الْبَتْرُ
قصة قصيرة ........ عبد الرحمن الخضر
.............................................
أحمد :
عزَّزُوا قيوده , أنهَضوه هناك في زاوية من الغرفة
كان عليهم أن يشدوه من كتفيه بطريقة لاتسمح للقيود بكسر عظمة منه .
أن يصل إلى المقصلة محفوظاعلى حاله من الغرفة في السجن المركزي , أن يقتلوه سليماً وبصحة جيدة .
العساكر يأتون , يتقدمون , أحاطوا به , يعبرون حوله عتبة الباب المقضّب لغرفة السجن .
عند البوابة الكبرى لسور السجن , في الخلف منها هناك , في أول طلّة للفضاء , عند أول نسمة حرّة , فوق أول خطوة طليقة على الأرض المسترخية خارج السجن , تربض سيارة تحمل سجنا متنقّلا على شكل صندوق من الحديد , تفتح مؤخرتها على باب فرعي في البوابة الكبرى , كفكّي أفعي ستبتلع هذا الذي يحيطون به نحوها مصلصلا بالقيود كفريسة دون إرادة , ودون مقاومة .
شدّوه من كتفيه , حملوا قدميه نحو الفتحة من الصندوق الحديدي , ودفعوا به إلى الداخل , أغلقت الأفعى فكّيها وانطلقت نحو ساحة الاعدام .
..........................
الصديق :
مضطرباً ينتظر سيارة أجرة لتقف , يفتحها ليركب وتذهب به , كان قد شاهد حلماً ليلة البارحة وأحمد يقف أمامه , يتقدم هو نحوه ليصافحه فلايصل إليه , لايزال يغطّ في النوم ومرة أخرى يعود الحلم ثانية , أحمد يقف أمامه . يتقدم إليه ليصافحه فلايصل إليه , إستيقظ ليعود لينام و ليحلم ذات الحلم وليتقدم إلى أحمد أمامه ليصافحه فلايصل , يصحو ويتمنّى أن وصل , ينام ولايصل , ولايضع يده في يد أحمد .
مرّت سيارة وسيارات .. راح يقترب من كل سيارة تمرّ وكأن بينه وبينها زمناً لا يأتي أبدا ولن تقف .
وقَفَتْ أخيراً سيارة أجرة حين تحركت يدُهُ أخيراً
لم يصعد للتو , كان مشوشاً , وخشِيَ أن تذهب كما ذهبت عنه السابقات ,,كادت أن تدهسه حين ضرب برأسه في الفريم الأيمن الأمامي . وأصابع قدمه اليسرى تتحرفش في مطاط العجلة الأمامية في الأسفل , كأنه سيقبض عليها قبل أن تفلت منه .
فتح الباب وصعد أخيرا في جوف السيارة بجوار السائق
إلتفت نحو السائق , وكالقطرة الأخيرة بعد كل القطرات من أنبوب مصمت مغموس في صحن من الماء خرج الآن , بعد بحلقة طويلة في وجه السائق فلتت كلماته مرة واحدة وأخيرة : إلى السجن المركزي .
نزل عند البوابة , المدينة خلفه تحلق في فضاء حر , وأمامه هذا المبني بأسواره العالية تنغلق على بشر معزولين هنا عن المجتمع هناك .
طلب من الضابط الكبير في العنبر خلف البوابة إلى الداخل تصريحا ليزورصديقه أحمد ككل مرة فردّ عليه الضابط بأن الزيارة اليوم غير ممكنة .
*لكن الوقت نهار , وهذا الأن هو الوقت المعتاد للزيارات . لماذا تمنعني ؟
- صديقك لم يعد هنا
*هاه ..
- ستراه هناك فوق منصة الاعدام .
وكأن كل السماء تنزل مطراّ ويصير هو الطوفان
أدرك بأنه يستطيع حمل كل الناس غيرواحد , هو صديقه : ياإلهي سيعدمونه .
