أنين اللغة ووجع المكان: تعالق الفني والنفسي

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الرحيم عيا
    أديب وكاتب
    • 20-01-2011
    • 470

    أنين اللغة ووجع المكان: تعالق الفني والنفسي

    أنين اللغة ووجع المكان: تعالق الفني والنفسي
    الدكتور عبد الرحيم عيا
    قراءة في علاقة الشاعر جوتيار تمر بالمكان من خلال قصيدتي:* نرجسة على جرح الحمام* و *تابوت*

    النص الاول : نرجسة فوق جرح الحمام

    صوبت عيني......جمعت وجعي فوق أسوارك
    يسقط فيك السواد ووجهك يتناثر
    أغنية تستقبل جمرا ودما
    يرقب دم الأطفال في تعب الحدائق
    كيف لي أن أدفن جرحك .....أنت.....يا.مدينة الأحلام
    بدّدوا فيك قهوة الصباح ...نشروا قميص آخر قتيلا
    في كبدي المحترقة.....لوّحوا للغريب
    لاحت في المدى قوافل دمع تتنزه في الأفق
    وفي عيني ملاك آذار......
    والغصون تنهش أوصال الأرصفة المتعبة
    بالحرائق........مددت كفي الخشبيّ
    لأدفن القبور وأصنع جنازة لنفسي
    ولك أيها المرابط خلف الظلم....وأنين
    نرجسة فوق جرح الحمام...........

    النص الثاني : تـــــــــابوت

    للغياب انكسارات بين ضفتي نهر
    سلالته الألم
    في مدينة المراثي أتصفح أزقة تنام في خراب المقابر
    صباحاتها نغمات تسقط في فجائع الأغنيات
    لا لون لي هناك.....لا رئة ترقص في الصدر
    عدت اليك ...عدت من المدى من خرائب الحدائق هناك
    كي تستعيد الرئة بهجتها .........لكن ها أنت تصنعين لها تابوت.

