غونتر غراس أيبقى مشاكسا
ابراهيم سمو
غاب غراس اذاً !..هل حقا ان غونتر غراس؛ الروائي الالماني؛ صاحب "الطبل الصفيح" وفي ترجمات أخرى "طبل الصفيح" او" الطبل الصفيحي " الذي غيّبه الموت عن الحياة ، غاب ؟لقد تناول خبرَالوفاةِ الإعلامُ بأغلب لغات العالم واشاراتها المعهودة حتى للصم والبكم والبصراء لكن السؤال بعد ان عمَّ النبأ كالنار في الهشيم وانتثر في كل أرجاء المعمورة وكناراتها..هل سيبقى غراس حاضرا يشاكس لا يهادن كعادته في إظهار خلافاته واختلافاته بعد رحيله عن العالم قالبا.. هل تبقى روحه المعاندة دائما تقرع طبول اعتراضاتها وتقرّع ام ان سيرته ستأفل بالموت وان مااثير حوله وزامن موته لم يكن اكثر من زوبعة في فنجان ؟غراس الذي قطف "نوبل للآداب" سنة 1999لتدفقه الانساني المشتعل في رفد الادب العالمي عبر ثلاثيته الشهيرة "ثلاثية داينتسيغ" وتقلّدَ عن روح انسانية متجددة فيه وثابة جوائرعديدة في حياته منها "جائزة كارل فون اوسيتسكيسنة "سنة 1967 و"جائزة الادب" التي كرّمه بها "مجمع بافاريا للعلوم والفنون" سنة 1994هذا عدا عن الدكتوراه الفخرية التي خصته بها "جامعة برلين" في 2005.
غراس ذلك المُخلَّس من الخلاسة عن اب الماني/بروتستانتي وام بولونية/ كاثولويكية والذي "قرقع" في جندية هتلر لاسباب عزاها فيما بعد الى اقتصادية مع "المقرقعين "على طبول الحرب العالمية الثانية وامتلأ بمتناقضات الحياة العائلية بل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والقيمية حتى تمخضت شخصيته عن صراعات كل تلك الشئون والاحوال ودلل في هذا المنحى "ميخائيل يورغس" كاتب سيرته على المؤثرات التي جبلته وهو ينعت الطفولة الأولى لصاحب السيرة غونتر :" انها طفولة بين الروح القدس وهتلر."بيد ان غراس كترميم تعويضي لروحه التي كانت اوشكت حينها تتبعثر من القهر ارتوى من الجمال حتى الثمالة ودرس الفن وقواعده واصوله ومذاهبه فصُقل برهافة وحساسية كما اغدقت عليه الحياة بالتجارب والخبرات فحاز ادوات ووسائل للتعبير ميزته في شخصه وادبه وانسانيته وطبعته بفرادة جمعت بين الحزم واللامبالة والجرأة والترف والفخامة والانكسار والهزيمة والامل والحزن والسرور واليأس والحرمان والإمتلاك والقهر والاقتدار والسخرية فحفرهو غراس اعماله في الذاكرة المعرفية وهو يكسر التابوهات ويخرق المألوف ويتحدى متمردا النتائج بروح باردة لايعتوره خوف او يعكره وجل او يخالجه مطمع من كل ذلك في فضاء من هندسة مركَّزة لكنها مبعثرة و خاوية وغير متلاقية ولا متقابلة ولا متوازية او متوازنة في ثقلها وخطوطها ومعالمها الأخرى التي تتعلق بوجودها ودوالاتها ولكونه درس النحت واختص في كيفية التعامل مع المطرقة وتوجيه الازميل "المِنْحَت " وبثرالصخرة والحفر فيها او الخشب فقد امتلك من الصبر والاناة والرفق ما يكفيه ويؤهله لاختيار او رسم بل قلْ نحت شخصياته وتلوينها إذ كان غراس نحاتا مع عباراته وجمله يستنطقها كما يُستنطَق الحجر ويقشرها كما تقشَّر ثمرة البندق اوالفستق كيما يظفر باللب والمضمون فيمتّع إثر ذاك متلقيه باشهى الدلالات وارحب المعاني واجلى الصور ويمد شخوصه بسمات واقعية وخصائص مجبولة من خير وشر تقطرت منذ الازل عن الطبيعة البشرية ولعل هذا ما استجذب التلقي الى نصوصه وحباها ولو بملمس من ديمومة ومناعة حتى تراءت تلكم النصوص كمنحوتات من زمرد او ياقوت تستلفت الانظار وتعاند الزمن في البقاء وتستعصي على الزوال فتتخذ "غراس ـ غونتر"ها "ايقونةً في الادب الالماني المعاصر ."
