الفوائد الجليّة في القصّة البهيّة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حسين أحمد سليم
    أديب وكاتب
    • 23-10-2008
    • 147

    الفوائد الجليّة في القصّة البهيّة

    الفوائد الجليّة في القصّةالبهيّة

    حسين أحمد سليم

    تتجلّى الفوائد الكثيرة فيقصّة العبد الصّالح, العالم, الخضر (ع) و لقائه بالنّبي موسى (ع) عند مجمع البحرينغير المحدّد جغرافيّا... و هو ما نستقريء سياق و تفاصيل هذه القصّة العجيبةالغريبة من خلال إبحارنا التّفكّريّ و التّفسيري العقلاني في مطاوي و رموز و أسرارو كهوف الآيات الواردة في سورة الكهف في القرآن الكريم, والتّي تُعنى تحديدا فيهذه القصّة المباركة... و التي تتجلّى في هذه الآياتالمباركة... "60وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُحَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60), 61فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَاحُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61), 62فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَاغَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62), 63قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَىالصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُأَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63), 64قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّاعَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64), 65فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَاآَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65), 66قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَىأَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66), 67قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَصَبْرًا (67), 68وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْبِهِ خُبْرًا (68), 69قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُصَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69), 70قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَاتَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70), 71فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِيالسَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَشَيْئًا إِمْرًا (71), 72قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْتَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72), 73قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَاتُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73), 74فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًافَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَشَيْئًا نُكْرًا (74), 75قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْتَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75), 76قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍبَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76), 77فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَقَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَاجِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَعَلَيْهِ أَجْرًا (77), 78قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَسَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78), 79أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَيَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌيَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79), 80وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُمُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80), 81فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَاخَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81), 82وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِيَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَاصَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَاكَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَتَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)"...
    {و إذقال موسىٰ لفتاه لا أبرح حتىٰ أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا} (سورة الأعرافالآية رقم 60).
    قصّة النّبي موسى (ع) مع العبدالصّالح, العالم, الخضر (ع) ذكر أسبابها رسول الله ‏النّبي محمّد ‏(ص) في قوله: ‏قامموسى‏(‏ع) ‏‏خطيبا في ‏ ‏بني إسرائيل ‏ ‏فسُئل أيّ النّاس أعلم؟ فقال: أناأعلم.قال: فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه فأوحى الله إليه أن عبدا من عباديبمجمعالبحرين هو أعلم منك...
    و في المعنى الإجمالي للآية المباركة: تطلّعتهمّة النّبي موسى (ع) للقاء ذلك النّبي العبد الصّالح, العالم, الخضر (ع), مهما كلّفهالأمر من صعاب، فإستعان بفتاه يوشع بن نون قائلا له: لا أزال أمضي حتّى يجتمعالبحران فيصيرا بحرا واحدا، بسير قريب، أو أسير أزمنا طويلة فإنّي بالغ مجمعالبحرين لا محالة حتّى أجد ذلك العالم, العبد الصالح, العالم, الخضر (ع)...
    و من الفوائدالجليّة في هذه الآية: أنّ رحلة العالم في طلب الإزدياد من العلم، و إغتنام لقاءالفضلاء و العلماء و إن بعدت أقطارهم، و ذلك في دأب السّلف الصّالح، و بسبب ذلكوصل المرتحلون إلى الحظ الرّاجح، و حصلوا على السّعي النّاجح، فرسخت لهم في العلومأقدام، و صحّ لهم من الذّكر و الأجر و الفضل أفضل الأقسام...
    و أنّ المسافرلطلب علم أو جهاد إذا إقتضت المصلحة الإخبار بمطلبه، و أين يريد، فإنّه أكمل منكتمه. فإنّ في إظهاره فوائد من الإستعداد له، و إتّخاذ عدّته، و إتيان الأمر علىبصيرة, و إظهار الشّوق لهذه العبادة الجليلة...
    و الإستعانةعلى الرّحلة في طلب العلم بالصّاحب و الخادم, فقد إتّخذ النّبي موسى (ع) فتاه يوشعتلميذا و خادما، و الفتى هو الشّاب في كلام العرب...
    و التّعبيربـ{فتاه} و إضافته إليه, كما يقال: غلامه, و فيه فائدة و هي: شدّة ملازمة يوشع للنّبيموسى (ع) حتّى وصف بالفتى، و التّعبير بـ: {فتى} فيه تأديب للّسان، و عدم جرحالمشاعر...
    و يُقال للخادمفتى على جهة حسن الأدب، و ندبت الشّريعة إلى ذلك في قول النّبي (ص): «لا يقل أحدكمعبدي و لا أمتي و ليقل فتاي و فتاتي» فهذا ندب إلى التّواضع...
    و أنّه لا بأسعلى العالم و الفاضل أن يخدمه المفضول في الحضر و السّفر, لكفاية المؤن، و طلب الرّاحة،و دليله من القصّة, حمل فتاه غداءهما...
    و في قوله: {لا أبرح حتّى أبلغ مجمعالبحرين أو أمضي حقبا} فيه توطين للنّفس على تحمّل التّعب الشّديد و العناء العظيمفي السّفر لأجل طلب العلم، و ذلك تنبيه على أنّ المتعلّم لو سافر من المشرق إلىالمغرب لطلب مسألة و احدة لحقّ له ذلك...
    و فيه كذلك بيان علوّ همّـة النّبي موسى(ع) و شدّة رغبته في الإستزادة مـن العلم...
    و في قوله, أيضا: {لا أبرح حتّى أبلغمجمع البحرين أو أمضي حقبا}, التّصميم و توحيد الهمّة و تفريغ النّفس من المشاغللطلب العلم...
    و كأنّ في سبب تصميم النّبي موسى (ع) علىبلوغ حاجته مهما كلّف الأمر إشارة إلىأنّ فتاه إستعظم هذه الرّحلة، و خشي أن تنالهما فيها مشقّة تعوقهما عن إتمامها... ولذلك كأنّه أراد بإعلان تصميمه أن لا ييأس فتاه من محاولة رجوعهما، و أن يشحذ عزيمةفتاه ليساويه في صحّة العزم حتّى يكونا على عزم متّحد... فمن أراد الصّاحب في السّفرلطلب العلم فليختر أولي العزائم العوالي...
    و قال تعالى: {فلما بلغا مجمع بينهمانسيا حوتهما فاتّخذ سبيله في البحر سربا}, (سورة الأعراف الآية رقم 61).
    و المعنى الإجمالي للآية المباركة: عندماأوحى الله للنّبي موسى (ع): {إنّ لي عبدا بمجمع البحرين هو أعلم منك، قال النّبي موسى(ع): يا ربّ فكيف لي به؟
    قال تعالى:تأخذ معك حوتا فتجعله في مكتل فحيثما فقدت الحوت فهو ثَمَّ، فأخذ حوتا فجعله فيمكتل... ثمّ إنطلق و إنطلق معه فتاه يوشع بن نون حتّى أتيا الصّخرة وضعا رؤوسهمافناما، و إضطّرب الحوت في المكتل فخرج منه فسقط في البحر فإتّخذ سبيله في البحرسربا... و السّرب هو النّفق الذي يكون في الأرض للضّبّ و نحوه من الحيوانات ذلك أنّالله سبحانه, أمسك عن الحوت جر ية الماء، فصار عليه مثل الطّاق... فشبّه مسلك الحوت في البحر مع بقائه و إنجيابالماء عنه بالسّرب الذي هو الكوّة المحفورة في الأرض... فلمّا إستيقظ نسي صاحبه أنيخبره بالحوت، فإنطلقا بقيّة يومهما و ليلتهما...}...
    و من الفوائدالجليّة في هذه الآية: نسبة النّسيان إليهما نسبة حقيقيّة و إن كان يوشع هو الموكلبحفظ الحوت و مراقبته إلاّ أنّ النّبي موسى (ع) هو القاصد بهذا العمل, فكان يهمّهتعهّده و مراقبته... و هذا يدلّ على أنّ صاحب العمل أو الحاجة إذا و كَلَه إلىغيره, لا ينبغي له ترك تعهّده...
    {فلما جاوزا قال لفتاه آتنا غدآءنا لقدلقينا من سفرنا هـٰذا نصبا}, (سورة الأعراف الآية رقم 62).
    فالمعنى الإجمالي للآية المباركة: فلمّاجاوزا مجمع البحرين الذي جعل موعدا للملاقاة, {قال لفتاه آتنا غداءنا} وهو ما يؤكلبالغداة، و أراد النّبي موسى (ع) أن يأتيه بالحوت الذي حملاه معهما... لقد لقينامن سفرنا هٰذا تعبا و إعياء... و هنا تبرز الإشارة بقوله: سفرنا هذا إلى السّفرالكائن منهما بعد مجاوزة المكان المذكور... فإنّهما لم يجدا النّصب حتّى جاوزاالمكان الذي أمره الله به...
    و من الفوائدالجليّة في هذه الآية: إتّخاذ الزّاد في الأسفار، فهذا النّبي موسى (ع) نبي الله وكليمه من أهل الأرض قد إتّخذ الزّاد مع معرفته بربّه، و توكّله على ربّ العباد...
    {لقد لقينا في سفرنا هذا نصبا}... فيهدليل على جواز الإخبار بما يجده الإنسان من الألم و الأمراض، و أنّ ذلك لا يقدح فيالرّضا، و لا في التّسليم للقضاء لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجر و لا سخط...
    و إستحباب إطعام الإنسان لخادمه منمأكله، و أكلهما جميعا، لأنّ ظاهر قوله: {آتنا غداءنا} إضافة إلى الجميع...
    و أنّ المعونة تنزل على العبد على حسبقيامه بالمأمور به، و أنّ الموافق لأمر الله يعان فلا يسرع إليه النّصب و الجوع...ذلك أنّ النّبي موسى (ع) لم يجد النّصب إلاّ بعد مجاوزته مجمع البحرين, و أمّاسفره الأوّل فلم يشتكِ منه مع طوله، لأنّه سفر على الحقيقة, و هكذا سفر القلب و سيرهإلى ربّه لا يجد فيه من الشّقاء و النّصب ما يجده في سفره إلى بعض المخلوقين...