    تتحدد ماهية الاشياء من خلال وجودها في الزمان والمكان، وإذا كان الزمان- في غالبية مكوناته –لا يرى ولكن يٌحسٌ به، فإن المكان يتميز بخاصية وضوح أبعاده وإمكانية تحديد شكله وحدوده ، لذلك جمعته بالإنسان علاقة خاصة . وقد أحس الشاعر العربي منذ القديم بهذه الخاصية والقيمة الفنية للمكان فاحتفل به احتفالا لافتا ، وكان من أبرز مظاهر هذه الاحتفالية بالمكان المقدمة الطللية التي راكمت مجموعة من الاماكن بما لها من أثر نفسي وعاطفي ترسخ في ذاكرة الشعراء. –
    قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل ---- بسقط اللوى بين الدخول فحومل
    يادار عبلة بالجواء تكلمـــــــي --- وعمي صباحا دار عبلة واسلمي .
    مناسبة الحديث عن المكان هي محاولة رصد علاقة الشاعر العراقي جوتيار تمر بالمكان : المدينة ، من خلال النصين المشار إليهما أعلاه. في النص الأول يفتتح الشاعر قصيدته بفعل مرتبط بالرؤية *صوبت عيني*، كأن الرؤية متجهة نحو هدف محدد إلا أن المرئي كان صادما :*سواد ،ووجه يتناثر* ،هكذا ومن بداية النص يحيلنا الشاعر على عالم سوداوي قاتم يتوزع بين الوجع والسواد والجمر والدم ) دم البراءة والطفولة( ، وتتوج هذه الصورة بسؤال يأخذ شكل صرخة معبرة عن تشتت ذهني وقلق عميق ارتبطت بنداء موجه للمكان/ الحلم : كيف لي أن أدفن جرحك........ أنت....... يامدينة الاحلام. ولتقريب الصورتين -الداخلية والخارجية- من ذهن المتلقي يمضي الشاعر كفنان تشكيلي في توظيف لا فت لتقنية اللون حيث يجاور اللون الأسود اللونَ الأحمر، لتكتمل مأساوية الصورة ، فالسواد لون حزن وألم ، والأحمر لون النار والدم والفجيعة، هذان اللونان العميقان دلاليا ، يخيمان على القصيدة من بدايتها إلى نهايتها، حيث ما تبقى من الصور هو تناسل وتكريس لصور سوداء قاتمة أو حمراء دموية، تحيل على عالم الموت والفجيعة: - كيف لي أن أدفن جرحك - نشروا قميص اخر قتيل - لأدفن القبور وأصنع جنازة لنفسي. ويمضي الشاعر في ترسيخ هذا الجو النفسي المتوتر والتعبير عن احتراق داخلي من خلال تيمة النار التي تلتهب داخل النص،وتحيل العالم الخارجي الى حرائق ورماد من خلال بؤرة النص*أغنية تستقبل جمرا ودما* ، فالكبد ،العضو الجسدي المرتبط بالحب والعواطف تصبح في تعبير الشاعر كبدا محترقة، والكتف بدوره يتشكل من مادة قابلة للاشتعال والاحتراق: مددت كفي الخشبي. ورغم محاولة الشاعر الخروج من هذا العالم المأساوي الدموي والتعالي عن الألم من خلال صنع أو وضع نرجسة فوق جرح الحمام، إلإ أن تغيير ملامح المكان/مدينة الأحلام يشكل عمق مأساة الشاعر، لأدل على ذلك من كون الشاعر يمنح المدينة وصفا نفسيا بامتياز: مدينة الأحلام ، ولا يخفى الترابط القوي بين االحلم ونفسية الانسان عامة والمبدع او الفنان خاصة: بددوا فيك قهوة الصباح...نشروا قميص اخر قتيل في كبدي المحترقة..لوحوا للغريب، هكذا يدخل الغريب فضاء الشاعر الحميمي*المدينة* فتتغير ملامحها من مدينة أحلام وطمأنينة الى مدينة كابوس رائحتها الموت،ولونها الدم.
    يسير النص الثاني للشاعر جوتيار تمر: *تابوت* في نفس الاتجاه، حيث يحيل على عالم مأساوي يصوغه الشاعر من عالم نفسي أكثر تأزما، وفي رأي الشخصي يعتبر هذا النص امتدادا للنص الأول، نفسيا وفنيا ودلاليا، حيث ننتقل من مدينة الأحلام في النص الأول الى مدينة المراثي في النص الثاني، وحيت امتداد العلاقة المتأزمة بين الشاعر والمكان واستمرار رائحة الموت وهيمنة الحزن:
    للغياب انكسارات بين ضفتي نهر سلالته الألم
    في مدينة المراثي أتصفح أزقة تنام في خراب المقابر
    ويعبر الشاعر عن تيمة الموت في هذا النص بعبارات الغياب والخراب وبرمزي التابوت والقبر، وإذا كان الكبد يحترق في النص الأول ، فالرئة في النص الثاني عاجزة،لا حركة ولا فرح
    : لا رئة ترقص في الصدر
    وينتهي النص بصورة أكثر مأساوية ، فالغياب الذي افتتح به الشاعر قصيدته سيتكرس في لوحة صادمة في نهاية النص:
    عدت إليك ....عدت من المدى من خرائب الحدائق هناك
    كي تستعيد الرئة بهجتها....... لكن ها أنت تصنعين لها تابوت.
    لن تستنشق الرئة هواء الحياة والفرح مادام الموت يتربص بها في مكانها الحميمي: المدينة .
    من خلال هاتين القصيدتين ،نتساءل :أية علاقة تربط الشاعر بالمكان/المدينة؟ مادام المكان بؤرة للموت والحرائق، وساحة للخراب والغياب، لا غرابة إذن في أن تتشكل علاقة متأزمة بين الشاعر والمدينة، وأن يخيم جو من الانكسار النفسي والسوداوية ، مادامت العلاقة بالمدينة متوترة الى درجة وصفها بأنها مدينة مراثي تمنح اللاجئ إليها تابوتا. إن التوتر النفسي المهيمن في النص مرده إلى توتر العلاقة بين الشاعر والمكان في صورته الصغرى المدينة، والتي لا شك تحيل على الصورة الكبرى: الوطن. وقد عكس هذه التوتر الداخلي وهذه العلاقة المتأزمة لغة الشاعر المحملة بالأنين والوجع الذي ينهل من معجم الانكسارات النفسية، وتوفقت هذه اللغة الى حد كبير في ترجمة الداخلي وبلورته في صور شعرية ذات حمولة نفسية ودلالية قوية وعبر انزياحات عميقة التأثير.m
    - لاحت في المدى قوافل دمع تتنزه في الأفق
    - أتصفح أزقة تنام في خراب المقابر
    - لارئة ترقص في الصدر
    - ووجهك يثناتر
    - والغصون تنهش اوصال الارصفة المتعبة
    يعتبرالنصان اللذان قمنا من خلالهما بتسليط الضوء عن علاقة الشاعر جوتيار تمر بالمكان نموذجا قويا للتعالق بين ماهو نفسي ودلالي وفني، ينسجمان ويحيل كل واحد منهما على الأخر، فهما نتاج وانعكاس لموقف نفسي واحد ولرؤية فنية مكتملة العناصر.


يعمل...
X