غراس الانسان وقضايا من سياسة :
عرف عن غراس الحكم على الاشياء والقيم والقضايا الانسانية بقناعاته ووفق منطق انساني سام يوحي له به ضميره وعقله وتجرده دون محاباة او تحييز اوتمييز اوميل الى جاه او اغراء فكان ان حضره الموقف لايتوانى هنيهة عن البوح اوالإجهار به ايا كانت التكلفة حيث هو الذي اغضب اسرائيل واقترح ان تفرض الرقابة الدولية نوويا عليها وايران معا وهو من عاب على المستشارة الالمانية انجيلا ميركل "جبنها السياسي" وكذلك رد على المحذّرين من حرب عالمية ثالثة "ان الحرب قد بدأت لكن بطريقة مغايرة " كما وأدان تعاطي تركية مع قضية "مذابح الارمن" التي وصفها ب "الابادة الجماعية " وغراس الذي جمعه والكاتبَ الكردي/ التركي يشار كمال الفكر اليساري فربطتهما علاقات وطيدة انتقد في معرض تكريم كمال عام 1997 من قبل"جمعية الناشرين واصحاب المكتبات الالمانية" سياسةَ الحكومة الالمانية تجاه الكرد وقضاياهم وعرج على دوره وكمال الإقحامي كادباء في عالم السياسة فقال " اننا نلقي بانفسنا بصفتنا ادباء في قيعان السياسة " وثنّى غراس في اكثر من مناسبة على فعاليات المهاجرين وابنائهم في إثراء الادب الالماني فنُسب اليه في هذا الباب قولته :" لكن الادب والمجتمع يفقدان الكثير من هذه الامكانات الكبيرة من خلال العزل والاستبعاد" .
هل من غراسَ يسطع من واقعنا الآسن علينا ؟ :
غونتر غراس الذي توفي الاثنين المصادف في 13/ 4 / 2015 وكان شارك في يفاعته في الحرب النازية مقاتلا على ايدلوجية هتلر ثم تمذهب ب"اليسارية التقدمية " وآمن بالحقوق والحريات فتخلَّق بانسانية غير متناهية هل سيقابله منقذ من الشرق يطلع علينا كما شع غراس على المانيا واوربة من رحم حربها وتناقضاتها يؤرخ لاحداث الابادة الحالية من قلبها ..ما احوج حاضرنا ومستقبلنا الى غراس مِنّا ينفتح على كل ما يُشكِل فيؤرخ للذي يقع الآن بشفافية ونزاهة وينافح ضد النزوع الى السلطة والتسلط والإفناء باسم الدين اوالمذهب اوالقومية وينتصر للابرياء والمستضعفين ..فهل من غراس يسطع من واقعنا علينا ؟!
السؤال يعتدل ويستقيم لكن غراس الذي رحل حذّر بنبوءة شاعر ذات قصيدة :
" لا تدخل في الغابة
ففي الغابة ثمة غابة.
وكلّ مَن يخطو في الغابة،
باحثاً عن الأشجار،
لن يُبحَث عنه فيما بعد داخل الغابة "!!.
هل عنى غراس الشاعر ههنا ب"الغابة" واقعنا الراهن الآسن الذي نعيشه الآن في العالم العربي ؟..ربما ! من يدري.. فمعاناة الألم عند الشعوب قاطبة واحدة ثم النبوءة تتقدم دائما صاحبها ولا تلتزم بالحدود والمسافات والجغرافية ولا كذلك بالديموغرافية اوالعرق او الزمان .. لذا..و..إذاً ربما عنى غراس ب”الغابة” وقعَ واقعِنا الحاضر !لعل فقدان العالم واحدا من طراز”غراس” الذي خرجت روحه يوما من احشاء صراعات كونية فتاكة، مثقلةً بأوزار واوجاع واقتران هذا الفقدان اليوم بإبادات جديدة تدق نواقيسها بلاتبرير في شرقنا ،استحضر الى الأذهان ما كان استقر عن "المهدي المنتظر" او " المسيح قام " او" مادي ـ شرف الدين" وضرورة الحضور.. الأنظار في اوطاننا ترتكز معلقة حسب العقائد ترجو مخلِّصها ..فهل (… ) ؟ ام هيهات(…)!! .. ثم غراس الذي رحل أيبقى، يشاكس!.
غاب غراس اذاً !..هل حقا ان غونتر غراس؛ الروائي الالماني؛ صاحب "الطبل الصفيح" وفي ترجمات أخرى "طبل الصفيح" او" الطبل الصفيحي " الذي غيّبه الموت عن الحياة ، غاب ؟لقد تناول خبرَالوفاةِ الإعلامُ بأغلب لغات العالم واشاراتها المعهودة حتى للصم والبكم والبصراء لكن السؤال بعد ان عمَّ النبأ كالنار في الهشيم وانتثر في كل أرجاء المعمورة وكناراتها..هل سيبقى غراس حاضرا يشاكس لا يهادن كعادته في إظهار خلافاته واختلافاته بعد رحيله عن العالم قالبا.. هل تبقى روحه المعاندة دائما تقرع طبول اعتراضاتها وتقرّع ام ان سيرته ستأفل بالموت وان مااثير حوله وزامن موته لم يكن اكثر من زوبعة في فنجان ؟غراس الذي قطف "نوبل للآداب" سنة 1999لتدفقه الانساني المشتعل في رفد الادب العالمي عبر ثلاثيته الشهيرة "ثلاثية داينتسيغ" وتقلّدَ عن روح انسانية متجددة فيه وثابة جوائرعديدة في حياته منها "جائزة كارل فون اوسيتسكيسنة "سنة 1967 و"جائزة الادب" التي كرّمه بها "مجمع بافاريا للعلوم والفنون" سنة 1994هذا عدا عن الدكتوراه الفخرية التي خصته بها "جامعة برلين" في 2005.
غراس ذلك المُخلَّس من الخلاسة عن اب الماني/بروتستانتي وام بولونية/ كاثولويكية والذي "قرقع" في جندية هتلر لاسباب عزاها فيما بعد الى اقتصادية مع "المقرقعين "على طبول الحرب العالمية الثانية وامتلأ بمتناقضات الحياة العائلية بل الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية والقيمية حتى تمخضت شخصيته عن صراعات كل تلك الشئون والاحوال ودلل في هذا المنحى "ميخائيل يورغس" كاتب سيرته على المؤثرات التي جبلته وهو ينعت الطفولة الأولى لصاحب السيرة غونتر :" انها طفولة بين الروح القدس وهتلر."بيد ان غراس كترميم تعويضي لروحه التي كانت اوشكت حينها تتبعثر من القهر ارتوى من الجمال حتى الثمالة ودرس الفن وقواعده واصوله ومذاهبه فصُقل برهافة وحساسية كما اغدقت عليه الحياة بالتجارب والخبرات فحاز ادوات ووسائل للتعبير ميزته في شخصه وادبه وانسانيته وطبعته بفرادة جمعت بين الحزم واللامبالة والجرأة والترف والفخامة والانكسار والهزيمة والامل والحزن والسرور واليأس والحرمان والإمتلاك والقهر والاقتدار والسخرية فحفرهو غراس اعماله في الذاكرة المعرفية وهو يكسر التابوهات ويخرق المألوف ويتحدى متمردا النتائج بروح باردة لايعتوره خوف او يعكره وجل او يخالجه مطمع من كل ذلك في فضاء من هندسة مركَّزة لكنها مبعثرة و خاوية وغير متلاقية ولا متقابلة ولا متوازية او متوازنة في ثقلها وخطوطها ومعالمها الأخرى التي تتعلق بوجودها ودوالاتها ولكونه درس النحت واختص في كيفية التعامل مع المطرقة وتوجيه الازميل "المِنْحَت " وبثرالصخرة والحفر فيها او الخشب فقد امتلك من الصبر والاناة والرفق ما يكفيه ويؤهله لاختيار او رسم بل قلْ نحت شخصياته وتلوينها إذ كان غراس نحاتا مع عباراته وجمله يستنطقها كما يُستنطَق الحجر ويقشرها كما تقشَّر ثمرة البندق اوالفستق كيما يظفر باللب والمضمون فيمتّع إثر ذاك متلقيه باشهى الدلالات وارحب المعاني واجلى الصور ويمد شخوصه بسمات واقعية وخصائص مجبولة من خير وشر تقطرت منذ الازل عن الطبيعة البشرية ولعل هذا ما استجذب التلقي الى نصوصه وحباها ولو بملمس من ديمومة ومناعة حتى تراءت تلكم النصوص كمنحوتات من زمرد او ياقوت تستلفت الانظار وتعاند الزمن في البقاء وتستعصي على الزوال فتتخذ "غراس ـ غونتر"ها "ايقونةً في الادب الالماني المعاصر ."
غراس الانسان وقضايا من سياسة :
عرف عن غراس الحكم على الاشياء والقيم والقضايا الانسانية بقناعاته ووفق منطق انساني سام يوحي له به ضميره وعقله وتجرده دون محاباة او تحييز اوتمييز اوميل الى جاه او اغراء فكان ان حضره الموقف لايتوانى هنيهة عن البوح اوالإجهار به ايا كانت التكلفة حيث هو الذي اغضب اسرائيل واقترح ان تفرض الرقابة الدولية نوويا عليها وايران معا وهو من عاب على المستشارة الالمانية انجيلا ميركل "جبنها السياسي" وكذلك رد على المحذّرين من حرب عالمية ثالثة "ان الحرب قد بدأت لكن بطريقة مغايرة " كما وأدان تعاطي تركية مع قضية "مذابح الارمن" التي وصفها ب "الابادة الجماعية " وغراس الذي جمعه والكاتبَ الكردي/ التركي يشار كمال الفكر اليساري فربطتهما علاقات وطيدة انتقد في معرض تكريم كمال عام 1997 من قبل"جمعية الناشرين واصحاب المكتبات الالمانية" سياسةَ الحكومة الالمانية تجاه الكرد وقضاياهم وعرج على دوره وكمال الإقحامي كادباء في عالم السياسة فقال " اننا نلقي بانفسنا بصفتنا ادباء في قيعان السياسة " وثنّى غراس في اكثر من مناسبة على فعاليات المهاجرين وابنائهم في إثراء الادب الالماني فنُسب اليه في هذا الباب قولته :" لكن الادب والمجتمع يفقدان الكثير من هذه الامكانات الكبيرة من خلال العزل والاستبعاد" .
هل من غراسَ يسطع من واقعنا الآسن علينا ؟ :
غونتر غراس الذي توفي الاثنين المصادف في 13/ 4 / 2015 وكان شارك في يفاعته في الحرب النازية مقاتلا على ايدلوجية هتلر ثم تمذهب ب"اليسارية التقدمية " وآمن بالحقوق والحريات فتخلَّق بانسانية غير متناهية هل سيقابله منقذ من الشرق يطلع علينا كما شع غراس على المانيا واوربة من رحم حربها وتناقضاتها يؤرخ لاحداث الابادة الحالية من قلبها ..ما احوج حاضرنا ومستقبلنا الى غراس مِنّا ينفتح على كل ما يُشكِل فيؤرخ للذي يقع الآن بشفافية ونزاهة وينافح ضد النزوع الى السلطة والتسلط والإفناء باسم الدين اوالمذهب اوالقومية وينتصر للابرياء والمستضعفين ..فهل من غراس يسطع من واقعنا علينا ؟!
السؤال يعتدل ويستقيم لكن غراس الذي رحل حذّر بنبوءة شاعر ذات قصيدة :
" لا تدخل في الغابة
ففي الغابة ثمة غابة.
وكلّ مَن يخطو في الغابة،
باحثاً عن الأشجار،
لن يُبحَث عنه فيما بعد داخل الغابة "!!.
هل عنى غراس الشاعر ههنا ب"الغابة" واقعنا الراهن الآسن الذي نعيشه الآن في العالم العربي ؟..ربما ! من يدري.. فمعاناة الألم عند الشعوب قاطبة واحدة ثم النبوءة تتقدم دائما صاحبها ولا تلتزم بالحدود والمسافات والجغرافية ولا كذلك بالديموغرافية اوالعرق او الزمان .. لذا..و..إذاً ربما عنى غراس ب”الغابة” وقعَ واقعِنا الحاضر !لعل فقدان العالم واحدا من طراز”غراس” الذي خرجت روحه يوما من احشاء صراعات كونية فتاكة، مثقلةً بأوزار واوجاع واقتران هذا الفقدان اليوم بإبادات جديدة تدق نواقيسها بلاتبرير في شرقنا ،استحضر الى الأذهان ما كان استقر عن "المهدي المنتظر" او " المسيح قام " او" مادي ـ شرف الدين" وضرورة الحضور.. الأنظار في اوطاننا ترتكز معلقة حسب العقائد ترجو مخلِّصها ..فهل (… ) ؟ ام هيهات(…)!! .. ثم غراس الذي رحل أيبقى، يشاكس!.