النرجسية Narcissism
بقلم: محمود خليفة

ساسة بوست: منذ شهرين، 26 يوليو,2015
وقف أحد الرؤساء يقول عن نفسه:
“أنا العقيد، أنا الزعيم، أنا قائد الثورة، أنا أمين القومية العربية، أنا عميد حكام العرب، أنا رئيس الاتحاد الإفريقي، أنا ملك ملوك إفريقيا، أنا زعيم إفريقيا، أنا عميد حكام العرب، أنا قائد الطوارق، أنا رئيس تجمع دول الساحل والصحراء، أنا قائد القيادة الشعبية الإسلامية، أنا إمام المسلمين”.
فما حكاية هذا الرئيس؟ وما الذي جعله يقول عن نفسه هذا الكلام؟ وآخر قيل عنه أنه (دكر ومخلص ونبي مبعوث من السماء)، يقول عن نفسه: “أنا طبيب أوصف الحالة، هو خلقني كده، ربنا خلقني لأحل مشاكل الكون، أنا فيلسوف الفلاسفة”.
وثالث سمى نفسه بتسعة وتسعين اسمًا! وما حكاية هؤلاء وغيرهم ممن على شاكلتهم من الحكام أو الناس العاديين؟ وما الذي جعلهم يقولون مثل هذا الكلام ويصفون أنفسهم بمثل هذه الصفات؟
(1)
أصل الحكاية يعود إلى نبات النرجس الذي تخبرنا عنه موسوعة ويكيبيديا بتصرف: “نبات النرجس يضم ما بين 50 و100 نوع، وموطنه أواسط آسيا وحوض البحر الأبيض المتوسط وانتقل إلى الأمريكتين بواسطة المستعمرين. ويزرع نبات النرجس في التربة الجافة والبيئة ذات الشمس الخفيفة والظل. وهذا النبات يقتل أي نبات بجواره.
وتروي الأساطير أن زهرة النرجس كانت فتى معجبًا بنفسه كثيرًا وبينما كان ينظر لانعكاس صورته في الماء تحولت الصورة إلى زهرة النرجس، وتطلق صفة النرجسية على الشخص المعجب بنفسه إلى حد الغرور”.
ومن هنا يطلق على الشخص المعجب بنفسه إلى حد الغرور بأنه نرجسي، فهذا الشخص لا يرى إلا نفسه فقط، فذاته هي محور حياته، وهو يعتقد بأنه متفوق على الآخرين، وتصل به الحالة إلى حد الأنانية الشديدة.
وليس كل شخص أناني يكون نرجسيًّا في ذات الوقت؛ فالأنانية هي أثرة وطمع، أما النرجسية فهي فرط حب الشخص لذاته وينتج عنها الأنانية الشديدة أحيانًا.
وإذا كان نبات النرجس يقتل أي نبات بجواره فهو لا يريد شريكًا، فإننا نجد الشخص النرجسي لا يقبل وجود أي اهتمام لشخص غيره لأن عقيدة النرجسي تتمثل في أنه هو محور الاهتمام فقط، وهو الذي تقال فيه قصائد التعظيم والتبجيل والتفخيم والإطراء، هو الفريد فقط في الكون وغيره لا شيء؛ وهذا يجعله شخصًا ثقيل الظل على الآخرين مما يسبب له توترات اجتماعية كثيرة ويجعله يميل إلى الانعزال والانطوائية أحيانًا.
النرجسية الأممية:
وأحيانًا تكون النرجسية عامة في بعض الشعوب مثال ذلك: “نحن شعب الله المختار”، “الجنس الآري فوق الشعوب”، “الشعب الأمريكي هو رقم واحد بين الشعوب”، وقول المتنبي في شعره:”وكل ما خلق الله وما لم يخـــــــــلق .. محتقر عن همتي كشعرة من مفرقي”.
وحتى النرجسية في حب الأندية الرياضية: “الأهلي سيد إفريقيا”، “الاتحاد سيد البلد”.
يقول الدكتور خليل أبو فرحة عن هذه الظاهرة وخاصة في الحضارة الغربية:
إنها “حضارة نرجسية”، نقلًا عن جمعية علم النفس بالسعودية التي تقول أيضًا عن صفات الشخصية النرجسية (بتصرف):-
– الاستغراق في الشئون الداخلية بدرجة كبيرة.
– الهدوء المتكلف أو المصطنع.