    {قال أرأيت إذ أوينآ إلى الصّخرة فإنّينسيت الحوت و مآ أنسانيه إلاّ الشّيطان أن أذكره و إتّخذ سبيله في البحر عجبا}, (سورةالأعراف الآية رقم 63).
    و في المعنى الإجمالي للآية المباركة: تعجّبفتى النّبي موسى (ع) و قال للنّبي موسى (ع), ممّا وقع له من النّسيان هناك مع كونذلك الأمر ممّا لا ينسى، لأنّه قد شاهد أمرا عجبا و موضع التّعجّب: أن يحيا حوت قدمات و أكل شقّه، ثمّ جعل الـحوت لا يـمسّ شيئا من البحر إلاّ يبس حتّـى يكون صخرة:أرأيت ما دهاني، أو نابني في ذلك الوقت و المكان الذي أوينا إليه و هو الصّخرةالتي كانت عند مجمع البحرين، إذ لم أذكّرك بأمر الحوت، و ما أنساني ذكره لك إلاّ الشّيطان...
    و من الفوائد الجليّة في هذه الآية: إستخدامالبراعة في أسلوب الإعتذار من قبل الفتى يوشع بن نون و ذلك من وجوه:
    فلمّا تقدّم طلب النّبي موسى (ع)للغداء بعد أن مسّه التّعب و الجوع لم يشأء فتاه أن يُفاجئه بالجواب مباشرة بل مهّدلذلك بممهّدات و منها: البدء بإستخدام أسلوب الإستفهام التّعجّبي: (أرأيت).. و هذاالأسلوب جار على ما هو المتعارف بين النّاس أنّه إذا حدث لأحدهم أمر عجيب قاللصاحبه أرأيت ما حدث لي؟ كذلك ههنا كأنّه قال: أرأيت ما وقع لي منه إذ أوينا إلىالصّخرة، فحذف مفعول أرأيت لأنّ قوله: {فإنّي نسيت الحوت} يدلّ عليه...
    و مراده بالإستفهام: تعجيب النّبي موسى(ع) ممّا إعتراه هناك من النّسيان مع كون ما شاهده من العظائم التي لا تكاد تنسى،يريد بذلك: تهويله و تعجيب صاحبه منه و أنّه ممّا لا يعهد و قوعه لا إستخباره...
    و من التّمهيد قوله: {إذ أوينا إلى الصّخرة},ففيه أدب التّمهيد لتقديم العذر، فإنّ الإيواء إليها و النّوم عندها ممّا يؤدّيإلى النّسيان عادة...
    و من حسن الإعتذار بيانه أنّ النّسيانالذي وقع لي ليس بتقصير منّي أو إهمال، بل هو بسبب الشّيطان و وسوسته...
    و أنّ من مداخل الشّيطان إعاقة الإنسانعن طلب العلم، فالشّيطان كان يسوءه إلتقاء هذين العبدين الصّالحين، و ما له من أثرفي بثّ العلوم الصّالحة، فهو يصرف عنها و لو بتأخير و قوعها طمعا في حدوث العوائق...
    {و ما أنسانيه إلاّ الشّيطان}, فيهجواز إضافة الشّرّ و أسبابه إلى الشّيطان، على وجه التّسويل و التّزيين، و إنّ كانالكلّ بقضاء الله و قدره...
    و في إيقاع النّسيان على إسم الحوت دونضمير الغداء مع أنّه المأمور بإيتائه قيل: للتّصريح بما في فقده إدخال السّرور علىالنّبي موسى (ع) مع حصول الجواب...

    {قال ذلك ما كنّا نبغ فارتدّا علىٰآثارهما قصصا * فوجدا عبدا من عبادنآ آتيناه رحمة من عندنا و علّمناه من لدنّاعلما}, (سورة الأعراف الآيتان رقم : 63 و 64).
    و المعنى الإجمالي للآية المباركة: أيّقال النّبي موسى (ع) لفتاه أمر الحوت و فقده هو الذي كنّا نطلب، فإنّ الرّجل الذيجئنا له ثم... فرجعا يقصّان آثارهما لئلاّ يخطئا طريقهما... {فوجدا عند الصّخرةخضرا على طنفسة خضراء على كبد البحر مُسجّى بثوبه، قد جعل طرفه تحت رجليه، و طرفهتحت رأسه، فسلّم عليه النّبي موسى (ع)، فكشف عن وجهه و قال: هل بأرضك من سلام؟! منأنت؟ قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم}...
    و هذا العبد المذكور في هذه الآية الكريمة هو العبدالصّالح, الخضر (ع) بإجماع العلماء، و دلالة النّصوص الصّحيحة على ذلك من كلام النّبيمحمّد (ص). و قد آتيناه النّبوّة، و علّمناه ممّا يختصّ بنا و لا يعلم إلاّبتوفيقنا و هو علم الغيوب، و موافقة الحقّ عند الله و لو كانت مخالفة لظاهر الشّرع...
