أرواحٌ ظامئة للحب

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • صبيحة شبر
    أديبة وكاتبة
    • 24-06-2007
    • 361

    أرواحٌ ظامئة للحب


    أرْواحٌ ظَامِئَةٌ للحُبِّ

    رواية


    صبيحة شُبّر

    الاهداء




















    (1)
    قالت لك احداهن :
    أحضروا البسط الكثيرة ، كل امرأتين تمسكان ببساط ، خوفا من سقوطك المحتمل ، والذي قد يودي بك، لم يجر على بال احداهن انك يمكن أن تسقطي على الأرض بدلا من وقوعك على أحد البسط المرفوعة ، كن متأكدات ان العناية الالهية سوف تسهر على حمايتك ، وحفظك من كل سوء قد تتعرضين له ، انك ابنتهم الكبرى ، ولم يكونوا مستعدين الى التضحية الى كل نفس تتطلع الى ان يسود الحب عالمنا وتسعد القلوب ، ويجد كل انسان ان كل البشر اخوة له ، يتضامنون معه لتخفيف الألم ، تعالوا أحبتي لنبن وطنا يسع الجميع فبالحب وحده ننتصر على المستحيلات

    بك وقد انتظروا قدومك اليهم طويلا ، ترقبت وصولك الأيدي الكثيرة ، وكانت أمك في فراشها تسعدها كلمات الجارات والصديقات انك تشبهينها كل الشبه ، وستكونين مثلها في قادم أيامك ، سعيدة ومبتسمة تتحمل كل شيء من أجل أسرتها السعيدة ، وتضحي بوقتها وصحتها لتكسب رضا الناس الكبار الذين تعيش في كنفهم ، بسط كثيرة ، ارتفعتْ الأيدي كي تحملك وتجنبك السقوط ، تساءلت أمك عن جدوى هذه العادة، أجابتها اِحدى الصديقات:
    - نحارب الشياطين التي أنبتت لها أسنانا في الفك العلوي..
    يظهر الاستغراب على محيا أمك ، فتسارع الجارة :
    - من المألوف أن تخرج الاسنان أولا في الفك السفلي.
    ارتفعت الأيدي لانتشالك من السقوط ، وقد سُدت كل الاحتمالات المؤدية الى ذلك ، ومنعت صديقات أمك ببسطهن كل طرق موتك ودمارك ، أنت ابنتهم الوحيدة ، عمرك أربعة شهور وسوف يطهرك عملهن من براثن الشيطان وارادته الجهنمية ، أمك تنتظر بخوف يظهر على وجهها بوضوح :
    - لماذا انت خائفة ؟
    - لم يوافق أبوها على فكرتكن...
    - سوف ننتهي من عملنا قبل ايابه من العمل.
    ما زالت النساء تمسك بالبسط ،وانت مدللة ، يخشين عليك من أية لمسة قد تخدش نفسك او بدنك
    تتعالى صرخاتهن بسم الله الرحمن الرحيم ، وأمك تجد انك قد قذفت من السطح الى احدى هذه البسط المفروشة أمامها ، تستبد بها الفرحة ، انتهى خوفها وها أنت تعودين الى ذراعيها سالمة من كل أذى ، وان مخاوفها لم تكن مبررة ، صحيح ان الخوف قد سيطر عليها كل الوقت ، وان الهلع الشديد أرعبها ،ولكنك عزيزتها قد عدت اليها موفورة الصحة والجمال ، تضحكين لمشرق الشمس وتغنين لغروبها كما تصفك الألسن الكثيرة لتسعد أمك الولهى بحبك.
    عاد ابوك مستفسرا:
    - أين بسمة حبيبتي ؟ لم أرها منذ الصباح.
    - انها في فراشها تضحك ، سوف تبتسم لك حين تتحدث معها.

    (2)
    كل الأطفال يخافون من الاستحمام الا انت ، ما ان تجدين احداهن قد استعدت لدخول الحمام حتى تذهبين اليها متوسلة :
    - هل اتي معك يا خالة ؟
    تفكر المرأة مليا ، ثم تجيبك :
    - مرحبا بك صغيرتي
    تسكب عليك المرأة الماء الحار ، وانت لا تتحملين ، ولكنك تخجلين من التعبير عن خوفك ، ألم تطلبي انت بنفسك ان تحممك هذه المرأة ولماذا تحبين الاستحمام هذا الحب الكبير ، تحملي اذن ما تحرق به النساء جسدك الصغير ، وما يهرقنه على ام رأسك، تفرك المرأة ام رأسك بقوة ، هل تنتقم منك ؟ هل لأنك طلبت منها ان تحممك ؟ لماذا لم تطلبي من أمك ؟ ولماذا وافقت المرأة الغريبة ان تقوم بالمهمة العسيرة ؟ انها تفيدك بقوة الدعك ولن تضرك، وأنت مستسلمة ، لا تعبرين عن مدى ألمك ، الدعك قوي ، لماذا تطلبين منهن ما لا يرغبن به ؟ ولمَ توافق احداهن على طلبك ، سؤال يظل يحيرك وانت لا تملكين الجواب الشافي
    - رمت عليك الماء الساخن ، فغاب عنك الوعي ، ظنت انك مت ، وضعتك على ارض الحمام الساخنة ، خافت ان يوبخها والداك :
    - ماتت ....طفلتكم ماتت
    - ماذا ؟
    تتحرك احدى يديك ، يدرك الباقون انك ما زلت حية ، كيف تميتك ولم تبلغي من العمر سوى ثلاث ....
    - ابنتكم كالقطة لها سبع أرواح
    - ماذا ؟ أتهاجميننا ؟ ماذا تقولين ؟
    - اني امزح معكم ، احب صغيرتكم كما تحبونها
    - لا تنفذي رغبتها بالاستحمام مرة أخرى . ولا تتعبي نفسك !
    - لن اتعب نفسي ! انها صغيرة
    وتقول لك أمك :
    - لا تطلبي من احد ان يغسل رأسك مرة أخرى ، لا تتعبيهم ، سوف اغسلك كلما أحببت !
    وتتكرر توسلاتك للكبيرات ان يقمن بتحميمك كلما وجدت واحدة منهن تتهيأ للاستحمام بتجميع ملابسها وحمل منشفتها وبعضهن يأخذن معهن ما يلذ تناوله من أنواع الفواكه ليقمن بتقشيره وأكله وهن قد فرغن من غسل الشعر ولم يبدأن بعد بتنظيف الجسم ، يقشرن البرتقال او النومي حلو ، تقولين للواحدة منهن :
    - عمتي ، هل تغسلينني معك ؟
    - لماذا اغسلك ؟ أليس عندك ام ؟
    وتلتفت المرأة فتجد بعضهم يسمع ما تقوله من أعذار ، فتسارع الى القول :
    - بالطبع حبيبتي ، يسرني ان أغسلك.
    وتسكب الماء الساخن جدا على أم رأسك ، وانت لاهية ، لا يخطر في بالك ان واحدتهن تتعمد ايذاءك حتى لا تضايقيها بالطلب منها مرة أخرى ان تغسل لك رأسك وجسمك ، ولكنك لا تتعظين ، وتعيدين الكرة مرات أخر ، وانت لا تعلمين ما يخبئنه لك في القادم من الأيام..

