إلى متى؟ وكيف؟ وإلى أين؟
عادة ما أحجم إحجام العاقل المثقف، الذي التذ بعزلته ووحدته، ووجد فيها ذاته، بعد أن عم الجهل والتكالب وإعلاء شؤون ""المشقفين""، والإزراء وتهميش المفكرين والمثقفين الذين يحملون هما نهضويا تقدميا، ومشاريع ثقافية تنموية، عن الخوض في مياه هذا الواقع العكر العفن الذي يزداد عفونة على عفونة وركودا على ركود، واضمحلالا على اضمحلال، حيث يصبح الكل سياسيا، والكل فاهما وفهامة والكل عالما وعلامة، والكل مثقفا، والكل يمني النفس بكرسـ... فتبوأ أشباه الناس مكان الناس، وأشباه العلماء مكانة العلماء، وأشباه المثقفين مكان المثقفين، وأشباه المفكرين مكانة المفكرين، فتعالى هؤلاء وتقاعس أولئك، وذاع صيت هؤلاء، وخبا نور أولائك، فكانت النتائج عكس عقارب الساعة إلى الوراء، واتجاه الزمن إلى النكوص، ومن ثم التقدم البطيء أصلا، والمهترئة دعائمه أصلا، إلى التخلف الحتمي. فإلى متى؟ وكيف؟ وإلى أين؟
أما عن إلى متى؟ فقد آن الأوان أن نقوم من نومنا، ورقادنا ورقدتنا، وسباتنا ونعاسنا، وغفوتنا ،ووسننا، وترنيقنا، وكرانا، وغمضنا، وتغفيقنا، وتهويمنا، وغرارنا، وتهجاعنا، ورقائنا، وهجودنا، وهجوعنا، وهيوعنا، وتسبيخنا. وأن ننفض عن كواهلنا غبار الخمول والخمود والجمود والاستكانة والتسليم، والرضى بالحتمي والمقدور، والاستكانة إلى الموروث من العادات والأفكار، واجترار كان أبي وجدي من الأخيار والأحرار والأبرار، فما عليكم إلا التسليم لنا وإلا ستلفح وجوهكم ألسنة النار و صنوف البوار.
أما عن كيف؟ فقد آن الأوان أن نرد الاعتبار إلى أولي الألباب، وأرباب الأحلام، وأصحاب الفهم والإفهام، ولن يتم ذلك إلا عن طريق جحظ الأعين، وتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود من...
أما إلى أين؟ فإلى إحياء هذه الأمة من الموات، وإنعاشها من الغثيان، وتنفيسها من الضيق، ورأب صدوعها، وتلحيم مخرومها ومثلومها، وإماطة اللثام عن الدقيق والحقيق من همومهما ومشاكلها، ووضع البنان على الواقع والمنطقي من حاجياتها ومتطلباتها، ومراعاة ميول شبابها وأطفالها، ونسائها ورجالها، وشيوخها، وتسخير ما يمكن تسخيره من خيراتها لصالح هؤلاء وهؤلاء، والانطلاق في برمجة ما يمكن برمجته من الأنشطة الاقتصادية والتنموية والصحية والأمنية والثقافية والتربوية وفق هذه الميولات والتطلعات، وليس التفرد بالقرارات ووضعها في قالب الأمر الواقع والشأن الذي لا يُدَافَعْ، ومن ثم الادعاء أن الهمة كائنة، والوعود المقطوعة قد غدت راهنة.
كثيرا ما كتبت خواطر أسميتها: "حدثتني نفسي"، ولعل إحداها قد خطرت لي في نهاية هذا المقال، فقد غدت نفسي شحيحة بهمساتها ووسوساتها لي، لعل السبب راجع إلى الإقامة الجبرية التي فرضتها عليها، لما أعرف عنها من جموحها وقلة صبرها على الرد على كل ما لا يستسيغه منطقها، مما تراه أمامها منذ غدوها وحتى رواحها إلى مهجعها.
حدثتني البارحة، ولا أدري إن كانت بارحة البارحة، أم بارحة الخمس عشرة سنة من إقامتها الجبرية، فقد أصبح الزمن في مفهومي واحدا: هب أنك سيدي ولجت مدينتك الأفلاطونية الفاضلة، فقصدت جناحا من أجنحتها الهلامية، افترض جدلا أنها جناح الشأن العام، فتمت إحالتك على سلطانها، فوجدته يلبس قلنسوة العلماء، ويمتطي صهوة قلوص فتية، يجوب بها الأرجاء، يعتلي ظهرها حينا، وينزل أخرى، حتى لا يعيي أمرها، يأمر وينهى، يراقب ويدقق، فلا يغمض له جفن، فرثَّت لذلك ثيابه، وشعث شعره، وهزل كيانه، فلم تكد تميزه من غيره، من أدنى عماله...، ثم أنت تتقدم إليه وتسأله: بالله عليك سيدي أرشدني إلى القائم على هذا الأمر. فيجيبك: بالله عليك أخي ذكرتني بوزر وحمل ثقيل، كُلِّفْتُ به و لست أهلا له، حملته وقد ناءت بثقله الجبال، كَلِفْتُ بقوم ولست بأحسنهم. فَقُلْتَ له: دلني على من يعاونك، فقال: ميمنتي عالم، وميسرتي خبير، ومن خلفي حسن تدبير، وأمامي منبه شديد علي عسير، لا يغفل عني طرفة عين، يوقظني إذا نمت، وينبهني إذا غفلت، يعينني على نفسي إذا جمحت، ويلجمها إذا جشعت، يلفت نظري إلى الأدنى حتى يُؤخذ بيده، قبل الأعلى حتى يؤخذ من يده،... فقلت له: كيف وصلت إلى هذا المقام الذي لا يرام إلا بعد رؤيته ألف مرة في يقظة الأحلام؟ أجابني وقد اطلقت أساريره، وافتر فاه، وبانت نواجده، وكأنما تنفس الصعداء، من الأمانة التي حمل وزرها وهي صماء، وكأني به وجد في هذا السؤال لذلك الحمل العزاء، قال: رأوني محل ثقة، ولا أدري إن كنت كذلك، ورأوني أصلح للأمور العظام، ولم أأنس من نفسي ذلك، فقدموني وأنا أبدي مقاومة، وأمنوني، وأنا أخشى الإئتمان والأمانة... فقلت: حسبك نفسي، والله لو لم تضعيني في المدينة الفاضلة لحسبت أني في المدينة الفاضلة... كما عهدتك... أرى جعجعة، ولا أرى طحينا...