لم يعد إلى المدينة , لم ينتبه إلى أحد , كان الطوفان هادراً في الاعماق يعجز أن يحرك تيارا على السطح .
لو أنه يتحدث إليه , يسمحون له بدقيقة , دقيقة واحدة , واحدة لاغير , نصف دقيقة , ربع دقيقة , بضعٍ , أَيّ بضعٍ من زمن ... كلمة , كلمة واحدة , واحدة لاغير
حتى الكلمة لاتدعوها تكتمل بيننا .
أن ينظر في عينيه , لايحدثه , فقط ينظر في عينيه ,
سينقلونك من السجن إلى الصندوق ياصديقي . إلى الميدان الواسع الكبير الذي ترتاده النسمات من كل الدنيا لتتنفّس حريتها في فضاءاته ,
وحدك لن تلقى نسمة من كل ضجيج النسمات إلى هذا الميدان ...
سيستأصلون جذور آخر نسمة فيك تبقت لك الآن , سيقتلونك الآن .. يمتلكون كل الحرية أن يقتلوك جهرا وأمام الملأ .
..........
القاضي :
هل أملك حياة الناس ؟
كم تبقّى من عمره ؟ كم كان سيحيا ؟ لو أني برَّأتُه ؟ هل كانت حياته ستنتهي اليوم ؟
كل شيئ وارد , أن يموت قبل اليوم .. أن يظل بعد اليوم .. يوماً آخر , سنة .. عشر سنوات .. عشرين .. عشرون ماذا ؟ هل قصمتُ عمره ؟ هل بترتُ حياته ؟ ... عشرون سنة لعلَّها أكثر وأكبر وأوسع وأجمل من كل السنين التي عاشها هي الآن التي أْبتُرُهَا من حياته ...
تدقّ المطرقة دقات متتاليات فوق المنصة وتشرئب الاعناق نحو القاضي
.............
أحمد :
ليس هكذا .. ليست هذه ... هي الكلمات كلها في لسانك .. أنت تمتلك أن تتصرّف فيها أيها القاضي .. هْبكَ تقف على خلافها هذه التي ستصرخ بها الآن .. ليس القتل بل الحياة .. ليس الاثبات بل النفي ... البراءة .. كل الكلمات في لسانك وتستطيع أن تنتقي منها كيف شئت .. وأن تخطئ إلى غير ماتريد ... ليكن .. ليست البراءة وليس الاعدام .. ليكن أن القاضي يقول بديةٍ مسلمةٍ إلى أهله .. لم يبق غير أن تنطقها ,أن تقولها .. إنطقْها, قلْها , إلفِظْ بها ..أخرجْها .. أخرجْها أخرجْها أيها القاضي ..
... .....................
القاضي :
إني أحكم عليك بالاعدام .
....................
أحمد :
في جوف الصندوق المنطلق سريعا على ظهر سيارة الشرطة رجل سيقتلونه بعد قليل .
الونّان لايتوقف ولا يهدأ ويصرخ على الدوام أقوى .. في الناس في الشوارع , في البيوت , في المارة , في المقاهي .
على الطريق يلوي الناس أعناقهم بجهة سيارة الشرطة تحمل أحمد في صندوق إلى ميدان الاعدام , ويتقاطرون من هنا وهناك إلى الميدان .
تسلَّلَتْ عيناه وتركته إلى الفتحات الضيقة بين القواطع فوق النافذة الوحيدة من الصندوق التي يتنفّس منها في طريقه إلى الميدان , كان يشعر بالسماء مطبقة على الأرض , وتطحنانه .
مرَّتْ خلالها حيوات صغيرة وكبيرة , قريبة وبعيدة , لامعنى لها خلف النافذة .
شيئ أمام عينيه محرِقٌ كئيبٌ مظلمٌ , كالشمس تطفئ بكل نارها ضوء عينيه حين الحياة تسير الآن خلف النافذة القضبانية , حتى تلك التي تبقّت لها ثانية واحدة ستحيا هذه الثانية .
هو من بينهم جميعا ستُبْتَرُ حياته . كل حيواته القادمات ؟ الآن بعد قليل وفي لحظة واحدة .
الحرية الحرية .. لو أنها له .. حريّته مااختار أن يُقتَل , ولرفض أن يُقْتَل . ولقاتل .
البشر يحتشدون .. يفدون , يصفقون , يصرخون : أقتلوه .
أَنْزَلُوهُ من الصندوق , لم يرَ شيئاً , بشرٌ هادرٌ محيط يحجب كل شيئ في الخلف إلى هناك .
..................
كاتب المحكمة :
يقرأ حكم القاضي
الجلّاد :
يتقدّم نحو أحمد ويقف في مواجهته ويعصب عينيه بخرقة سوداء
.............
أحمد :
أين الله ؟ تدخّل يارب كحين نفخت في الطين لتخلق كل الدنيا ...
ليس الآن سواي أحمدُ , بسطٌ من واحدٍ على مقامٍ من مخلوقاتك لمليار السنين ..
إجراءٌ سهلْ .. أنت المطلق ياكلّي القدرة
أوقف ربّي هذا الجلّاد .. ليست القيامة الآن ربّي
...........
الجلّاد : :
تمنّ .. ماهي أمنيتك قبل أن تموت ؟
أيّ غبيّ أنا ؟
العبد يتمنّى ... هذا حرّ .
ماذا يتمنّى الحر الذي انتزعت حريته لتقتله الآن الآن ....؟ .
سيتمنّى أن تناوله البندقية ليفرغ رصاصاتها في جسد الجلّاد
............ .
كاتب المحكمة :
أقتلوه .. فوراً ... لالا
صلّ .. الصلاة قَبْلْ .
.....
أحمد :
هل الصلاة الآن صلاة ؟ هل الصلاة الآن ككل الصلوات الحيّة ؟
تدخّل يارب .. أوقف ربّي هذا الجلاد .. ليست القيامة الآن ربّي
.....
كاتب المحكمة :
أقتلوه .
....................
أحمد :
هل له أن يحيا بعد أن تخترق جسده الرصاصات .. فينزف , فترحل نفسه ؟ بعضُ زمنٍ بعد الموت وليرحل
هم .. سيخترقون بالرصاص كل جزء منه . أيَّ جزء منه .
كل منطقة منه . أي منطقة منه .
ويمزقونه .. يمزقون كبده , رئتيه , قلبه
يناثرون مخّه ؟
يفرطون عقدعموده الفقري ؟
أين يحق لهم منه ؟ هل كل موضع منه حقٌّ مطلقٌ لهم ليعبثوا به ؟
دوّت الرصاصات .. اخترقته .. في كل جسده .. في كل حيواته .. القلب . الرئتين , الرأس . البطن . الكبد , اللسان . الحنجرة , الإثني عشر , المستقيم , القضيب , رجولته . حياته . حريته . المشاعر . القاضي . الجلاد . الأهل . الأصدقاء . الطبيعة , الفيزيقا , الميتافيزيقا , الناس . الزمان . المكان
مع كل زخّة من زخّات الرصاص كان جسده يصعد فوق الآرض ويعود , ويصعد ويعود . .
رفعوه , نقلوه إلى المشفى على سيارة الاسعاف , كان بعض نبض أخير منه لم يمتْ .. كان لابد من قتل أحمد مرة ثانية .
أنزلوه في غرفة ما من المشفى .
إستدعوا الجلّاد .
فتحوا الباب أمام الجلّاد .
أغلقوا الباب بعد الجلّاد .
صوَّب الجلاد بندقيته ثانية على رأسه وقتله .
وصوّب بندقيتة إلى قلبه وقتله .
قصة قصيرة ........ عبد الرحمن الخضر
.............................................
أحمد :
عزَّزُوا قيوده , أنهَضوه هناك في زاوية من الغرفة
كان عليهم أن يشدوه من كتفيه بطريقة لاتسمح للقيود بكسر عظمة منه .
أن يصل إلى المقصلة محفوظاعلى حاله من الغرفة في السجن المركزي , أن يقتلوه سليماً وبصحة جيدة .
العساكر يأتون , يتقدمون , أحاطوا به , يعبرون حوله عتبة الباب المقضّب لغرفة السجن .
عند البوابة الكبرى لسور السجن , في الخلف منها هناك , في أول طلّة للفضاء , عند أول نسمة حرّة , فوق أول خطوة طليقة على الأرض المسترخية خارج السجن , تربض سيارة تحمل سجنا متنقّلا على شكل صندوق من الحديد , تفتح مؤخرتها على باب فرعي في البوابة الكبرى , كفكّي أفعي ستبتلع هذا الذي يحيطون به نحوها مصلصلا بالقيود كفريسة دون إرادة , ودون مقاومة .
شدّوه من كتفيه , حملوا قدميه نحو الفتحة من الصندوق الحديدي , ودفعوا به إلى الداخل , أغلقت الأفعى فكّيها وانطلقت نحو ساحة الاعدام .
..........................
الصديق :
مضطرباً ينتظر سيارة أجرة لتقف , يفتحها ليركب وتذهب به , كان قد شاهد حلماً ليلة البارحة وأحمد يقف أمامه , يتقدم هو نحوه ليصافحه فلايصل إليه , لايزال يغطّ في النوم ومرة أخرى يعود الحلم ثانية , أحمد يقف أمامه . يتقدم إليه ليصافحه فلايصل إليه , إستيقظ ليعود لينام و ليحلم ذات الحلم وليتقدم إلى أحمد أمامه ليصافحه فلايصل , يصحو ويتمنّى أن وصل , ينام ولايصل , ولايضع يده في يد أحمد .
مرّت سيارة وسيارات .. راح يقترب من كل سيارة تمرّ وكأن بينه وبينها زمناً لا يأتي أبدا ولن تقف .
وقَفَتْ أخيراً سيارة أجرة حين تحركت يدُهُ أخيراً
لم يصعد للتو , كان مشوشاً , وخشِيَ أن تذهب كما ذهبت عنه السابقات ,,كادت أن تدهسه حين ضرب برأسه في الفريم الأيمن الأمامي . وأصابع قدمه اليسرى تتحرفش في مطاط العجلة الأمامية في الأسفل , كأنه سيقبض عليها قبل أن تفلت منه .
فتح الباب وصعد أخيرا في جوف السيارة بجوار السائق
إلتفت نحو السائق , وكالقطرة الأخيرة بعد كل القطرات من أنبوب مصمت مغموس في صحن من الماء خرج الآن , بعد بحلقة طويلة في وجه السائق فلتت كلماته مرة واحدة وأخيرة : إلى السجن المركزي .
نزل عند البوابة , المدينة خلفه تحلق في فضاء حر , وأمامه هذا المبني بأسواره العالية تنغلق على بشر معزولين هنا عن المجتمع هناك .
طلب من الضابط الكبير في العنبر خلف البوابة إلى الداخل تصريحا ليزورصديقه أحمد ككل مرة فردّ عليه الضابط بأن الزيارة اليوم غير ممكنة .
*لكن الوقت نهار , وهذا الأن هو الوقت المعتاد للزيارات . لماذا تمنعني ؟
- صديقك لم يعد هنا
*هاه ..
- ستراه هناك فوق منصة الاعدام .
وكأن كل السماء تنزل مطراّ ويصير هو الطوفان
أدرك بأنه يستطيع حمل كل الناس غيرواحد , هو صديقه : ياإلهي سيعدمونه .