    (3)
    زائرات عمتك يجتمعن كل اسبوع في منزل احداهن ، وقد اخترن هذه المرة البيت الكبير لجدك ، تتكلم النساء المجتمعات بما يلذ سماعه من فنون الكلام ، معلمات وزوجة مدير الناحية ، وزوجات أطباء المستوصف الوحيد في مدينتك والشخصيات النسائية المعروفة ، افراد منزل جدك معروفون ، ما ِان توجهت الى أحد الأمكنة حتى وجدت الناس يرحبون بك .
    أحاديث النساء تتعالى وأصواتهن الضاجة بالفرح تنتشر في أرجاء المنزل ، كنت تدخلين الى تلك الاجتماعات فتجدين ترحيبا ، تسر له نفسك ، ولكن هذه المرة ، لم تعثري على كلمة تدل على الحب من ِاحدى الزائرات ، ما ان دخلت غرفة الاستقبال ، حتى بادرتك أقوال بعض الحاضرات :
    - اخرجي من هنا ، انت لست جميلة !
    - .......................
    - كنا نظن انك حلوة ولكن اتضح اننا خاطئون ، فلا تملكين ذرة من الحسن!
    - ...........
    - أختك هذه أجمل منك ، هيا اخرجي من هنا!
    - ...........
    تظلم الدنيا في عينيك ، لم تكوني تعرفين انك بهذا القبح قبل هذه اللحظة ، كنت محل التقدير والاعتزاز ، ولكن ما بالهم هذه الساعة ينثرون قبح كلماتهم ، فتنزل كالسياط على ام رأسك؟
    تخرجين من الغرفة وتتوجهين الى مهد اختك الجديدة ، ماذا سوف تفعلين ؟ لقد سرقت منك الاهتمام ، وجعلتك بعيدة عن الحب ، يدخل ابوك ، يرى دموعك منسكبة على وجهك وشفتيك :
    - ما بها حبيبتي هذا اليوم حزينة ؟
    - لا شيء بي
    - ولمَ أراك مهمومة ؟ مَن ضايقك ؟ هل أسمعوك كلاما سيئا ؟
    - ........
    - لا تبالي بما يقولون ، انهم يمزحون ، ويلذ لهم ان يروا دموع الأطفال تنهمر كالمطر ، انت حبيبتنا كلنا ، واختك تحبك مثلنا ، وربما اكثر منا جميعا..
    تتجففين الدموع المنسكبة ، وتتوجهين نحو لعبك التي صنعتها بيديك ، وتبثينها همومك ، فرغم كل مظاهر الاهتمام ، فأنت وحيدة ، واختك ما زالت صغيرة على اللعب معك ، تتوجهين الى السطح وتركضين بكل سرعة لتطردي شعورا بالقهر استبد بك ، الكبار لا يمكنهم ان يفهموا ماذا يجول في ذهن الصغار ، يرون ابتسامتك فيظنون انك سعيدة ، تلعبين احيانا مع ابنة عمك التي تقاربك في السن ، ولكنها لم تصنع لعبا تتحدث معها مثلك ، وتخبرها بالمتاعب التي تواجهها ، عشرات من اللعب صنعتِها كي تتحدثي معها بما يتعبك ويشجيك ، تركضين في السطح ولا تسمعين النداء :
    - بسمة ، بسمة
    فيتوالى النداء :
    - من يناديني ؟
    - انهم في غرفة الاستقبال يريدون ان يتحدثوا معك .
    - هل أذهب اليهم ؟
    - نعم انزلي
    - هل صدقتِ بما قلنا لك ؟ كنا نمزح عزيزتنا بسمة ، لا تبتئسي بما قلنا ، وارسمي بسمة على وجهك كي تكوني اسما على مسمى ...
    تمتثلين لما يقلن لك ، تعودين الى بسمتك المعهودة وتنسين كل الأحزان التي تجرعتها قبل قليل ، انت فرحة رغم ما قيل ،
    تركضين خلفَ العصافير ، تقلدينها في التغريد ، تمسكين عصفورا صغيرا تلعبين معه ثم تعيدينه الى امه ، فيزداد سرورك ، العصافير جميلة ، لماذا يذبحها الناس ، ويفتكون بالمخلوقات الصغيرة بدلا ان يعتنوا بها ،
    ذبح أهلك اليوم خروفا مسكينا كنت تلعبين معه ، وتطعمينه مما يحب أن يأكل ، تجدين من حولك من هو مسرور باللحم الذي أمامه ، وأنت لا تحبين هذا النوع من الأطعمة ، فما بالهم يقدمون على ما لا يروق لك ؟
    يقولون انك نحيفة جدا ، ما ان يحملك أحد والديك من يديك الرقيقتين الى صدره ليقبلك ، حتى يستبد به الخوف أن تنخلع يداك من فرط النحافة والهزال ...
    - كلي يا ابنتي الحبيبة ، أي نوع من الطعام تحبين ؟ سوف أوفره لك ...
    تطلبين أنواعا كثيرة من الحلويات اللذيذة ،تبتعدين عن اللحوم ، يقول الطبيب :
    - ابنتك ضعيفة جدا ، وفروا لها ما تحب من طعام.