    و من الفوائد الجليّة في هذه الآية: العلماللدني هو علم الوحي المستمدّ من كتاب الله و سنّة رسوله (ص)، و في هذا دليل, أنّهلا طريق تعرف بها أوامر الله و نواهيه، و ما يتقرّب إليه به من فعل و ترك إلاّ عنطريق الوحي... و الآيات و الأحاديث الدّالّة على هذا لا تحصى...
    و الذي فعله العبد الصّالح, الخضر (ع),ليس في شيء منه ما يناقض الشّرع, فإنّ نقض لوح من ألواحالسّفينة لدفعالظّالم عن غصبها ثمّ إذا تركها أعيد اللوح جائز شرعا و عقلا... و لكنّمبادرةالنّبي موسى (ع) بالإنكار بحسب الظّاهر. و قد وقع ذلك و اضحا, فإذا جاء الذي يسخرّهافوجدها منخرقة تجاوزها فأصلحها... و أمّا قتله الغلام فلعلّه كان في تلكالشّريعة.و أمّا إقامة الجدار فمن باب مقابلة الإساءة بالإحسان... ‏
    {قال له موسىٰ هل أتّبعك علىٰ أن تعلّمنممّا علّمت رشدا * قال إنّك لن تستطيع معي صبرا * و كيف تصبر علىٰ ما لم تحط بهخبرا}, (سورة الأعراف الآية رقم 65).
    و المعنى الإجمالي للآية المباركة: قالالنّبي موسى (ع) للعالـم, العبد الصّالح, الخضر (ع): هل أتبعك علـى أن تعلّـمن منالعلـم الذي علّـمك الله ما هو رشاد إلـى الـحقّ، و دلـيـل علـى هدى؟ قال العالـم:إنّك لن تطيق الصّبر معي، و ذلك أنـّي أعمل ببـاطن علـم علّـمنـيه الله، و لا علـملك إلاّ بالظّاهر من الأمور، فلا تصبر علـى ما ترى من الأفعال... و كيف تصبر ياموسى علـى ما ترى منّـي من الأفعال التـي لا علـم لك بوجوه صوابها، و تقـيـم معيعلـيها، و أنت إنّـما تـحكم علـى صواب الـمصيب و خطأ المخطئ بـالظّاهر الذي عندك،و بـمبلغ علـمك، و أفعالـي تقع بغير دلـيـل ظاهر لرأي عينك علـى صوابها، لأنّهاتبتدأ لأسبـاب تـحدث آجلة غير عاجلة، لا علـم لك بـالـحادث عنها، لأنّها غيب، و لاتـحيط بعلـم الغيب خبرا...
    و من الفوائد الجليّة في هذه الآية: أنّه:لا ينبغي لأحد أن يترك طلب العلم و إن كان قد بلغ نهايته، و أن يتواضع لمن هو أعلممنه... و ليس في ذلك ما يدلّ على أنّ الخضر (ع) أفضل من النّبي موسى (ع)، فقد يأخذالفاضل عن الفاضل و قد يأخذ الفاضل عن المفضول إذا إختصّ أحدهما بعلم لا يعلمهالآخر، فقد كان علم النّبي موسى (ع) علم الأحكام الشّرعيّة و القضاء بظاهرها، و كانعلم الخضر (ع) علم بعض الغيب و معرفة البواطن...
    و أنّ النّبي موسى (ع) سأل العالم,العبد الصّالح, الخضر (ع), سؤال الملاطف، و المخاطب المستنزل المبالغ في حسن الأدب،بقوله: هل أتّبعك؟ أيّ: هل يتّفق لك و يخفّ عليك؟ و هذا أدب من آداب طالب العلم معشيخه و معلّمه أن يلاطفه في الكلام...
    و أنّ النّبي موسى (ع) جعل نفسه تبعاللخضر (ع) له لأنّه قال: {هل أتّبعك}. فالمتعلّم تبع للعالم و إن تفاوتت المراتب...
    و أنّه إستأذن في إثبات هذا التّبعيّةفإنّه قال: هل تأذن لي أن أجعل نفسي تبعا لك و هذا مبالغة عظيمة في التّواضع...
    و أنّ قوله: {هل أتّبعك} يدلّ على أنّهيأتي بمثل أفعال ذلك الأستاذ لمجرّد كون ذلك الأستاذ آتيا بها. و هذا يدلّ على أنّالمتعلّم يجب عليه في أوّل الأمر التّسليم و ترك المنازعة و الاعتراض...
    ز أنّ قوله: {أتّبعك} يدلّ على طلبمتابعته مطلقا في جميع الأمور غير مقيّد بشيء دون شيء...
    أنّه قال: {هل أتّبعك على أن تعلّمني}فأثبت كونه تبعا له أوّلا ثمّ طلب ثانيا أن يعلّمه و هذا منه إبتداء بالخدمة ثمّفي المرتبة الثّانية طلب منه التّعليم...
    و أنّه قال: {هل أتّبعك على أن تعلّمني}فلم يطلب على تلك المتابعة على التّعليم شيئا كان قال لا أطلب منك على هذهالمتابعة المال و الجاه و لا غرض لي إلاّطلب العلم...
    و يؤخذ من الآية جواز التّعاقد علىتعليم العلم، و أنّه إلتزام يجب الوفاء به...
    و فيه المسافرة مع العالم لإقتباسفوائده أخذا من قوله: {هل أتّبعك}...
    و أنّه قال على أن: {تعلّمني} و هذاإقرار له على نفسه بنقص العلم و على أستاذه بالعلم... فالذّلّ للمعلّم، و إظهارالحاجة إلى تعليمه من أنفع شيء للمتعلّم...
    و أنّ قوله: {تعلّمني ممّا علّمت}معناه أنّه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله به و فيه إشعار بأنّه يكونإنعامك عليّ عند هذا التّعليم شبيها بإنعام الله تعالى عليك في هذا التّعليم و لهذاالمعنى قيل أنا عبد من تعلّمت منه حرفا...
    أنّه قال: {ممّا علّمت} و صيغة منللتبعيض فطلب منه تعليم بعض ما علمه الله، و هذا أيضا مشعر بالتّواضع كأنّه يقولله لا أطلب منك أن تجعلني مساويا في العلم لك، بل أطلب منك أن تعطيني جزأ من أجزاءعلمك، كما يطلب الفقير من الغنيّ أن يدفع إليه جزأ من أجزاء ماله...
    أنّ قوله: {ممّا علّمت} إعتراف بأنّالله علّمه ذلك العلم. فالعلم نعمة منه سبحانه يجب شكرها...
    و أنّ قوله: {رشدا} أيّ: علما مرشداللخير، فكلّ علم يكون فيه رشد و هداية لطريق الخير، و تحذير عن طريق الشّرّ، أو و سيلةلذلك، فإنّه من العلم النّافع، و ما سوى ذلك فإمّا أن يكون ضارّا، أو ليس فيهفائدة...
    و أنّ النّبي موسى (ع) مع هذه المناصبالرّفيعة و الدّرجات العالية الشّريفة أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التّواضع و ذلكيدلّ على كونه (ع) آتيا في طلب العلم بأعظم أنواع المبالغة، و هذا هو اللائق بهلأنّ كلّ من كانت إحاطته بالعلوم أكثر كان علمه بما فيها من البهجة و السّعادةأكثر فكان طلبه لها أشدّ و كان تعظيمه لأرباب العلم أكمل و أشدّ...
    و في قوله تعالى: {إنّك لن تستطيع معيصبرا} فيه دليل على أنّ الأنبياء لا يقرّون على منكر، و لا يجوز لهم التّقرير...
    و فيها أيضا أصل من أصول التّعليم: أنّهينبّه المعلّم المتعلّم بعوارض موضوعات العلوم الملقّنة لا سيّما إذا كانت فيمعالجتها مشقّة...
    و أنّ من ليس له قوّة قي الصّبر علىصحبة العالم، و حسن الثّبات على ذلك، فليس بأهل لتلقّي العلم. فمن لا صبر له لايدرك العلم، لقول الخضر (ع) معتذرا للنّبي موسى (ع) بذكر المانع من الأخذ عنه... إنّكلن تستطيع معي صبرا...
    أنّ السّبب الكبير لحصول الصّبر إحاطةالإنسان علما و خبرة بذلك الأمر الذي أمر بالصّبر عليه، و إلاّ فالذي لا يدريه، أولا يدري غايته و لا نتيجته و لا فائدته و ثمرته ليس عنده سبب الصّبر ، لقوله: { و كيفتصبر على ما لم تحط به صبرا} فجعل الموجب لعدم صبره عدم إحاطته خبرا بالأمر...
    و أنّ المعلّم إن رأى أنّ في التّغليظعلى المتعلّم ما يفيده نفعا و إرشادا إلى الخير. فالواجب عليه ذكره فإنّ السّكوتعنه يوقع المتعلّم في الغرور و النخوة و ذلك يمنعه من التّعلّم...
    {قال ستجدني إن شآء الله صابرا ولاأعصي لك أمرا}, (سورة الأعراف الآية رقم 66).
    و المعنى الإجمالي للآية المباركة: عندماقال الخضر (ع): كيف تصبر يا موسى علـى ما ترى منـّي من الأفعال التـي لا علـم لكبوجوه صوابها؟ أجاب النّبي موسى (ع): ستـجدنـي إن شاء الله صابرا علـى ما أرى منكو إن كان خلافـا لـما هو عندي صواب، و لا أعصي لك أمرا أيّ: و أنتهي إلـى ماتأمرنـي، و إن لـم يكن موافقا هواي...
    و من الفوائد الجليّة في هذه الآية: التّواضعالشّديد من النّبي موسى (ع) و إظهار للتّحمل التّامّ، و كلّ ذلك يدلّ على أنّالواجب على المتعلّم إظهار التّواضع بأقصى الغايات، و أمّا المعلّم فإنّ رأى أن فيالتّغليظ على المتعلّم ما يفيده نفعا و إرشادا إلى الخير. فالواجب عليه ذكره فإنّالسّكوت عنه يوقع المتعلّم في الغرور و لنخوة و ذلك يمنعه من التّعلّم...
    و في قوله: {إن شاء الله} دليل على أنّأفعال العباد واقعة بمشيئة الله تعالى...
    و تعليق الأمور المستقبلة التي منأفعال العباد بالمشيئة، و أن لا يقول لشيء إنّي فاعل ذلك غدا إلاّ أن يقول: {إنشاء الله}...
    {قالفإن إتّبعتني فلا تسألني عن شيء حتّىٰ أحدث لك منه ذكرا * فإنطلقا حتّىٰ إذا ركبافي السّفينة خرقها قال أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا * قال ألم أقل إنّكلن تستطيع معي صبرا * قال لا تؤاخذني بما نسيت و لا ترهقني من أمري عسرا}, (سورةالأعراف الآيات رقم: 67 حتّى 80).
    و المعنى الإجمالي للآية المباركة: قالالخضر (ع) للنّبي موسى (ع): فإن إتّبعتنـي الآن و رأيت منّي شيئا خفي عليك وجه صحّتهفأنكرت في نفسك فلا تفاتحني بالسّؤال حتّى أكون أنا الفاتح عليك بحاله في الوقتالذي ينبغي إخبارك به... فإنـّي قدأعلـمتك أنـّي أعمل العمل علـى الغيب الذي لا تـحيط به علـما...{فإنطلقا يمشيانعلى ساحل البحر فمرّت بهما سّفينة فكلّموهم أن يحملوهم، فعرفوا الخضر (ع) فحملوهبغير نول، فلمّا ركبا في السّفينة لم يفجأ إلاّ و الخضر (ع) قد قلع لوحا من ألواحالسّفينة بالقدّوم، فقال له النّبي موسى (ع): قوم حملونا بغير نول عمدت إلىسفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا... }, أيّ: لقد جئت شيئا عظيـما، وفعلت فعلا منكرا...
    عندئذ قال الخضر (ع) للنّبي موسى (ع) معرضاباللوم بما إلتزم: أتقرّ أنّي قلت إنّك لا تستطيع معي صبرا؟ فإعتذر النّبي موسى (ع)لا تؤاخذني فإنّ ذلك وقع على وجه النّسيان، و لا تعسّر عليّ في المعاملة و إصفح عنّي...
    و من الفوائد الجليّة في هذه الآية: فيقول النّبي موسى (ع): {أخرقتها لتغرق أهلها} كمال شفقة النّبي موسى (ع)، و نصحهللخلق، فلم يقل {لتغرقنا} فنسي نفسه، في الحالة التي لا يلوي فيها أحد على أحد... أنّالنّسيان لا يقتضي المؤاخذة لا في حقّ الله، و لا في حقّ العباد، و أنّه لا يدخلتحت التّكليف...
    و أنّ عملالإنسان في مال غيره إذا كان على وجه المصلحة و إزالة المفسدة جائز، و لو بلا إذنحتّى و لو ترتّب على عمله إتلاف بعض مال الغير، كما خرق الخضر (ع) السّفينة لتعيب،فتسلم من غصب الملك الظّالم...
    في قوله: {لاتؤاخذني بما نسيت...} فيه براعة الإعتذار، بيان ذلك: أنّ النّهي مستعمل في التّعطّفو إلتماس عدم المؤاخذة، لأنّه قد يؤاخذه على النّسيان مؤاخذة من لا يصلح للمصاحبةلما ينشأ عن النّسيان من خطر، و لذلك بنى كلام النّبي موسى (ع) على طلب عدمالمؤاخذة بالنّسيان، و لم يبن على الإعتذار بالنّسيان، كأنّه رأى نفسه محقوقابالمؤاخذة. فكان كلاما بديع النّسيج في الإعتذار...
    و فيه الحكمبالظّاهر حتّى يتبيّن خلافه لإنكار النّبي موسى (ع). و فيه حجّة على صحّة الإعتراضبالشّرع على ما لا يسوغ فيه و لو كانمستقيما فيباطن الأمر. لأنّ النّبي موسى (ع) إنّما إعترض بظاهر الشّرعلا بالعقلالمجرّد... ‏
    {فإنطلقاحتّىٰ إذا لقيا غلاما فقتله قال أقتلت نفسا زكيّة بغير نفس لقد جئت شيئا نكرا *قال ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرا * قال إن سألتك عن شيء بعدها فلا تصاحبنيقد بلغت من لدني عذرا}, (سورة الأعراف الآيات رقم: 81 حتّى 83).
    المعنى الإجمالي للآية المباركة: قال:{ثمّ خرجا من السّفينة فبينما هما يمشيان على السّاحل إذ أبصر الخضر (ع) غلامايلعب مع الغلمان فأخذ الخضر (ع) رأسه بيده فإقتلعه بيده فقتله...}
    فلمّا شاهد النّبي موسى (ع) هذا أنكرهأشدّ من الأوّل، و بادر قائلا: {أقتلت نفسا زكيّة}, أيّ صغيرة لم تعمل الحنث، و لاعملت إثما بعد فقتلته {بغير نفس}, أيّ بغير مستند لقتله لقد جئت بشيء منكر، و فعلتفعلا غير معروف...
    فقال له الخضر (ع) معاتبا و مذكّرا: {ألم أقل لك إنّك لن تستطيع معي صبرا}؟ فقال له النّبي موسى (ع): إن سألتك بعد هذهالمرّة عن شيء فأنت معذور بتركك صحبتي. فقد بلغت إلى الغاية التي تعذر بسببها في فراقي...
    و من الفوائد الجليّة في هذه الآية: أنّالضّرر الأشدّ يزال بالضّرر الأخفّ، و يُراعى أكبر المصلحتين بتفويت أدناهما، و هيقاعدة عظيمة من قواعد أصول الفقه، فإنّ قتل الغلام شرّ، لكن بقاءه حتّى يفتن أبويه عن دينهما أعظم شرّامنه، و بقاء الغلام من دون قتل و عصمته و إن كان يظنّ أنّه خير، فالخير ببقاء دينأبويه و إيمانهما خير من ذلك، فلذلك قتله الخضر (ع)...
    و أنّ موافقة الصّاحب لصاحبه, في غيرالأمور المحذورة, مدعاة و سبب لبقاء الصّحبة و تأكّدها، كما أنّ عدم الموافقة سببلقطع المرافقة...
    {فإنطلقا حتّىٰ إذآ أتيآ أهل قرية إستطعمآأهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقضّ فأقامه قال لو شئت لإتّخذتعليه أجرا * قال هـٰذا فراق بيني و بينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا}, (سورةالأعراف الآيات رقم: 84 حتّى 85).
    المعنى الإجمالي للآية المباركة: قال: {فإنطلقاحتّى إذا أتيا أهل قرية إستطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما فوجدا فيها جدارا يريد أنينقضّ فأقامه}, قال: مائل، فقال الخضر (ع) بيده هكذا فأقامه، فقال النّبي موسى (ع):قوم آتيناهم فلم يطعمونا و لم يضيفونا {لو شئت لإتّخذت عليه أجرا * قال هٰذا فراقبيني و بينك سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا}, أيّ: سأخبرك بما يؤل إليهعاقبة أفعالي التي فعلتها فلم تستطع على ترك المسألة عنها و عن النّكير على فيها صبرا...
    و من الفوائد الجليّة في هذه الآية: فيالآية الأولى دليل على سؤال القوت، و أن من جاع وجب عليه أن يطلب ما يردّ جوعه. و الإستطعامسؤال الطعام، و المراد به هنا سؤال الضّيافة، بدليل قوله: «فأبوا أن يضيفوهما» فإستحقّأهل القرية لذلك أن يذمّوا، وي نسبوا إلى اللؤم و البخل، كما وصفهم بذلك, النّبيموسى (ع) و وصفهم نبيّنا (ص)...
    و يظهر من الآيات أنّ الضّيافة كانتواجبة على من كان قبلنا، و أن الخضر (ع) و النّبي موسى (ع) إنّما سألا ما وجب لهمامن الضّيافة، و هذا هو الأليق بحال الأنبياء، و منصب الفضلاء و الأولياء...
    في قوله تعالى: {لإتّخذت عليه أجرا}فيه دليل على صحّة جواز الإجارة، و هي سنّة الأنبياء و الأولياء...
    من الأخلاق الحميدة مقابلة الإساءةبالإحسان ذلك أنّ الخضر (ع) فعل ما فعل في قرية مذموم أهلها و قد تقدّم منهم سوءصنيع من الإباء عن حقّ الضّيف مع طلبه، و لم يهمّ فيها مع أنّها حرية بالإفساد و الإضاعةبل باشر الإصلاح لمجرّد الطّاعة و لم يعبأ (ع), بفعل أهلها اللئام...
    و يستفاد من إنكار النّبي موسى (ع)فيما سبق وجوب التّأنّي عن الإنكار في المحتملات، و ترك الإعتراض على المشايخ و تأويلما لا يفهم ظاهره من أفعالهم و حركاتهم، و أقوالهم...
    أنّه ينبغي للصّاحب أن لا يفارق صاحبهفي حالة من الأحوال و يترك صحبته حتّى يعتبه، و يعذر منه، كما فعل الخضر (ع) مع النّبيموسى (ع)...
    قال: {أمّا السّفينة فكانت لمساكين يعملونفي البحر فأردت أن أعيبها و كان ورآءهم ملك يأخذ كلّ سفينة غصبا}...
    المعنى الإجمالي للآية المباركة: هذاتفسير ما أشكل أمره على النّبي موسى (ع)، و ما كان أنكر ظاهره، و قد أظهر اللهالخضر (ع) على حكمة باطنة، فقال: إنّ السّفينة إنّما خرقتها لأعيبها لأنّهم كانوايمرّون بها على ملك من الظّلمة {يأخذ كلّ سفينة} صالحة, أيّ جيّدة {غصبا} فأردت أنأعيبها لأردّه عنها لعيبها، فينتفع بها أصحابها المساكين الذين لم يكن لهم شيءينتفعون به غيرها...
    و من الفوائد الجليّة في هذه الآية: أنّالمسكين يطلق على من يملك شيئا إذا لم يكفه، و أنّه أصلح حالا من الفقير...
    في إضافة الخضر (ع) عيب السّفينة إلى نفسه رعايةللأدب، لأنّها لفظة عيب، فتأدّب بأن لم يسند الإرادة فيها إلاّ إلى نفسه، فلا يضافإليه سبحانه و تعالى من الألفاظ إلاّ ما يستحسن منها دون ما يستقبح، و إقتصر عليهفلم ينسب الشّرّ إليه، و إن كان بيده الخير و الشّرّ والضّرّ و النّفع، إذ هو على كلّ شيء قدير، و هوبكلّ شيء خبير...
    قال: {و أمّا الغلام فكان أبواه مؤمنينفخشينآ أن يرهقهما طغيانا و كفرا * فأردنآ أن يبدلّهما ربّهما خيرا منه زكـاة و أقربرحما}, (سورة الأعراف الآيات رقم: 87 حتّى 88).

    المعنى الإجمالي للآية المباركة: و أمّاالغلام الذي قتلته فكان كافرا مطبوعا على الكفر، و كان أبواه مؤمنين {فخشينا}, أيّخفنا أن يغشى الوالدين المؤمنين {طغيانا} عليهما {و كفرا} لنعمتهما بعقوقه و سوءصنيعه، و يلحق بهما شرّا و بلاء، أو يقرن بإيمانهما طغيانه و كفرة، فيجتمع في بيتواحد مؤمنان، و طاغ كافر أو يعديهما بدائه و يضلّهما بضلاله فيرتدّا بسببه و يطغياو يكفرا بعد الإيمان، فأردنا أن يبدلّهما ربّهما خيرا منه زكاة, أيّ: أردنا أنيرزقهما الله تعالى ولدا خيرا من هذا الغلام زكاة, أيّ: دينا و صلاحا. {و أقربرحما}, أيّ يكون هذا البدل أقرب عطفا و رحمة بأبويه بأن يكون أبرّ بهما و أشفقعليهما و الرحّم الرّحمة و العطف...
    و من الفوائد الجليّة في هذه الآية: و يستفادمن هذه الآية تهوين المصائب بفقد الأولاد وإ ن كانوا قطعا من الأكباد، و من سلّمللقضاء أسفرت عاقبته عن اليد البيضاء. و لو بقي كان فيه هلاكهما، فالواجب على كلّ إمرئالرّضا بقضاء الله تعالى، فإن قضاء الله للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه له فيمايحبّ...
    قال: {و أمّا الجدار فكان لغلامينيتيمين في المدينة و كان تحته كنز لهما و كان أبوهما صالحا فأراد ربّك أن يبلغآأشدّهما و يستخرجا كنزهما رحمة من ربّك و ما فعلته عن أمري ذلك تأويل ما لم تسطـععليه صبرا}...
    المعنى الإجمالي للآية المباركة: و أمّاالجدار الذي أقمته فكان لغلامين صغيرين في المدينة، و قد خبّأ أبوهما الصّالحينتحته مالا لهما فأراد ربّك أن يبلغا أشدّهما و يستخرجا كنزهما بأنفسهما من تحتالجدار، و لولا أنّي أقمته لإنقضّ و خرج الكنز من تحته قبل إقتدارهما على حفظه و الإنتفاعبه...
    و هذا الذي فعلته في هذه الأحوال الثّلاثة،إنّما هو من رحمة الله بمن ذكّرنا من أصحاب السّفينة، و والديّ الغلام و ولديّ الرّجلالصّالح، و ما فعلته عن أمري, أيّ: لكنّي أمرت به و وقفت عليه. {ذلك تأويل ما لمتسطع عليه صبرا}, أيّ: ذلك المذكور من تلك البيانات التي بيّنتها لك و أوضحتوجوهها تأويل ما ضاق صبرك عنه و لم تطق السّكوت عليه...
    و المعنى الإجمالي للآية المباركة: قال:{و كان أبوهما صـٰلحا} فيه دليل على أنّ الرّجل الصّالح يحفظ في ذرّيّته و تشملبركة عبادته لهم في الدّنيا و الآخرة بشفاعته فيهم، و رفع درجتهم إلى أعلى درجة فيالجنّة، لتقرّ عينه بهم...
    و ختاما... ففي قصّة النّبي موسى(ع) و الخضر(ع)من الفوائد أنّ الله يفعل في ملكه مايريد,و يحكم في خلقه بما يشاء ممّا ينفع أو يضرّ, فلا مدخل للعقل في أفعاله و لامعارضةلأحكامه, بل يجب على الخلق الرّضا و التّسليم, فإن إدراك العقول لأسرارالرّبوبيّةقاصر فلا يتوجّه على حكمه لم و لا كيف, كما لا يتوجّه عليه في وجوده أينوحيث، و أنّ العقل لا يحسن و لا يقبح و أنّ ذلك راجع إلى الشّرع: فما حسّنه بالثّناءعليهفهو حسن, و ما قبّحه بالذّمّ فهو قبيح.و أنّ لله تعالى فيما يقضيه حكما و أسرارا فيمصالح خفية إعتبرهاكلّ ذلك بمشيئته و إرادته من غير وجوب عليه و لا حكم عقل يتوجّهإليه,بل بحسب ما سبق في علمه و نافذ حكمه, فما أطّلع الخلق عليه من تلك الأسرار عرف, و إلاّ فالعقل عنده واقف. فليحذر المرء منالإعتراض فإنّ مآل ذلك إلى الخيبة...
    حسين أحمد سليم
    hasaleem
يعمل...
X