لم يعد إلى المدينة , لم ينتبه إلى أحد , كان الطوفان هادراً في الاعماق يعجز أن يحرك تيارا على السطح .
لو أنه يتحدث إليه , يسمحون له بدقيقة , دقيقة واحدة , واحدة لاغير , نصف دقيقة , ربع دقيقة , بضعٍ , أَيّ بضعٍ من زمن ... كلمة , كلمة واحدة , واحدة لاغير
حتى الكلمة لاتدعوها تكتمل بيننا .
أن ينظر في عينيه , لايحدثه , فقط ينظر في عينيه ,
سينقلونك من السجن إلى الصندوق ياصديقي . إلى الميدان الواسع الكبير الذي ترتاده النسمات من كل الدنيا لتتنفّس حريتها في فضاءاته ,
وحدك لن تلقى نسمة من كل ضجيج النسمات إلى هذا الميدان ...
سيستأصلون جذور آخر نسمة فيك تبقت لك الآن , سيقتلونك الآن .. يمتلكون كل الحرية أن يقتلوك جهرا وأمام الملأ .
..........
القاضي :
هل أملك حياة الناس ؟
كم تبقّى من عمره ؟ كم كان سيحيا ؟ لو أني برَّأتُه ؟ هل كانت حياته ستنتهي اليوم ؟
كل شيئ وارد , أن يموت قبل اليوم .. أن يظل بعد اليوم .. يوماً آخر , سنة .. عشر سنوات .. عشرين .. عشرون ماذا ؟ هل قصمتُ عمره ؟ هل بترتُ حياته ؟ ... عشرون سنة لعلَّها أكثر وأكبر وأوسع وأجمل من كل السنين التي عاشها هي الآن التي أْبتُرُهَا من حياته ...
تدقّ المطرقة دقات متتاليات فوق المنصة وتشرئب الاعناق نحو القاضي
.............
أحمد :
ليس هكذا .. ليست هذه ... هي الكلمات كلها في لسانك .. أنت تمتلك أن تتصرّف فيها أيها القاضي .. هْبكَ تقف على خلافها هذه التي ستصرخ بها الآن .. ليس القتل بل الحياة .. ليس الاثبات بل النفي ... البراءة .. كل الكلمات في لسانك وتستطيع أن تنتقي منها كيف شئت .. وأن تخطئ إلى غير ماتريد ... ليكن .. ليست البراءة وليس الاعدام .. ليكن أن القاضي يقول بديةٍ مسلمةٍ إلى أهله .. لم يبق غير أن تنطقها ,أن تقولها .. إنطقْها, قلْها , إلفِظْ بها ..أخرجْها .. أخرجْها أخرجْها أيها القاضي ..
... .....................
القاضي :
إني أحكم عليك بالاعدام .
....................
أحمد :
في جوف الصندوق المنطلق سريعا على ظهر سيارة الشرطة رجل سيقتلونه بعد قليل .
الونّان لايتوقف ولا يهدأ ويصرخ على الدوام أقوى .. في الناس في الشوارع , في البيوت , في المارة , في المقاهي .
على الطريق يلوي الناس أعناقهم بجهة سيارة الشرطة تحمل أحمد في صندوق إلى ميدان الاعدام , ويتقاطرون من هنا وهناك إلى الميدان .
تسلَّلَتْ عيناه وتركته إلى الفتحات الضيقة بين القواطع فوق النافذة الوحيدة من الصندوق التي يتنفّس منها في طريقه إلى الميدان , كان يشعر بالسماء مطبقة على الأرض , وتطحنانه .
مرَّتْ خلالها حيوات صغيرة وكبيرة , قريبة وبعيدة , لامعنى لها خلف النافذة .