    (4)
    أبناؤك على الجدار ، تناجينهم وتتحدثين معهم ، لا أحد بقربك يخفف عنك وصعوبة الحياة وأعباءها، الجميع يضحكون :
    - هل نام أولادك؟
    - سأحكي لهم حكايات تجعلهم ينامون
    - احكي بصوت عال ، لنتمكن من سماعها
    - المعزى الشريرة لم تسمع كلام امها ، ارادت ان تخرج الى خارج المنزل ومياه الأمطار تنهمر عليها ، نصحها والدها الا تغادر البيت وان تنتظر حتى تشرق الشمس وألا تدع المياه تبلل ثيابها ، فتصاب بالأمراض ، فخرجت ولم تستجب للنصيحة ، فهطلت عليها الامطار بشدة ، وفقد شعرها الأسود لونه الجميل اللامع ، واحتارت اين تذهب ؟ لتقي نفسها من غضب الله عليها ،وقد اراد ان يعاقبها بأرسال المطر العنيف ، يضربها ويؤدبها ، وقفت تحت شجرة كبيرة الجذع ، كثيفة الاغصان ذات اوراق خضراء
    - لا يوجد اوراق خضراء في الشتاء يا بسمة ، كل الاخضرار يتحول الى لون اصفر ، فتتساقط الاوراق وتصبح الشجرة ذات لون بائس تصبر على اللعنات التي حولتها الى مخلوق لا جمال فيه ، اجعلي المعزى تقف قرب أحد البيوت لأنها لم تستمع الى والديها ، او تعود الى منزلها وتعتذر عن عدم سماعها لنصيحتهما
    - عادت المعزى الى منزلها ، دقت الباب ، وسمعت السؤال :
    - من الطارق ؟
    - انا المعزى ..
    - سوف افتح لك .
    تفتح الأم الباب ، وتصرخ :
    - من أنت ِ؟
    - انا ابنتكم !
    - كلا ، لست ابنة لنا ، انت بيضاء الشعر ، وابنتنا كان شعرها أسود لامعا وبراقا ...
    - المطر غيّر شعري وسرق لونه !
    - وكيف أعرف أنك ابنتنا ؟
    - هذا الفستان انت خطته لي ، وانا ارتديه الآن!
    - اه .صحيح ، انه نفس الفستان الذي خطته
    - هل ادخل ؟
    - نعم ادخلي ، وحذار من عدم استماع نصيحة الوالدين ، فهما من ربياك ويعرفان اكثر مما يعرف الصغار!
    - المعذرة يا أمي ، لن اعيد ارتكاب المعصية مرة اخرى ، وسوف أعمل بالنصيحة
    تواصل بسمة حكايتها :
    - وهكذا أولادي الصغار ، الصغير يجب ان يطيع الابوين ولا يعصي لهما امرا
    - تعالي يا بسمة هل نام اولادك ؟
    - انهم على وشك ان تسيطر عليهم الغفوة
    - هل تغطينهم وقاية من البرد ؟
    - وضعت اللحاف عليهم
    - اين هذا اللحاف ؟ لم أره
    - انا اراه
    - اتركي اولادك الان نائمين وتعالي لتناول طعام الفطور
    - لا أريد .
    - ماذا تحبين ؟
    - لا شيء
    - كيف لا شيء ، الطعام ضروري لبناء الاجسام
    - حسن ، سوف اتي
    تطمئن بسمة الى راحة أولادها المرسومين على الحائط ،وتتوجه الى الاسرة التي اجتمعت حول مائدة الطعام ..
    (5)
    الجميع ينامون ، أرغمتهم المرأة الكبيرة على الاضطجاع على الفرش امام المروحة الوحيدة في الساحة الصغيرة ، الهواء لهّاب في شهر آب ، توقف المرأة الكبيرة المروحة القديمة أمامها ،كي تستأثر بنسمات الهواء القليلة ،القادمة من اشتغال المروحة برتابة تبعث على النوم .
    أنت لا تحبين ان تنامي في الظهيرة ، تفضلين أن تذهبي الى السطح لتلعبي مع رفيقاتك بنات الجيران ، او لتطيّري الطيارة الورقية التي قمت بصنعها من الورق الأسمر ، تنظر اليك المرأة الكبيرة بغضب ،يدعوك الى التظاهر انك في سبات عميق
    تعود المرأة الى نومها امام مروحتها المطيعة ، وتتركك حائرة ، هل يمكنك ان تعصي أمرها وانت الضعيفة النحيفة التي تجد نفسها عاجزة عن كل فعل يسبب عدم الرضا من الكبار المسيطرين، على مقاليد الأمور في منزلكم الكبير ، والذي اعتاد جميع أفراده على احترام الكبار فهم الأصل وتقديرهم يعني الخلق الرفيع.
    تتمنين ان تتركي التظاهر بالنوم ، تلبية لما يراد منك دائما ، ولكنك تخشين ردة الفعل دائما ، بإمكان الكبار ان يألبوا من تحبين ويحولونهم من موقف التعاطف معك الى موقف لا تحسدين عليه.
    يكفي ان النساء الكبيرات يبكين بدموع غزيرة مشتكيات منك ، مدعيات انك لم تعامليهن كما يستحققن من احترام وتبجيل..
    تتحرك المرأة الكبيرة في فراشها ، تجلس لتشرب كأسا من الماء ، تتظاهرين انك في سابع نومة ، وتتساءلين هل يمكنك يوما ان تعلني حالة العصيان على أمر لم تكوني تحبينه ؟ ابوك يقف دائما مشجعا لك ساندا اياك ان كان تصرفك لا يتنافى مع السلوك القويم ، ولكن ان اشتكت احدى الكبيرات انك تجاسرت عليها بكلمة انطلقت منك من غير تعمد ، فالويل لك!
    قبل عام فقط كانت كلمات الكبيرات تبعث الى نفسك الصغيرة الخوف والرعب:
    - نامي والا نادينا العفريت كي يعاقبك!
    - ولماذا يعاقبني ؟ وأنا لم أذنب!
    - لأنك لست مطيعة!
    - وكيف أكون مطيعة ؟ وأنا ألبي ما تطلبونه مني!
    - صه ، اصمتي والا جاءتك السعلوة !
    - وأين هي السعلوة ؟
    - انها أمامك هناك ، تسمع كلام الكبيرات ، وتعاقب الصغيرات ان بدرتْ منهن الهفوات !
    - أبي يقول انه لاوجود للسعالى!
    - السعالى لا تهاجم الرجال .
    - وماذا تهاجم اذن ؟
    - انها تعاقب الصغار .وخاصة البنات اللاتي وجب عليهن اطاعة الكبار ،
    فهم الأعلم والأفضل..
    تخافين ان تهاجمك السعالى ،وانت المخلوقة الضعيفة النحيفة التي ما ان يراها الناس حتى يقولون محتجين :
    - ابنتكم الصغيرة هذه ، لماذا نجدها بهذه النحافة وهذا الهزال ؟
    - من كثرة الحركة
    - بناتنا الصغيرات يتحركن أيضا ، ولم يكنّ بهذا الضعف!
    تتحرك المرأة الكبيرة ، تتظاهرين انك تستغرقين في النوم ، ألم يغرسوا في نفسك ان الخوف من السعالى فضيلة كبرى؟
    تعود المرأة الكبيرة الى نومها ، تغادرين فراشك ، تذهبين الى السطح ، تتأرجحين على الخشبة المعلقة على الدرج ، لعبك ينسيك واجبك ،انه عليك اطاعة الكبار والبقاء في الفراش متظاهرة بالنوم حتى يستيقظ أولئك الكبار من نومهم..
    تسمعين النداء :
    - بسمة ! هاتي الرقّي الذي سبق لك وان قشرته ليبرد..
    تسارعين الى ترك ارجوحتك المفضلة ، تنزلين الدرج راكضة تحاولين ان تحملي الرقية ولكنك لا تستطيعين لآنها ثقيلة ، تضعين الصينية أمام المرأة الكبيرة ، وتقولين :
    - الرقية ثقيلة لا أقدر على حملها:
    يناديك فتذهبين اليه :
    - اجلسي بقربي .
    - .............
    - هل تحبينني ؟
    - نعم ..
    - كم ؟
    - لا أدري ....
    - من تحبين أكثر ؟ انا أم أباك ؟
    يحيرك الجواب ، ماذا يمكنك ان تقولي ؟ أبوك تحبينه أكثر من أي مخلوق آخر ، لأنه يمنحك الحب والرعاية والاهتمام ، ويلبي ما تحبين بترحاب..
    - أجيبي .. من تحبين اكثر ؟ انا أم اباك ؟
    - نفس المقدار!
    - أتكذبين ؟ أعلم ما تخبئين في قرارة نفسك ! ، صارحيني . من تحبين اكثر؟
    - أحب أبي بالطبع!
    - أيتها المجنونة ! ألا تحبينني ؟!
    - أحبك ! ولكني أحبُّ ابي اكثر مما احبك أنت !
    - ولماذا كذبتِ في البداية ؟
    - لأنني خفتُ منك !
    - والآن ؟ أنت لا تخافين ؟!
    - ماذا تفعل لي ؟
    - سأضربك بهذه العصا !
    تسمعين النداء من بعيد :
    - بسمة !
    فتهرعين وتنقذي نفسك ..


    (6)
    يتهاوى الجدار ويسقط ابناء بسمة بدون ان يودعوا امهم التي أكثرت من العناية بهم والسهر على راحتهم ، يأتيها الاقتراح :
    - لا تحزني حبيبتي ان فقدت من تلعبين معهم يمكن ان تفكري بأساليب أخرى تجعلك تنعمين بأوقات سعيدة ، مع أشياء تبتكرينها ، هل تحبين الرسم او صنع البيوت او خياطة الملابس ؟ يمكنك ان تختاري بعض هذه الأشياء ،سأجلب لك المواد التي تحتاجينها في عمل الأشياء التي تريدينها ..
    - أحب ان أرسم ..
    - حسن... سوف آتيك بالألوان والورق
    يأتيك ابوك بما تريدين ، ترسمين صورته المعلقة على الجدار في غرفة الضيوف ، تفرحين بما تظنين انك حققت به نجاحا ، تسارعين الى ان يرى الكبار ما اقدمت عليه ، تقول لك احدى النساء :
    - الله ما اروع هذه الصورة ؟ من رسمها ؟
    - انا
    - من غير المعقول ان ترسمي بهذه القدرة ،مَن علمك ؟
    - رأيت الصورة وعملت مثلها ، رسمت دائرة الوجه ووضعت العينين والأنف وووو
    - ولكن الصورة ناجحة جدا ، أنصحك ألا تكرري الرسم مرة أخرى ،
    - لماذا ؟
    - لأنه من الأمور المحرمة جدا .
    - لماذا ؟
    - لأنك رسمت بدقة ، سوف تطالبك الصورة بوضع روح لها ، هل تستطيعين ؟
    - وما معنى الروح ؟
    - لا أعرف ، لا أحد من البشر يعرف .
    - ومن يمكنه ان يعرف ؟
    - الله وحده العليم بكل شيء .
    - ولماذا يكون الرسم حراما ؟
    - لا أدري ، حين تكبرين سوف تتعرفين الى الأسباب..
    تذهبين الى أبيك :
    - لا أريد ان أرسم مرة أخرى ، سوف أصنع البيوت وأثاثها من الورق المقوى ..
    - لماذا غيّرت رأيك بالرسم، وانت قد أحسنته ؟
    - لأنه حرام .
    - لا تصدقي كل ما يقولون لك بنيتي ، التي اخبرتك ان الرسم حرام كانت تحاول ان تمنعك من عمل شيء تحبينه ، لأنها بصراحة لا تحسن ان تكون رسامة ..
    - لكني لا أريد ان افعل شيئا يحرمه الله
    - لكن الرسم ليس حراما ، ومع هذا سوف لن اجبرك على عمل شيء تخافين من عمله ، سوف اشتري لك الورق المقوى والصمغ..
    يشتري لك ابوك ما وعدك به ، تصنعين قصرا كبيرا من ورق المقوى ، تضعين فيه الكراسي والأسرّة وتفرشين الأرضية ببساط من القماش المتبقي من ماكنة الخياطة التي تستعملها امك ..
    - ما هذا ؟ أهذا قصر كبير ؟ و لماذا هو فارغ من البشر ؟ سوف لن اسكن بقصر ليس فيه احد ..
    يتعبك موقفهم ..
    - بنيتي ، لا تنزعجي ، سوف تجدين الكثير ممن لا يرضيه ما تقومين به من أعمال ، فلا تبتئسي ، الناس هكذا ، ولا يمكن ارضاؤهم كلهم في وقت واحد
    - لكنهم يضحكون على ما أصنعه !
    - وما الضير في هذا ؟ دعيهم يضحكون واستمري في صناعة القصور
    - لكن قصوري خالية من البشر !
    - لا تجعليهم يشاهدون قصورك ! لماذا تسارعين الى ان يطلعوا على ما تفعلين، اصنعي الأشياء بعيدا عنهم

    (7)
    كنت فرحة جدا في صباح هذا اليوم ، يسعدك ان تتمكني من تقديم المعونة لمن تحبينه ويحبك ، وكثيرا ما قمتِ بأعمال لا تتناسب مع عمرك الصغير لأن احدا ممن تحبين ناشدك ان تقفي بجانبه ، وتساعديه في العمل الذي يقوم به ، كثيرا ما تقومين بكنس المنزل الكبير ورشه بالماء ليتلطف هواؤه ، وتعتنين بأخوتك الصغار من اجل ان تسمعي كلمة تتطلعين الى سماعها في القلعة التي تعيشين بها..
    أمك أرادت أن تساعديها في غسل الملابس الكثيرة ،التي خلعها افراد المنزل الكبير ، وأنت سباقة الى المسارعة في الاستجابة للنداء ، مهما يكن العمل صعبا ، فأنت ترحبين به..
    أمُك وضعت أمامكما أكواما من الملابس المتسخة ، التي يتطلع الكبار الى ان تكون نظيفة ومرتبة في صناديق ملابسهم ، تحدثك أمك عن الأقوام الذين لم يصبهم الذل لأنهم تعاونوا فيما بينهم ..
    أكوام الملابس ثقيلة تشي انك سوف تتعبين كثيرا هذا اليوم ، وكثيرا ما سمعتِ احدى النساء الكبيرات وهي تقول :
    - من تلد ابنة في صغرها ، كأنها جلبت خادمة من بيت اهلها!
    وانت حريصة على ان تقومي بالمهمة التي تعهدتِ القيام بها ، علك تسمعين الكلمة الجميلة التي تتطلعين اليها ، ترنو نفسك الى كلمة محبة وحنان لتطفئ ظمأك الى من يحنو على ضعفك ، كلمة واحدة تتطلع نفسك الى سماعها ، وكثيرا ما تعبتِ في أعمال مرهقة قمتِ بها ولكن انتظارك يخيب وتوقك لا يتحقق..
    أكوام الملابس ثقيلة وقد اوشك التعب ان يتسلل اليك ، فماذا يمكن ان تفعلي لتنقذي نفسك من تعهد أنت أصغر بكثير من الالتزام به ، أمامك الكثير من السنين كي تصبحي مستعدة لتحقيق ما قطعت العهد بتنفيذه ، ولكن ماذا باستطاعتك أن تفعلي وأنت العطشى الى كلمة محبة ، والجميع يحبونك ويتعاطفون مع صغرك وقلة حيلتك.، لكن الكلمات لا تنطلق منهم كما تشتهي نفسك.
    في الأيام التي تغسلان فيها الملابس، انت وأمك ، لا يمكن ان يتم طبخ الطعام، فأكوام الملابس يثير منظرها التعب في قلبك الصغير ، في الظهيرة ، يأتي أبوك بما لذ وطاب من ألوان الطعام ، فتتناولان طعامكما وتعودان الى غسيل الملابس المرهق..
    الطعام لذيذ ، انتهيتما من تناوله ، شربتما الشاي ، ووجب عليكما أن تعودا الى أكوام الملابس الثقيلة كي تنهيا الواجب ، قالت لك أمُك :
    - بسمة ، لقد أصابني التعب ! هل يمكن ان أذهب للنوم وأنت تكملين ؟
    - نعم يا أمي ، سأفعل !
    - يذهب الجميع الى نوم القيلولة ، وأنت وحدك تقومين بعمل متعب يرهقك والملابس الوسخة لا يبدو انها ستنتهي قريبا ، فأي شيء تتوقعين حدوثه بعد هذا العمل المضني ؟ وأي نوع من الجزاء سوف تحصدين مكافأة على الجهد الذي تبذلينه ؟ تزعجك الوحدة وانت بمفردك تقومين بأعمال الكبار.
    تسمعين دقا على الباب
    تنظرين
    - من الطارق؟
    - أنا ..
    انها صديقتك سلمى
    - بسمة ! لماذا تأخرت في الحضور الينا ، نريد ان نلعب وأنت تشاركيننا اللعب..
    - لكن عندي شغل
    - ما هو شغلك ؟
    - أساعد أمي في غسل الملابس.
    - كلنا نساعد أمهاتنا ، وحين نتعب نتوقف ، ونسرع الى ألعابنا ، نحن ما زلنا صغيرات!
    - ولكني تعهدت لأمي أن أقوم بهذا العمل.
    - حسن ، لا تتأخري، متى ستلتحقين بنا ؟
    - بعد ساعة !
    - بعد ساعة يستيقظ الكبار ، ولكن لابأس ، سوف ننتظرك ، لأن اللعب لا يحلو بدونك!..
    تستمر بسمة في غسل الملابس التي ترى ان أكوامها تتناقص شيئا فشيئا ، تغسل الملابس من الصابون ، وتصعد الى السطح لتنشرها على الحبال الكثيرة الموجودة هناك ، الوقت يركض وهي تريد اللحاق برفيقاتها كي تلعب معهن في الوقت القليل المتبقي لاستيقاظ الكبار ، تسمع نداء :
    - بسمة ، عفاكِ ..كأسا من الماء.
    تناول الطالب كأسا من الماء ، وحين تجده قد عاد الى قيلولته ، تسارع الى مغادرة المنزل والذهاب الى بيت سلمى ، تجد اللعب قد انتهى وان اسرة سلمى قد استيقظت من قيلولتها هذه الظهيرة ، وبدأت باعداد الشاي ، تقول سلمى :
    - بسمة ، لقد تأخرت كثيرا ، وحين وجدناك لم تلتحقي بنا ، قمنا باللعب ، مرة أخرى يا بسمة ! تعالي الينا مبكرة..





    (8)
    خرجتِ في الصباح الباكر ، كي تجلبي قناني الحليب ، انتعلت النعال الجديد ، قلدت النساء الكبيرات في ارتداء العباءة ، كانت فضفاضة ، كبيرة عليك ، تكادين تغرقين فيها بجسمك الصغير الضامر ، وأنت فخورة بها ، طلبوا منك ان ترتديها اسوة بما تفعل البنات في مدينتك ، رحبتِ بالفكرة ، ووضعتها عليك وانت تتعثرين في مشيتك ، ذهبت الى العم أبي محمود ، استقبلك بترحاب فرحت به كثيرا ، يبهجك كثيرا ان يسمعوك الكلمات الحسان ، التي تهفو إليها نفسك المتعطشة الى الكلام العذب ، عاملك وكأنك بنت كبيرة ، وأسبغ عليك الصفات الجميلة ، وطلب منك ان تبلغي تحياته الى عزيزه أبيك ، وأنت تسيرين في طريق عودتك الى المنزل رأيت أم سميرة تلك الأرملة الحسناء ، التي كانت تتجنبها النساء ، خشية من إعجاب أزواجهن بها ، قالت لك جدتك مرة
    - احذري أم سميرة..
    - لماذا ؟ يا جدتي .
    - إنها خطافة ....
    - ما معنى خطافة ؟ جدتي
    - انها تخطف الرجال
    - وأين تذهب بهم ؟ كيف تخطفهم وهم الأقوى ، ويستطيعون ان يقاوموها
    يضحك الكبار لكلماتك القليلة ، والتي تدل على جهلك بما يعنون ، وعدم استطاعتك ادراك مدلول الكلمة كما يعرف الكبار ، ترحب بك أم سميرة وتقبلك ، تسعدك قبلاتها ، فقد كان رأي اهلك ان القبلات تفسد البنات ، وتجعلهن طعما يمكن التغلب عليه والضحك على جهله وافتراسه من الذئاب بعد سماع كلمة جميلة واحدة ، او من قبلة تستطيع ان تأتي بما لا يمكن للكلمات ان تفعله في القلوب الظمأى الى المعاملة اللطيفة
    - أهلا بسمة ، الى أين تسيرين ؟ في هذا الصباح الجميل
    لم تعتادي ان تمكثي في الطريق ، دائما يستفسرون عن سبب التأخر ، حتى لو كان دقائق معدودة ،
    - سأمر عليك اليوم ، وأمنحك هدية تفرحك
    تنتظرين كل ساعات النهار ، وتتساءلين ما نوع الهدية التي يمكن ان تقدمها لك جارتكم الأرملة ؟ لم تعرفي الهدايا الا من أبيك ، الذي يسافر في بداية كل شهر الى المدينة الكبيرة جالبا لك معه هدية جميلة وبسيطة في الوقت نفسه ، تفرحين بها ، وتخبئينها في مكان لا يصل اليه الآخرون خشية من حرمانك منها ، يمضي النهار وأنت تتشوقين الى معرفة نوع الهدية ،التي يمكن ان تتحفك بها تلك المرأة ، هل تكون فستانا من ذلك النوع الذي ترتديه بعض صديقاتك ؟ لا ، لا يمكن ، ان ام سميرة لا يمكن ان تقدم شيئا لا يرضى عنه اهلك ، أيكون حذاء مثل الذي تلبسه سميرة في قدمها الصغيرة ؟ ولكن لا ، ان اهلك لا يقبلون بمثل هذه الهدايا ، هم دائما يقولون ان الهدية يجب ان ترد بأفضل منها ، والأحسن دائما الا نقبل الهدايا الا اذا كنا قادرين ان نردها ، وام سميرة هذه رغم إنها جارة، والإحسان الى الجيران من الضرورات التي حث عليها الإسلام ، الا ان أهلك ما كانوا يسمحون لك ان تذهبي الى بيتها الملاصق لبيتكم للزيارة ، قائلين انها يجب ان تأتي لزيارتكم ، فانتم كثيرو العدد وهي لوحدها ، لها ولد واحد كبير ، يسافر دائما..
    تحبين ان تستمعي الى ام سميرة وهي تقص عليك القصص الطويلة ، عن النساء القويات الساحرات ، اللاتي يعملن كل شيء يرغبن فيه ، ولا يستطيع الرجال المناقشة، او الرفض كما كن نساء منزلك الخائفات دائما من الرجال ، والممتنعات عن أي تصرف قد يؤدي الى إثارة غضب أولئك الأحباب....
    قصصها جميلة وأنت تحبين سماعها بلهفة ، حين تبتدئ الكلام ، يصغي الجميع ، ويجلسون في دائرة كبيرة ،أمام القاصة المتمكنة ، التي تجيد فنون الحديث ، وتجعل السامعين يتركون كل ما في أيديهم منصتين الى الحديث العذب الجميل:
    - خرجت المرأة من المنزل وفي يدها صرة صغيرة وضعت فيها رغيفا من الخبز ، وقنينة من الماء ، والأوامر القاسية تتبعها:
    - خبز لا تقطعيه ، وماء لا تشربيه ، وكلي حتى تشبعي
    تخرج المرأة كل صباح ، وتنفذ الأوامر ، وتعود في المساء وهي تكاد أن تموت عطشا وجوعا ، تمضي ثلاثة أيام ، ثم يقولون لها
    - ابقي هنا ، لن تنفعي..
    تشتد حيرتك ، وتحبين ان تطرحي سؤالا يستبد بك ، عن كيفية التصرف الصحيح في مثل هذه الحالات ، تجدين ان الجميع مصغون الى الحكاية ، فتسكتين على مضض ، وتصممين على طرح السؤال في فرصة أخرى..
    (9)
    عدت الى منزلي مسرورا ، هذا اليوم ، فقد استطعت ان أبيع الكثير من الحاجات التي طلبها المشترون ، وان احصل على نقود استطيع بها تلبية حاجات أسرتي الصغيرة ، اعطي ما احصل عليه من البيع في الحانوت الى أبي ، ليقوم بشراء ما يحتاجه المنزل الكبير من اشياء ، وهي عديدة ، وابقي بعض النقود القليلة ، لأ سرتي الصغيرة ، ابنتي الصغيرة لا تطلب عادة الا بعض الحلويات ، احرص على شرائها لها حين اشرع بالعودة ، اليوم كنت فرحا حين اشتريت لابنتي بعض قطع البقلاوة التي اعرف انها تحبها كثيرا ، أوقظها من نومها وادخل الفرحة الى نفسها الصغيرة ، انتظر حتى تنتهي من اكل قطعة البقلاوة التي اخترتها لها بعناية ، أطلب منها ان تغسل فمها بعد الانتهاء ،وان تفرّش أسنانها التي بدأت أضرار تناول الحلويات تصيبها بالتلف ... فرحتي هذه الليلة لم تدم ، فقد أنبأتني زوجتي ان جارتنا ( ام سميرة ) احضرت معها بعض الهدايا لأبنتي بسمة ، استفسرت:
    - ماذا احضرت ؟
    - مكحلة ، وطبلة صغيرة
    - طبلة ؟
    - نعم اّلة موسيقية.
    استولى علي الغضب ، كيف تتجرأ الأرملة التي لم تجد من يوقفها عند حدها على جلب هذه الأشياء ؟ والى منزلي ، والى ابنتي الصغيرة ؟ هل تريد ان تعلمها ومنذ الآن قلة الادب وسوء الخلق ، وعلى الغواية والدق والزمر؟
    ماذا تريد من ابنتي ان تكون حين تكبر ؟ وانا الحريص على التربية ، واحب ان اغرس نبل الأخلاق في نفس ابنتي ، واذا بجارتي تحاول جاهدة ان تنبت غرسة شائنة في نفس صغيرة ، ما زالت لا تملك القدرة على التمييز بين الخير والشر..
    - ألم تعرفي منها لماذا أحضرت هذه الأشياء ؟
    - نعم سألتها ، أجابت ان ابنتكم جميلة وصوتها رخيم
    - عذر أقبح من ذنب ، ماذا تقصد ؟ ، هل علمت بسمة بالأمر ؟
    - لا ، اردت ان اعرف موقفك ، أخبرت أم سميرة بسمة انها ستحضر لها هدية ، لكنها لم تخبرها ما نوعها ؟ وحين عادت ابنتنا الى المنزل سألتني عن هدية ( ام سميرة) أخبرتها إنها لم تحضرها بعد.
    - حسنا فعلتِ ، لا تخبريها.
    تناولت المكحلة وكسرتها ، ورميتها في سلة القمامة ، وأخذت الطبل ومزقته ، لا أحب لابتني أن تتعرف الى مثل هذا السلوك الشائن ، وسوف أحارب العادات الذميمة حالما أجد ميلا في نفس ابنتي نحوها ، او اشم رائحة رغبة لدى احدهم في تعريفها لها.
    الناس دائما يقولون ان ابنتي جميلة ، وأنا لا أدعهم يذكرون هذه الحقيقة أمامها ، سوف أحاول ان اجعلها تدرك ان الجمال المطلوب ليس بالشكل وانما في القلب ، وفي الاتصاف بالأخلاق الفاضلة والسلوك القويم ، وقول الحق والشجاعة وغيرها من الصفات السامية ، التي رُ بيت انا عليها ، وسوف اجعل ابنتي أيضا تتصف بها ، ورغم ما عانيت من فقر في طفولتي ، وحرمان جعلني أقدم على ترك صفوف التعليم رغبة في مساعدة أسرتي ، الا أنني سوف اجعل ابنتي متمتعة بالكثير من الأمور التي وجدت نفسي محروما منها ، والمهم انها نشأت في أسرة تحبها ، وتمنحها الدفء والحنان ، وسوف تكون مهمتي في التربية سهلة ، وسوف اعلم ابنتي وأوجهها الا تأخذ شيئا من أحد مهما كانت قرابته إلينا ، وان تخبرني بما يقع لها ، كما وجهت زوجتي ان تخبرني بكل ما يحدث لابنتي وان تكون قريبة منها..

    (10)
    تتعالى اصوات الضحك ، وانت وحدك نائمة في احدى الغرف ، تتمنين أن تلتحقي بالضاحكات ، وتلعبي معهن ، ولكن قوتك تخذلك ، تسيطر عليك الدوخة وترغمك على البقاء في الفراش .الضحك يتكرر والرغبة بالمشاركة باللعب تستبد بك ، تحاولين النهوض ، والدوخة تحول بينك وبين ما ترومين النهوض بعيد المنال، أتعبك المرض اللعين الذي جعلك طريحة الفراش ، عاجزة عن الالتحاق بركب اللاعبات المسرورات ، تناديك احداهن :
    - كفى بك رقادا ، هيا انهضي وشاركينا اللعب
    - سوف آتي معكن ...
    تحاولين النهوض ، والدوخة تقف بالمرصاد ، تعودين الى فراشك وشعور بالعجز يضنيك ، ماذا جرى لك ؟ ولماذا أنت عاجزة عن فعل أمر بسيط ، كنت تقدمين عليه بكل يسر ، سألت امك :
    - لماذا انا مريضة ؟
    - سوف تشفين قريبا حبيبتي ، أصابك مرض التيفوئيد ، وعليك ان تلتزمي بتعليمات الطبيب ، الذي أوصى بضرورة البقاء في الفراش، ايام قليلة يا ابنتي وتغادرين الفراش وتعودين الى صحتك .
    - أريد أن ألعب معهن..
    - اصبري قليلا يا حبيبتي ، سوف تشفين وتستطيعين ان تقومي بما تريدين.
    الضحك يتواصل وانت ريشة في مهب الرياح ، تحاولين الوقوف ، تمسكين بالحائط ، تذهبين الى الغرفة التي تنطلق منها أصوات السعادة :
    - مرحبا ..زغرودة لك ، لقد شفيت ِ
    تحاولين ان تلعبي ، توشكين أن تقعي على الأرض ، تمسك احداهن، تضحك الصغيرات ، تقول لهن التي أمسكت بك قبل قليل خشية من السقوط :
    - حرام عليكن ، انها مريضة ، ولا تستطيع مجاراتكن في اللعب ، انتظرن أياما قليلة وسوف تشفى وتشارككن المرح .
    تجلسين على الأرض المفروشة ، والصغيرات يواصلن الضحك واللعب .

    ترين رغيفا ساخنا من الخبز ، تسارعين الى أخذه ،تقطعينه بفمك ، تجدينه ألذ من كل الأطعمة .
    - لا تأكلي كثيرا ، منعك الطبيب من تناول الخبز ، أخاف أن يعود المرض اليك ، اصبري قليلا .
    ولكن الخبز الساخن يدعوك الى تناوله رغم تحذيرات الطبيب ، تلتهمين رغيفا آخر ، تواصل الصغيرات ضحكهن ،تنتهين من اكل الرغيف الثاني ..
    - الحمد لله عادت اليك الصحة بعد عناء المرض ، العبي الآن ولكن لا ترهقي نفسك كثيرا ...
    تشعرين ان صحتك تحسنت كثيرا ، وانه بإمكانك ان تلعبي معهن
    تضربين النصائح بعرض الحائط وتصعدين الى الدراجة التي كانت البنات يلعبن بها ، يتواصل الضحك من جديد تقودين الدراجة الهوائية في الغرفة اولا ثم تخرجين بها الى الممر قرب باب الخروج والضحكات تتوالى ،لقد عاد اليك الفرح من جديد
    قالت امك :
    - بسمة كانت ضعيفة جدا ، لا تحب تناول الطعام ، الطبيب الماهر الذي عالجها استطاع أن ينقذها من الضعف الشديد، الذي كانت تعاني منه وأصبحت الآن قوية قادرة على ان تفعل ما تحب هل زالت الدوخة عنك ؟
    - نعم ، ذهبت بعيدا
    - لا ترهقي نفسك كثيرا ، وحين تشعرين بالتعب عودي الى الفراش..
    ركوب الدراجة الهوائية يبعث في نفسك السرور ، ويجعلك مرحة ، تقودين الدراجة بمهارة كبيرة والطفلات معك يصفقن بحرارة لحثك على مواصلة اللعب...



    (11)
    خرجت مع صديقاتك ، تتمشين على شاطئ النهر ، تغسلن ما جمعته امهاتكن من ملابس وصحون ، لقد انقطع الماء في المنازل ، وكان من مهام الصغيرات ان يقمن بالواجب ، تنظيف الصحون بعد وجبة طعام الغداء ، وغسل ملابس إخوتكن الصغار..
    النساء الكبيرات لا يمكنهن الخروج في المدينة الصغيرة ، يشتري لهن الرجال ما يحتجن اليه من حاجات..
    يأتي جدك كل صباح ، وفي يده القفة:
    - ماذا تريد سيدتي هذا اليوم ؟
    تضحك جدتك ، وينبعث صوتها الخفيض
    - ما تحب أن نطبخ لك في الغداء ؟
    تعلو الابتسامة على وجه الرجل الجاد ، نادرا ما ترتسم الابتسامات على محياه ، لقد تعلم وهو صغير وعلم الأولاد جميعا وخاصة البنات ، ان كثرة الابتسام تجعل المرء خفيفا ، لا يستحق الاحترام ، جميل ان يكون الوجه منشرحا ، ولكن الابتسام قليلا ما يعلو الوجوه الجادة.
    يقول جدك بعد ان يئد تلك الابتسامة قبل ان يسمح لها طريقا للانتصار
    - هل تطبخين تبسي الباذنجان ، أم المحشي ؟
    ولأن جدتك هي المديرة على هذا المنزل ، بكل أفراده الكبار والصغار ، تسارع الى القول:
    - اليوم سنأكل مرق القيمة مع الرز
    - كما تحبين..
    ولأنك كنت حاضرة تستمعين الى الحديث ، لم يكمل جدك كلامه ، فقد كان معتادا ان يقول
    - كما تحبين مولاتي..
    يعود جدك وفي يده القفة وقد امتلأت بما لذ وطاب من طعام ، يعرف ان الجميع يحبونه في هذه الدار الكبيرة..
    النهر في جزره وأنت ترافقين صديقاتك ، تضعين الصحون على الشاطئ ، وتمسكين بالصابونة ، وتليفين الأواني ، ثم تصبين عليها الماء للشطف ، تغسلين ملابس أخوتك الصغار ، ككل فتاة صغيرة اعتاد ذووها على تدريبها على أعمال المنزل ، لأنها حتما سوف تتزوج ، وتصبح ماهرة في أداء الأعمال المنزلية ، وكسب رضا الزوج.
    تتحدث رفيقاتك بحديث طويل ، لم تعرفي كيف تشاركين فيه ، اعتدت على قلة الكلام ، والإجابة تكون على قدر السؤال ، لا تبادرين الى فتح أبواب الحديث او إلقاء بعض الأسئلة ، والا اتهموك بتهم شتى ، منها انك لم يحسن تربيتك ، وأنت فتاة يجب الا تكثر الكلام ، وان تكون حيية ، مطيعة ، مبتعدة عن الهذر ، والكلام الفارغ.
    تغسلين الصحون ، وتكونين البادئة في إكمال عملك ، تهتمين بالقيام بما عهد إليك من أعمال ، ورفيقاتك يكثرن الكلام ، فتتأخر اعمالهن..
    تعودين الى المنزل ، تضعين ما أنجزته من أعمال أمام أنظار الكبار ـ تتطلعين الى كلمة تشجيع ، تقوي من عزيمتك ، وتبعث اليك حب تلك الأعمال التي يكلفونك القيام بها ، ويطول انتظارك ، وكأن تلك الأعمال كانت واجبا عليك اتمامه على خير وجه ، والا صعرت لك قلوب الناس قبل وجوههم ، وأظلمت الدنيا في عينيك ، وأرتك وجهها الكالح ، وطبيعتها الغادرة ، تسيرين قرب الجدار ، وعباءتك فوق رأسك تغطي أجزاء جسمك الصغير ، الذي ما زال ضعيفا نحيفا رغم عناية أبيك وأمك بصحتك ، وعرضك على الأطباء مسرعين حين يجدان بادرة من مرض يوشك ان يهاجم ابنتهما العزيزة..
    تجدين أختك الصغيرة في انتظارك ، تحملينها وتلاعبينها ، وترقّصينها على يديك الصغيرتين ، وسرعان ما تنطلق كلمة محذرة
    - انت كبيرة الآن ، لا تلعبي كثيرا..
    يسعدك كلامهم رغم ما فيه من تعنيف ، وتتساءلين
    - متى أكون كبيرة ، فأصبح حرة أعمل ما أحب ؟