– الطموح الزائد بأي ثمن.
– الشعور بالعظمة مع مشاعر شديدة بالنقص.
– اعتماد كبير على الإعجاب الخارجي وهتاف الاستحسان.
– شعور كبير بالملل والضيق والفراغ.
– عدم القدرة على الحب.
– الحيرة المزمنة وعدم الرضا عن النفس.
– استغلال الآخرين وعدم الرأفة بهم.
– حسد شديد ومزمن.
ومن المتوقع أن نجد الشخص النرجسي لا يقبل النقد ولا التجريح فهو كامل مكمل في كل شيء.
(2)
الحكام النرجسيين:
وإذا طبقنا هذه الشخصية على الحكام النرجسيين، فإننا نجد الحاكم النرجسي:
1- عشق صورته:
ومن صفات الحاكم النرجسي أنه حريص كل الحرص على وضع صورته في كل المصالح والمكاتب الحكومية، فهو كل شيء.
ويحمد للرئيس محمد مرسي أنه لم يضع له صورة واحدة في أي دائرة حكومية، وأيضًا لم يضع أي أغنية تمجده ولو على الأقل من نوعية “تسلم الأيادي”.
2- يعظم ذاته:
ومن صفات الحاكم النرجسي أنه يعظم ذاته لدرجة أنه يكتب حروف اسمه على بذلته كلها كما فعلها حسني مبارك وفصل بذلته وفيها حروف اسمه على كل البذلة وتكلفت أكثر من خمسة وعشرين ألف جنيه إسترليني في لندن.
3- الإطراء والمدح والأغاني التي تعظم منه ومن أعماله مثل:
يا ناصر يا حبيب الملايين، يا سادات يا زعيمنا… يا قائدنا، اخترناك اخترناك.
وأيضًا نجد الحاكم النرجسي يطرب بشعارات من نوعية:
“بالروح والدم نفديك يا جمال.. ونفديك يا سادات.. ونفديك يا مبارك.
ولما قتل السادات لم نجد واحدا فقط يدافع عنه بالرغم من أنه الزعيم الوحيد الذي أتى بالنصر الوحيد على إسرائيل في العصر الحديث في أكتوبر 1973. أما مبارك فلم نجد واحدًا من الثلاثة ملايين عضو في الحزب الوطني الديمقراطي يقف بجواره عندما كان يهان وتوضع الأحذية على صورته التي أسقطوها في الميادين، ولم يقف بجواره أحد من ملايين الحزب الوطني موقفًا رجوليًّا شهمًا أمام السباب والإهانة لشخص رئيس حزبهم الحاكم!
أما الزعيم الحقيقي فلا يلتفت إلى مثل هذه الشعارات؛ فمثلًا هل سمعنا أحدًا يقول “بالروح والدم نفديك يا خالد” حينما انتصر القائد العظيم خالد بن الوليد (ض) في كل معاركه؟ وهل سمعنا من يقول “بالروح والدم نفديك يا صلاح” حينما دخل الزعيم صلاح الدين الأيوبي القدس بعدما حررها من الصليبين؟ وهل سمعنا أحدًا يقول “بالروح والدم نفديك يا قطز” حينما انتصر في عين جالوت على أكبر قوة جبارة عالمية في عصره؟
4- إزالة إنجازات الحكام السابقين:
ومن صفات الحاكم النرجسي أنه يمسك بالممحاة ويزيل كل إنجازات وأعمال الحاكم أو الحكام الذين من قبله وحتى الأغاني التي مجدته؛ لأنه لا وجود لزعيم غيره، ووصل الحال ببعضهم مثل جمال عبد الناصر أنه أزال اسم الرئيس محمد نجيب نهائيًّا من كتب التاريخ، وظل هذا الوضع الجائر قائمًا حتى جاء الرئيس مبارك فأعاده إلى كتب التاريخ في العام الدراسي 1983- 1984.