شيئ أمام عينيه محرِقٌ كئيبٌ مظلمٌ , كالشمس تطفئ بكل نارها ضوء عينيه حين الحياة تسير الآن خلف النافذة القضبانية , حتى تلك التي تبقّت لها ثانية واحدة ستحيا هذه الثانية .
هو من بينهم جميعا ستُبْتَرُ حياته . كل حيواته القادمات ؟ الآن بعد قليل وفي لحظة واحدة .
الحرية الحرية .. لو أنها له .. حريّته مااختار أن يُقتَل , ولرفض أن يُقْتَل . ولقاتل .
البشر يحتشدون .. يفدون , يصفقون , يصرخون : أقتلوه .
أَنْزَلُوهُ من الصندوق , لم يرَ شيئاً , بشرٌ هادرٌ محيط يحجب كل شيئ في الخلف إلى هناك .
..................
كاتب المحكمة :
يقرأ حكم القاضي
الجلّاد :
يتقدّم نحو أحمد ويقف في مواجهته ويعصب عينيه بخرقة سوداء
.............
أحمد :
أين الله ؟ تدخّل يارب كحين نفخت في الطين لتخلق كل الدنيا ...
ليس الآن سواي أحمدُ , بسطٌ من واحدٍ على مقامٍ من مخلوقاتك لمليار السنين ..
إجراءٌ سهلْ .. أنت المطلق ياكلّي القدرة
أوقف ربّي هذا الجلّاد .. ليست القيامة الآن ربّي
...........
الجلّاد : :
تمنّ .. ماهي أمنيتك قبل أن تموت ؟
أيّ غبيّ أنا ؟
العبد يتمنّى ... هذا حرّ .
ماذا يتمنّى الحر الذي انتزعت حريته لتقتله الآن الآن ....؟ .
سيتمنّى أن تناوله البندقية ليفرغ رصاصاتها في جسد الجلّاد
............ .
كاتب المحكمة :
أقتلوه .. فوراً ... لالا
صلّ .. الصلاة قَبْلْ .
.....
أحمد :
هل الصلاة الآن صلاة ؟ هل الصلاة الآن ككل الصلوات الحيّة ؟
تدخّل يارب .. أوقف ربّي هذا الجلاد .. ليست القيامة الآن ربّي
.....
كاتب المحكمة :
أقتلوه .
....................
أحمد :
هل له أن يحيا بعد أن تخترق جسده الرصاصات .. فينزف , فترحل نفسه ؟ بعضُ زمنٍ بعد الموت وليرحل
هم .. سيخترقون بالرصاص كل جزء منه . أيَّ جزء منه .
كل منطقة منه . أي منطقة منه .
ويمزقونه .. يمزقون كبده , رئتيه , قلبه
يناثرون مخّه ؟
يفرطون عقدعموده الفقري ؟
أين يحق لهم منه ؟ هل كل موضع منه حقٌّ مطلقٌ لهم ليعبثوا به ؟
دوّت الرصاصات .. اخترقته .. في كل جسده .. في كل حيواته .. القلب . الرئتين , الرأس . البطن . الكبد , اللسان . الحنجرة , الإثني عشر , المستقيم , القضيب , رجولته . حياته . حريته . المشاعر . القاضي . الجلاد . الأهل . الأصدقاء . الطبيعة , الفيزيقا , الميتافيزيقا , الناس . الزمان . المكان
مع كل زخّة من زخّات الرصاص كان جسده يصعد فوق الآرض ويعود , ويصعد ويعود . .
رفعوه , نقلوه إلى المشفى على سيارة الاسعاف , كان بعض نبض أخير منه لم يمتْ .. كان لابد من قتل أحمد مرة ثانية .
أنزلوه في غرفة ما من المشفى .
إستدعوا الجلّاد .
فتحوا الباب أمام الجلّاد .
أغلقوا الباب بعد الجلّاد .
صوَّب الجلاد بندقيته ثانية على رأسه وقتله .
وصوّب بندقيتة إلى قلبه وقتله .