختارين المدرسة التي تقع بالقرب من جامع النداء
تسارعين في اليوم التالي للبحث عن موقع المدرسة القريبة من الجامع ، اغلب الذين سألتهم عن موقعها أجابوك :
- هل هذه مدرسة جديدة ؟-
- لم نسمع بهذه المدرسة ، اين قالوا لك؟-
وحين تصلين اليها ، تخبرين المدير انك سوف تكونين في مدرسته خلال ايام ، يرحب بك المدير قائلا :
-سوف اقوم بتعليم طلاب الخامس والسادس مادة اللغة العربية حتى يصدر قرار تعيينك
بعد صدور القرار ،الذي يتأخر اربعة أيام ، تذهبين الى المدرسة فتجدين التلاميذ قد غادروا ، يقول لك المدير :
سوف اكتب ان مباشرتك للعمل كانت في اليوم الاول من كانون الأول-
تشكرينه وتخرجين ، وفي اليوم التالي تبكرين في الذهاب الى المدرسة
(28)
سميرة حزينة ، وأنت تحاولين ان تجعليها تنسى جراحاتها الكثيرة ،فتحيا حياتها منتصرة على الاحباطات ،التي أوجدتها لها حالة الحب الفاشلة وعدم الاختيار الصحيح لمن يرافقنا في العمر، ويكون مصدر قوة وعزة وليس خالقا للهزيمة وباعثا لها ، ولأنك وحيدة تقترحين على صديقتك الحبيبة سميرة ان تكون معك ، تنتصران معا على شعوركما الكبير بالغربة ، توافق ام سميرة على ان تكون ابنتها معك ،تخفف كل واحدة منكما عن رفيقتها الشعور المؤلم انها وحيدة في الحياة ، انت معك حبيب رائع يقف بجانبك دائما مدافعا عنك ،ضد المحاولات التي يمكن أن تلتف حول ارادتك الكبيرة ،في ان تكون الحياة جميلة مليئة بالورود وعبقها الفريد، زوج سميرة ابتعد عنها تاركا اياها في معترك، ليس معها احد يخفف عنها وطء الاحساس ،انها لم تجد من يحبها لشخصها وانما لاعتبارات مصلحية ، بيتك صغير والعمل فيه لا يرهقك كثيرا ، الطبخ والتنظيف وغسل الملابس والصحون لا يستغرق الكثير من الوقت ، ولا يسلبك الجهد ، احيانا تدعين نفسك لتناول الطعام في احد المطاعم المنتشرة في بغداد ، حين تحضرين نشاطا فكريا او أدبيا ،وليس معك الوقت لتعودي الى المنزل ، فانك تجدين المطاعم ذات المأكولات اللذيذة تدعوك لتناول طعامك الشهي لديها
انغام جميلة تستمعين لها طوال الوقت ، فتنعش حياتك ، وتبعث في نفسك الفرح لتكوني أسعد، وحبيبك القريب منك يبثك القوة ويشعل في نفسك البهجة ، يسأل عن امورك وكيف تسير معاملة العودة الى العمل ، ويحدثك منتصف الليل عن حبه الكبير الذي تزيده الأيام اشتعالا وقوة ، تتناجيان وتبثان بعضكما الحاجة المستعرة ،في داخل كل منكما كي تكونا قريبين معا تنتصران على الهزائم والاحباطات المتنوعة
يقول لك مدير المدرسة التي سبق لك أن اخترت العمل فيها :
- بما انك اختصاص في اللغة العربية ، سوف اعطيك الصف السادس فرع بنات وفرع اولاد ، وسوف اطلب منك الدوام ساعتين فقط في اليوم ، حين الانتهاء منهما تعودين الى منزلك
ينادي المدير على استاذ اللغة العربية للصف السادس ، الذي يقول :
- تلاميذ السادس هم لي ، بدأت في تعليمهم منذ اليوم الأول من العام الدراسي الحالي ، ولا احب أن تذهب جهودي عبثا
يلتفت لك المدير قائلا :
- سأعطيك تلاميذ الصف الخامس ، فرع بنات وفرع أولاد ، ما رأيك ؟
- ارحب بكل الصفوف ، واحب تعليم كل التلاميذ وفي جميع المراحل
- طيب اتفقنا
التلاميذ لا يعرفون النظام ، كلهم يجيبون عن أسئلتك اذا ما وجهتها لهم ، تطلبين منهم الانتباه اولا ، وفهم السؤال ، ثم رفع اليد رغبة في الاجابة ، وتجدين صعوبة كبيرة في تفهيمهم هذا الأمر، الذي يبدو ان التلاميذ اخذوا ينسونه في العملية التعليمية التي تمر بالبلاد ، الكل يتحدثون بنفس الوقت ، والصخب كبير حين توجهين الأسئلة ، يصمت الجميع حين تبدئين بشرح الدرس
تتصلين بحبيبك ناقلة له اخبارك السارة ، متمنية ان تعيشا ساعات من الحب البهيج في مدينة تختارانها ، تترقبان العطلة الربيعية ليحلو لكما السفر بعيدين عن عيون الفضوليين
صبيحة شبر
_
رواية
صبيحة شبر
اهداء
الى كل العاملين من اجل حياة أفضل ، والذين لا تثنيهم الصعاب ولا تتغلب عليهم الهزائم ، بل يعاودون الطريق الى ما يحقق لهم الآمال
(1)
لم تكوني تتوقعين انك يوما ستحتاحين الى معوناتهم ، كافحت كثيرا من اجل عائلتك ، كدحت وضحيت واشتغلت النهار كله لتطمئن نفوسهم ، وترتاح قلوبهم ، وانت تتقلبين على جمر التعب ، وأشواك المشاق الكثيرة ، كل المهام كانت تلقى على عاتقك ، وكأنك الأم الأولى في التاريخ ، تقومين بجهد الاب والام معا وكأن كل الدنيا ومشقاتها وعقباتها ألقيت على كاهلك ، قدمت كثيرا واشتغلت طويلا ، هل كان يخطر ببالك انك سوف تجدين بعض الامور التي لم تحسبي انها سوف تكون صعبة عليك ، كل شيء اصبح عسير المنال بعد ان فقدت العمل ، وذهبت كل جهودك ادراج الرياح ، شهادة الفقر لايمنحونها لك وانت ابنة البلد الذي يبيض ذهبا ، فكيف تشبعين حاجات اسرتك الى المواد الضرورية وقد سدت بوجهك ابواب العمل؟
هل كان يخطر في بالك انك تحتاجين الى بعض المواد ؟يلقونها عليك كل شهرين كما يعطون للمتسولين الذين لم يجربوا العمل ، وتقاعسوا عن كل جهد / استهوتهم حياة الدعة والخمول ، كيف يمكن ان تعرفي وكنت السيدة الحريصة على توفير كل شيء لأسرتها الحبيبة ؟ أليس العمل اساس الحياة ؟ كيف يمكن ان تعيشي وقد فقدت العمل ، وكلهم يطلبون منك ان تسدي حاجاتهم وكأنك ما زلت في عملك ، الم يعرفوا مصابك ؟ ام يتجاهلون ما حل بك ، فانت البقرة الحلوب التي تطعمهم دائما ولا يجف في ضرعها الحليب ، تركوك تنتظرين طويلا ، ذهبت الى احدهم :
- اين الأخ محمد ؟
- خرج
- هل سيعود هذا اليوم ؟
- لا
- هل انتظره ؟ ام اعود من حيث أتيت ؟
- تعالي بعد أسبوع
يمر عليك الأسبوع بطيئا متثاقلا ، ماذا ستفعلين ؟ والى من تتوجهين ؟ وقد سدت بوجهك الأبواب ؟ تقررين مرارا الا تعودي اليهم ، ولكن ما باليد حيلة ، تحتاجين الى الأشياء الصغيرة التي يمنون بها عليك
رغم بعد المسافة تخرجين حزينة ، لقد منوا عليك بأشياء بسيطة جدا ، وعليك ان تأتي في يوم آخر ، لتطول معاناتك طويلا
تعودين ادراجك حزينة الى متى تستمر معاناتك ؟ لماذا تظل المدرسة مغلقة طوال هذه الفترة ؟ وكنتم كلكم تتمنون فتحها ، و لماذا لم يقف احد بجانبكم يشد أزركم في بلاد الغربة ، ويضمد جراح النفس الغائرة في الاعماق ؟
تنتظرين حافلة النقل العام ، تأتي بعد انتظار طويل ، تتكدسين مع الواقفين ، كل حركة عنيفة تكاد تسقطك على الأرض ، هل انت ريشة في مهب الرياح ؟ ماذا فعلت بك الايام ؟ ولماذا يبدو عليك الضعف رغم كل محاولاتك لانهاء شعور الهزيمة في أعماقك ، انت قوية رغم كل مظاهر التراجع في وضعك ، هنا لااحد يقف بجانبك ، اهلك فقط وقفوا بجانبكم كالعهد بهم دائما ، يتضامنون معك معنويا ويقدمون المساعدة المالية في وقت انت بأمس الحاجة الى المعونات .
تمسكين بمقبض الحافلة بكل قوتك ، خوفا من السقوط ، ماذا يحدث لو سقطت هنا ، وتكسرت اطرافك ؟ كما حدث تلك المرة ، نزلت من السلم في ظلام الليل وانت فرحة ، لم تعرفي ان الدرجة الاخيرة مكسورة ، فسقطت وتكسرت قدمك اليمنى ، ظننت ان الامر سهل ، فعدت مشيا الى منزلك وانت في طريق العودة عرجت على محلات كريمات صيانة الوجه فاشتريت بعض الكريمات الواقية ، لكنك في اليوم التالي راجعت الطبيب الذي اخبرك بضرورة تجبير القدم المكسورة ، كان وضعك المالي جيدا تلك الأيام ، واستطعت معالجة نفسك ، ولكن ماذا يمكنك ان تفعلي ان حدث نفس الشيء في هذه الايام التي وجدت نفسك بلا عمل ، وبحاجة الى كل سنتيم ، ويجب ان تفكري كثيرا قبل ان تضطرك الظروف الى شراء بعض الحاجات الضرورية
يخلو مقعد قريب منك ، تسارعين الى الجلوس ، للتمتع ببعض الراحة ، فالوقوف لفترات طويلة يتعب بدنك والقلب كما قال الطبيب ، تجدين امرأة مسنة تظهر عليها علامات الانهاك ، تتخلين لها عن مقعدك الذي تنازلوا لك عنه اخيرا :
- تفضلي سيدتي ، اجلسي في مكاني
تذهب السيدة للجلوس ، وتظلين واقفة حتى منطقة الوصول ، تنزلين من الحافلة وتتوجهين الى منزلك سيرا على الأقدام ، فالتمشي مناسب لك ومفيد ، كما نصحك الطبيب
(2)
ماذا يمكن ان تفعلي مع الايام الصعبة التي وجدت نفسك تحترقين في أتونها ، لم يبال احد بهمومك ،ولم يكلف نفسه عناء السؤال عن وضع الاسرة ، عليك ان تتكلفي بكل الامور ، وان توفري كل ما يحتاجه الأولاد من حاجات وان تشتري الطعام والشراب والدواء واللباس وما تطلبه الحياة من لوازم، وانت صامتة ، وكأنك قد سطوت على احد المصارف لتوفري ما يلزمك من نقود ، الحياة غالية وانت وحدك ، هل انت المسؤولة عن ادامة الراحة والسعادة ؟ ، هل انت بمفردك ومن يجب عليك الكفاح ، وكأنك ما زلت تعملين ، خرجتم جميعكم من العمل ، لماذا تظل معاناتك قائمة ؟ من يمكن ان يقف بجانبك ؟ ، لمن يمكن ان تتوجهي وانت الغريبة ؟ تهرعين الى السيدة ( حنان) علها تعينك في العثور على عمل ، تتساءل باستغراب :
- لكنك في وقت تحتاجين به الى الراحة
- لايهم ، اريد عملا
- هل تقومين بالتعليم في مدرسة خاصة ؟
توافقين على اقتراحها ، حب العمل والاخلاص به ، من صفاتك ، تذهبين الى عملك الجديد اياما قليلة :
- آسفة سيدتي ، لايمكن الاستعانة بمهارتك ، لقد شارفت على الستين
- احب العمل
- القانون يمنع ، هل يمكنك العمل دون ان اصرح بك؟
تخرجين من المدرسة، وانت تتقلبين على نيران العوز والفاقة ، الى متى تستمر معاناتك ؟ ومتى يدركون ان البقرة الحلوب اصبحت كهلة ولم تعد قادرة على اعطاء الحليب الوفير كما كانت في السنين الماضية وان كل انسان له قدرة محدودة على العطاء ، فمتى تستمرين على ان تلعبي دور ك وأدوار الآخرين بنكران ذات قد يودي بك؟ وانت تتطلعين الى ما يلبي حاجات الانسان والمرأة في داخلك ؟ وتمر بك الأيام وقلبك مدمى ونفسك جريحة وحاجاتك بلا اشباع ، من يعينك على نوائب الدهر وويلات الزمان ؟
أبوك الذي كان يمدك بكل انواع المعونات قد انتقل الى الرفيق الأعلى بعد عناء شديد ومصارعة للمرض ، وأخوك ساعدك مرارا ، وآن له ان يستريح ، وأختك تباعد بينك وبينها المسافات البعيدة ، وانت حائرة ، تتقلبين على نار المعاناة وانت الغريبة ، لا وطن ولا صاحب ولا حبيب ، يقف بجانبك ، ليخفف عنك ألم المتاعب ، وسهاد الفاقة وأشواك قاسية تدمي الفؤاد وتشعل القلب شيبا وتترك المرء عاجزا عن الشعور بفرح الحياة ، كيف يمكنك ان تلبي دافع السرور وقد ابتعد عنك الخلان والأصحاب؟ ابتسامته تطل عليك ومن بعيد تنعش نفسك التواقة الى امل يبدد دياجير الظلام
(3)
كنت تظنين ان الزمن القديم ، حيث تتزوج النساء دون ان يعرف عنهن الرجل شيئا ، ودون ان يعرفن هن عمن يقدمن على الزواج منه اية معلومة، يمكن ان تجعل الحياة الزوجية سهلة ، يستطيع كلا الزوجين ان يعرف ردود افعال الطرف الآخر ، قبل ان يقوم بالعمل ، فيتجنب مزالق الطريق والاعمال التي من شأنها اثارة النقمة واشعال نار الغضب ، ظننت ان كل امريء قادر على اختيار شريك الحياة ، فمن شاء حظه الجميل ان يسعد تحققت له السعادة ، ومن رأى سوء طالعه ان يشقى كانت له ايام التعاسة مترعة بكؤوس الحزن والمرارة حتى الثمالة ، ولكن ما رأيته من ام حسين اثار استغرابك الشديد ، وتساءلت فيما بينك وبين نفسك في أي عصر نعيش ؟ هل عدنا الى عصور الحريم ، حين كانت امهات العرسان يقلبن الفتاة ،ليعرفن ماهو الاصيل بها وما هو الشيء المستعار ، وهل وضعت الباروكة على رأسها ام ان شعرها الطويل المنسدل ملكها الشخصي ولم تستعر شعرا اصطناعيا ، وهل ان رموشها الطويلة الجميلة اشترتها او طلبتها من احدى الصديقات ام ان الله قد اكرمها برموش رائعة تثير الاعجاب ، وهل ان الصدر الناهد خلقه الله ام ان السوتيان محشو بالقطن كما تقعل بعض الفتيات ممن يعانين من ضآلة الصدر وذبوله ، تراءى لك ان ايامك الحالية اختلفت عن الايام السوداء تلك ، واذا بك تكتشفين انك كنت واهمة بشكل كبير ، اتصلت ام حسين لتبين لك ان احد اخوة صديقتها المقربة قد عاد من اوربا ويريد ان يتزوج بفتاة لم تتطلع بعد الى حياة العصرنة والتقدم وانها ما زالت تتمنى ان تحظى برجل يوفر لها حياة الستر دون تمتع بما تحب وتهوى ، فكرت ام حسين بابنة صديقتك المثقفة ان تكون الزوجة الصالحة للرجل الاوربي القادم من مدريد
طلبت منك ان توجهي لها دعوة لتتحدث مع ابنة صديقتك سميرة للتعرف عليها عن كثب ولتعرف كيف تفكر البنات المثقفات الحاصلات على ارقى الشهادات العلمية ؟وما هي الاحلام التي تداعب خيالهن حول الزواج واي رجل تريد الواحدة منهن ، استشرت صديقتك فوافقت على لقاء بين ابنتها والرجل المتجنس بالجنسية الأوربية وما زال يفكر بعقلية الرجل المتخلف في قرون ما قبل التحضر ، وحين اقترحت صديقتك فكرة اللقاء كانت الابنة المثقفة مستاءة كثيرا ، كيف يمكن وهي تحمل الماجستير ان تتزوج برجل لا تعرف عنه شيئا ، سوى انه قادم من بلاد تحترم بها النساء ورغم استياء سمير ة فقد وافقت على اللقاء بمضض ، طرحت عليها أم حسين عدة اسئلة اثارت الاستياء والنقمة لكنها طلبت ان يكون لقاؤها بالأوربي في اليوم التالي
توافق ام حسين على ان يكون اللقاء في اليوم التالي ، تذهبين مع ابنة صديقتك سميرة وام حسين والرجل الراغب بالزواج مع احد اصدقائه الى احد المقاهي لتتاح الفرصة كي يتعرف كلاهما على الاخر ، أنتم تتحدثون طوال الجلسة عن امور عديدة تخص العراق والمغرب ، يظل الفتى والفتاة صامتين ، وحين تنتهي الجلسة تسارع ام حسين :
- كيف رأت سميرة العريس ؟
- وهل استطاعت الفتاة ان ترى ؟ هي لم تتكلم ، والعريس لم يفتح فاه
- وهل تريد هذه الفتاة رجلا متحررا ؟
- وكيف لا تريد رجلا ،نظرته الى العالم تقدمية ؟ وانا تطلعت الى ذلك حين كنت في مثل عمرها
ترفض سميرة ان تستمر في هذه اللعبة ، التي تجدين اغلب الناس يحبذونها ، رغم دعاوى التقدم والمساواة وتقول :
- كيف يمكن للجلسة واحدة ان تعرفني بإنسان آخر يريد الزواج مني ؟
-
توافقين سميرة على رأيها ، فالجلسة الواحدة لايمكن ان تعطي فكرة كاملة وكم من اشخاص ارتبطوا ببعضهم بعد قصة حب طويلة ، واذا بزواجهم يفشل لانهم لم يتعرفوا الى الاخر معرفة كاملة تنجي من فشل الزواج ، وكانت العواطف وتأججها عاجزة عن الوصول لتحقيق السعادة المبتغاة ، فكيف يمكن ان ينتظروا من فتاة مثقفة مثل سميرة ان توافق على الارتباط برجل لاتعرف عنه شيئا وهي االناجحة في الدراسة والمحبة لعلم النفس والفلسفة والفنون ، تتصل بك أم حسين :
- ما رأي سميرة ؟ وهل تحب الارتباط بالرجل المتقدم لخطبتها ؟
- لا أظن انها ستوافق ، هناك فروق كبيرة بين الشخصيتين ، ولا يمكن لزواج ان يتحقق بنجاح دون اتفاق طرفيه على عدة امور جوهرية ، ليست متوفرة في الحالة التي امامنا الآن
تواصل أم حسين قائلة :
- اتصل بي محمود حسين وطلب مني ان اساعده في الحصول على فتاة مغربية ليتزوجها ، اخبرته انني لايمكن ان اقوم بدور الخاطبة ، وان على كلا الجنسين ان يقوما باختيار الآخر دون تدخل من احد ، فمهما نصح الناصحون ، فان لكل منا رأيه الخاص ، ومن المستحيل ان نتشابه في العواطف كما نتشابه بالأفكار ، لكل منا موقفه الخاص من مختلف القضايا، وفي امور الحب والزواج لايمكن ان نرى رأيا يجمع عليه الآخرون، قال لي:
- انك مثالية ، لاتعيشين في الواقع ، هل جنيت من قصص الحب شيئا ؟
- وماذا يمكن ان اجني ، اريد الشعور الجميل ، واحساسنا اننا لسنا وحيدين بالعالم
- وهل كل المتزوجين عن حب لايشعرون بالغربة ؟
- ربما يشعر البعض منهم ، لكن الزواج لايمكن ان يحدث بلا حب يسبقه
- وهل يدوم الحب بين الزوجين ؟ هل دام حبك انت ؟
- ان لم يستطع الحب ان يدوم ، فبامكاننا ان نصنعه
- كيف ؟
- لاأدري ، لكل منا طريقته ، ان يبست ينابيع الحب في حياتي ، فسوف احببه بالخيال
توافقين أم حسين وسميرة على رأي كل منهما في الحب والزواج ، وتتمنين ان تنجحي في خلق السعادة لحياتك التي توشك على الانهيار
التوتر الذي تعانين منه كثيرا نتيجة فقدانك العمل والحب ، يجعلك تبحثين عن البدائل التي يمكنها ان تمدك ببعض الامور التي تمنح حياتك البهجة المفقودة ، وقد اعتدت مع صديقاتك المقربات ان تحيين حفلات الرقص والغناء والضحك المتواصل ، كي تخففن قليلا من وطأة التوتر الذي ترزحن تحت ثقله ، عمل منزلي رتيب متواصل ،يخلو من البهجة ، وحرمان كبير من لحظات ممتعة تعطي الحياة ألقها المطلوب ، دعوت صديقاتك الى جلسة سمر ، والى الاستماع الى الطرائف التي تجعل النفوس الكالة تضحك وتنبسط ، اغاني قديمة تجعلكن ترقصن على أنغامها الشجية ، وموسيقى جميلة تبعث الفرحة الى القلوب التي صدأت من طول حرمانها من قرب الحبيب
تجتمعن في الشهر مرة واحدة ، تتحدثن عن مرارة الحياة ،وعن خلوها مما يبهج القلوب ويسعد النفس ، وانتن مدركات ان حياتكن ان جرت على الحرمان ،فإنها سوف تجعلكن تعيسات النفس والروح ، منطفئات القلب والعقل ، اية قوة في الوجود تجعل المرء يستطيع الصبر على طول الحرمان ؟ واية قدرة لدى ازواجكن القساة تجبركن على ان تكن خانعات ، محرومات من كل ما يجعل الحياة يسيرة ،على الانسان ومبعثا للسعادة ، لم تصبر المرأة حين تجد حياتها يابسة خالية من الحب ، تسير ككل الايام بلا بهجة تجعلها قادرة على مواصلة العمل ، لماذا تعيش المرأة محرومة من وهج الحب وجمال المشاعر ، لماذا تجد نفسها وقد أدمنت النضال في صحارى الوجع وهي لا تملك القدرة على التحدث عما يؤلمها ويدمي فؤادها ،وهي تسير ظمأى في يباب الفلوات، لماذا النساء في بلادك عاجزات عن الثورة ضد من يضطهدهن ويجعلهن أسيرات في منازلهن التي يتحملن فيها اوجاع الاقتصاد
تجتمعن معا لتتحدث احداكن عما يؤلمها ويجعل حياتها دائمة السواد ، يظنها الناس زوجة وهي تشكو الترمل من عامها الاول مع زوجها المزعوم ، اية قدرة لدى النساء تجعلهن دائمات التظاهر بالرضا عن حياتهن البائسة والمثيرة للغثيان
تجتمعن معا وتشكو احداكن للأخرى ،عن الأسباب التي جعلتها تتحمل الفجيعة وتصبر عليها ، أمن أجل الأولاد ؟ وهم يكبرون وينسون من منحهم الحب والرعاية ؟ امن اجل الحب الموهوم ، والحياة خالية من ذراته التي تحيي القلب وتمنح الفؤاد القوة على مواصلة الحياة والنضال من اجلها
صديقاتك المقربات كنت تجتمعين معهن ، تبث واحدتكن الأخريات ما جعلها عاجزة عن التمرد واعلان العصيان ،على من سلب منها القوة وجعلها مهيضة الجناح ، الواحدة منكن تحث الأخريات على التوقف عن الشعور بالهزيمة ،والبدء بمسيرة خالية من أسباب الضعف التي غالبا ما تتصف بها النساء العربيات
تضحكن طوال الساعتين اللتين تقضينها معا، وتجددن نشاطكن كي تصبحن قادرات على تحمل المزيد، من الظلم والقدرة على مواصلة النضال لتكون الحياة اكثر جمالا مما عاشته احداكن ، فلنقو قلوبنا ونجعل عقولنا اكثر قدرة على الضحك على الهزيمة واقتلاع أشواكها من قلوبنا المدماة
تعودين الى منزلك بعد انقضاء الساعتين وانت أكثر قوة مما مضى ، واقرب الى الشعور بالسعادة التي كثيرا ما تحسين انها تهرب من بين يديك رغما عنك ، ترجعين الى البيت وانت خالية من الهموم عازمة على وأدها قبل ان تغتال فرحتك
(4)
لا تنتظرين ساعات النهار الطويلة ان تنتهي ، وأشغال المنزل المرهقة الغبية ان تكمل ، لتجلسي مرتاحة وتحدثي حبيبك عن متاعب النهار ومصاعب الليل ، حيث يخيم شعور بالغربة ويستبد بالمرء احساس بالضياع ، لا أحد قربك تبثينه لواعج نفسك ، وتحدثينه بمكامن الفؤاد ، وتخبرينه بظلم الايام ، ما كنت تظنين انك ستكونين وحدك بعد هذه السنين ، وان ايامك ستكون شديدة العبوس ، وان الثمر الذي بذلت من أجله زهرة العمر لتسقيه ماء زلالا، قد اثمر حنظلا مرا عسيرا على النفس ان تتجرعه ، تمضي الساعات بطيئة احيانا ومسرعة احيانا اخرى حسب العمل الذي بيدك ، وتهرعين بعد انتهاء النهار، وحين تذهب الشمس الى المغيب ، تسرعين لمقابلة الحبيب الذي ينتظر ظهورك بشوق كبير ، تتسامران وتتحدثان عما فعل الدهر بكما ، تشكوان غربتكما الأليمة ووحدتكما الصعبة ، وان كان الاخرون ينتظرون منكما ان تنفقا عليهم وان تقوما بما تتطلب حيواتهم من اعمال ، فان حبيبك يبادلك الشوق ويحنو على غربتك ويرأف بحالك ، ونعمة من الله ان تجدا في غربتكما من يشارككما الهم ويبادلكما الفرح ،ويقف بجانبكما يخفف عنكما ما تشعران به من احزان ،وما تمران به من صعاب، فسحة من الزمن ترنوان اليها معبرين عن حبكما واشتياقكما وتتبادلان الشعور نفسه ، يأخذكما الحديث وتهديان بعضكما ورودا متفتحة بالحب زاهية الالوان ، او انغاما شجية تتطلعان الى زمانها السعيد وتترنمان بكلماتها المعبرة وموسيقاها الجميلة، وأنتما سعيدان ان الزمن وهبكما بعض اللحظات الهانئة ،وانه لم يكن كله علقما وان الايام يمكن ان تزهر ورودا ،ان كانت كلماتكما جميلة، واحسنتما اختيار الفاظكما ،وكنتما متنبهين الى ما يحتاج كلاكما ، هل يريد الفكر فقط ؟ام انتما بشوق الى العواطف المتوهجة بالجمال ، تعشقان الوصال ولكن ما باليد حيلة وأنتما بعيدان عن بعضكما ،تفصل بينكما البحار والمحيطات ، لم لا تحلمان ان القرب ممكن ؟ وان تقريب المسافات البعيدة امر هين ، وان الخيال يمكن ان يسافر على اجنحة الشوق ،وتنعمان بالتواصل اللذيذ ، يحرص على هناءتك وتحتفين بسعادته ،تتحدثان دون ان تعدا الساعات ، وتنتقيان الكلمات الحسان لتعبر عن شدة الحب وقوة الرغبة
الخيال قادر على صنع السعادة ،والكلمات الموحية يمكن ان توصل الى احساس لايستطيع كل امريء ان يصنعه ،اعتناء بالكلام وحرص على اللفظة الجميلة ،ومداراة الاخر والصدق في التعبير عن العواطف المتأججة ،والرغبة المشتعلة في اعماق الفؤاد ، تعيد قصتكما الشباب الذي كنتما تشعران انه ولى دون ان يهتم بكما ، ويغمركما شعوركما المتبادل بالحب الكبير، ما توهمتما انكما اضحيتما غير قادرين عليه ، اليس الانسان بالصبر والاصرار قادرا على صنع السعادة ،واعادة الشباب الى النفس لينعم به الجسد ، اليس تصميمكما على وأد الهزيمة في الاعماق يمكن ان يجعلكما اسعد الناس ،واقربهم الى تحقيق الاماني ، ما اروع الوصال وما ابهى ان يعيش المرء لتوأم الروح ،تمضي ساعات الليل هانئة سعيدة ، وانت مطمئنة ان قلبا ينبض بحبك وان ايامك ليست خالية من المعاني الجميلة ، وانه بالحب يمكن ان ترنو نفسك الى المستقبل بثقة ، تمضين بالحياة سعيدة ، فما اسهل ما يحلم به المرء ، وما ايسر ما يخلق البهجة في النفوس ، وما اصعب ان يثير المرء الغضب في الأعماق ،بدلا من زرع بذور المحبة والوئام ، كلمات قليلة قادرة ان تجعل الانسان مسرورا ، لماذا نجد أغلب الناس يبتعدون عن جمال تلك الكلمات ، ويرددون مقولات أخرى يمكن ان ترسل احساسا بالبغض بين الناس ، وتقضي على عوامل السرور ، وتهدد حيوات منعمة بالمحبة ، رافلة بأثواب الدفء ، لم تعيشي مثل هذه الايام بدفئها ومسراتها ، مع انك شهدت الكثير من الأيام ، وكانت كالحة اللون عديمة المعنى ، تناساها العقل وهرب منها القلب، ومضيت تنشدين بعض لحظات من السعادة ، وتوصلت أخيرا ان معناها يكمن في دواخل نفوسنا ، فحبيبك قريب منك حريص على سعادتك وهناك ، يمدك بالقوة لمصارعة الشعور بالغربة في هذه الحياة ،وانك تشقين لأناس لا يبالون بك ، ولا يهمهم امرك ، وانما يظنون انك عبدة لهم ،عليك ان تسعي لتحقيق الرضا لحياتهم ،دون ان ينالك شيء من عصارة فكرك وتعب جسدك ، فحبيبك دائم القرب منك يحدثك بشعوره الجميل الذي يعزز قوتك، ويبثك عوامل الاستمرار ومقاومة الألم ، والسعادة التي يحرص على ايصالها لك، تمدك بشعور من البهجة يصحبك طوال الوقت ويعزز ثقتك ان حياتك جميلة رغم كل الآلام ،التي يجرعونها لك رغم أنفك
(5)
قررت اليوم الا تذهبي الى طبيب اللجوء الانساني الذي حرصت على التسجيل في مكتبه ليتم فحصك ، رغم انهم يعاملونك جيدا ويحرصون على توفير ما تريدون من فحوصات وعلاج شاف وتقوم الطبيبة المتبرعة بجهودها بعملية الفحص وتشخيص المرض الذي تعانون منه ووصف الدواء المناسب ، الا ان البناية التي تقام بها الفحوصات رغم حداثتها وجدتها الا انها لاتتوفر على مرافق عامة مثل التواليت ، مما يجعلك كباقي المريضات ،تترددن على حمام النساء الموجود امام ذلك المستوصف الصغير ، من تشكو مرض السكر ترهق في ذلك اليوم ، ومن تعاني من حالة الجفاف وتحتاج الى شرب كمية كبيرة من الماء تحرج بشدة ، لو كانوا يطلبون درهما عند استعمال التواليت لم يكن الامر ليشكل صعوبة لدى المريضات لكنهم لايطلبون ثمنا ، و تظل وجوههم عابسة
تظلين محرجة من نظراتهم ، حين تتوجهين لهم بطلبك
-اريد استخدام المرافق
-
فكرت ان تذهبي الى الاستحمام كلما احتجت الى الدواء ، ثم ادركت ان محاولة الاستحمام في حمام النساء، والخروج بالحر والبرد والتعرض الى الهواء قد يجعلك تصابين بالكثير من الامراض ، التي تجدين نفسك في غنى عنها في هذا الوقت ،الذي تعانين فيه من فقر لم تكوني قد جربته ، لهذا آليت على نفسك الا تذهبي لاستجداء الدواء ،وان تفكري بإيجاد طرق للعلاج بديلة عن اهراق الكرامة، بعد هذا العمر الطويل والعمل المضنى العسير ،ومحاولة العيش بوفرة ومنح افراد الاسرة فرصا للعيش السعيد ، واذا بالمدرسة تغلق أبوابها وتظلون بلا عمل ، وتعاني اسر عديدة في بلاد المغرب من ظروف صعبة ،لا يمكن التغلب عليها في ظل ارتفاع الاسعار وغلاء اثمان المواد الغذائية ، وكثرة الامراض التي تصيب الانسان حينما يكبر سنه ،ويفقد عمله ويجد نفسه عاجزا عن الوفاء باحتياجاته الاساسية ـ فكيف يمكنه ان يلبي ما تريد الاسرة من مواد وهو لا يملك ثمنها ولا يجد بعض الاحباب قادرين على ادراك ما يمر به من ضائقة مالية استعصت على الحل
ستفكرين بعلاج بديل ، تقررين أن تعودي الى السير لمسافات طويلة ، تذهبين الى المدينة القديمة في السويقة ،وتبتاعين بعض المواد وتكسبين رياضة ووقتا ممتعا في السير ،في امكنة جميلة جدا تظللها الاشجار الباسقة ،تشترين مواد اساسية كنت تؤجلينها مرارا في الايام السابقة ،وتتفرجين على ما يعرض من بضائع في السوق ، ترين الالاف من الناس يذهبون الى هذه المدينة للفرجة فقط وليس للشراء..
لم تذهبي الى السويقة منذ زمن طويل ، واستعضت عنه بأسواق أخرى عديدة ،مثل التواركة القريب من منزلك ،والذي يتوفر على مواد غذائية بأثمان مناسبة جدا ، او ان تشتري ما تحبين من مواد من السوق المركزي الذي يمكن ان تجدي فيه ما تحتاجين من بضائع ، وهذا اليوم وجدت نفسك تتوجهين الى السويقة ،بشوق من لم ير المكان منذ فترة ، الشوارع كالعادة ليست مزدحمة كثيرا بالناس ، فما زال الكثيرون في اماكن أعمالهم ، اصطحبت معك ماكنة العصير لإصلاحها ، لقد أتلفت لك الخادمات عددا كبيرا من الادوات الكهربائية في المنزل ، الثلاجة اصبحت قديمة والة غسل الملابس ممزقة الأشلاء ، وكل ما في المنزل متداع ، لأنه لم يجد الصيانة التي يحتاجها منذ سكنتم به ،وحتى وقتكم الحاضر وكل ثلاثة اعوام يزيدون عليكم في ثمن الايجار عشرة بالمائة دون ان يشهد المنزل أي تصليح.
لم تجدي ما يشبه الة العصير عندك ، مصدر الصناعة صينية ، فتشت عن قطعة بديلة لم تعثري عليها ، اقترح عليك المصلح ان تذهبي بالآلة كلها كي يتمكن من ايجاد انية العصير المناسبة
اشتريت نوع السمك الذي يرغب به الاولاد ، فان المغرب يتوفر على انواع كبيرة ،لاوجود لها في مكان آخر ، كلها لذيذة ، واولادك يفضلون الصول وقد ابتعت لهم هذا النوع رغم ارتفاع الثمن ، وابتعت لنفسك نوعا آخر ثمنه اقل مما يفضل الأولاد ، لكنه رغم ثمنه المناسب اكثر فائدة من الأنواع المرتفعة الثمن ،وق ادركت بعد قراءات عديدة ان تناول السمك مفيد جدا
-
-
(6)
كثيرا ما تساءلت هل انت طيبة جدا ، حيث يفترسك الآخرون ويسرقون منك ما كدحت وناضلت من اجله ، تكتبين في المنتديات مقالات وقصص ، قيأتي الجاهلون ويسرقون منك جملا وينسبونها لأنفسهم ، فكرت ان تنقذي كتاباتك من براثنهم ، قمت بنشر الموضوع الواحد في عدد من المنتديات والمواقع ، فكرت بعمل مشترك مع احد الكتاب العراقيين ، ورغم انك لا تحبين الاعمال المشتركة في كل شيء وخاصة في الكتابة، التي لايمكن ان تكوني حرة في التعبير عن رأيك ، صدرت الرواية ودفع الأخ السوري مدير االموقع الالكتروني نصف الثمن 400 دولارا ودفعت انت ربع الثمن 200 دولارا ،ودفع الكاتب العراقي الربع المتبقي كما كان يقول، وكنت تنتظرين ان تصلك نسخ من روايتك هذه ،ولكن انتظارك طال ، ولم يصلك شيء ، ولا تدرين اين طبعت تلك الرواية ؟ هل في العراق وفي مدينة العمارة كما قال الكاتب أولا ؟ ام في دبي كما ذكر ثانيا ، ولقد سقطت من عينيك تلك الرواية ولم تعودي تفكرين بها ،رغم انك طلبت من اخيك ان يدفع عنك مبلغ المائتي دولارا ، كما التجأت الى اخيك كل مرة ، تجد
ين انك وحيدة في هذا الخضم الهائج ،ونسيت امر الرواية المشتركة وان كان يؤلمك كثيرا ،ان يتصرف اشخاص تظنين انهم مبدعون بمثل هذه الطريقة ؟ اين ذهبت الرواية المشتركة ؟ وهل حقا ان الكاتب الذي عملت معه في انجاز هذه الرواية ،قد احتفظ لك بمائة نسخة ؟ اين هذه النسخ ؟ لم يعد يهمك امر تلك الرواية ابدا .
ولأنك فقدت عملك، واصبحت عاجزة عن طباعة ما تكتبينه بثمن عال نسبيا ، فقد رفضت عروضا قدمت لك ،من دور طباعة محترمة في مصر لقاء 600 دولارا ،لطباعة الرواية الجديدة التي اصدرها موقع الكتروني تحبينه ،وتقدرين الاقلام التي تكتب به ، أصدر ذلك الموقع روايتك اصدارا جميلا مع اخراج رائع وبالصور المناسبة ، عرض عليك المخرج الاذاعي العراقي المشهور ان يقوم بطبع روايتك ( الحب المفقود) وبعدد ألف نسخة بمبلغ اقل من 300 دولارا ، استبشرت بالفكرة كثيرا وعلمت ان الطباعة بالعراق ارخص من بقية الدول ، طلبت من أخيك أن يدفع عنك الثلاثمائة دولارا ، وفعلا طلب أخوك من اختك ان تقوم هي بالدفع على ان يرسل لها المبلع ، اخبرك المخرج الاذاعي الكبير ان روايتك صدرت عن دار عراقية للطباعة والنشر ،الغلاف كان جميلا ، فرحت بالإنجاز الذي قدم اليك ،وقمت انت بتعميم الخبر على المواقع الالكترونية التي تقومين بالنشر بها ، كما اخبرك المخرج الاذاعي المشهور انه سيقوم بتوزيع الرواية ونشرها في كل من العراق وسوريا ومصر ولبنان وسوف يحرص على ايصال بعض النسخ لك في المغرب ، تعرفين كثيرا ان وصول كتب من العراق الى البلدان الاخرى من الامور الصعبة جدا ، فلماذا لم تعرض روايتك في مكتبات العراق وهل طبعت باعداد كبيرة جدا كما اخبرك مدير الدار؟ الدار الفنية الالكترونية التي تشتغلين بها انت والمخرج الاذاعي المشهور اعضاء في ادارتها ؟ وكان المخرج الكبير قد اخبرك ان روايتك موجودة في شارع المتنبي
حين قرا الاصدقاء من الكتاب والنقاد خبر صدور الرواية من مطبعة بالعراق ، سألوك اين يمكن ان يجدوها ، اخبرتهم انها في شارع المتنبي ، عثروا عليها في شارع المتنبي ، وكتب عنها الكتاب والنقاد اتصل صديق لك ، بالمخرج الكبير وقال له انه يملك مكتبة وانه يريد ان يبيع الرواية ، اخبره المخرج الاذاعي الكبير انه ان كان يريد عددا محدودا يمكن ان يحصل عليه ، وانها موجودة في شارع المتنبي ، لكنها لم توزع كما كنت تأملين ، فلم يعد الناس في بلادك يقبلون على اقتناء الكتب وقراءتها بشغف كما كنتم في أيامكم التي تشعرين انها ذهبت ، فالناس لم يعودوا كما ألفتهم ، والأشياء كلها تغيرت ، ذهبت مع صديق لك الى مدينة الحلة وعدتما ونسخ الرواية كلها معك ، وزعتها على الأصدقاء والمعارف
(7)
وحدك هذا الصباح ، سميرة ذهبت مع أصدقائها المسرحيين ، وابنك خرج مع بعض أصحابه، وبقيت وحدك ، لاصديق لك يؤنس وحدتك ويخفف عنك شعورك بالغربة ، اصدقاؤك الافتراضيون لا ترينهم الا حين يرغبون بالثرثرة وقضاء الوقت ، والحصول على ساعات من الحب الوهمي ، كيف يمكن ان نشعر بالحب نحو من لا يمكن أن نراهم، ولا نعرف عنهم شيئا ؟ كيف يفكر ؟ ما هي طريقته بالكلام ؟ ما رايه بالاخر ، هل يحاول ان يفهم من يخاطبه بلطيف الكلام ؟ ام يفرض عليه قناعاته ؟ يحدثك بعضهم عن الحب ، ورغم حاجتك الى لمسات الحبيب ودفء حديثه ، الا انك تخشين ؟ من يعرف مدى صدق من لا تظهر سوى كلماته ؟ الا يمكن انه يتسلى ؟ وعنده وقت اضافي ويحب ان يستغله بالضحك على قلوب المحرومات ؟ تجاملينهم ،ولكنك لا تثقين بمعسول كلامهم ، ويكفيك ما لقيت من جراح بسبب طيبة قلبك وتصديقك بالكلام الجميل ، سوف تكتفين بقلمك وصداقاتك الجميلة مع الجنسين معا ، ولتعيشي وحدك مع افكارك وعواطفك وقلمك وقرائك ، ولتسجلي ما تشائين دون ان يعترض احد ، وتواصلين التعبير بحرية لا تجدين بعضهم يصرخ يوجهك معترضا على ما تؤمنين به من افكار ، الدنيا جميلة ، والحياة لحظة وتمضي ، وعليك ان تعيشيها ملء القلب والعقل والنفس ، دخلت الماسنجر فلم تجدي الاصدقاء الذين تشعرين بالراحة حين تتحدثين معهم ، وبحثت في الفيس بوك عمن تحادثينه ، فلم تعثري لمن تحبين على أثر ، وحاولت ان تكتبي أسئلتك للناقد المشهور للحوار المرتقب ، ولكن من يدريك ان الجريدة التي اخبرك الصديق عماد انها ستنشر لك ما ترسلينه لها من نشاطات ثقافية مغربية وحورات مع الادباء والنقاد ، بعثت لهم تغطيات لتقديم كتب مهمة في المكتبة الوطنية بالرباط ، و عندك حوارات مع قاصين مشهور ين، سوف تنتظرين قليلا ولا ترسلين كتاباتك حتى تتبين لك الحقيقة
مطر ينهمر بقوة ، فكرت ان تغسلي الملابس هذا الصباح ، ولكن انهمار المطر جعلك تؤجلين القيام بهذه المهمة ، ستصنعين لك فنجانا من القهوة ، وتبحثين عن صديق لك تبادلينه الكلام..