وضباط انقلاب يوليو 1952 اعتبروا أن تاريخ مصرنا الحبيبة بدأ منذ انقلابهم على الملك فاروق؛ فلا وجود لزعيم ولا لقائد قبلهم في كل تاريخ مصرنا الحبيبة حتى وصل الأمر إلى جمال عبد الناصر أن خطب في المصريين كما قلت في روايتي “أرض الجمل” في ص289:
“لقد خطب الزعيم في الشعب المصري وقال: “لقد علمتكم الكرامة”. هل كان الشعب بدون كرامة حتى أتى الزعيم فعلمه الكرامة؟. هل كان شعبنا ضعيفًا ذليلًا حتى جاء الزعيم فعلمه الكرامة؟! فأي كرامة علمها الزعيم للشعب؟
الحقيقة أن الزعيم قد أهدر كرامة شعبنا في سجونه ومعتقلاته، وعلمه الخوف والجبن والنفاق، ومن العجب أن الزعيم كان يمدح شعبنا في خطاب المنشية ويقول: “كلكم جمال عبد الناصر”!
بالله عليكم، هل قال زعيم حقيقي مثل الزعيم مصطفى كامل أو الزعيم سعد زغلول أو الزعيم مصطفى النحاس مثل هذا الكلام الفارغ؟ هل قال أحدهم: كلكم مصطفى كامل أو كلكم سعد زغلول؟! أو قال: “لقد علمتكم الكرامة”. إن الأنبياء – عليهم الصلاة والسلام- لم يقولوا مثل هذا الكلام الفارغ. وإذا كان عبد الناصر واحدًا فقط وأتى بهزائم لا حصر لها، فكيف يكون الحال لو كنا كلنا عبد الناصر؟”.
5- لا يقبل النقد:
ومن صفات الحاكم النرجسي أنه لا يقبل النقد أبدًا؛ وكيف ينقد وهو كل شيء؟! وطبعًا، الحاكم الديكتاتور تنطبق عليه هذه الصفة أيضًا، وأحيانًا نجد الحاكم يجمع بين صفة الديكتاتورية والنرجسية والسيكوباثية (المرضية العدوانية) وحتى جنون العظمة (البارانويا) مثل القذافي وصدام حسين.
6- إنه والدولة سواء:
ومن صفات الحاكم النرجسي أنه كل شيء، حتى الدولة نفسها يعتبرها نفسه، فلا فرق بينه وبين الدولة، فشعاره “أنا الدولة”.
وليس الدولة فقط، بل حتى لو نُقد كتاب مثل “الكتاب الأخضر” للقذافي فإنه كان يعتبر هذا النقد للكتاب الأخضر كنقد الدولة الليبية كنقده هو ذاته، فلا فرق بينه وبين الكتاب الأخضر وبين الدولة ذاتها.
7- يعيش في برج عالٍ:
ومن صفات الحاكم النرجسي أنه يعيش في برج عالٍ بعيدًا عن شعبه ولا يلتفت إلى الكتابات الناقدة لحكمه إذا كانت بالخارج، أما إذا كانت بالداخل فإنه يبيد أصحاب هذا النقد وخاصة إذا كان الحاكم نرجسيًّا مع “شوية” ديكتاتورية وسادية، والحاكم السادي يستعذب تعذيب وحتى قتل ضحاياه.
8- يحلق في أوهام النجاح والتفوق والعظمة:
ومن صفات النرجسي والحاكم النرجسي بوجه عام، أنه يعيش ويحلق في أوهام النجاح والألمعية والعظمة والقوة والتفوق في كل شيء. ففي روايتي السالفة “أرض الجمل”، قال السحرة – البوق الإعلامي في عصرنا الحديث- في ص 353 عن الملك الحاكم أيام غلام أصحاب الأخدود:
“إن الملك الإله لا يحي نملة – يا مسكين- إنما يحي البشر لأنه رب البشر! إن شعبه ينام مطمئنًا في حمايته وتدبيره ويقظته!… إن أدعياء النبوة فروا من أعدائهم، أما ملكنا الإله ابن الإله ابن الإله، فإنه يعصر أعداءه في قبضته عصرًا، إنه يقذفهم في ظلمات البحار ليكونوا طعامًا للحيتان، أو يقذفهم في الفيافي تحت النيران!… إن ملكنا لا يغفل ولا ينام، لا تأخذه سنة ولا نوم، إنه يأتي بالعجائب كلها… إن يديه تفيض بالخيرات والبركات؛ بالليل والنهار، بالصيف والشتاء، في البر والبحر، في الأرض والسماء، في الظل والشمس، في النور والظلام”.
هل يمكن علاج الشخصية النرجسية؟
النرجسي لا يقبل العلاج لأنه يعتبر نفسه أن الله قد خلقه هكذا في أحسن صورة في الدنيا وأحسن شخصية، فكيف يذهب للعلاج؟
هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست