قبل فوات الأوان
فراس عبد الحسين
يفتش بضجر وقلق يبحث عن كل شيء, يتفحص العمر, مسقط الرأس, مكان السكن الحالي, أي مدرسة ارتاد ومن أية جامعة تخرج, إلى أين سافر وأرتحل, بحث في قائمة الأصدقاء لم يتعرف على أحد منهم, جميعهم كانوا بأسماء فارسية وأخرى أجنبية وبعض الأسماء العربية القليلة, لم يعرف أي شيء عن ذلك الشخص وما الذي يريده منه بالضبط.
- مرحباً كيف حالك.
- بخير أشكرك, حيرني أمرك, منذ فترة طويلة وأنا أبحث في كل شيء عنك محاولاً معرفتك, أجد اهتمامك غريباً وأسئلتك محيرة ليس كبقية الأصدقاء وتسألني يومياً عن كل تفاصيل حياتي وكأنك تعرفني منذ سنوات عديدة, وأنا لا اعرف عنك شيئاً مطلقاً.
- أشهر طويلة مضت وأنا أبحث عنك حتى توصلت أخيراً إليك بعد طول بحث ومعاناة, ومنذ أن وجدتك هنا وأنا أتهيأ لسؤالك هذا, كيف أجد طريقة يمكنني من خلالها أن أجيب على تساؤلاتك ولم أصل للآن, ولكن لابد للحقيقة أن تظهر في يوم ما, مهما حاولت إخفائها أو التهرب منها.
- حيرتني أكثر, هل أعرفك سابقاً, من أنت ؟
.................مر وقت طويل ولم ترد على سؤالي, من أنت؟
- دعني أتمالك نفسي قليلا, يداي ترتجفان ولم أقوَ على الكتابة, أمهلني بعض الوقت.. كتب بعد فترة صمت.
- بالحقيقة مللت من كثرة أسئلتك واستفساراتك المستمرة عني وعن حياتي الشخصية وكأنك أحد أفراد عائلتي, إذا لم تجبني فوراً سأضطر لحذفك من قائمة الأصدقاء في الحال.
- نعم إنا احد أفراد عائلتك.
- ماذا تقول..!؟
- أنا والدك.
نظر لشاشة الحاسوب بصمت, اضطرب, أرتجف قلبه, ابتسم ابتسامة بذهول ولم يعرف ما يكتب.
- شكراً لهذه المزحة, سأحذفك في الحال.
- انتظر قليلا أرجوك, أنا أقول الحقيقة.
زاد قلقه واضطرابه أكثر, تردد عدة مرات قبل إن يكتب شيئا,
- قلت كفاك مزاحاً أغلق الموضوع وانتهى الأمر.
عاد لصفحة غريب الشخصية, أصيب بالصدمة بعد أن وجد أن مواليده هي نفس مواليد والده باليوم والشهر والسنة, رجع لصورة الشخص فتحها وكبر حجمها على وسع الشاشة.. نظر لملامح الرجل أمامه, أستجمع كل ذاكرته في عقله حاول أن يسترجع صورة أبوه المطبوعة في رأسه وهو صغير, ملامح رجل باهتة غير واضحة المعالم يمسك بيده ويسيران معاً في السوق, يسلم عليه بحرارة كل من يراه يحضا باحترام وتقدير الجميع, كان يحمله ليقبله بين الحين والآخر, أوقف شريط الذاكرة في تلك اللحظة بالذات وركز على ملامح وجهه يستذكرها بصعوبة بعد أكثر من عشرين عاما مضت , أشاح ببصرة لصورة أبيه المعلقة على حائط غرفته, قارن بينها وصورة الرجل الأشيب, اتكأ وانتصب واقفاً جامداً في مكانه دون حراك قبل أن تنفجر الدموع من عينيه.
- أعلم بأنك تبكي الآن, أبكي يا ولدي ما استطعت, فأنا أنحب مثلك الآن بدل الدموع دما.
تمالك نفسه بصعوبة, كان هول الصدمة شديداً على نفسه, مسح دموعه ليتحلى بالشجاعة ويحاول الكتابة من جديد...
- نعم أجد أن هناك بعض الشبه بينك وبين صورة والدي الشهيد, لكنه في هذه الصورة ينضح شباباً وحيوية.
- نعم هكذا كنت قبل أكثر من عشرين عاماً مضت يا ولدي الحبيب.
لطم الحاسوب ليغلقه ثم ركل المنضدة من تحته ليبعثر كل شيء في الغرفة, اخذ يحك شعر رأسه بهستيريا قبل أن يشعل سيجارة ليمصها بنهم وعلى عجل مثل المجنون.
ولكن كيف وقد جاءوا بوالدي ملفوفاً بالعلم ثم واروه التراب أمام عيناي وأنا طفل لم أبلغ العاشرة بعد, صورة الجميع وهم يذرفون الدموع تحت حرارة الشمس الحارقة في المقبرة لم تفارق بالي للحظة وكأنني الآن هناك, إذن فوق قبر من كنا نبكي أنا وأمي كل أسبوع, ما الذي يحصل.. ولكن كيف..!.
لملم ما تبقى لديه من قوة وجمع شتات فكره, رتب كل شيء وفتح الجهاز مرة أخرى محاولا معرفة ما يجري له.
- حدثني أرجوك فقد وصلت لمرحلة الجنون.
- نحن نتاج الحروب القذرة التي دمرت البشرية, كأنها حريق هائل يلتهم البشر والشجر والحجر لا يخلف بعده سوى الدمار والإحزان, دماء, قتل, ثكالى, آباء محرومون من أبنائهم وأبناء يعيشون طفولتهم وكل حياتهم أيتام مثلك يا ولدي... دون ذنب.
قصة طويلة يا بني هي أحداث حياة كاملة تتراكم فيها الإحزان والأوجاع مثل جبال شماء, أمهلني بعض الوقت لاختصرها إليك ببعض الكلمات.
أثناء القصف وأنا بين الحياة والموت, أصوات انفجار القذائف, رعب, شظايا متطايرة, دخان تراب نار, سقطت قذيفة قريبة جداً من مكاننا قبل أن يسود الظلام بعيني تماماً حتى صحوت ممداً على أحد الأسرّة مصاب براسي وجسدي عبارة عن كومة من الرباط الأبيض.. بقيت لشهور طويلة وأنا على هذا الحال, ممزق الجسد فاقداً للذاكرة.
لولا الممرضة المسؤولة عن علاجي ورعايتي لكنت في عداد الموتى منذ زمن بعيد, كانت تواسيني دائماً وأحاطتني بكل ما تملك من عطف وحنان واهتمام, لا أعلم كيف وصلت إلى هناك ولا أعرف حتى نفسي من أكون, هي عراقية من أصول فارسية من المسفرين في حملات التهجير مع بداية الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات, كانت يتيمة حدثتني كثيراً عن والدها الذي استشهد في الحرب, ثم عرفتني على والدتها الحنون وأصبحنا مثل العائلة الواحدة حتى تزوجنا في أخر المطاف, أصبحت هي كل ذاكرتي وكل حياتي, حيث ابتدأ زماني وولادتي لهذه الحياة منذ اليوم الذي تعرفت عليها, قبل أن أستعد ذاكرتي من جديد... أنت معي للآن..؟.
- نعم.. لكن كيف حصل كل ذلك, كيف لم تسجل في منظمة الصليب الأحمر, وكيف تزوجت وأنت في الأسر, لماذا تذكرت كل شيء الآن بعد كل هذا العمر, كيف عدت للحياة وأنا ازور قبرك كل أسبوع.
- بدأت أتذكر بعض الأشياء البسيطة الماضية, منذ أيام طفولتي ثم وأنا طفل في المدرسة, تذكرت تدريجياً لحين التحاقي في الجيش حتى عادت لي كامل ذاكرتي وشفيت تماما قبل أشهر فقط, اتجهت بعد ذلك للحاسوب أبحث عن اسمك في برامج التواصل الاجتماعي عسى أن اعرف شكلك ورسمك وكيف أصبحت وأنت شاب بعد أن رسخت صورتك وأنت طفل صغير في ذهني توقف عمرك ولم تكبر يوماً واحداً, كل تلك السنوات الماضية تراودني صورتك دائماً لكني لم أعرف من أنت ومن تكون قبل أن أجدك هنا, ليتك تعلم مدى سعادتي بعدما تعرفت عليك, دلني قلبي إليك قبل أن أتأكد من انك ولدي الوحيد, كم مشتاق إليك يا بني..
أما كيف لم أُسجل في الصليب الأحمر هذا أمر لا أعلمه للآن, ربما الانفجار القريب قد نزع مني قلادة التعريف وسقطت على إحدى الجثث المشوهة غير المعروفة الملامح, أو انتزعها الإيرانيون مني ليضعوها في رقبة أحد شهدائهم من أجل أن يدفن في الأماكن المقدسة. أما كيف تخلصت من الأسر, سأخبرك بكل شيء حالما أراك قبل أن أفارق الحياة, متى سيحصل هذا, هل سأراك مجدداً وأنظر لوجهك وآخذك بأحضاني واشم رائحتك من جديد, كي أموت وأنا سعيد مرتاح البال, اشتقت لوالدتك كثيراً, كيف حالها الآن, هل تستطيع السفر والمجيء إلى هنا يا حبيبي.
ترك كرسيه ونهض مرة أخرى, أفكار غريبة تدور في رأسه, ذهول, حزن عميق, فرحة عارمة, اكتئاب, هذيان, لا يعلم ما يفعل ولا كيف يتصرف, يذرع غرفته ذهاباً وإيابا, قبل أن يجلس على الكرسي من جديد.
- كم تأخرت.... ليتك تعلم مدى معاناتنا وكيف قضينا حياتنا البائسة, في كل يوم اصحوا على والدتي واسمعها تنوح بصمت, في قلبها حزن دفين نمى وترعرع في قلبها وعرش مثل شجرة لبلاب في روحها لينعكس على وجهها الحزين المتغضن وشعرها الذي غزاه الشيب قبل الأوان بكثير, ليتك تراها الآن يا وال....
لقد تزوجت قبل سنوات كم كنت بحاجتك افتقدتك كثيراً وبكيت طويلاً لأجلك ليتك تعلم كيف يحتاج الأبناء إبائهم وقت أفراحهم, وقد رزقت بولد أمي تقول بأنه يشبهك كثيراً, كنت متردد كثيراً قبل الزواج ربما خوفاً أن اترك ولدي يتيما وهو لم يزل طفلاً...
نعم يمكنني المجيء إليك , رجعت العلاقات طبيعية بين الدولتين أصبح بالإمكان السفر إلى إيران وبإمكان الإيرانيون أيضا المجيء ألينا فهم هنا يزورون وبأعداد كبيرة بعد انتهاء الحرب مباشرة, لأن الحروب تصنعها الحكومات لا الشعوب.
لكن دعني أفكر في الأمر قليلاً, فلم أزل أعتقد أنني في حلم جميل لا أتمنى الصحو خوفاً من فقدانه, أو ربما هو كابوس مزعج أخاف أن أصحو وأندم على أحداثه بالرغم من كل أحزانه.
فراس عبد الحسين
يفتش بضجر وقلق يبحث عن كل شيء, يتفحص العمر, مسقط الرأس, مكان السكن الحالي, أي مدرسة ارتاد ومن أية جامعة تخرج, إلى أين سافر وأرتحل, بحث في قائمة الأصدقاء لم يتعرف على أحد منهم, جميعهم كانوا بأسماء فارسية وأخرى أجنبية وبعض الأسماء العربية القليلة, لم يعرف أي شيء عن ذلك الشخص وما الذي يريده منه بالضبط.
- مرحباً كيف حالك.
- بخير أشكرك, حيرني أمرك, منذ فترة طويلة وأنا أبحث في كل شيء عنك محاولاً معرفتك, أجد اهتمامك غريباً وأسئلتك محيرة ليس كبقية الأصدقاء وتسألني يومياً عن كل تفاصيل حياتي وكأنك تعرفني منذ سنوات عديدة, وأنا لا اعرف عنك شيئاً مطلقاً.
- أشهر طويلة مضت وأنا أبحث عنك حتى توصلت أخيراً إليك بعد طول بحث ومعاناة, ومنذ أن وجدتك هنا وأنا أتهيأ لسؤالك هذا, كيف أجد طريقة يمكنني من خلالها أن أجيب على تساؤلاتك ولم أصل للآن, ولكن لابد للحقيقة أن تظهر في يوم ما, مهما حاولت إخفائها أو التهرب منها.
- حيرتني أكثر, هل أعرفك سابقاً, من أنت ؟
.................مر وقت طويل ولم ترد على سؤالي, من أنت؟
- دعني أتمالك نفسي قليلا, يداي ترتجفان ولم أقوَ على الكتابة, أمهلني بعض الوقت.. كتب بعد فترة صمت.
- بالحقيقة مللت من كثرة أسئلتك واستفساراتك المستمرة عني وعن حياتي الشخصية وكأنك أحد أفراد عائلتي, إذا لم تجبني فوراً سأضطر لحذفك من قائمة الأصدقاء في الحال.
- نعم إنا احد أفراد عائلتك.
- ماذا تقول..!؟
- أنا والدك.
نظر لشاشة الحاسوب بصمت, اضطرب, أرتجف قلبه, ابتسم ابتسامة بذهول ولم يعرف ما يكتب.
- شكراً لهذه المزحة, سأحذفك في الحال.
- انتظر قليلا أرجوك, أنا أقول الحقيقة.
زاد قلقه واضطرابه أكثر, تردد عدة مرات قبل إن يكتب شيئا,
- قلت كفاك مزاحاً أغلق الموضوع وانتهى الأمر.
عاد لصفحة غريب الشخصية, أصيب بالصدمة بعد أن وجد أن مواليده هي نفس مواليد والده باليوم والشهر والسنة, رجع لصورة الشخص فتحها وكبر حجمها على وسع الشاشة.. نظر لملامح الرجل أمامه, أستجمع كل ذاكرته في عقله حاول أن يسترجع صورة أبوه المطبوعة في رأسه وهو صغير, ملامح رجل باهتة غير واضحة المعالم يمسك بيده ويسيران معاً في السوق, يسلم عليه بحرارة كل من يراه يحضا باحترام وتقدير الجميع, كان يحمله ليقبله بين الحين والآخر, أوقف شريط الذاكرة في تلك اللحظة بالذات وركز على ملامح وجهه يستذكرها بصعوبة بعد أكثر من عشرين عاما مضت , أشاح ببصرة لصورة أبيه المعلقة على حائط غرفته, قارن بينها وصورة الرجل الأشيب, اتكأ وانتصب واقفاً جامداً في مكانه دون حراك قبل أن تنفجر الدموع من عينيه.
- أعلم بأنك تبكي الآن, أبكي يا ولدي ما استطعت, فأنا أنحب مثلك الآن بدل الدموع دما.
تمالك نفسه بصعوبة, كان هول الصدمة شديداً على نفسه, مسح دموعه ليتحلى بالشجاعة ويحاول الكتابة من جديد...
- نعم أجد أن هناك بعض الشبه بينك وبين صورة والدي الشهيد, لكنه في هذه الصورة ينضح شباباً وحيوية.
- نعم هكذا كنت قبل أكثر من عشرين عاماً مضت يا ولدي الحبيب.
لطم الحاسوب ليغلقه ثم ركل المنضدة من تحته ليبعثر كل شيء في الغرفة, اخذ يحك شعر رأسه بهستيريا قبل أن يشعل سيجارة ليمصها بنهم وعلى عجل مثل المجنون.
ولكن كيف وقد جاءوا بوالدي ملفوفاً بالعلم ثم واروه التراب أمام عيناي وأنا طفل لم أبلغ العاشرة بعد, صورة الجميع وهم يذرفون الدموع تحت حرارة الشمس الحارقة في المقبرة لم تفارق بالي للحظة وكأنني الآن هناك, إذن فوق قبر من كنا نبكي أنا وأمي كل أسبوع, ما الذي يحصل.. ولكن كيف..!.
لملم ما تبقى لديه من قوة وجمع شتات فكره, رتب كل شيء وفتح الجهاز مرة أخرى محاولا معرفة ما يجري له.
- حدثني أرجوك فقد وصلت لمرحلة الجنون.
- نحن نتاج الحروب القذرة التي دمرت البشرية, كأنها حريق هائل يلتهم البشر والشجر والحجر لا يخلف بعده سوى الدمار والإحزان, دماء, قتل, ثكالى, آباء محرومون من أبنائهم وأبناء يعيشون طفولتهم وكل حياتهم أيتام مثلك يا ولدي... دون ذنب.
قصة طويلة يا بني هي أحداث حياة كاملة تتراكم فيها الإحزان والأوجاع مثل جبال شماء, أمهلني بعض الوقت لاختصرها إليك ببعض الكلمات.
أثناء القصف وأنا بين الحياة والموت, أصوات انفجار القذائف, رعب, شظايا متطايرة, دخان تراب نار, سقطت قذيفة قريبة جداً من مكاننا قبل أن يسود الظلام بعيني تماماً حتى صحوت ممداً على أحد الأسرّة مصاب براسي وجسدي عبارة عن كومة من الرباط الأبيض.. بقيت لشهور طويلة وأنا على هذا الحال, ممزق الجسد فاقداً للذاكرة.
لولا الممرضة المسؤولة عن علاجي ورعايتي لكنت في عداد الموتى منذ زمن بعيد, كانت تواسيني دائماً وأحاطتني بكل ما تملك من عطف وحنان واهتمام, لا أعلم كيف وصلت إلى هناك ولا أعرف حتى نفسي من أكون, هي عراقية من أصول فارسية من المسفرين في حملات التهجير مع بداية الحرب العراقية الإيرانية في الثمانينات, كانت يتيمة حدثتني كثيراً عن والدها الذي استشهد في الحرب, ثم عرفتني على والدتها الحنون وأصبحنا مثل العائلة الواحدة حتى تزوجنا في أخر المطاف, أصبحت هي كل ذاكرتي وكل حياتي, حيث ابتدأ زماني وولادتي لهذه الحياة منذ اليوم الذي تعرفت عليها, قبل أن أستعد ذاكرتي من جديد... أنت معي للآن..؟.
- نعم.. لكن كيف حصل كل ذلك, كيف لم تسجل في منظمة الصليب الأحمر, وكيف تزوجت وأنت في الأسر, لماذا تذكرت كل شيء الآن بعد كل هذا العمر, كيف عدت للحياة وأنا ازور قبرك كل أسبوع.
- بدأت أتذكر بعض الأشياء البسيطة الماضية, منذ أيام طفولتي ثم وأنا طفل في المدرسة, تذكرت تدريجياً لحين التحاقي في الجيش حتى عادت لي كامل ذاكرتي وشفيت تماما قبل أشهر فقط, اتجهت بعد ذلك للحاسوب أبحث عن اسمك في برامج التواصل الاجتماعي عسى أن اعرف شكلك ورسمك وكيف أصبحت وأنت شاب بعد أن رسخت صورتك وأنت طفل صغير في ذهني توقف عمرك ولم تكبر يوماً واحداً, كل تلك السنوات الماضية تراودني صورتك دائماً لكني لم أعرف من أنت ومن تكون قبل أن أجدك هنا, ليتك تعلم مدى سعادتي بعدما تعرفت عليك, دلني قلبي إليك قبل أن أتأكد من انك ولدي الوحيد, كم مشتاق إليك يا بني..
أما كيف لم أُسجل في الصليب الأحمر هذا أمر لا أعلمه للآن, ربما الانفجار القريب قد نزع مني قلادة التعريف وسقطت على إحدى الجثث المشوهة غير المعروفة الملامح, أو انتزعها الإيرانيون مني ليضعوها في رقبة أحد شهدائهم من أجل أن يدفن في الأماكن المقدسة. أما كيف تخلصت من الأسر, سأخبرك بكل شيء حالما أراك قبل أن أفارق الحياة, متى سيحصل هذا, هل سأراك مجدداً وأنظر لوجهك وآخذك بأحضاني واشم رائحتك من جديد, كي أموت وأنا سعيد مرتاح البال, اشتقت لوالدتك كثيراً, كيف حالها الآن, هل تستطيع السفر والمجيء إلى هنا يا حبيبي.
ترك كرسيه ونهض مرة أخرى, أفكار غريبة تدور في رأسه, ذهول, حزن عميق, فرحة عارمة, اكتئاب, هذيان, لا يعلم ما يفعل ولا كيف يتصرف, يذرع غرفته ذهاباً وإيابا, قبل أن يجلس على الكرسي من جديد.
- كم تأخرت.... ليتك تعلم مدى معاناتنا وكيف قضينا حياتنا البائسة, في كل يوم اصحوا على والدتي واسمعها تنوح بصمت, في قلبها حزن دفين نمى وترعرع في قلبها وعرش مثل شجرة لبلاب في روحها لينعكس على وجهها الحزين المتغضن وشعرها الذي غزاه الشيب قبل الأوان بكثير, ليتك تراها الآن يا وال....
لقد تزوجت قبل سنوات كم كنت بحاجتك افتقدتك كثيراً وبكيت طويلاً لأجلك ليتك تعلم كيف يحتاج الأبناء إبائهم وقت أفراحهم, وقد رزقت بولد أمي تقول بأنه يشبهك كثيراً, كنت متردد كثيراً قبل الزواج ربما خوفاً أن اترك ولدي يتيما وهو لم يزل طفلاً...
نعم يمكنني المجيء إليك , رجعت العلاقات طبيعية بين الدولتين أصبح بالإمكان السفر إلى إيران وبإمكان الإيرانيون أيضا المجيء ألينا فهم هنا يزورون وبأعداد كبيرة بعد انتهاء الحرب مباشرة, لأن الحروب تصنعها الحكومات لا الشعوب.
لكن دعني أفكر في الأمر قليلاً, فلم أزل أعتقد أنني في حلم جميل لا أتمنى الصحو خوفاً من فقدانه, أو ربما هو كابوس مزعج أخاف أن أصحو وأندم على أحداثه بالرغم من كل أحزانه.