عزّ عليّك العثور على صديق ترتاحين بالحديث معه ، وتجدينه يتفق معك في امور الساعة ، وعما تقرئين من كتب، او تطلعين عليه من كتابات في العالم الافتراضي ، هذه الليلة ستكونين وحدك ، تناجين النفس وتتحدثين معها بأمور الحياة ومشاغل الدنيا ، وهي تصغي اليك بانتباه ،ولا تقاطعك، او تهاجمك ، او تتهمك بتهم شتى لايمكن للانسان ان يصدقها ، ولكن ما ذا تفعلين ؟ تجدين العديدين يوجهون لك اتهامات فظيعة أنت بريئة منها ، ولا تدرين لمَ الاتهامات ؟ هل بسبب اختلاف بسيط في وجهات النظر ؟ واين الحرية الفكرية واحترام الآخر والدفاع عن رأيه المناقض ؟ ام انها مجرد أوهام ؟ واننا امة متخلفة ، لانسمح بالرأي المخالف لنا ان يسمع ، حتى لو كان همسا ، أين هم أصدقاؤك الأعزاء ؟ لماذا تجدينهم اليوم مبتعدين كثيرا عنك ، يتركونك لمن يحلو له التحدث معك عن امور لا تهمك ، ما شأنك أنت ان كان احدهم يضاجع العديد من النساء ، ولما ذا تسمحين لمثل هؤلاء ان يخبروك بمغامراتهم التي لن تهدري وقتك الثمين من اجل سماعها ، ولكنك رغم اصرارك على عدم التضحية بالوقت ارضاء لسخف هؤلاء الذين لا شغل لهم ، تجدين نفسك تتحدثين معهم مجاملة ، مما يعكر مزاجك ويجعلك منهكة بالحديث مع أشخاص ستة او سبعة في الوقت نفسه
المطر مستمر بالهبوط ، ماذا يمكن أن يحدث لو استعنت بمظلتك الواقية ونزلت من المنزل ، لتسيري بعض الوقت تحت فرح كبير يبعثه في نفسك المطر المنهمر ، لا شيء سيحدث ، انت سوف تنتعشين قليلا ، وتجدين بعض المتعة التي لن تضر احدا ، تجدين نفسك تنزلين درجات السلم ، وتسيرين في الشارع قرب منزلك ، ليس هناك من امر غريب ، تدخلين احد الأسواق التجارية وتبتاعين ربع كيلو من اللوز المحمص وتعودين الى منزلك ،
الشخص الذي يدعي انه يحبك ، ثقيل الكلام ، قال انه حريص على صداقتك ، وانه يحب النساء للطف الذي يتميزن به ، سألته مرة :
- كم امرأة تحب ؟
- كثيرات
- كم عددهن ؟
- عشر نساء
- ومن انت ؟ حتى تحب عشر نساء في وقت واحد ؟ وهل هن يحببنك ؟
- أظن انهن جميعا يحببنني
- لماذا ؟ ما هي صفاتك الخلاقة ؟
- انا غني اقدم لهن الهدايا
- وهل يمكن أن تشتري الحب بنقودك ؟ لم أرك ولست انوي ان اقابل من هو مثلك ، حقير لا يبالي بعواطف المرأة وقلبها
حذفته من الماسنجر ، لئلا يجرؤ مرة أخرى على اسماعك سخافاته
(8)
رغم انك عزمت على حضور الندوات الثقافية كلها في الرباط ، والكتابة عنها للصحافة العراقية ، الا انك وجدت من العسير عليك ان تحضري الندوة التي اقامتها اكاديمة المملكة المغربية ، سالت عن مكان هذه الاكاديمية وتوصلت الى مكانها المضبوط ، ورقم الحافلة التي يمكنك ان تستقليها في الذهاب الى ذلك المكان البعيد جدا ،عن مركز العاصمة حيث تسكنين ، في الصباح حيث كان من المقرر ان تكون الندوة في الساعة التاسعة والنصف ، وجدت انك تجد ين الاعذار لنفسك كي ترضى عن الامتناع عن الذهاب الى ذلك المكان البعيد ، مرة بسبب البعد ، وثانية بسبب انك وحدك ولا يوجد من يصحبك الى هناك ، ، وثالثة بسبب ان المكان البعيد الذي تكون فيه الندوة بعيد عن حياة العمران ، وخال من سيارات الأجرة التي يمكنك ان تستقليها في طريق العودة ، ورابعا لان اليوم كان الأربعاء وهو اليوم الذي تأتيك به الخادمة التي تساعدك في اعمال التنظيف والعناية بالمنزل ، وبعد استعراض كل هذه الأعذار وجدتك تظلين في منزلك ولا تذهبين الى المكان الذي عزمت على الذهاب اليه..
ولكنك نجحت في الذهاب الى دار الفنون لحضور ندوة عن الحوار واحترام الاخر المختلف عنا ، وكانت الندوة جميلة جدا ، عززها الكاتب بكل الأدلة التي تثبت ان عرب الاندلس كانوا متقدمين جدا ، وانهم استطاعوا ان يؤسسوا دولة قوية محترمة في قلب اوربا ، لانهم احترموا الديانات الأخرى ولم يحاولوا فرض الدين الاسلامي بالقوة على شعوب البلدان المفتوحة ، فعاش المسلمون مع كل الاقوام في الأندلس عيشة راقية ، وان قامت بعض الحروب بينهم ، فانها مجرد حوادث لم تكن تستمر طويلا ، ولا يمكن ان تقوم البلدان المختلفة بدون حروب بين طوائفها وأديانها ، ومختلف العقائد الايدلوجية التي يؤمن بها السكان. وتتنوع بها المبادئ
والندوة الجميلة التي حضرتها ايضا هذا الاسبوع ، فكانت في المكتبة الوطنية بالرباط حيث احتفالية المئوية للشيخ الجليل ماء العينين ، ولقد شارك بهذه الندوة العديد من كبار الشخصيات في المغرب والعالم العربي ومن الاجانب ، تحدثوا عن جميع جوانب هذا العلامة الكبير ، الذي عرف بالفقه والعلم والتنوير والدفاع عن الوحدة الوطنية المغربية ، كما عرف بالتصوف وكان يحترم كل الطوائف وقال عنها انه يوآخيها وانه لا فرق بين طائفة واخرى وهذه معلومات رائعة تدل على ان العرب ليسوا كلهم متعصبين لرأيهم ولا يحترمون الرأي المخالف ، بل ان منهم من دافع عن حرية الناس جميعا في التعبير عن افكارهم بدون اكراه ، عدت الى منزلك وانت جد فرحة ، فقد ارضتك الندوة التي دلل فيها المحاضرون على عمق تراثنا الاسلامي وعظمة حضارتنا ومدى ما قدمته للبشرية من روائع في كل الميادين
(9)
من العسير جدا ان تنقذي نفسك من شعور بالألم الكبير استولى عليك منذ أحداث الأمس ، وما زال مسيطرا عليك ، رغم محاولاتك العديدة لطرده ، لماذا نحن العراقيين ، دون خلق الله جميعا نعاني هذه المعاناة التي ما زالت مستمرة ، منذ عهد النظام السابق ، وحتى مجيئ الاحتلال ، لندفع نحن الثمن قهرا وفجيعة ، ودماء سائلة ، حادثة دموية ككل الحوادث التي مرت بعراقنا الحبيب ، حيث تغتال العصابات الناس الأبرياء ، قرأت في احد الصحف ما وجدت انك متفقة معه :
زمرة أخرى من حثالة الأرض, ومن الكلاب المسعورة, والخنازير الضالة, وبمؤازرة ودعم شراذم حاقدة من المجرمين والقتلة, الذين زرعوا الموت والدمار في مقاهي مدينة بغداد وساحاتها, ونشروا الرعب والفزع حول أحيائها الفقيرة, فقتلوا الشيوخ والأطفال بدم بارد, وشنوا هجمات وحشية شرسة استهدفت المساجد والكنائس والحسينيات .
ثم واصلوا في اليوم التالي تنفيذ برنامجهم الإجرامي الواسع, وقاموا بسلسلة من الاعتداءات العشوائية الشاملة, التي هزت ضواحي بغداد وسكانها, فكانت ليلة ليلاء حالكة الظلام, شديدة الهلع, ارتكبوا فيها المجازر الوحشية الغادرة في حي العامل, والبيّاع, وحي الجهاد, وحي الشعب, وبغداد الجديدة, وأبو غريب, وأبو دشير, والكاظمية, والشعلة, والغزالية, والزعفرانية, واليرموك, والوزيرية, راح ضحيتها مئات الشهداء والجرحى, وهذا هو ديدن السفهاء في التعبير عن خستهم ونذالتهم ووضاعتهم.
زمرة من القتلة ما انفكت مساعيها تلهث وراء التنفيس عن أحلامها القديمة, وتسعى للانتقام من العراقيين, وترويع أبناء بغداد والمدن الأخرى بأساليب إجرامية مبتذلة, وبتأييد مطلق من الدول المارقة, التي ما فتئت تمارس التنكيل والترهيب ضد أناس لم يعتدوا عليهم, ولم يفكروا في يوم من الأيام بالاعتداء على احد.
هاجموا المدارس والمستشفيات والشوارع والأسواق ، وبقيت سياراتهم المفخخة تحصد أرواح المئات من أبناء شعبنا الأبي ، اختاروا المناطق الآهلة بالسكان ليفجروا حقدهم على شعب العراق ، ويقتلوا الشيخ والطفل والمرأة ، لا لشيء ، الا لأنهم عراقيون يحبون هذه الأرض الطيبة المعطاء ، حاولت ان تخففي بعض المك بوضع أغاني من التراث في صفحتك في الفيس بوك ، ولكن شعورا بالاحباط ما زال يحيط بك ويخنقك ، رغم ان الأمل يملأ نفسك أحيانا ،ان الانتخابات الجديدة قد تنجح في الاتيان بأشخاص يمتلكون نوعا من التفكير جديد ، يخلق الفرحة في نفوس الناس ، ويبشرهم بغد باسم ، يضعون حدا للآلام الكثيرة التي جرعتهم اياها الأيام ،وبعد انتظار طويل للتغيير نحو الأفضل ، يمكن ان يساهم في تخفيف الألم الذي يعيشه العراقيون ، ربما تستطيعين أن نتفاءلي ، بأن غدا باسما قد يمر به العراقيون ، وان أعمال القتل والابادة سوف تخف ، وان ذلك الحقد الأسود على شعب العراق سوف يزول ، كما زالت رياح هوجاء جاءت لتقتلع البذرة الطيبة من أعماق الأرض ، وتحيلها الى رماد ، ولكن الى متى ؟ الى متى تكون المعاناة ؟ ويبلغ الصبر اوجه ، وتنعدم سبل النجاة ؟ الى متى نظل أغرابا في بلاد بعيدة ؟ رغم ان أناسها طيبون ، لكن لا أمل لنا في ايجاد عمل نستظل به ، ونشبع حاجاتنا التي هي بازدياد ، من يمكن ان يفهم علتنا ويأتينا بالدواء الشافي ، الذي طال انتظارنا له ، في بيداء قاحلة عز بها الدفء وانعدمت طرق الوداد
وانت في رغبتك الدائمة كي تحصدي وردا بدلا من حياة الأشواك ، استطعت اليوم ان تتعرفي الى شقيقة صديقتك مفيدة ، رأيت صورتها بالفيس بوك ، ضاحكة مستبشرة ، لعلها مثل صديقتك ، التي قضيتما معا اجمل الأوقات ، و أنتما تحاولان ان تحميا صداقتكما ، والا تفشيا أسراركما الصغيرة التي خبأتماها في عقولكما انذاك ، اعدم والد احدى الصديقات ، وكان عامل بناء ، ففكرتما في طريقة للمساعدة ، وتوصلتما الى فكرة وجدتماها جميلة ، وهي ان تقمن بجمع التبرعات لعائلة الفتاة الفقيرة ، التي رحل ابوها من هذا العالم ، ولم يترك لعائلته شيئا ، ولأن اكثر الناس واشون ، فقد وشت بكن زميلتكن التي كانت تجلس بالقرب منك على مقعد واحد ، وتعرضتما لاستجواب طويل من هيئة تحقيقية شكلتها ادارة المدرسة:
-هل قمت بجمع التبرعات ؟
- لم أقم
- وكيف تقول صديقاتك انك جمعت ؟
- انهن كاذبات ، من تلك التي تدعي انني جمعت ؟ آتوني بها
وبدلا ان تحافظ المدرسة على طالباتها كما ترعى الأم بناتها الصغيرات ، فقد سلمتكن ادارة المدرسة الى الحرس القومي ، الذي ضرب كل واحدة منكن ضربا مبرحا ، فلم يجد عند اية واحدة منكن استعدادا الى افشاء الأسرار ، التي سبق وان تعاهدت الصديقات على كتمانها:
تمتد الأيدي لتوثيق الاتفاق على الكتمان والاخلاص مهما حدث
كتبت لشقيقة صديقتك مستفسرة عن اخبار أختها العزيزة ، فجاءك جوابها انها الشقيقة حقا ، وان صديقتك تعيش في الوطن الحبيب ولم تغادره الى مكان آخر..
تعطينها رقم هاتفك راجية ان تتصل بك صديقتك
تسمعين الهاتف يرن ، لابد انها من تريدين:
- انا اخت صديقتك التي تبحثين عنها ، اعطيتها رقم هاتفك ، وسوف تتصل بك ، وها هي ارقامها ، الاتصال من بغداد عسير جدا
- ما هي ارقام هواتفها ؟
- لها رقمان ، سأعطيك اياهما ، الأول لزوجها وهو اسهل من رقم هاتفها بالاتصال ، والثاني لها ، ويصعب الاتصال منه ،
تحاولين الاتصال بها عن طريق رقم هاتفها ، فيفشل اتصالك ، تجدين الهاتف يرن ولا جواب يرد ليشفي ظمأك ، تتصلين برقم هاتف زوجها ، فيجيبك هو ، تطلبين منه صديقتك ، تتحدثان بشوق كبير معبرتين عن عمق صداقتكما وعن محبتكما الكبيرة لبعضكما ، وكيف اراد الاعداء تفريقكما منذ ايام الدراسة المتوسطة ولم يفلحوا ابدا رغم التعذيب الذي تعرضتما له، تسعد نفسك بهذا الاتصال ، لقد اشتقت الى صديقتك كثيرا وباعدت بينكما الأيام وتودين الآن ان تقابليها ، فانت بعيدة عن الأحباب والأصدقاء
( 10)
تكون الأحلام أحيانا قريبة منك ، انت التي بقيت عمرك تتلظين بالحرمان ، تأتيك لحظات من السعادة ، فتجعلك تثملين ، هل كنت تتوقعين ان سعادتك بيديك ، وانك تنالينها بسهولة لم تكوني تتوقعينها ، يومان من الحب لم تكوني قادرة على تخيل انك ستبلغينه لحظة من لحظات حياتك التي مرت كما يسير الظاميء في صحارى يابسات ، دعاك الى بستان من الورود والزنبق ، والى يومين كاملين ترتشفان نعيم السعادة معا ، فلبيت النداء ، واذا الشمس توضع في يمينك والقمر يهل عليك باسما هاشا مرحبا ، وانت المتوجة بحب جميل ، لم تذوقي مثله في ماضي ايامك المكفهرة ولياليك المسهدة والتي خلت من كل ما يبهج النفس ويسر الفؤاد ، اشتريت تذكرة القطار وانت تظنين ان الامر حلم جميل ، سرعان ما توقظك منه الحقيقة الساطعة ، ولكنك اسكت ظنونك ، واخرست مخاوفك ، ان يكون سفرك مجرد خيال جامح ككل خيالاتك التي تصرين على العيش بها ، مهما كانت يقظاتك منها تنبئك ان لامكان للخيال في دنيانا الكئيبة ، مسيرة القطار كانت هانئة جميلة وانت تنظرين الى المناظر الخلابة والطبيعة وهي تغير أثوابها الجميلة في كل المناطق التي تصلين اليها، لماذا تخشين ان يكون الامر خيالا جميلا ، هل لأنك لم تعيشي حياتك كما كنت ترومين ، ومضت ايامك كالحة لاطعم بها ، وانت تناضلين من اجل اسعاد الاخرين متناسية ان نفسك احق بالرعاية والاهتمام ، ولكن اليوم سوف يكون سعدا لك تتذوقينه بملء شعورك ، وتنسين ظلم الايام الذي تجرعته حتى الثمالة
آن لك ان تفرحي وان تجدي السعادة تفتح ذراعيها لك مرحبة بقدومك ، وان تجدي الحبيب باسما يرنو اليك باعجاب ، وانت تهنئين بنظرات الحب التي تمنحك الدفء لتنير حياتك ، وتنسيك متاعبك التي عشت في اتونها ،فالايام جميلة والحياة تستحق ان نعيشها ،وان نغترف من نعيمها وان نمتع انفسنا من جمالها وان نسعد قلوبنا من بهجتها ،الحب يترنم بقدومك مرحبا والحبيب استأذن من العمل كي يتمتع بصحبتك ،وانت جذلى تتغنين بجمال الكون وتسعدين بكلمات حسان ،تنطلق من رجل حبيب لتمنحك السعد وتشعرك بجمال الحياة ،ونعيم الايام وهي تقبل علينا مبتهجة معطاءة
يصحبك حبيبك الى مناطق جميلة لم تشهد عيناك مثلا لها ، تتمشيان في المدن الرائعة ويداه تداعب يديك ،و كلام جميل ينهمر من لسانكما اعذب من الشهد واحلى من الجمال ..يعرفك على أصدقائه الذين يرحبون بمقدمك الى مدينتهم ، وتنثال عليك دعوات الغداء والعشاء ، فتعتذرين عنها ، لأنك تحبين ان تكوني وحدك هذا اليوم ،مع حبيب منحته لك الايام لتجعل الحياة امامك مبتسمة ، تستبد بك المخاوف أحيانا أنك تحلمين ، وان الخيال الخصب يطير بك في اجواء عالية من البهجة ، لست بقادرة على بلوغها مهما فعلت ، ولكن الايام تبتسم لك ، هذه المرة ، ويأتيك الحب فاتحا لك ذراعيه مرحبا ، يريد ان يستقبلك بالاحضان ، قد يكون الواقع اكثر جمالا من الخيال ، هل ابتسمت لك الايام بعد ان ارتك عيونها الغاضبة بلا سبب ، وهل ان الحظ حالفك ، ووجدت الحب اخيرا، بعد ان ظننت ان ايامك بدأ يغزوها الشيب ، ويتغلب عليها العجز ، ولكن لمَ تقولين هذا ؟ ولقد علمتك تجارب الايام ومرارة العيش انك تبلغين النجوم ان تسلحت بالارادة ، وكانت العزيمة القوية احدى صفاتك ، وانك مهما انتصرت عليك الخطوب ، فان الابتسامة الواثقة لن تفارق شفاهك الجميلة ،التي قال عنها حبيبك انها تستحق التقبيل واللثم ، يقول لك الحبيب مداعبا :
- كيف ترين لقاءنا اليوم ؟ أليس اجتماعنا معا اكثر جمالا من أن نتحدث من وراء الحاسوب ، اردت ان ابين لك ان حبي ليس قصة تتخيلينها ، بل هو واقع جميل ، تسعدين بعيشه
- كيف وصلت الى هنا ؟
- حصلت على التأشيرة التي مكنتني من التمتع بأحضانك
( 11)
أحيانا تفاجئك الأيام بأحداث لم تكن بالحسبان ، تصرفات من بعض المعارف لاتجدين لها تعليلا يرضيك ، وحتى المقربون منك يستغربون ان تكون تلك التصرفات من اناس يدعون الثقافة وعلو الهمم ، جاءك الصديق الدكتور ( ن) يسالك عن أخر نتاجاتك الأدبية ، ولأنه صديق وأخ عزيز ، فقد حدثته بما صادفك من متاعب وما وجدته من عثرات ، اخبرته ان روايتك قد طبعت في بغداد ، وانك طلبت من اخيك ان يدفع عنك مبلغ خمسمائة دولار ، وان الاديب الشهير تعهد لك ان يقوم بالطباعة وان يوزع روايتك في بلدان عديدة عربية ، وعدك ان تكون روايتك في العراق وسوريا ولبنان ومصر وان بعض النسخ سوف تأتيك الى المغرب ، فأي سعادة انت فيها ، و ويطول بك الانتظار ، وتدركين انه من العبث ان تحلمي ان روايتك سوف تصل الى اقطار عربية عديدة بسبب الواقع المؤلم الذي يعيشه العراق ، ولكن لم لم توزع روايتك بالعراق كما وعدك الأديب المشهور ؟ هذا لم تعرفي اسبابه ، وكيف يمكنك ان تعلمي بما تخبيء النفوس ؟ توقعت ان الرواية ستقرأ في بغداد ، وان المقالات النقدية سوف تكتب عنها مادحة او ذامة ، المهم عندك ان يقرا الناس ما تكتبين ، سواء مدحوا او ذموا ، او وقفوا حيال نتاجاتك موقف اللامبالي ، يسألك الأصدقاء عن اصداراتك ، تجيبينهم ان روايتك ( الحب الموؤود )في كل مكتبات بغداد كما اخبرك الأديب المشهور ، يبحثون عنها في المكتبات المعروفة ، فلا يعثرون على اثر لها ، يتصلون بمن اشرف على عملية الطبع ، يقول لهم انه لا علم له ب رواية جديدة قد طبعت تقفين حائرة ، ما الذي يسعى اليه ذلك الأديب ؟ ولا تعرفين اين تجدينها ، يقولون لك :
- كيف تثقين بمن لا تعرفينه ؟
- انه أديب ومشهور
- الخوف من المشهورين ، العراق كله يسرق هذه الأيام ، وليس رواياتك الجديدة فقط
تفترسك المتاعب التي تسقط على ام رأسك دفعة واحدة ، ولكن ابتسامة الحبيب ويديه اللتين تحيطان بك ،يبددان ما يعتريك من ضعف لا يدوم سوى لحظات
تظلين هذه الايام بلا بطاقة اقامة صالحة في بلاد المغرب ، منذ أن اغلقت المدرسة العراقية ، تجددين أقامتك على اقامة ولدك التي تبين بطاقة عمله انه يعمل ، براتب بسيط ، رغم انك تستلمين معونات من شقيقك القاطن في أوربا، والتي تبلغ الالاف من الدولارات ، فهي لايمكن ان تجعلهم يجددون لك الاقامة ، هذا العام ولأن ابا الاولاد في سفرة للعمل في بغداد ، وان عقد ايجار الشقة في الرباط باسمه ، فحين ذهب ابنك لتجديد الاقامة ، طلبوا منه شهادة سكن ، حيت ذكر لهم انه ساكن مع عائلته :امه وابيه واخته ، وان عقد الايجار باسم ابيه ، طلبوا منه ان يأتي لهم باثبات من الاب الغائب انه يسكن معه ، وبعد اتصالات عديدة بالعراق يوافق الأب على ارسال شهادة الاقرار انه يسكن مع ابنه وامه في نفس المسكن ، هذا الاقرار ، لا تدرين متى يصل الى المغرب ، اقامتك منتهية واقامة ابنك منتهية ايضا ، وانت تنتظرين ان تسافرى الى بغداد لحضور مؤنمر عن منظمات المجتمع المدني بدعوى من وزارة الثقافة العراقية
أفرحك ان المؤتمر تأجل ، وبدلا ان يعقد في الثامن عشر من شهر اكتوبر ، تقرر ان يعقد في الثامن عشر من دجنبر( كانون الأول) فانك بواسطة هذا التأجيل ربما تستطيعين السفر الى بغداد الحبيبة ، كما ان مؤتمر نادي العهد الجديد سوف يعقد في الثامن والعشرين من شهر ( نوفمبر) وانت تحبين ان تحضريه ، واكد لك المشاركون انك ستكونين على رأس قائمة الحاضرين ، ولكن من يدري ؟ ماذا يحدث ، قد يغيرون رأيهم ؟ او يبقون ثابتين عليه ، ان الاشتراك يبعث في نفسك السرور ، وأنت تتقلبين في هذه الدوامة
تصلك رسائل المحبة ، تبثك كلمات ما ان تدخل قلبك ، حتى يتغير شعورك السابق ، ينقلب حالك الى فرح ، كلمات من المحبة تزيل ما علق بنفسك من شعور بالخيبة ، وما رافق ايامك الماضية من احباط ، لم تعتادي ان المحبة تأتي اليك مرحبة ، وتحضنك وتخفف برد الايام وثلج السنين ، وكل الجراحات التي تتسبب بها مواقف اللامبالاة التي مرت بك ، ولكن لم تتذكرين بؤسك في لحظات السعد القليلة التي منحوك اياها ؟ آن لك ان تغردي مع البلبل السعيد منتشية بالكلمات الحبيبة التي جاءك بها غيثهم ، انهم الأحبة ، فلتعيشي ايامك بما حباك الله من نعيم ، ولتنسي كل ما مر به العمر من مشقات
خبر اصدار الجريدة الالكترونية اينع ايامك بالبهجة ، وجعل أزهار الفرحة تتفتح ورودا عاطرة ، مجموعة من خيرة الناس ، اختاروك كي تكوني مديرة تحرير في جريدتهم الالكترونية ، في البداية لم تفرحي كثيرا ، فقد سبق للكثيرين ان انعشوا قلبك بالوعود الجميلة ، التي لم يمر عليها زمن قليل والا تبين لك انها أضغاث احلام ، هذه المرة تختلف كثيرا عن الحالات السابقة ، سوف يسجلون الجريدة ويعترفون بحق كل قلم اضاف اليها نبضات قلبه ، واهداها عاطر الكلمات وسطور المحبة ، اشتغلت معهم ، واعطيتهم مقالات لك وقصصا ، وجمعتك واياهم جلسات عديدة وانتم تتناقشون في الطرق التي يمكن ان تتبعوها لتكون جريدتكم اجمل الجرائد وتحتل المنزلة التي تستحقها في دنيا الثقافة والاعلام ،ولكنك اليوم تشعرين ببعض الاثم ، فلم تعرفي كيف تساعدينهم ، انما اكتفيت بكلمات التشجيع والمساندة تسجلينها على مواضيعهم التي اثبتوها في الجريدة التي سوف ترى النور في ايام عيد الأضحى المبارك ، مرحبا بالجريدة ومرحبا بحملة القلم ، وأهلا بما كتبوه من ثقافة وابداع ، وحقا عليك ان تفرحي ، لان ايام الشقاء تؤذن بالانصراف ، وان وقت العسر سوف يولي ، ليحل مكانه اليسر بأبهى اشكاله ، سهرت ليلتين متواصلتين ، تساعدين بما تقدرين عليه ، وظهرت الجريدة الالكترونية صباح اليوم الثلاثاء السابع عشر من شهر تشرين الثاني ، علقت روابطها على صفحتك في الفيس بوك ، وصفحات بقية الأعضاء ، وأعجبك كثيرا انكم فريق واحد متعاون ، وغدا عيد الاضحى في المغرب ، ولم تعرفي بعد ماهو برنامجك لليوم الأول من أيام العيد ؟ باقي الأعياد تتصلين بأعضاء الهيئة الادارية لجمعية الرافدين العراقية وتنسقون كيف تذهبون للسفارة للتهنئة بمناسبة العيد السعيد ، اليوم لم يتصل بك أحد ، وانت قررت الا تتصلي بأحد ، لماذا يقع عليك هم الاتصال بهم وسؤالهم عما يجب ان تفعلوا ؟ احيانا تصيبك لحظات من الحزن ، لماذا تكونين وحدك هذا اليوم ؟ والناس كلهم يقضون الأعياد مع أحبابهم وأهلهم وأقربائهم ؟ فمن لك واهلك الكثير منهم ودع العالم ، اعدموا عددا كبيرا منهم ، وذهب الاخرون حزنا وكمدا ، لماذا تشعرين بالوحدة ، وقد تلقيت الكثير من بطاقات التهنئة بالعيد السعيد ، ولماذا يداهمك شعور بالغربة في هذا العالم ، وانت محاطة بعدد كبير من الأصدقاء ، ومتى يمكن لك ان تتخلصي من براثن هذا الشعور المؤلم ، انه الحبيب الغالي ، سافر ولم يستطع ان يزورك كما تأملين
(12)
اليوم عيد وأنت وحدك ، لا أحد معك يحتفل فرحا بهذا اليوم الجميل ، أحبابك بعيدون عنك
مشتتون في انحاء الأرض ، وانت هنا تتطلعين الى كلمة حنان واحدة ، تطفئ ظمأك الى نبتة الحب التي طال انتظارك لها ، من يحقق لك أحلامك المجهضة وتوقك المظلوم ، والأيام تمر بك بطيئة خالية من الفرح ، تستمعين الى الأغاني العديدة لأم كلثوم وفيروز ، وتشتعل الحاجة في قلبك الى يد تنتشلك من واقع أليم تعيشين به ، غريبة ، من يسهر معك ، يضمد جرحات الروح والنفس ، والليل طويل ، موحش ، من بقي معك ، وقد غاب عنك الجميع ، صديقتان فقط اتصلتا بك مهنئتين بالعيد السعيد ، وصديقك المحب اتصل بك معلنا عن حبه الكبير ، ولكن في اعماقك تظل النار مستعرة ، من يطفيء اللهيب المندلع ، وحاجتك المستعرة لقلب حنون ويد تمسد شعرك ، الذي يتوق الى كلمات تخفف بعض معاناتك ، نهدك يسهر وحيدا ، قد اثقلته السنون ، وكأنك تعيشين في بيداء ، تستمعين الى ام كلثوم وهي تشدو رائعتها اهل الهوى ، وهواك يعيش وحيدا ، من يحن عليك بهذا الجو القاسي من النسيان ، وكيف تنسين وصورته امامك ، ما ان تقرري الهروب من تعطش نفسك الى واحة حنينه الغائب ، حتى تندلع نيران حاجتك اليه ، قد نساك وسلاك قلبه ، وانت تعيشين على ذكرى ما قدمه لك من كلمات ، دون ان تظفري بما يحولها الى جنات من الورود والرياحين ، لماذا يظل قلبك متطلعا الى لمسة حنان ، ويبخل عليك الزمن بمن يجود عليك بها ، وقلبك كسير ومتألم ، ولمن يشكو ؟ والشكوى عن الغربة تعتبر عيبا في مجتمعك ؟ وانت وحدك بعد رحيل الاحباب ، تطول معاناتك ، وانت تعيشين في يم من الحرمان ، تعدين نجوم الظهر ، وترسمين ابتسامة السعادة على ثغرك ، لماذا لاتكونين سعيدة ؟ ولماذا تحيين على ذكريات مرت ؟ ولماذا لاتحاولين ان تبتسمي للأيام التي تقدم لك فرحة بديلة ، ان تجدي فرحتك مع حب وليد ، ازهر قبل فترة ، وعليك ان تتعهديه برعايتك ، لئلا تموت النبتة الرائعة ، لمَ لاترحبين بالحب الجميل الجديد الذي يقدم اليك بسرور ، لتجدي الحياة تفتح ذراعيها ؟
ولماذا تترددين ان تبوحي بما في قلبك من رغبة بالنعيم ؟ وعيش الحياة حتى ثمالتها ، والتمتع باللذات التي منحك الله اياها ؟ ما الفرق بينك وبينهم ، ولماذا تتضورين من الحرمان وغيرك ينهل من عطايا المحبين ، سعيدا بالهبات ، لم تبقين وحيدة ، ؟ وقد حباك الله قلبا عاشقا متيما بالحبيب ، من يواسي جراحك ، ويحنو على نفسك الظمأى التي تعيش في الجحيم ؟ من يرضى ان يمر العمر حرمانا متواصلا ؟ هل تنقصك الجرأة ، وانت تتلظين في بحار من جليد ، لااحد يعطف على نفسك الملتاعة فيهبها بعض لحظات من الحب
تتصل بك الشاعرة المشهورة تعتب عليك ،انك لم تساهمي في بعض الكلمات في تكريم شاعريتها ، اعتذرت انك مشغولة ، ووعدتها انك ستقومين بما يرضيها ، والحقيقة انك لم تقرئي لها عملا كاملا قبل هذا اليوم ، وبعد وعدك لها ، راجعت قصائدها ، فهالك ان الكثير منها رائعة ، وان كبار الكتاب والشعراء كتبوا في مديح تلك القصائد ، وفي الثناء على شاعرية صاحبتها ، اخترت احدى القصائد ، تلك التي تتوهج بها نار الرغبة ، وتستعر الحاجة الى الحبيب ، اية جرأة تمتلكها تلك الشاعرة ؟ حيث تعبر بكل حرية عن لواعج القلب واهات النفس وهي تنادي الحبيب وتطلب منه ان يطفيء النار المتأججة بين الضلوع وان يسعد القلب في ليلتهما المنتظرة ، وقد اندلع اللهب داخل النفس ، وطلب كل منهما صاحبه لإطفاء النار المندلعة ، كتبت قراءة نقدية في قصيدة الشاعرة
يصفك الناس انك ناجحة ، وقوية الارادة وتستطيعين ان تحققي ما تريدين ، ولكن ما بالك حزينة هذه الأيام ؟ لماذا تستبد بك الكآبة وشعور كبير بالاحباط ؟ كل ما تمرنت عليه من التسلح بالعزيمة وعدم السماح لأمواج الحزن ان تهزم سكينتك ، وكل التمارين التي اعتدت عليها في صباحاتك والمساءات ، وبذلك الجهد لطرد ما علق في ذهنك من موجات فشل ،وما اصابها من جراح تبدو احيانا عصية على النسيان ، ولكن لم تستولي عليك نيران التراجع ؟ وتجدين نفسك منهزمة امام كلمات بسيطة لا تحتملين ما ترين بها من اللامبالاة ، أي شيء تسعين اليه ؟ الم تحققي بعض طموحاتك ، لمَ تستبد بك مشاعر الألم ؟ هل لأنك تمضين عمرك بلا حب ، تساعدك نسماته على لم شعاث نفسك ، وتفتقرين الى وجود حبيب يضمد جراح القلب ، وخيبات الروح وما اصابك طوال عمرك من ويلات ، هل تمضين العمر وحيدة . تساهمين في التخفيبف عن ألم الناس ، وانت الظامئة الى قطرات من الغيث ، تصيب نفسك المفجوعة فتنعشها ، لم انت هكذا ، تتظاهرين بالقوة ، وداخلك مكسور ، تبدو عليك الثقة ، وانت تتطلعين الى بذرة حب تغرس في ارضك التي أصابها العطش من الأزل ، حتى متى انت محرومة من كل ما يتمتع به الناس الآخرون ؟ ومتى يمكن لزهور قلبك ان تتفتح ، ولينابيع نفسك ان تبصر ، تمضي ايامك حزينة بائسة ، لا نسمة تلطف من حرارة الجحيم الذي تعيشين في أتونه ، ورغم الصداقات الكثيرة التي تتمتعين بها ، الا ان قلبك محروم من الدفء الذي تتوقين اليه ، الى متى الحرمان ؟ ومن يمكن ان يخفف شعورك بالوجد ويبعد عنك احساسا بالضياع تشعرين به منذ زمن طويل ، من لنفسك الظمأى ان يروي عطشها الدائم ؟
( 13)
سفرة طويلة لكنها سعيدة ، استيقظت من النوم مبكرة ، فقد اخبروك انه يجب عليك ان تكوني في محطة الحافلات الكبيرة في الساعة الخامسة صباحا ، ولأنك دقيقة جدا في المواعيد ، وتحبين المحافظة عليها ، ولئلا يفوتك موعد اقلاع الحافلة ، فقد استيقظت في الثالثة صباحا ، وتناولت الفطور ، وهيأت نفسك للخروج من المنزل الساعة الرابعة والنصف صباحا ،أيقظت ابنك الحبيب ليصحبك في الطريق لتفلي سيارة الاجرة ، وحين سار بك قليلا الى محطة القطار لوجود سيارات الاجرة هناك ، رأيتما سيارة قادمة ، اتفقت مع ابنك وطلبت من السائق ان يوصله الى المنزل ويذهب بك الى محطة الحافلات ، وهناك لم تجدي احدا ، فان رحلتك الى الدار البيضاء ، وتنتظرين هناك اكثر من ساعتين ، ثم تأخذين حافلة أخرى الى مدينة بني ملال ، في محطة الحافلات شربت الشاي ، وحين جاءت الحافلة رأيت عددا من الأدباء المغاربة ، ركبوا معك في الحافلة ، وتوجهتم جميعا الى المدينة التي سيعقد بها المهرجان الأول في القصة والشعر ،
الطريق جميل ، تتخلله الاشجار الباسقة والارض الخضراء التي تمتع النظر وتبهج النفس ، والحافلة مريحة جدا ، لاتفرق عن القطار الذي تفضلينه بالسفر بشيء جلست بمفردك في المقعد الأمامي ، وجلس خلفك مباشرة اربعة من الأدباء والشعراء المغاربة الذاهبون الى بني ملال ، لم ينزل احدكم في الطريق الا لحظات لقضاء الحاجات الضرورية ، وحين وصلتم اتصلت بالشاعرة صديقتك التي قامت بتنظيم هذا المهرجان الجميل
وصلت الى الفندق ورأيت عددا كبيرا من الأدباء والشعراء يستقبلونك بالترحاب الكبير ، خفف بعض الشيء مما تعانين منه من غربة ،ومن شعور انك وحدك في معترك الحياة تصارعين أمواجها ، ولا أحد بجانبك يخفف عنك من المصاعب ، سوى شقيقك الذي في أوربا الذي يتذكرك دائما ويرسل لك المعونات المالية ،لتخفف عنك الضائقة المالية التي وجدت نفسك ترزحين تحت نيرها بعد اغلاق المدرسة وبقائك عاطلة بلا عمل..
اعطوك غرفة لوحدك ، فقد اعتذرت الشاعرة التي تسكن بالرباط عن المجيء ،بسبب ارتباطها بالامتحانات الجامعية ، ولا يمكنها المجيء ساعات قلائل
وبعد الغداء بدأ المهرجان بقراءات شعرية قليلة ، ثم بدأت القراءات القصصية وقام بالتقديم لها ابو القصة المغربي ذلك الاديب الجليل ، قرأت قصتك ونالت استحسان الحاضرين ، وبعد ان تمتعتم بالاستراحة وتناول الحلويات وشرب الشاي والعصائر ، عدتم الى القاعة ، حيث تمتعم بالقراءات الشعرية ، مع عزف وانشاد لطالبات صغيرات......
في المساء وبعد تناول العشاء كنت حائرة كيف تعودين الى الرباط ، اصبحت لاتقدرين على فراق اسرتك اكثر من يوم واحد ، تفكرين بأولادك الكبار ، والطلبات الكثيرة ، وانت لا تملكين الا التنفيذ رغم قصر اليد وحاجتك الماسة الى العلاج
تدبر لك صديقتك الشاعرة واسطة نقل مع اديب مغربي يسكن الدار البيضاء ، وسوف يقل معه في طريق العودة ،مجموعة من الأدباء.....
السيارة تسير بهدوء ، وفي الطريق يقترح الراكبون ان يرتاحوا قليلا في احد المقاهي ، تجلسون قليلا ثم تعودون الى السيارة ، التي تقلك الى الدار البيضاء الى محطة المسافرين
تجدين الازدحام شديدا فان ذلك اليوم يصادف المسيرة التي قام بها المغاربة تضامنا مع الصحراء.
تتصل بك سميرة
- متى تعودين ؟ عندي خبر جميل ، أود ان ازفه اليك
- شوقتيني الى اخبارك الجميلة ، ما الأمر ؟
- حين تزورينني أخبرك
- حسن ، سوف أتي اليك حين عودتي
تذهبين الى رؤية سميرة حال عودتك من الدار البيضاء ، تخبرك بما يسعدها :
- هل تتذكرين الرجل الذي كنت اخبرك انه يحبني ؟
- ذلك الذي لم تستطيعي ان تبادليه شعوره ؟
- نعم هو بعينه
- ماذا حدث بشأنه ؟
- بادلته عواطفه ، وأحببته كما يحبني
- ما الذي جعلك تغيرين موقفك تجاهه ؟هل صارحك بشيء؟
- نعم وضع حدا لتردده وقال انه يحبني
- ألم تخبريني انك لا يمكن ان تبادليه عواطفه ؟
- الآخر الذي احبه لم يتكلم ، هل اظل وحيدة ؟
- لماذا تظلين على رفضه وقد صارحك بالحب ، لكنك اخبرتني انه رغم حبه لك خطب فتاة أخرى
- نعم ولكنه لم يصرح لي بحقيقة مشاعره قبل الآن ، وحين خطب الأخرى ، رفضه أهلها
- لماذا رفضوه ؟
- انه فقير ، وعائلة الفتاة التي تقدم لخطيتها من اغنى العائلات البغدادية
- هل صرت تحبينه ؟ ، وهو كيف يحبك؟ ويتقدم للزواج من أخرى ؟
- الحادثة مضى عليها عامان ، ومن حقي ان احب وان اجد من يحبني ، لم احبه بعد ، لكني سأحاول ان انظر الى ايجابياته
- خبر سار جدا ، فرحت لك يا سميرة ، وهل توافق اسرتك وهو من اسرة فقيرة جدا ؟
- ان اسرتي تقدمية وسوف لن تعارض
( 14)
العمل في المسلة يسعدك ، تجدين نفسك مع مجموعة من الكاتبات والكتاب كلهم عراقيون ، تجتمعون خلال الاسبوع مرتين او اكثر تتبادلون باجتماعاتكم الأفكار ، وتتناقشون في الطريقة التي يجب ان تسلكوها لتكون المسلة ناجحة ، وتسهم في علاج حالة التردي التي يعيشها العراقيون ، حيث تمر الأيام ولا يجدون ان أحلامهم تتحقق ، وان نضالهم الطويل قد وصل الى بعض أهدافه ودواعيه ، أمس لم يحضر رئيس التحرير وطلب منك في رسالة الى المتابعة ان تقومي انت بمهام الرئيس ، ورغم انك لم تقومي بهذه المهمة من قبل ، فقد وجدت متعة كبيرة بقيامك بها ، تعاون الحاضرون معك ، واشتركتم في مناقشة فقرات جدول الأعمال ، وكنتم جميعكم راضين من سير الاجتماع ، ولكن الذي أثار الاستغراب موقف الفيس بوك من كثرة الرسائل التي قمت بارسالها ، اجتماعاتكم تكون بواسطة ارسال الرسائل بين اعضاء هيئة التحرير ، تصل الرسالة الى جميع الأعضاء ،ويكتب بها العضو ما يريد او يجيب على بعض الاستفسارات، التي يطرحها الرئيس او بقية الأعضاء ، ويبدو انك كنت اكثرهم سرعة بإرسال الرسائل مما اثار عجب ادارة الفيس بوك ، وكانت تطالبك كل مرة ان تهدئي ،والا تسرعي بالكتابة لئلا تفقدين حسابك جزئيا او كليا ، والذي اثار الاستغراب تلك الليلة حين ترأست الاجتماع ان عضوا احتج على وصول رسائلكم اليه ، ولم تكونوا تعرفون من يكون ، وبعد اظهار الاستنكار والخوف ان بريد المسلة قد اخترق ، وان شخصا لا تعرفونه يستطيع ان يقرأ الرسائل ، تبين في الأخير ان المحتجة احدى الصحفيات وكانت محررة وليست عضوا في هيئة التحرير ، ولكنها أضيفت الى الهيئة ، فما كان من الحاضرين الا ابداء الاعتذار منها ،وهي اعتذرت ايضا ، ثم غير الملف وواصلتم الاجتماع حتى النهاية
كتبت احدى عضوات هيئة التحرير مقالة جميلة نالت الاستحسان ، ولكن المقالة لم تكن بالصورة الكاملة التي ترضي جميع الأعضاء ، فاحتج رئيس التحرير طالبا حذف المقالة ، وفعلا حذفت ، ولكن الذي جرى انه طالب ان يوجه انذار الى تلك الكاتبة لانها نشرت ما يخالف توجيهات المسلة المتفق عليها ، ولكن الذي أعجبك كثيرا ان الاعضاء المجتمعين اتفقوا على الاكتفاء بالتنبيه القديم الذي وجه للكاتبة حين حذف مقالها ، كما ان الاعضاء المجتمعين اتفقوا على ان تكون التنبيهات في المستفبل بصورة شخصية ، وليس امام الاعضاء كلهم ، لآن الجميع اسرة واحدة متعاطفة
في تلك الامسية قمت بالخفارة المتفق عليها بدلا من احدى العضوات التي كانت في سفرة ، مما يتعذر عليها الحضور للقيام بالخفارة ، قمت بعملك منذ الساعة الثامنة والنصف بتوقيت لندن وحتى الساعة الحادية عشرة مساء بتوقيت لندن ايضا
كتبت تقريرا موجزا عن خفارتك ، وتمنيت لهم اوقاتا سعيدة
ما اخبرتك به سميرة افرحك كثيرا ، فهذه الانسانة تحبينها كما لو كانت ابنتك ، وتتمنين لها السعادة ، وان تتعرف الى رجل يفهمها ويقدر خلقها الجميل وصفاتها الراقية ، كنت على وشك الاتصال بابنة صديقتك التي صارت صديقة عزيزة لديك ، ولكنك سمعت صوت دقات على باب منزلك ، فأسرعت لتلبية النداء ، وكم كانت فرحتك كبيرة ، حين وجدت سميرة امامك :
- آه ما هذه السعادة ؟ سميرة في منزلي!
- اشتقت اليك ، وقررت ان ازورك
- زارتنا البركة صديقتي العزيزة
هرعت الى المطبخ لإعداد فنجانين من القهوة ، لكن سميرة ركضت الى المطبخ لتكون معك
- لن أصبر كثيرا ، عندي اخبار سوف تفرحك !
- انا بشوق كبير لسماع اخبارك
- محمود تقدم طالبا يدي
- بهذه السرعة ؟
- ألسنا في عصرها ؟!
- بلى ، وماذا قررت عائلتك ؟
- سألني أبي ما رأيك ؟ فأجبت بالإيجاب ، فطلب ان يرى خطيبي، واخبرت حبيبي بما قال الوالد ، وسوف يذهب بعد يومين لمقابلته
- ألم يسألوا عمن تقدم لك كما جرت العادة ؟
- مدحته امام عائلتي واخبرتهم انه شقيق صديقتي أحلام ، واعرفه تمام المعرفة ، فاطمأنوا على مستقبل ابنتهم العزيزة
(15)
كل يوم يثبت لك ان كل المواطنين بالعالم وبالمحيط العربي يتمتعون بحقوق المواطنة الا العراقيين ، فهم محرومون من كل الحقوق سواء كانوا داخل البلاد ام خارجها ، في داخل البلاد يفضل المسؤولون ان كانوا من القدماء أو الجدد الغرباء على اهل البلاد ، واغلبية الجماهير حين يكونون في موقع المسؤولية يفضلون الغريب على ابن البلد ، يجد العراقي نفسه محروما من الحقوق داخل بلده ، لان المسؤولين هناك يفضلون الأغراب ، ويجد نفسه محروما من الحقوق في بلدان أخرى لآن اهل تلك البلاد ،وحكامها يفضلون المواطن على كل الأجانب ، وهذا من حقهم ، تبين لك هذا حين حضرت الجمع العام لجمعية المدونين المغاربة ، التي انعقد جمعها التأسيسي قبل عشرين شهرا ، وكنت أنت في اللجنة التحضيرية لجمعية المدونين المغاربة ، قال لك رئيسها في الجمع التأسيسي انك ستكونين عضوا فقط ولن يسمح لك ان تكوني في اللجان لأنك اجنبية ، وانه لايريد ان يخضع للمساءلة ، حين يسأل من قبل احد
- لماذا تم تعيين اجنبية في جمعية مغربية ؟
والتدوين ليس له جنسية كما كنت تظنين ، قبلت ذلك الوقت ولم تناقشي، ووجدت انه ليس من حقك ان تعترضي ، فهم اهل البلاد وانت ضيفة عليهم ، طالت اقامتك بينهم ام قصرت
اليوم حدث الجمع العام ، وطالب بعض الاعضاء ان تكوني عضوا في احدى اللجان ولكن رئيس الجمعية احتج وقال انك عراقية ولم تتجنسي بالجنسية المغربية بعد ، وحتى العضوية في هذه الجمعية وجدت نفسك تحرمين منها ، قال لك الرئيس انك عضو شرفي غير قانوني
هذا الموقف يقفه كل الاخوة في البلاد العربية ، مسؤولين وشعوبا ، وتجدين الحق معهم ، فالمواطن يجب ان تكون له كل الرعاية ، وانتم بالعراق تختلفون عن كل الشعوب العربية ،أنكم تقربون الأجنبي وتبعدون العراقي ، كنت تظنين ان هذا الأمر يقتصر على النظام السابق ، حيث كانوا يهجرون العوائل العراقية والتي قطنت العراق منذ الاف السنين ، ويأتي بأفراد المعارضات الاجنبية العربية وغيرها ، ليجعلها تسكن بالعراق ، ويمنحها منازل العراقيين المهجرين ، ويعطيها كل الامتيازات ، ، ولكنك لم تجدي اي تفسير لما يقوم به العراقيون من تفضيل الاجنبي على العراقي ، ما هو السبب ؟ مهما بحثتم لن تجدوا ، وتبقى الحيرة تستبد بالنفوس ، والحزن مسيطرا ، والسؤال الكبير الى متى تظلون محرومين من وطنكم انتم العراقيين ، حين أغلقت المدرسة العراقية بالرباط ، لم تجدوا احدا يقف بجانبكم ، طالبتم بحقكم ، اعترض المسؤولون العراقيون على مطالبتكم ، وتساءلوا باستنكار لماذا لا تعودون الى الوطن ؟ ما دمتم تدعون انكم تحبونه ؟ وما الذي يبقيكم هنا بالمغرب ، ولم يدركوا ان الانسان يحتاج الى عمل والى سكن ، والى سرير يأوي اليه اذا غلبه التعب ، ومطبخ يغلي على طباخه الماء ان اشتهى كوبا من الشاي ، وثلاجة تحفظ له الطعام ، وأنتم لا تملكون شيئا من هذه الاساسيات في بلادكم التي تحبونها اكثر من أنفسكم، فكيف تعودون؟ هل تفترشون الأرض ، وتلتحفون السماء كما يقول اغنية فيروز ، وهل استتب الامن في العراق حتى يمكن لأي انسان ان يفترش اديم الأرض لأنه اجود انواع الأسرة المريحة
ومهما قيل عن النظام الليبي ، فانه حين اغلقت المدرسة الليبية في الرباط ، لم يعان أساتذتها من الفاقة والعوز ، كما عانى العراقيون ، فقد بقيت السفارة الليبية تمنح رواتب معلمي المدرسة الليبية حتى عودة المدرسة الى الافتتاح لاستقبال الطلاب
سميرة لا تسعها الفرحة ، حبيب العمر والذي لم تعرف حبا غيره لم يلتفت لمشاعرها، واحبها انسان آخر ورحب بان يكونا معا ، تحبين الاطلاع على اخبار العزيزة سميرة كل يوم ، فكل ساعة لها خبر يفرح القلب ويبهج الفؤاد ، وقد عانت طويلا ، وآن لها ان تسعد وان تجد من يؤنس وحدتها في دياجير الصقيع ، اخبرتك ان والدها وافق على زواجها من الرجل الذي احبته اخيرا ،بكل قطرة من دمائها المتعطشة للحياة والحب، قالت لك متهللة الوجه :
- انت اول من اخبره بما يجد معي
- ولهذا الاعتزاز المتبادل بيننا ، سوف ادعوك وحبيبك الى جلسة في منزلي مع صديقات لي في مثل عمرك
(16)
حين اغلقت المدرسة العراقية بالرباط ، ووجدت العوائل العراقية نفسها بلا عمل ، يساعدها في تدبير امور حيواتها ، كتبت موضوعا على شكل يوميات ، تتحدث عن معاناة صحفية عاطلة عن العمل
وقفت صحيفتي التي أعمل فيها عن الصدور ، لم نعرف بعد السبب الذي دعا الى إغلاقها ، كل من تولى ادارتها يعطينا سببا نجده معقولا ، وإذا بشخص آخر يقنعنا بسبب مختلف ، ذهبنا مجموعين الى مدير التحرير ، عله يجد لنا حلا مناسبا، بعد ان يرى اننا صممنا أن نكون كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا ، نظر الينا المدير نظرة شزراء ووبخنا على الحضور، الى منزله الفخم الذي يشبه القصور ، سارع أحد الزملاء( محمود) الى نفي التهمة عن شخصه الكريم،محملا ايانا نتيجة الخطأ ، فنحن أولى بالعقاب وليس من حقنا أن نشكو ، أشار المدير بيده السمينة الى الباب ، ففهم أغلبنا المراد من هذه الحركة الذكية،وخرجنا نجر أذيال الخيبة والفشل وقررنا ان ننقد انفسنا نقدا ذاتيا ،لانها أمارة بالسوء ومن واجبنا ان نضربها بالسوط ، نكسنا أعيننا الى الأرض ولم نجد بيننا زميلنا ( محمود) فقد أبقاه المدير مكافأة له، على حسن الرد وتفتيت جماعتنا
الاربعاء 4 غشت
عاتب أحدنا الآخر أننا تركنا حقوقنا ، وجعلنا شخصا واحدا، يلتهم ما يمنحه المدير له نكاية بنا ، وانه من حقنا أن نعيد لم صفوفنا ، وذكّرنا من كان ناسيا حكاية ذلك الأب الحكيم، الذي أراد أن يقنع أولاده بضرورة الإتحاد وان يقدم لهم روعة الخبرة ،التي جناها في حياته بأن اخبرهم ان العصا الواحدة يمكن كسرها بسهولة، اما إذا اجتمعت العصي، فانه من المستحيل أن تقدر قوة على كسرها بسهوله ، فأبدى الزملاء قناعتهم بالحكمة الخالدة، التي ورثناها عن آبائنا المجربين ، وآلينا على أنفسنا الا نجعل أحدا مهما كانت قوته وبراعته في فن الاقناع، أن يسلب منا حقوقنا بعد اليوم ، وتفرقنا مبتسمين بعد أن ادركنا كيفية اعادة الحقوق الى أصحابها
الثلاثاء5 سبتمبر
بعد مناقشة طويلة مع الزملاء، قررنا أن يتصل كل واحد منا بالمدير، وان يسمع منه النصيحة الثمينة، بما ينبغي علينا أن نفعله ، وخاصة ان الجريدة مضى على اغلاقها زمن طويل، وان أكثرنا قد أنفق ما خبأه لمفاجآت الزمان ، ولكن الذي أثار استغرابنا ان المدير لم يعد يجيب على هواتفنا الكثيرة ، وانه وضع الة تسجيل تجيب بدلا عنه، على نداءاتنا المتكررة وبعد ان تسمع الة التسجيل كلامنا تقول لنا ناصحة :يجب ان نترك رسالتنا وسوف يجيب المدير عنها حين يجد الوقت مناسبا..
الاثنين 6 اكتوبر
مضينا الى مكاتب الصحف والمجلات نطلب عملا بديلا ، صحبنا معنا سيرنا الذاتية، التي تبين ان لكل منا مشوارا طويلا ، قضاه بين جنبات الصحافة، باحثا عن الحقيقة ،جاريا وراء المتاعب، مسجلا الاخبار معلقا على الحوادث، ساعيا الى ابراز سطوع الشمس، وسط دياجير الظلام ، بعض الصحف استقبلتنا ورحبت بنا ووعدتنا انها تتصل بنا ،حين يغادرها أحد الصحفيين الى جريدة او مجلة اخرى ، والبعض الاخر من المكاتب التي راجعناها، نصحتنا الا نبحث عن وسيلة اخرى للنشر، وكسب العيش فان صحيفتنا لابد ان تعود الى الصدور مرة اخرى، ومن العبث ان نترك سنين خدمتنا كلها، ونبدأ من جديد ، طلبنا من مدراء الصحف التي زرناها ان يستلموا سيرنا الذاتية، لكنهم رفضوا باصرار مثير للدهشة..
الاحد 7 نونبر
ولأن اليوم عطلة رسمية، قرر بعضنا أن يكتب رسائل الكترونية الى مدراء التحرير للصحف في العالم العربي كله، شارحين ظروفنا ، طالبين الحصول على عمل صحافي ، بعد ان نفذت كل نقودنا وعوائلنا تطالبنا بسد حاجاتها فنقف عاجزين ، وها نحن ننتظر عل احدا ينظر الى كفاءاتنا بعين العطف ، ويعين احدنا في جريدته، ونالنا اليأس من عودة جريدتنا الموقرة الى الصدور
علق الكثير من القراء والكتاب على قصتك هذه معلنين عن تضامنهم معك ، واستلمت في احد المنتديات رسالة يقول كاتبها:
قرأت قصتك وفهمت معاناتك ، أرجو ان تكتبي لي على الايميل الاتي-
حلمت قليلا ان كاتب الرسالة قد يملك بعض الحل لمشكلتك ، فكتبت له رسالة ، اجابك عنها قائلا
انني صحفي من بلاد عربية ، أشتغل مراسلا لصحيفة عراقية لقاء مبلغ شهري700 دولارا ، هل يمكنك ان تساعديني في ايجاد مراسلة لي لجريدة عراقية أخرى؟ حتى اتمكن من اصطحاب عائلتي الى العراق
كتبت طالبة من الصحيفة نفسها ان توافق على تعيينك مراسلة لها في المغرب ، لم توافق على التعيين ودفع مرتبك شهريا ، بل اقترحت عليك منحك ثمنا بالقطعة فقط لقاء المواضيع التي تقومين بأرسالها لها ، وكان الثمن ضئيلا جدا خمسة عشر دولارا في الموضوع الواحد
ولكنك لم تسلمي بسهولة ، فقد راسلت صحفا كثيرة ، ان تنشر لك ما ترسلينها لها من مقالات وحوارات وتغطيات للأنشطة الثقافية المغربية ، وعدك الكثيرون قي عدد من الدول العربية ان يقفوا بجانبك ، وان يعيونك مراسلة لهم في بلاد المغرب ، وارسلت لهم المواضيع التي يريدونها ، لكنهم لم يرسلوا لك الثمن الذي اتفقتم عليه ، فقررت تركهم والتوجه الى صحف اخرى تصدق في وعودها
(17)
هيأت منزلك لإقامة حفل صديقتك سميرة وحبيبها ، وصل المدعوون مع زوجاتهم وحبيباتهم ، تفاجأت ان حبيب سميرة قد جلب قنينة شراب معه ، وانت لم تتهيئي لمثل هذه الجلسات ، طلبت من سميرة ان تخبر حبيبها بتأجيل الشراب الى مناسبة أخرى تكونين انت وزوجك وسميرة وحبيبها وحدكم في المنزل ، واعتذرت لسميرة قائلة :
- الكثير من المدعوين هذه الليلة لا يحبون تناول الشراب
- اخبرت محمود بالأمر فتفهمه
وانتم تتحدثون في مختلف الأحاديث طلبت سراب ان تحدثك بأمر هام
لحقتك الى المطبخ وقالت :
- كيف يمكن لسميرة ان تجني على نفسها بارتباطها بهذا الرجل ؟
- ما به ؟
- ألم تلاحظي كيف ينظر للنساء الحاضرات ، نظراته الشبقية تطاردهن في منزلك ، لم ارتح لنظراته الوقحة وحتى ز وجي فطن لما يرسله محمود من رغبات الى النساء ، مسكينة سميرة ،الم تجد من تدفن معه حياتها وتقمع روحها الا هذا المحتال ، لماذا لم ينصحها احد بحقيقة هذا المخلوق ، هل يحبها حقا ؟ ام يمثل عليها الحب ؟
- وما يدريني ؟ حين قابلته اول مرة ظننت انه يوجه لي نظراته المحمومة لوحدي ، وتعرفين زوجي لا يبالي بمثل هذه الأمور ويثق بي وبحسن تصرفي ، لكن ماذا أفعل ؟ سميرة صديقتي فهل يمكنني جرحها ؟
- كيف وافقت عائلتها ؟
- قابله ابوها فقط ، فهل يمكن ان يوجه نظراته الآثمة الى الرجال ايضا ، لابد ان سميرة ستكشفه قبل فوات الأوان ، ونحن لن نخبرها ، وسوف نتظاهر اننا لم نفطن
- سميرة ذكية وسوف تكتشف الأمر قبل عقد القران ، ولكن ما الذي اعجبها فيه ؟
- تقول انه عصامي ومتعدد الاهتمامات وانه بار بوالديه ، يعطي نصف راتبه لهما ، وقد حدث سميرة بانه سوف يستمر على اكرام والديه بعد الزواج ايضا ، فلم تمانع ، تعرفين انها من أسرة غنية بالإضافة الى انها ماهرة بالعمل ولها راتبها المرتفع
- اكثر ما اخشاه انه طامع براتبها وثروة أسرتها ، تصرفه مع النساء لا يدلل على انه يحبها هي فقط من دون النساء ، اجد انه يعشق كل النساء في وقت واحد ، وحرام ان ترتبط سميرة المرأة الكاملة بمثل هذا المخلوق
- انا مثلك ، كنت متحمسة لهذا الزواج ، لقد رفضت سميرة الكثير من العرسان ، وآن لها ان تستريح
- صامت دهرا وأفطرت على بصل ، هيا نعود الى الجالسين ، طال غيابنا عنهم
- ارجو ان تكون توقعاتنا كاذبة
- عسى ان تكون
تجدين سميرة متهللة الوجه :
- وافق محمود على نقل عملي التدريسي الى بغداد
- خير لكما نقلك ، اذ كيف تتزوجان وانت في بلاد بعيدة عن وطنك الذي يقطن فيه زوجك ، ألم تحلمي ان تعودي الى وطنك الحبيب ؟
- بلى ، لكني كنت أؤجل تحقيق هذا الحلم ، وها اني اتوصل الى هدفين لي عزيزين معا
- اهنئك حبيبتي على عودتك الى وطنك وزواجك فيه ، عيدان اثنان يستحقان الفرح ، وسوف اعود أنا ايضا الى ربوع الوطن ، ليزهر القلب وتنمو وروده
- سوف نكون معا ، نحن الصديقتين ومع عائلتي والأصدقاء
(18)
ها ان الأيام تمضي في بغداد سريعا ، ذهبت بدعوة من وزارة الثقافة العراقية ، وصلت لك التذكرة على الخطوط التركية عن طريق الانترنت ، يا لهذا الحدث الرائع من انتصار ساحق لقضايا الانسان ، حضرت ملابسك بسرعة وسافرت مع الاخ الشاعر العراقي المقيم في المغرب، في رحلة امتعتكما معا ، اقمتما في فندق كبير قائم في شارع السعدون ثلاثة ايام ، كانت الوفود كثيرة من خارج العراق وداخله ، تعرفت الى اعضاء كثر في منظمات المجتمع المدني التي كثرت بالعراق ، انه المؤتمر الاول الذي يدعى اليه اعضاء في منظمات ثقافية عراقية خارج العراق ، وحين وجدت ما يتمتع به العراقيون من مؤتمرات ومن انشطة كثيرة تعزز الترابط بينهم قررت ان تمكثي بالعراق وطنك الحبيب ، وحين انهى المؤتمر اعماله وعادت كل الوفود اما الى مقرها في الخارج او لزيارة افراد اسرها ذهبت انت مع زوجك الى الشقة التي استأجرها وكانت بائسة بكل المقاييس المتعارف عليها بين البشر ، لاسخان يمكن ان يمدكما بالماء الساخن للاستحمام ولا غرفة مريحة تشعرك بالاطمئنان، وحتى الدرجات المؤدية لشقتكم من بيت المؤجرين ركبت بشكل عمودي، لم تكن تريد الزائر الذي قد يفكر بزيارتك وقضاء وقت فرح في ربوعك المقفرة ، فكرت بشقيقتك التي تمدك بكل ما تحتاجينه من مال ومتاع ،كيف يمكنك ان تستقبليها في منزلك الذي لايشجع احدا على الدخول اليه ، سافرت الى كربلاء لفترة قصيرة ورأيت اختك الصغرى هناك ، اعطتك شقيقتك الكبرى مبلغا كبيرا من المال لم تستفيدي منه كثيرا ، بل اعطيته لزوجك الذي اخبرك انه سوف يسافر الى المغرب عن طريق البر، فخشيت عليه ان تتدهور صحته المتعبة كثيرا ولا يتمكن من خطبة الفتاة التي اختارها ابنك ، وسرعان ما شعرت بالندم على معروفك الذي لم يجد ابدا ، ككل اعمال المعروف والاحسان التي تقدمينها ولا تجنين الا اشواك المعاملة السيئة والبخل
اتصلت بك سميرة داعية اياك لحضور حفل عرسها ، لبيت الدعوة مسرورة ، المدعوون كثيرون في منزل عائلة سميرة ، جهز أبوها كل الأشياء التي يمكن ان تسعد ابنته العزيزة ، وكل ما يمكن ان يقدمه الرجل لزوجته في حفلة العرس ، حتى ملابس العرس الجميلة التي اخذت سميرة ترتديها في الحفل كانت قد اشترتها سابقا ، ولم يقدم لها العريس شيئا ، وحتى خاتم الخطبة اشترته هي من راتبها
الكيكة التي هيأها والد سميرة كانت بسبع طوابق ، والعشاء كان لذيذا وكثيرا’، مما اثار اعجاب المدعوين
بدت سميرة كالشمس ساطعة الجمال ، وهي تجلس قرب العريس الذي حضرت عائلته ، شاهدت أنواعا من الرقص لم تشاهديها من قبل، اخوات العريس كلهن تمايلن على انغام الموسيقى الراقصة ، اثار استغرابك ان سميرة تبدو عليها علامات السعادة رغم ان محمود لم يقدم لها شيئا ، وتساءلت بصمت :
- هل كانت سميرة محرومة من الحنان لترضى بأول رجل يعلن لها الحب ، ألم يتقدم لخطبتها العديد من الرجال ، وكانت ترفضهم جميعا ، متعللة بمختلف الأعذار، يا لهذه المخلوقة النادرة المثال ! ويا لقلبها الكبير الذي يبدو انه قد انطلت عليه عملية خداع كبيرة من مدع بالعشق ، والحب منه براء ، كم ضعيف انت أيها الانسان ، تظهر قوتك المزعومة ، ولا تعرف خداع المرائين، صديقتي العزيزة ، كيف اجعلك تدركين حجم اليم الذي اوقعتك به ثقتك الكبيرة بمعسول الكلام ، ولكن ما الذي جعلك تقدمين على حبه ؟ وقد صرح الكثير لك عن حبهم وكانوا أكثر صدقا ، وأقرب منك اقتصاديا واجتماعيا ، قلت لي مرة عن محمود الذي ستقدمين على الانتحار بزواجك منه :
- انه الوحيد الذي أذاقني لذة القبلة ، جميعهم كانوا يعبرون لي عن حبهم على الورق ، ومحود كان جريئا ، صرح لي بحبه الكبير وطلبني للرقص ، وفي أثناء احتضاني بذراعيه القويتين طبع قبلة على شفتي ، آه صديقتي العزيزة تقت كثيرا الى الحب وها اني اتوصل اليه بعد بحث طويل ، قبلة عبر لي محمود بها عن شدة حبه ، كيف أتنكر لهذا الحب ان كان صاحبه غير قادر على ان يدفع مهري كما يفعل الأزواج ، لا يهم كل شيء ، المهم عندي هو الشعور بالحب والتعبير عنه
تنظرين الى سعادة سميرة التي تجدينها واضحة لكل الناس ، تتمنين لها ان تعثر على حب دائم عند محمود الذي بدأت الشكوك تساورك عن صدق مشاعره ، من يدري ؟ قد تكون مخاوفك مبالغ بها ، وان محمود رجل فقير ، تحتاج اسرته الفقيرة الى كل راتبه ، فليس الفقر عيبا ، ولكن هل من الانصاف ان يتكل على زوجته تمام الاتكال في توفير ما يلزم العيش ،من مأكل ومشرب ولباس ودواء ونقود يصرفانها عند الخروج للتنزه ، ام انه قرر ان تكون سميرة في المنزل للقيام بأشغال البيت بعد الانتهاء من اعمال الوظيفة ، وهو سارح لوحده بين الحسناوات
(19)
تمضي الأيام ثقيلة متباطئة ، وأنت تراجعين مديرية تربية الكرخ الثالثة ، علك تحظين بجواب يشفي النفس من جراحاتها الكبيرة ، صعب على الانسان الذي جرب العمل وعرف لذته ، ان يبقى فترة حتى لو قصرت بلا عمل ، من يمده بالمال الذي يحتاج اليه ؟ ومن يقف بجانبه ليسد حاجاته ، ومن يمكن ان يساعد أسرته التي اعتادت عليه ان يكون عاملا يقف بجانبها مشبعا حاجاتنها ،، تراجعين كل يوم والجواب الوحيد الذي تتلقينه :
- - لم يصلنا الجواب، امي لماذا تتعبين نفسك ؟ وأنت في هذا العمر ، اذهبي الى منزلك وارتاحي
وكيف اعيش ؟ ومن يقوم برعايتي ورعاية اولادي الذين تركتهم في بلاد أخرى ؟-
لم تستطع هذه العبارة ان تنتشل شجرة التفاؤل الكبيرة في داخل نفسك ، كنت متأكدة انك ستعودين الى عملك ، كما كنت واثقة قبلها انك ستعودين الى وطنك بعد غربة طويلة فرضت عليك ، وكثيرا ما سمعت ممن هم حولك من المعارف:
- لافائدة مما تفعلين ، سوف لن يوافقوا على اعادتك
موقفهم يؤلمك لكنه لم يتمكن من اسئصال الثقة من داخل قلبك
تكثرين من التردد على مديرية التربية ، لاأحد يمكنه ان يستأصل من داخلك ما تشعرين به من ثقة، ان حلمك سوف يتحقق وان رغبتك في اعتبارك مفصولة سياسية سوف يأتي بأكله قريبا ، ولن تكوني عاطلة بعد اليوم ، وسوف لن يستمر تعبك ومعاناتك وحرمانك الطويل، مما يستطيع العاملون ان يحصلوا عليه نتيجة عملهم الطويل من اشباع بعض حاجاتهم بدون منة من احد
بعد مراجعتك لمديرية التربية تتصلين بسميرة للاطمئنان على حياتها الجديدة ، ترحب بك كعادتها :
- اين انت ؟ ماذا فعلت ؟ وكيف كانت مراجعاتك ؟ هل أثمرت ؟
- سوف تثمر ورودا يانعة تسرني وتسعد عائلتي ، وتبهجك أنت صديقتي وابنة صديقتي
- ان شاء الله ، ولكن لماذا لا تزورينني ؟
- سأزورك قريبا ، كنت انوي المرور عليك حين الانتهاء من المراجعة ، ولكني خشيت الا تكوني في المنزل
- انا في المنزل الآن ، مري علي قبل وصولك الى المنزل ، واشربي عندي فنجانا من القهوة
- حالا عزيزتي ، أشرب فنجان القهوة ، ثم اواصل الى منزلي الذي لا يبعد كثيرا عن منزلك
تستعينين بالكوستر ليوصلك الى بيت سميرة ، تستقبلك مسرورة ، لكنها لا تتمكن من اخفاء التعب الشديد الذي يبدو واضحا على محياها وعلى خطواتها التي اصبحت مرتبكة كثيرا
- ما بك ؟ هل انت مريضة ؟
- لست مريضة ، بل انا حبلى
- مبارك لك ، متى عرفت ذلك ؟
- قبل ثلاثة ايام ، وقالت لي الطبيبة يجب الا اتعب نفسي وان اتناول الطعام الصحي الكامل والا ادع أشغال المنزل ترهقني كثيرا ، وان احاول الا اسير لمسافات بعيدة ، وان احاول تخفيف وزني قليلا ، لأن الوزن الثقيل يضر بالجنين كما يسيء الى امه
- جميل عزيزتي ، يمكنك ان تنفذي تعليمات الطبيبة ، فهي ماهرة كما سمعت
- انها طبيبة ممتازة
- اذن نفذي تعليماتها ، وخففي من تناول الحلويات التي تحبينها كثيرا ، وأكثري من الفواكه والبروتينات والخضر ، ففيها الفيتامينات والمعادن التي تفيدك كثيرا ، انت مثقفة وحريصة على صحتك ، ويجب ان تنفذي التوجيهات بدقة ، ما بك صامتة ؟ ألا يسعدك أن تصبحي أما؟
- يسعدني جدا ، ولكنه لا يوافق ان أشتري الأطعمة التي وصفتها لي الطبيبة ، ويقول انها تبالغ ، ومن أين للفقراء ان يشتروا كل هذه الأصناف ؟
- أمنت بالله ، رحم الله الفقراء ، ولكنك لست فقيرة ، انت تعملين بجد ، والدولة تعطيك راتبا تستحقينه بتعبك
- يقول انه لا يستطيع ، ويجب علينا ان نتضامن مع الفقراء
أين تذهبين براتبك ؟-
- الايجار والطعام
- وأين راتبه ؟
- يقول ان أسرته تحتاج اليه
- ألم تتفقا أن يعطي لأسرته نصف الراتب ؟ اصرفي من راتبك ونصف راتبه واحفظي صحتك
- اخبرني انه يحتاج الى نصف راتبه لشراء السجائر والمشروبات ، وان راتبي اعلى من راتبه ، ومن واجبي ان اقف بجانبه اشد أزره
لا تعرفين كيف تجيبين ، ماذا تقولين لسميرة ، وماذا يمكنك ان تفعلي ، وهل يفيدها اخبارها حقيقة زوجها الآن ،وهي حامل وتحتاج الى الحب والمودة والى يد تقف بجانبها، تساعدها في اعمال المنزل التي لا تنقضي ، والتسوق الذي تضطر فيه الى حمل أثقال لا يتحملها الأصحاء ، فكيف بامرأة رقيقة تمر بظروف حمل وتحتاج الى المواساة
تخرجين من بيت صديقتك المقربة منك كثيرا وانت تحملين هما كبيرا ، لست بقادرة على الصمت او الحديث ، كلاهما امران قد يسيئان الى انسانة تحبينها ، ماذا يمكن ان تفعلي وقد وقع الفأس بالرأس وأوشك أن يهشمه ، أليس السكوت خيرا من كلام لا يجدي نفعا ، فلتصمتي ولتقفي بجانب العزيزة سميرة علك تستطيعين ان تخففي من المتاعب التي سوف تلقاها وقد بدأت تباشير هذا اللقاء
(20)
تخبرك صديقتك في مجلس الوزراء انهم وافقوا على طلبك بعد هذا الانتظار الطويل ، قدمت لهم الطلب في اول شهر شباط من عام 2008 وهاهم يوافقون على اعادتك في الشهر السادس من عام 2011 ، طلبت ان تستديني بعض المال لإرساله الى الأولاد في المغرب ، فاستدان زوجك من صديقه، وارسل النقود بيد احد الأصدقاء المقيمين بالمغرب ، على أن تقومي أنت بتسديد الدين حال رجوعك الى العمل
الجميع يقول لك:
- -كيف يمكنك أن تتفاءلي في هذا الجو المشحون ؟ سوف لن يعيدوك الى العمل ، لا تصدقي بوعودهم
- - انا متفائلة ان الغد لابد ان يكون أفضل من اليوم ، وسوف يعيدونني
اخبرتك صديقتك انهم اخبروها بموافقة لجنة التحقق على اعادتك للعمل ولكنها لم تعرف منهم تاريخ الموافقة ورقم القرار بعد ، راجعت مديرية تربية الكرج عدة مرات في الحر اللافح والشمس المحرقة ، آملة ان يخبروك بوصول القرار ، لكهنم لم يفعلوا ، وكل مرة تراجعين بها ، يقولون لك:
-تعالي بعد عشرة ايام
لم تكوني تستطيعين الانتظار كل الأيام العشرة ، فكنت تواظبين على الذهاب الى مديرية الكرخ كل ثلاثة ايام ،والجواب يتكرر :
-لم يصلنا شيء بعد ، تعالي بعد عشرة أيام
الكل يريدون ثنيك عن التفاؤل الجميل
-
تمر اربعة وثلاثون يوما على اخبارك من قبل صديقتك على موافقة لجنة التحقق; ، تمضين الى مديرية تربية الكرخ مستفسرة ، تقفين في حرارة الشمس الشديدة ، تقول لك احدى الموظفات :
قفي هنا في الظل-
ولكن لا ظل هنا-
ما الذي يجبرك على المجيء ؟ وانت في هذا العمر ؟ ارتاحي في منزلك سيدتي-
ومن يقوم بأمري ؟ واولادي بعيدون عني في ديار غريبة ؟-
تترددين عليهم كل ثلاثة ايام ، تسألينهم عن الجديد ،وأخيرا نطقوا بما كنت تأملين:
- جاء القرار-
تعطيك الموظفة قرار لجنة التحقق في مجلس الوزراء، وقرار وزارة التربية المعتمد على قرار لجنة التحقق والقاضي بإعادتك الى العمل بوزارة التربية والتعليم باعتبارك مفصولة سياسية ، وينص القرار ايضا على تغيير مكان العمل ، تطلب منك الموظفة ان تستنسخي القرار الوزاري باربع نسخ مصورة وان تعيدي القرار الأصلي اليهم ، وأنت لا تملكين نفسك من الفرح تستنسخين القرار وتعطينهم الأصلي مع نسخ مصورة عن الجنسية وشهادة الجنسية ووثيقة السكن والتموينية ، وتطلب منك الموظفة ان تحصلي لها على وثيقة اصلية من شهادة التخرج ، وعلى شهادة صحية تحصلين عليها من مستشفى في الكاظمية ، ثم يسألونك :
-أين تقيمين؟
- في سومر
- يجب ان تنقلي عملك اولا من تربية الكرخ الى تربية الرصافة
- واين يمكن ان انقل عملي ؟
- اذهبي الى مكتب الوزير
في مكتب السيد الوزير ، تشهدين السيدة مديرة المدرسة التي كنت تشتغلين فيها تستقبلك وترشدك الى كيفية العمل ، وتخبرك انه يجب ان تذهبي الى مكتب وكيل الوزارة في المنصور ، هناك تطلبين مقابلته ، لا تسمح لك مديرة مكتبه ، قائلة :
-اكتبي ما تريدين قوله في ورقة ، وانا اقوم بتوصيله الى السيد الوكيل
تذهب كل رغبة بك للمقابلة ، تكتفين بتوقيع وكيل الوزارة على طلبك بنقلك من مديريات الكرخ للتربية الى الرصافة ، وتبدئين بمراجعة المديريات علها توافق على نقل مكان اعادتك الى التعيين
تعودين الى مديرية تربية الكرخ ، حيث كنت تعملين هناك في مدرسة واسط قبل ان تغادري العراق ، يخبرك الموظف :
هل تعلمين اين ملفك الآن ؟
- لا علم لي ، كنت في الكرخ
- لن يوافقوا على اعادتك ان لم يجدوا الملف
- أين يمكن ان يكون ؟
- غادرت العراق ولم تكن مديريات التربية بالشكل الذي عليه اليوم ، كانت هناك مديرية تربية الكرخ واحدة ، ومديرية تربية الرصافة واحدة، الآن تضخمت المديريات ، أصبحت للكرخ ثلاث مديريات وللرصافة ثلاث مديريات أيضا-، اذهبي الى الكرخ الأولى ، يمكن ان يكون الملف عندهم
تنفذين التعليمات وتسارعين الى الكرخ الأولى:
- اريد الحصول على ملفي ، انا معلمة جامعية
متى تركت العمل ؟-
- في عام 1979
- فترة طويلة غادرت العمل ، كيف يمكننا ان نجد ملفك ؟ ، اذهبي الى الغرفة 15 علك تعثرين على اثر للملف الذي تزعمين
تذهبين الى الغرفة المذكورة ، يسلمونك اكداسا من الملفات لمعلمين غادروا مدارسهم ، تبحثين عن اسمك فلا تجدينه ، ماذا يمكن ان تفعلي ؟ تذهبين الى غرفة الملفات ، اكداس هائلة من الآف الملفات ، كيف يمكن ان تجدي بغيتك بينها ؟ تقول لك المسؤولة :
- هذه ملفات الذين تركوا مدارسهم ، ابحثي فيها-
بتعبك البحث الطويل ، تسالين:
- اين أجد ملفي ؟
اعطيني اسمك الكامل ، وسوف ابحث لك عن الملف -
متى يجب ان اراجعك ؟-
بعد شهرين -
يا لصعوبة الأمر ، تريدين العودة الى العمل بسرعة ن واذا بأمور لم تكن تخطر ببالك تعرقل كل أحلامك ، تذهبين الى احد المدراء الذين عينوا حديثا :
- لا تيأسي وابذلي جهدك وابحثي عن ملفك
-واسالي في الغرفة رقم 7 عن الملف ،
تذهبين الى الغرفة 7 ، تقول لك الموظفة :
اكتبي طلبا في ضرورة الحصول على الملف ، وتعالي بعد خمسة ايام-
-
(21)
القلق يضنيك على سميرة ، منذ فترة لم تريها ، ترى كيف أصبحت حالتها ؟ هي ضعيفة الجسم ، لا تتحمل الكثير من الأعباء والتي وجدت نفسها تعاني من نيرها ، كيف يمكنها ان تعمل خارج المنزل ، وان تسارع بعد العودة من العمل الى السوق لشراء ما يلزم من حاجات ، ثم تسرع لطهي الطعام وتحضيره لزوجها الذي يجد انه من المعيب جدا ان يساعدها في أعمال المنزل ، ويقول ان المنزل من اختصاص النساء فقط ، فاذا ما وجه اليه احدهم سؤالا :
- أليست المرأة تعمل ايضا خارج المنزل ؟
- لماذا تطالب بالمساواة ؟عليها ان تعترف بفضل الرجال
- ولكن فضل الرجل لأنه كان المنفق على العائلة، والنساء أغلبهن أضحين منفقات على أسرهن
- كفى نقاشا في هذا الأمر ، سئمت منه
تصلين المنزل ، تدقين الباب ، ولا احد يجيب ، ترى اين ذهبت سميرة ؟ لابد انها قد عادت من العمل ، الساعة الثالثة الآن ، هل أصابها مكروه؟
تواصلين الدق على الباب ، تسمعين أصواتا تقترب ، لابد انها سميرة جاءت لفتح باب منزلها واستقبالك ، يفتح الباب ، هالك ما ترينه من اصفرار وجهها وشحوبه ، وقد كانت كالتفاحة نضارة وبهاء ، كيف يغير الزواج شكل النساء وأرواحهن ؟ كيف أصبحت سميرة بهذا الضعف وهي تزوجت عن حب ؟ كيف يكون وضع المرأة التي تقترن حتف أنفها ؟ لأن قطار الزواج فاتها ، ولا بد لها من شر الزواج ؟ يأتيك صوت سميرة واهنا :
- تفضلي ، ادخلي
- - ما بك ؟ لماذا اجدك شاحبة الوجه ؟
- لأني مريضة جدا
تدخلين بسرعة وتطلبين من سميرة ان ترتاح على سريرها
- ماذا حدث ؟ ولماذا لم تخبريني ؟
- حدث كل شيء بسرعة ، لم أتوقع انه سيحدث ، كنت أنتظر ان أصبح أما ، ولكن قضي على أحلامي
- هل ؟؟؟
- نعم اجهضت
- لماذا ؟ ألم تنصحك الطبيبة ان ترتاحي ، وألا تتعبي نفسك ؟ ماذا فعلت ؟ هل حملت شيئا ثقيلا ؟ هل تمشيت لمسافات طويلة ؟
- حمل الأثقال كان كل يوم ، كل يوم وحين خروجي من المدرسة أعرج على الأسواق لشراء ما يلزم من حاجات للمنزل ، من يقوم بالتسوق اذن ؟ وكيف نأكل، اهلي لم يستطيعوا ان يطبخوا لي كل يوم ، أغلب الأيام كانوا يبعثون لي قدورا مما طبخوا ، ولكن بعض الأيام لا يستطيعون
- وهل تمشيت كثيرا؟
- نعم كثيرا جدا ، جعلني أسير من الشعب الى باب المعظم ، لأننا كنا مدعوين الى وجبة غداء
- لماذا ؟ ألم تنفذي تعليمات الطبيبة ؟
- وماذا بيدي ، خرجنا معا وكانت الشوارع مزدحمة ، ولم نجد حافلة نستقلها ، فأردت ان نستأجر سيارة أجرة ، قال لي :
- انت تبذرين / من اين لنا اجور سيارة الأجرة ، لماذا لا تسيرين كما يفعل الناس عادة ؟ اين شبابك ؟ لم أدر انني اتزوج عجوزا مريضة
- قولك هذا يثير تعجبي ، لماذا يسيء اليك وانت تحبينه كل هذا الحب ؟ ألم تخبريه بما نصحتك الطبيبة ؟
- بلى ، لكنه قال ان الأطباء عادة يبالغون ، وان امه كانت تقوم بكل الأعمال المنزلية وبدون ان تراجع الطبيب ، ولم يحدث لها شيء ، ونحن أولادها وبناتها كلنا بخير ، كالورود
- هل يأخذ راتبك كله؟ لماذا لم تستعيني انت بسيارة اجرة ؟ ألا تبالين بصحتك وحياتك ؟
- قال لي ان نقودنا كلها لذاك الشهر قد خسرها في القمار ، وان أباه أشفق عليه ومنحه بعض الدنانير ، تتكفل ببعض حاجاته حتى نهاية الشهر
- وأنت من يتكفل بحاجاتك ؟
- سألته قال ان راتبي اعلى من راتبه ، وان عائلتي غنية وعائلته فقيرة ، وانها تحتاج كثيرا لنقوده ، ثم صرخ بوجهي :
- كم مرة أكرر لك هذا الكلام ، هل تعيرنني بفقري؟ ، فاضطررت للصمت ، وسوف لن اتحدث معه حول هذا الأمر
(22)
حبيبك يتصل بك معبرا عن حبه الكبير واشتياقه الشديد ، وأنت الوحيدة الغريبة في وطنك ، لم يكن لك أصدقاء جدد بعد ، ولم تتمكني من الاتصال بأصدقائك القدامى ، الحياة تسير بك حزينة هادئة وانت لا خل لك ولا أنيس ، حبيبك يعبر عن حبه على شبكات الانترنت وعبر الهاتف النقال ، تتبادلان الحب الذي حرمت منه ، وتواصلان عشقكما المستعر وانت جذلى بحديثه العذب وكلماته الحسان وتواصله الذي يبث في قلبك السعادة ،ويحيي موات نفسك المتعطشة الى كلمات الحب والوداد ، تحييان جلسات الحب بينكما على الرغم من المسافات الكبيرة ،التي تفرق بينكما ولكنكما تحاولان بناء حياة سعيدة واحياء علاقة حب عميقة بينكما ، كلماته تحييك وهمساته تنعش قلبك الذي كنت تظنين انه مات منذ زمن طويل
- يسألك الحبيب عن أخر مستجدات سعيك الدؤوب للعودة الى العمل الذي تحبينه كثيرا ، وانت تحدثينه عما جد معك بعد حديث الحب والهيام الذي لا يمكن ان تتخليا عنه مهما كانت الأحاديث الأخرى عظيمة ، فالحب اولا والرجوع الى العمل ثانيا ، وحبيبك يستمع الى كلامك فرحا مسرورا لأنه استطاع ان يدخل الى قلبك الفرح المنشود
تحدثين حبيبك بكل ما يمر بك ، عن الشوق الكبير الى أحضانه ، والى كلماته العذبة التي تبعث الحياة الى نفسك الظمأى ، وعن سعيك الدؤوب اتلى العودة الى العمل ، فأنت لا تحبين البطالة ،لا تودين ان تكوني بحاجة الى انسان لينفق عليك ، وانت بقيت العمر كله تشتغلين وتنفقين على من هم حولك
تمصي الأيام الخمسة وانت في اوج اشتياقك للعودة الى عملك ، الذي تحبينه كثيرا ، تخبرك الموظفة :
- ملفك لااثر له ، انه مفقود
تسارعين الى احد الموظفين الذين تجدين عنده عددا كبيرا من المراجعين دليلا على حسن عمله :
- لتكتب لك على هذه الورقة ان ملفك مفقود ، وتوقع الموظفة المسؤولة عن الملفات على العبارة التي تكتبها
تعود ين الى الموظف بعد كتابة العبارة ( الملف مفقود ، ولا امل بايجاده )، يقترح الموظف :
-هل عندك اوراق تعيينك والأوامر كلها منذ التعيين الأول وحتى مغادرة العراق ؟
- عندي كل الآوراق ، كنت احتفظ بنسخة من كل الكتب الادارية التي كانت تصلني من وزارة التربية
- جميل ، هاتي الأوراق
يجمع الموظف الأوراق ويعمل منها ملفا ، ويطلب منك ان تذهبي الى المدير العام لأخباره بالحكاية ، يوقع المدير العام على ملفك بعد ان يطلع على الأوراق التي بداخله ، لكن الموظفة تمانع بقبول الملف :
n على أي أساس اعطيك ملفا جديدا؟ لن اعطيك اي ملف جديد -
n تسارعين الى المدير العام وتشرحين له الأمر ، يقول لك
n - نادي الموظفة
n تسارعين الى الموظفة وتخبرينها بامر المدير ، فتعود معك اليه ، فيقول لها :
n - اعملي لها ملفا من الأوراق التي بحوزتها، كل أوراقها ثبوتية وصحيحة
n تطلب الموظفة ان تذهبي الى احد الموظفين الآخرين ليجمع اوراقك بغية عمل ملف لك، يهيئون الملف الجديد ، تقول الموظفة المعاندة :
n - لن ارسل الملف الى تربية الرصافة حتى يرسلون لي طلبا ، عودي الى تربية الرصافة الأولى واخبريهم بما قلت
n تعودين سريعا الى تربية الرصافة الأولى وتطلبين منها ان تكتب لك كتابا موجها الى الكرخ الأولى تطلب ملفك
تتعبك المعاملات البطيئة ، كل موظف لايمنحك ما تريدين من اوراق حتى ينفذ صبرك ، وتجدين نفسك عاجزة عن مواصلة الانتظار ، لا تجعلك كلماتهم تفقدين طاقتك ، رأيت الكثير من المراجعين يغضبون من شدة تأخير ما يريدون الحصول عليه من تواقيع المسؤولين
حين تذهبين الى مديرية الكرخ الأولى، وتعطينهم الكتاب الذي يتضمن طلبا بارسال ملف خدمتك السابق الى المكان الجديد الذي سوف تعملين به ، تقوم الموظفة بطبع كتاب لترسله مع الملف يبين عدد الأوراق التي يحتوي عليها ملفك، تنفذين ما أرادت ، وتعودين اليها :
اعطيني نسخة من هذا الكتاب-
لا يمكنني هذا ..... لن أعطيك ما تريدين ، لقد أتعبتني كثيراا-
اعطيني الكتاب لأذهب به الى قسم الصادرة-
لا لن اعطيك اياه ، سوف اقوم انا بتوقيعه من الصادرة قبل خروجي من هنا-
تسيطر عليك الخشية ان تقوم الموظفة ،التي اجبرت على عمل ملفك باتلاف هذا الملف ، وتدعي انها ارسلته الى الجهة المطلوبة ، من يدريك ؟ كل شيء يمكن ان يضيع ؟
تنتظرين ان يصل الكتاب مع الملف الى مديرية تربية الرصافة ، وتطول ايام الانتظار ، تعودين متسائلة الى الموظفة المعاندة :
لم يصل ملفي ، ماذا حل به ؟-
انتهى عملي معه ، وقمت بارساله الى الجهة التي تريدين -
لكنه لم يصل -
انتظري ، سوف يصل-
تهرعين الى تربية الرصافة الأولى :
هل وصل ملفي ؟-
لا-
- وكيف يمكن ان يصل ؟
اذهبي الى قسم الملفات واستفسري عن الملف ، قد يكون وصل اليهم -
تسارعين الى قسم الملفات :
اسمي س هل وصل ملفي من تربية الكرخ ؟-
- اعطينا رقمه وتاريخه ، لنتمكن من اخبارك
تسارعين الى تربية الكرخ ، والى الموظفة المعاندة نفسها :
لطفا من فضلك ، اريد رقم الملف وتاريخه الذي ارسلته الى تربية الرصافة الأولى -
تسجل الموظفة المعاندة رقم الملف وتاريخه في ورقة وتعطيك اياها ، تنظرين الى الساعة ، تجدينها قد تجاوزت الواحدة ظهرا ، تفكرين ان الوقت قد فات هذا اليوم
(23)
سميرة تمر بأزمة عاطفية ، كانت تظن ان محمودا يحبها واذا بها تكتشف انه لم يشعر بها امرأة عمره ،التي يقف بجانبها في أهوال الحياة وتعرجاتها، تزوجته لأنه ادعى بالحب وهي تحيا في صحراء قاحلة لم يعبر لها احد عن مكنون قلبه ، والرجل الذي تحبه كثيرا كان مرتبطا بامرأة أخرى ، ووجدت سميرة انه من غير المناسب ان تكشف عن الحب الكبير الذي تحمله في قلبها لحبيبها الحقيقي ، وحين صرح محمود لها بالحب ، سارعت الى ان تعامله بالمثل وان تجعل نفسها تبادله عاطفته بالإيحاء ، سهرت الليالي الطويلة وهي توهم نفسها انها احبت محمودا كما يحبها ، ولكن السنتين اللتين انصرمتا من عمر الزواج وما مرت به أثناء الخطوبة جعلتها تتأكد ان محمودا لم يحبها فعلا ، وانه اراد الوصول اليها للتمتع براتبها وثروة أسرتها، ولأنه غير قادر على ان يكون رجلا منفقا كما تعلمنا الشرائع والقوانين ، وحين لم تتمكن من الاحتفاظ بجنينها انكشف لها محمود، ولم تعد قادرة على ان تحيا بالوهم الذي ارادت ان تصبغ به حياتها ، تمر الأيام وهي محرومة من كلمة حنان ، او لمسة حب ، وكأنها قد تزوجت منذ سنين طويلة ، تدربت على ان تحيا وكأن محمودا قد فارق الحياة ، لأنها حين طلبت منه الطلاق لم يوافق الا بشروط
- ان تتنازلي عن حساباتك في المصارف
- اية حسابات ؟
- الثروة الكبيرة التي يملكها والدك
- لكني لست الابنة الوحيدة لوالدي ، عنده بنات غيري كما عنده أولاد
- اجعلي اخوتك يتنازلون ايضا ، فهم يحبونك
- سأتنازل عن نصيبي انا فقط ، ألم أمنحك كل راتبي ، ألم يكفك هذا ؟
- عندك الكثير وانا احتاج الى النقود
- الا توافق على تطليقي ان رفضت ، طلبك هذا ظلم لي
- سوف اطلقك بعد ان اصرح انك لم تكوني عذراء
- هذا افتراء كبير وانت حقير
- اعرف انني حقير جدا ، لماذا وافقت على الزواج مني ؟ أليس لأنك سبق وان أخطأت ؟
- لم اخطيء
- لماذا اجهضت نفسك اذن ؟ أليس من اجل اخفاء خطيئتك الجهنمية ؟
- اي خطيئة ؟
- لا أدري ، كنت حاملا حين رضيت بالزواج مني ، لماذا وافقت على الزواج مني ؟ كل الناس يعرفون انني حقير ولا أملك اية صفة حسنة ، كيف يمكن لمن كانت من اسرة معروفة ،وتملك الكثير من النقود ولها عمل ناجح ،وجميلة مثلك ان ترضى بالاقتران من رجل لا يملك شيئا ؟
- هل لأنني اؤمن بالمساواة ووافقت على الزواج من رجل فقير ؟ تعاملني بهذا الجحود
- ليس الفقر لوحده ، فانا معدم من كل الحسان ، عاجز عن القيام بأمر جميل ، أخبريني ماذا أملك من خصائص جعلتك تقدمين على الزواج مني ، أليس لإخفاء حقيقتك الخاطئة؟ لم ترض واحد ة من النساء بي ، رغم انني صرحت لهن جميعا بالحب
- لماذا تكره نفسك الى هذا الحد ؟ كيف كانت طفولتك ؟ لابد انها كانت مريرة ، قل لي من هو الرجل الذي أخطأت معه ؟
- لا أدري
- ولماذا لم اتزوجه ؟ لابد ان من تمارس الحب مع رجل ان تكون عاشقة له ؟ لماذا اذن لم نصبح زوجين ؟ ولماذا اضحي بسمعتي في مجتمعنا العراقي ، وأتخلى عن الاج منه ؟
- لا ادري كفي عن سؤالي ، لا أعلم شيئا
تسقط سميرة مريضة ، يسافر محمود الى بلاد بعيدة ويتركها معلقة لا تعرف هل هي متزوجة ام مطلقة
تحاولين ان تجعليها قوية وان تبدأ الحياة من جديد ، فالحياة جميلة ، وتستحق منا جميعا ان نناضل من اجلها، وان كانت اليوم سميرة تشعر بالإنهاك وضعف العزيمة ، فإنها غدا سوف تعود الى قوتها المعهودة وان تناضل من اجل ان تحصل على الطلاق من زوجها
(24)
غدا عيد ميلادك ، حيث لا يرضى بعضهم ان يشاركوك فرحتك في هذا العيد ، تحتفلين مع نساء العالم كله في الثامن من آذار من كل عام بهذا العيد المجيد ، تأتيك بطاقات التهنئة من الأصدقاء ، وتقدم لك باقات من الورد دليلا على المحبة ،التي يحملها أصدقاؤك نحوكـ تقام الاحتفالات والمهرجانات مهنئة النساء في عيدهن الجميل ، ولكن كيف يمكنك الاحتفال هذا العام وأنت وحيدة وحبيبك ليس بقربك ،كي تجدي الفرح وتحمل نفسك السرور ، صديقاتك يهنئنك بهذا العيد ، فكيف تجدين الفرحة التي تناسب هذه المناسبة الكبيرة وحبيبك بعيد في ديار بعيدة ، فهل كلماته المهنئة تكفيك ؟ ألست بحاجة الى دفء الرجل المحب وأحضانه كي تشعري ان الدنيا ما زالت تستحق ان نعيشها ملء النفس والعين وكل الحواس ، تتطلعين الى ان يكون حبيبك قريبا منك هذا اليوم الجميل ، ولكن ماذا يمكنك أن تفعلي وقد باعدت بينكما المسافات ، وحالت دون اجتماعكما البحار والمحيطات ، ولكن ما زال الأمل في اللقاء يملأ قلبك محبة وتطلعا ، قال لك حبيبك على صفحات الانترنت امس :
- غدا في الصباح انتظري مني مفاجأة تسعدك
- ما هي هذه المفاجأة ؟!
- كيف تطلبين ان احرق مفاجأتي لك ؟ في الصباح الباكر وحين تنصتين كعادتك الى غناء الشحرور ، تصلك مفاجأة لذيذة مع صوت فيروز الدافئ وكلمات أغانيها التي تعشقين ، وقبل ان يهنئك الأصدقاء تكون المفاجأة تحت يديك
- ما أسعدني بك حبيبي الرائع ، سوف انتظر المفاجأة بكل ما لدي من فرح
- لن تحتاجي الى الانتظار ، سوف تصلك حالما تستيقظين من نومك وتتهيئين لاستقبال يوم جديد
ما هي مفاجأة حبيبك ؟ لقد اعتدت منه على ان يدخل الفرح الى قلبك بأحاديثه الجميلة ،وغزله الرائع وكلماته التي يسعى بها الى جعلك مسرورة ، هل يمكن ان يأتي الى بغداد ؟ هو عاشق لهذه المدينة الجميلة ، ولكن كيف يمكنه ان يأتي والحوادث والمفخخات تغتال الفرح من القلوب ،التي ما فتئت تحاول اجتثاث الهزيمة من نفوسها المتعطشة الى الفرح ، هل يمكن ان تنعما بالحب على صفحات الانترنت كما عهدتما في الأيام التي مضت ، تقصران الليالي بحديث شائق جذاب بكلمات تنعش القلب وتفرح الفؤاد ، سوف تكونين سعيدة في صباح الغد ، قربه منك يجعل السعادة بين يديك ،واحضانه الدافئة التي يمنحها لك تجعلك تطيرين في الأعالي مع النجوم المغردات ..... وسوف ترنو الشمس اليكما متطلعة الى ان تحظى بمثل سعادتكما ، تتوقعين وتحدثين النفس عما سيحمله صباح الغد اليك من مفاجآت ، وتحلمين ان يأتي الحبيب اليك فاتحا ذراعيه ليحضنك وينسيك طعم الآلام والغربة التي كابدتها في الفترة الماضية
هل تعدين النجوم ؟ وهل تحاولين معرفة كم عدد الكواكب التي تجري حول الشمس ؟ وهل ستتوصلين الى حركة الفصول الأربعة وما الذي يجعل الأزهار متفتحة في الربيع ،والأشجار تصفر أوراقها ثم تتساقط في فصل الخريف
تستمعين الى اغاني فيروز الجميلة وانت تحاولين ان تنالي غفوة قصيرة ، ولكن هيهات ، ما كل ما يتمنى المرء يدركه ، فكيف تدركين الصباح وانت مسهدة حيرى
يكتب حبيبك على صفحات الأنترنت :
- تعالي معي ، حجزت فندقا في بيروت باسمي واسمك ، سنكون معا يومين بنهاريهما والليلتين
لا يمكنك ان تصفي حجم الفرحة التي جلبها لك هذا الرجل الحبيب ، تحضرين حقيبتك ، تضعين فيها قميصا للنوم ومنشفة وبعض الأشياء التي تحتاجينها في السفر ، وسوف تبعدين نفسك عن متاعب الكتابة ومشقات التفكير
الفرحة لا تسعك وانت تعيشين مع حبيبك ، فيذيقك طعم الشهد وترين معه كيف تكون اللذة ، حياة من السعادة الهائلة ومن النعيم الدائم هلت على ربوعك ، فأكسبتها خضرة لا يمكن لأية قوة أن تقتلعها من قلبك الظامئ الى لمسات من الحنان ، حديث من القلب يصل الى نفسك التواقة الى أحضان الحبيب ودفء وداده ، ومشاعر صادقة تجدين معها ان حياتك بدأت بها ، تقتلعين مرارة أيام السهاد والحرمان ،التي بقيت معشعشة في الفؤاد قبل ان يظهر الحبيب ، فتولي غيوم التعاسة تاركة أيامك ،ولا أمل لها بالعودة بعد ان حلت بقلبك تباشر الوصال ،وورود الحب وازهار اللذة التي لم تجدها نفسك المعذبة ، تتناجيان على أصوات الألحان العذبة وتتراقصان وقد احاطت ذراعاه بخاصرتك ، وانتما تحلمان بيومين كلهما أنس وسعادة وسوف يظهر نورهما على أيامكما القادمة ، فتشع بهاء وجمالا ورقة ،
لم تتنزها في شوارع بيروت ، ولم تطلعا على معالم المدينة الفاتنة ، انما بقيتما في غرفتكما في الفندق ،تتحدثان عن المشاعر الجياشة والعواطف التي تحيي موات الانسان ،وتبعث الراقدين من رقادهم ليتذوقوا اجمل ما منح الله لبني الانسان
ألم يجعل الله الحب من أعظم النعم التي وهبها البشرية ، فسعدت نفوسها واستقرت قلوبها وتنعمت بما وهبها الله
ألم يجد الباحثون ان الحب من أعظم الوشائج ،التي تربط بين الذكر والأنثى فتحيل حياتهما الى شموس مضيئة ،وصحراءهما القاحلة الى حدائق غناء ، وانت وجدت ضالتك في حبيب أذاقك كل الجمال والمتعة التي كنت تنشدين ، فيا لسعادتك التي استمدتها من ينبوع من الحنان وهبه لك الحبيب ، فأصبحت قادرة على الحياة تستمدين من قوته ما ينير دربك ويمنحك القدرة على الاحتمال ، حبيبك الرائع جعل منك انسانة جديدة ، تتطلع الى الوجود بثقة انها قادرة على أن تجعل حياتها اكثر جمالا وبهجة
(25)
تذهبين الى مديرية تربية الرصافة ، تبحثين عن الموظفة يخبرونك انها خرجت في مهمة للملفات ، سالت :
-هل انتظر ؟
ليس اليوم ، لديها معاملات كثيرة ، ولن تنتهي هذا اليوم ، تعالي بعد يومين-
تكررين الذهاب ، سائلة اياهم عن الملف الذي اضاعوه ، ثم بعثوا بديلا له ولم يصل بعد ،
بعد يومين ترين الموظفة وهي لطيفة جدا ، تزدحم حولها المراجعات ، وتجلس الموظفات الباقيات مرتاحات من ازعاج المراجعين ، يتناولن فطورهن ، ويشربن الشاي ، وان تشجعت وسألت احداهن عن ملفك :
ليس معي ، اذهبي الى النافذة وسلي من هناك-
ولكن النافذة مغلقة ، كيف أسال وانا واقفة وراءها ؟-
لاتناقشي ، هيا انطلقي الى هناك-
تلتفت الموظفة الى المراجعين وتقول لهم :
هيا جميعا الى خارج الغرفة ، سلوا ما تريدون من خلف النافذة-
يصيبك الغضب ولكنك تكتمينه ، لا فائدة ان تغضبي في مثل هذه الأماكن ، يجب ان تكوني هادئة ، ولا تتسرعي او تتهوري ، كل شيء بحساب ، كوني متزنة لئلا يصيبك الندم ، ولات ساعة مندم
تسألين الموظفة اللطيفة :
هل وصل ملفي ؟-
لاعلم لي حبيبتي ، سلي قسم الملفات ، وهات لي بالرقم والتاريخ-
تسارعين الى المكان الذي وصفته لك بالتفصيل :
- ظهر ملفك الحقيقي-
تعودين برقم ملفك وتاريخه ، كتبا على ورقة صغيرة ، تسرعين الى مديرية تربية الرصافة ، تجدين الوقت قبل الساعة الثانية بقليل ، يمنعكم الحارس الواقف بالباب من الدخول :
لاتجدين احدا الآن ، الجميع سيخرج ، انتهى الدوام لهذا اليوم -
ترين افواجا من الموظفين يخرجون من البناية ، تجد ين الموظفة اللطيفة بينهم :
وجدت رقم ملفي وتاريخه-
لاأستطيع شيئا الآن ، تعالي غدا-
تسارعين صباحا الى الذهاب الى مديرية تربية الرصافة ، تعطين الموظفة الرقيقة رقم ملفك وتاريخه ، تخبرك انها سوف تقوم غدا بمراجعة الملف وتقدير سنوات عملك كمعلمة في المدارس العراقية ، تنتظرين قدوم اليوم التالي بفارغ الصبر ، طال الانتظار ولم تحققي شيئا ، وها ان الأيام تتوالى عليك وأنت عاطلة عن العمل ، تبيعين ما بحوزتك من قطع ذهبية كنت قد ابتعتها فيما مضى من الأيام ، حين كان راتبك يكفيك ويكفي أسرتك ، في الأعوام التي تلت خروجك من العراق ، لم يكن الراتب عاليا دائما ، كنت تساعدين راتبك الضئيل بما تأخذين من دروس خصوصية لتدريس مادة اللغة العربية وآدابها لطلاب المدارس الخاصة في المغرب ، مثل المدرسة الفرنسية والمدرسة الامريكية ، والمدارس الخاصة العربية ، مثل المدرسة الليبية والمدرسة السعودية ، والسفارات العربية التي تحرص على تعليم أبنائها قواعد اللغة العربية وآدابها ، وكنت أنت سعيدة بتقديم ما يمكنك من هذه العلوم لعاشقيها من الطلاب العرب
من يشتري منك القطع الذهبية التي تجدين نفسك مضطرة الى بيعها صائغ في حي البنوك ، تعرفت عليه وكنت تذهبين الى دكانه لبيع ما بحوزتك ، والحصول على النقود التي سرعان ما تتبخر وتطير ، لغلاء الحاجات الفاحش ، بالاضافة الى اثمان المواصلات المرتفعة ومقاهي الانترنت واسعار الاشتراك في خدمات الهاتف المحمول ، لم تستطيعي استخدام الكيات او الكوسترات للتنقل من مكان الى آخر ، فأنت تريدين ان تحصلي على بغيتك بالعودة الى عملك بالسرعة الممكنة ،تستعينين بسيارات الأجرة رغم ارتفاع أثمانها للوصول الى الأماكن التي تريدينها ، ولكن الانتظار القاتل ، وتباطؤ بعض الموظفين في انجاز المعاملات يجعلك تتأخرين كثيرا
الباب لايفتحونه الا بالساعة العاشرة ، في قسم الاستعلامات يكررون لك السؤال نفسه :
ماذا تريدين ؟ ولأي غرض أتيت ؟-
تقولين لهم:
- لفلان
، تريدين ان يوقع على معاملتك ، يقول رئيس القسم الواقف :
سوف نطلب الموظف الذي تريدينه ، ليأتي الى هنا -
- وكيف يمكن ان يعرف ماذا نريد من تواقيع ؟ الا يجب ان يرى أوراقنا أولا ؟
وكل يوم ينقضي معهم بدون طائل ، في الباب الكبير ، تكون افواج من المنتظرين متزاحمين ، كل منهم يريد الدخول لانجاز معاملته ، لكن الواقف على الباب يسأل :
ماذا تريدين ؟-
تضطرين الى حمل ورقة تسجلين بها رقم معاملتك وتاريخها ـ ليراها الواقف على الباب ويسمح لك بالدخول ، ايام كثيرة انقضت وانت تنتظرين السماح لك بالدخول ، وعرض مشكلتك على المسؤولين الذين يؤخرالواقفون ببابهم معاملات المواطنين بعض الأحيان ، مما يضطر المواطن المراجع ان يذهب للمسؤولين مشتكيا بطء المعاملات ، طالبا النظر بعيون الرحمة الى رغبة المراجعين في اثبات المظلومية التي يعانون منه
ا
(26)
يتصل بك حبيبك مطمئنا على أحوالك ، يبثك مشاعره الجياشة ، وشوقه الكبير الى أحضانك ، يحيطك بذراعيه المحبتين ، تخبرينه بكل ما يجد معك من أمور
تنجز الموظفة الرقيقة اوراقك التي تثبت انك كنت تشتغلين معلمة ، ذاكرة عدد سنين الخدمة ، موضحة راتبك الاسمي قبل مغادرة العراق :
ا- استنسخي هذه الورقة وعودي بها الي
تذهبين مسرعة لتنفيذ ما ارادت ، تطلب منك الموظفة قرار اعادتك الى العمل ، تعطينها اياه ، لقد تعلمت من كثرة مراجعاتك للمؤسسات الرسمية أن تصطحبي كل أوراقك معك خشية من مطالبتك بها ، فالكل يطالبك بالأوراق الثبوتية ، رغم انك قد قدمتها لهم عشرات المرات ، وكل موظفي الدولة يتصرفون مع المواطن ، وكأن أعباء الحصار الظالم ما زالت مفروضة على العراق ، فالمواطن عليه ان يستنسخ كل أوراقه عشرات المرات ، وان يقدمها لمن يطلبها ، وان كانت تلك الأوراق ليست مع المراجع ، فان الموظف يعطيها له ، و يأخذ جنسية المراجع ، قائلا له :
- -اذهب واستنسخ هذا القرار، واعده لنا ، ولتبق جنسيتك معنا حتى تعود الينا بالقرار الأصلي وصورة عنه
تعطيك الموظفة اللطيفة كتابا يثبت عدد سنين خدمتك قبل مغادرتك الوطن مع القرار الوزاري لإعادتك الى العمل ، وتقول :
اذهبي الى الموظفة س في الغرفة 4 لتوقع على الكتاب وعودي الي-
تسارعين بالذهاب الى الموظفة المذكورة ، تجدين الازدحام عندها شديدا ، تقول لك :
الازدحام يمنعنا ان ننظر بأوراقكم هذا اليوم ، تعالوا بعد يومين -
تنتهي فترة اليومين ، تسارعين الى مديرية تربية الرصافة ، لاكمال انجاز المعاملة ،تذهبين الى الموظفة س في الغرفة 4 تـقول لك :
اين معاملتك ؟-
اعطيتها لك قبل يومين -
سأنظر في اوراقي ، انتظري-
تنتظرين حتى تخرج اوراقها ، تنظر اليها ، تقرؤها بتمعن :-
ما اسمك الكامل ؟-
س ص-
هل سلمتينا المستمسكات الاربعة ؟-
نعم -
- هاتها مرة اخرى ، لااجد هنا مستمسكاتك
تسارعين الى استنساخ المستمسكات التي وضعت اصولها في حقيبتك اليدوية
ازدحام شديد حول مكتب الاستنساخ ، تطلبين استنساخ الاوراق اربعة مرات ، تعود ين الى الموظفة س:
هذه مستمسكاتي-
-لقد وجدت المستمسكات التي سلمتنا اياها ، ولكن لابأس ، لاضير في اوراق أخرى ، تثبت شخصيتك ، هذا القرار يجب ان يطبع ويوقع عليه وكيل المدير ، اذهبي الى قسم الطابعة اولا ، واطبعي هذا القرار بنقلك من الكرخ الى الرصافة
تسارعين الى قسم الطابعة ، تطبعين القرار ، تعودين به الى الموظفة س في الغرفة 4 ، تقول لك:
- ننتظر توقيع الوكيل ، تعالي بعد ثلاثة ايام
تمضي الأيام وتذهبين مبكرة الى مديرية التربية ، في قسم الاستعلامات لا يدعونك تدخلين :
تفتح ابوابنا للمراجعات بعد العاشرة -
تنتظرين قرب المنتظرات واللاتي تتزايد اعدادهن بمرور الوقت ، حين العاشرة تسمعين اصواتا مرتفعة :
-الم تقولوا انكم ستسمحون لنا بالدخول بعد العاشرة ، وها ان الساعة الان العاشرة والنصف
تدخلون افواجا الى المكان ، تذهبين الى الغرفة التي وضعت بها القرار :
خذي هذا القرار ، استنسخيه ، وعودي بالأصل والصور الينا-
في غرفة الاستنساخ ازدحام رهيب
-عادي او ملون ؟
ملون-
يعيد لك العامل الاوراق :
خذي هذه النسخة ووقعيها في الغرفة الخامسة-
في الغرفة 5 تقول لك الموظفة :
-لا يمكن ان تأتي بنفسك ، يجب ان يأتي البريد بورقتك هذه ، عودي الى الموظفة التي سلمتك الورقة ، ولتأت هي بنفسها
تعودين الى الموظفة ، تنتظرين كثيرا في الغرفة 5 ، تعود اليك
الموظفة الكبيرة تقول :
تعالي غدا-
في الغد تجدين الورقة وقد وقعت ، تستنسخين لك صورا منها ، وتذهبين الى غرفة الوكيل:
- القرار يجب ان يخرج من المدير العام
(27)
حبيبك معك في كل خطوة ، يأتيك صوته مشجعا على انجازك العمل الذي سوف تجدين راحتك معه ، تسارعين الى مراجعة الغرف العديدة ، وأنت تأملين ان تكون أوراقك قد تم التوقيع عليها
المدير ليس موجودا ، المت به وعكة صحية ، مدحوه لك كثيرا ، وقالوا انه انسان يحب ان يساعد من يطلب منه المساعدة ، لكنه غائب هذه الأيام
تجلسين في المنزل منتظرة ان تجد معاملتك من يحركها بسرعة ، لتتمكني من الدوام ، فقد صدر قرار اعادتك الى العمل منذ فترة ، ولم يعينوا لك المدرسة التي ستعملين بها
يحضر المدير ، ويوقع على القرار ، تقول لك الموظفة :
يجب ان نذهب معا الى الغرفة 6 ليعينوا لك مدرسة تعملين بها-
تذهبين معها الى الموظف المسؤول ، يسألك :
اين تسكنين ؟-
وحين تخبرينه يقول :
-لا يوجد حاجة لاختصاصك في المنطقة التي تسكنين بها ، ولكننا بحاجة الى من يدرس اللغة العربية في الوزيرية والأعظمية ، وقريبا من جامع النداء ، ايها تحتارين
تختارين المدرسة التي تقع بالقرب من جامع النداء
تسارعين في اليوم التالي للبحث عن موقع المدرسة القريبة من الجامع ، اغلب الذين سألتهم عن موقعها أجابوك :
- هل هذه مدرسة جديدة ؟-
- لم نسمع بهذه المدرسة ، اين قالوا لك؟-
وحين تصلين اليها ، تخبرين المدير انك سوف تكونين في مدرسته خلال ايام ، يرحب بك المدير قائلا :
-سوف اقوم بتعليم طلاب الخامس والسادس مادة اللغة العربية حتى يصدر قرار تعيينك
بعد صدور القرار ،الذي يتأخر اربعة أيام ، تذهبين الى المدرسة فتجدين التلاميذ قد غادروا ، يقول لك المدير :
سوف اكتب ان مباشرتك للعمل كانت في اليوم الاول من كانون الأول-
تشكرينه وتخرجين ، وفي اليوم التالي تبكرين في الذهاب الى المدرسة
(28)
سميرة حزينة ، وأنت تحاولين ان تجعليها تنسى جراحاتها الكثيرة ،فتحيا حياتها منتصرة على الاحباطات ،التي أوجدتها لها حالة الحب الفاشلة وعدم الاختيار الصحيح لمن يرافقنا في العمر، ويكون مصدر قوة وعزة وليس خالقا للهزيمة وباعثا لها ، ولأنك وحيدة تقترحين على صديقتك الحبيبة سميرة ان تكون معك ، تنتصران معا على شعوركما الكبير بالغربة ، توافق ام سميرة على ان تكون ابنتها معك ،تخفف كل واحدة منكما عن رفيقتها الشعور المؤلم انها وحيدة في الحياة ، انت معك حبيب رائع يقف بجانبك دائما مدافعا عنك ،ضد المحاولات التي يمكن أن تلتف حول ارادتك الكبيرة ،في ان تكون الحياة جميلة مليئة بالورود وعبقها الفريد، زوج سميرة ابتعد عنها تاركا اياها في معترك، ليس معها احد يخفف عنها وطء الاحساس ،انها لم تجد من يحبها لشخصها وانما لاعتبارات مصلحية ، بيتك صغير والعمل فيه لا يرهقك كثيرا ، الطبخ والتنظيف وغسل الملابس والصحون لا يستغرق الكثير من الوقت ، ولا يسلبك الجهد ، احيانا تدعين نفسك لتناول الطعام في احد المطاعم المنتشرة في بغداد ، حين تحضرين نشاطا فكريا او أدبيا ،وليس معك الوقت لتعودي الى المنزل ، فانك تجدين المطاعم ذات المأكولات اللذيذة تدعوك لتناول طعامك الشهي لديها
انغام جميلة تستمعين لها طوال الوقت ، فتنعش حياتك ، وتبعث في نفسك الفرح لتكوني أسعد، وحبيبك القريب منك يبثك القوة ويشعل في نفسك البهجة ، يسأل عن امورك وكيف تسير معاملة العودة الى العمل ، ويحدثك منتصف الليل عن حبه الكبير الذي تزيده الأيام اشتعالا وقوة ، تتناجيان وتبثان بعضكما الحاجة المستعرة ،في داخل كل منكما كي تكونا قريبين معا تنتصران على الهزائم والاحباطات المتنوعة
يقول لك مدير المدرسة التي سبق لك أن اخترت العمل فيها :
- بما انك اختصاص في اللغة العربية ، سوف اعطيك الصف السادس فرع بنات وفرع اولاد ، وسوف اطلب منك الدوام ساعتين فقط في اليوم ، حين الانتهاء منهما تعودين الى منزلك
ينادي المدير على استاذ اللغة العربية للصف السادس ، الذي يقول :
- تلاميذ السادس هم لي ، بدأت في تعليمهم منذ اليوم الأول من العام الدراسي الحالي ، ولا احب أن تذهب جهودي عبثا
يلتفت لك المدير قائلا :
- سأعطيك تلاميذ الصف الخامس ، فرع بنات وفرع أولاد ، ما رأيك ؟
- ارحب بكل الصفوف ، واحب تعليم كل التلاميذ وفي جميع المراحل
- طيب اتفقنا
التلاميذ لا يعرفون النظام ، كلهم يجيبون عن أسئلتك اذا ما وجهتها لهم ، تطلبين منهم الانتباه اولا ، وفهم السؤال ، ثم رفع اليد رغبة في الاجابة ، وتجدين صعوبة كبيرة في تفهيمهم هذا الأمر، الذي يبدو ان التلاميذ اخذوا ينسونه في العملية التعليمية التي تمر بالبلاد ، الكل يتحدثون بنفس الوقت ، والصخب كبير حين توجهين الأسئلة ، يصمت الجميع حين تبدئين بشرح الدرس
تتصلين بحبيبك ناقلة له اخبارك السارة ، متمنية ان تعيشا ساعات من الحب البهيج في مدينة تختارانها ، تترقبان العطلة الربيعية ليحلو لكما السفر بعيدين عن عيون الفضوليين
صبيحة شبر