    (12)
    شجعت ابنتي على الخروج مع صديقاتها البنات ، لتكتسب الجرأة ، وتثق بنفسها ، وتتعلم أصول الحديث ، وتدرك المهارات التي تفيدها في الحياة، التي لا تحب من يغمض العيون عن الوصول الى حقوقه ، ومن يدع الآخرين يسلبون منه ما سال عرقه من أجله ، لم استطع في البداية ان اعلمها الفنون التي حرمت منها ، فالدنيا تغيرت ، وأجد رغبة في إكسابها المهارة التي لم أتعلمها ، ورغم انها فتاة ، وعليها ان تمكث في المنزل ، كعادة أهل المدينة هذه ، وتنتظر قدوم البعل الذي يقصف لها جناح الإرادة ، استغل كونها صغيرة لأعلمها بعض المهارات ، والخروج مع صديقاتها البنات قد يجعلها مقدامة ، أحب ان تتعلم السباحة ، والا تجد استحالة في القيام بما تحب ولا يتعارض مع قوة التقاليد التي تكبل أنفسنا ، أصحبها معي في السفر ، الى المدن الكبيرة ، لتطلع على العائلات المتطورة ، والتي تعلمت نساؤها ، ولم يبقين أميات كما هن النساء في مدينتي الصغيرة..
    في سفرتي الاخيرة ، تركتها عند اسرة صديقي عماد ، وخرجت واياه لنجلس في أحد المقاهي التي احرم منها في مدينتي هذه..
    - واين بسمة ؟
    - تركتها عند أم احمد ، لتتعلم فنون الحياة..
    اخشى ان تكبر وهي جاهلة ، اعلمها كل شيء ، ورغم انها ما زالت دون سن المدرسة ، الا انني يجب أ ن أقف بجانبها ، غارسا في نفسها كل المبادئ التي تربيت عليها من كرامة وثقة وأمانة واعتزاز بالنفس .. نشأتُ انا محروما مما وجد الأولاد في سنّي أنفسهم يتمتعون به ، ورغم الحرمان الذي كان سائدا ، الا ان حرماني فاق الجميع ، وعلي ان أبذل جهدي للتعويض ، في أن تصبح ابنتي الشيء الذي لم أكنه ، وان تحققْ الأحلام التي كنت اطمح إليها ، لكن الأيام لم تساعدني في الوصول الى مبتغاي ، أبي كان فقيرا ، حتم علي فقره ان اترك تعليمي لأكون مساعدا له في توفير الرزق لأسرتنا الكبيرة..
    يقطع عليّ الحديث مع أبي أحمد ما جال في خاطري من ذكريات أيام الطفولة..
    - لو صحبتها معك!
    - في مدينتنا لا يسمحون بان يصحب الآباء بناتهم الصغيرات..
    - لكنها طفلة!
    - بذلتُ جهدا استثنائيا لتكون معي ، أنت تعرف تقاليدنا ، الفتاة تعلّم منذ الصغر ، حب المكوث في البيت. ، وأنا اُعتبر في نظرهم خارجا على القاعدة..
    - تبدّل العالم اليوم ، بناتي يخرجن ، ويستقبلن الصديقات ، ولهن هوايات ، يبذلن الوقت في اكتساب المهارة ، وانا امنحهن المال اللازم للتعلم...

    ما زلتُ أذكر ذلك اليوم الذي صحبني أبي فيه للصلاة ، ولم أكن املك الملابس التي يجب ان أرتديها في صلاة الجمعة ، التي يحرص فيها المصلون على المظهر الجميل والرائحة الزكية تنبعث منهم ، ارتديت دشداشتي البالية ، ثم لبستُ السروال المتهريء الذي تنازل عنه أخي الكبير ، حين رأيت الإمام يجلس لأداء السجود وعمل المصلون مثله ، نفذت ما كان عليّ تنفيذه ، وسجدت مع الساجدين ، تذكرت تلك اللحظة ان سروالي كان مقطعا ، ودشداشتي كذلك، وان السجود قد يجعل الناس يشاهدون ما خفي من أجزاء جسمي ، التي يحرص الناس جميعا على تغطيتها ، ومنذ ذلك الحين ، حرصت على أداء صلاتي في المنزل ، وعدم اصطحاب أحد في أداء هذه الفريضة، حتى تحسّنَ وضعي المالي ، واستطعت شراء بعض ما أريد.
    - من هذه ؟ انظر!
    أجد ابنتي بسمة أمامي ، أسائل نفسي كيف استطاعت ان تعثر على المكان وهي لم تره الا مرة واحدة ؟ ثم اجبت نفسي عن السؤال
    - الاطفال يتعلمون أسرع من الكبار ، لان ذهنهم خال تماما مما يشغل الكبار ويصعّب عليهم الحياة.
    يداعب صديقي ابنتي:
    - عمو.. هل تعلمت السباحة ؟
    - طلبت من البنات ، قلن لي هذا عيب.
    أخشي ان تنشأ ابنتي خائفة مترددة ، البيئة غلابة ، وأنا حلمت بعدة أمور ووجدت نفسي عاجزا عن تنفيذها ، في مدينتنا كل شيء عيب، ان لم يكن حراما قد اتت الآيات لتحريمه، وجعله من الاشياء التي لا يباح التقرب منها ، لقذ تعبت نفسي من المحرمات العديدة التي تحيط بحياتي وتكبل إرادتي
    سألني صديقي
    - لماذا لا تعلمها أنت ؟
    سؤال وجيه تماما ، ولكن كيف أعلمها ؟ وفي مدينتي كل شيء محرم على الرجال ، فكيف بالبنات الصغيرات ، ينشأ المرء وأمامه كم هائل من الممنوعات ـ لا يستطيع ان يتقرب منها ، والا حورب ، من أقرب الناس ، وهُددت سلامته ، وعد مارقا ، خارجا على القواعد ،التي اتفق على صوابها الجميع ، وتوارثوا الرأي بصحتها ، وانها مناسبة لكل الناس ، مهما اختلف الزمان وتبدل المكان ، الكثير من أصدقائي يظنونني متقاعسا ، او مترددا لا أحسنُ الدفاع عن وجهة نظري ، ولا استطيع ان اربي ابنتي كما ارى انه صالح ، وبإمكانها ان تستفيد من المعلومات التي اغرسها في نفسها الصغيرة ، جيوش من المحرمات تكبل يدي ، أنظر الى الناس الآخرين ، في أمكنة قريبة من مدينتنا او في العاصمة ، يتمتعون بكثير من الأمور التي أحرمُ انا منها ، ولا أحب ان تكون ابنتي ايضا اقل من البنات الأخريات ، صحيح ان النساء في بلادي مقموعات ، يعشن مهمشات ، مهما بلغت عوائلهن من الرقي والتقدم ، وان الأب يحسن معاملة بناته ويربيهن ، ثم يأتي الزوج ، ويتحكم في حياتها ويأمر وينهى ، وينسيها رعاية أهلها ومحبتهم ،وعلى عائلتها الاصلية ان ترضى وترحب...
    ينظر صديقي متعجبا من وضعي ، كيف أتردد في إكساب ابنتي المهارات التي حرمت منها ، لقد تركت تعليمي كي اساعد والدي في إعالة الأسرة الكبيرة التي تسكن بيتنا الكبير ، والأسر الصغيرة والتي تعتبر فروعا من الأصل..

    (13)
    الطيارة الورقية تتعالى في السماء ، تطوّلين الخيط لتبتعد اكثر ، تربطينها في غصن احدى الأشجار ، الهواء يدفعها عاليا وانت مسرورة من عملك الذي تحبينه كثيرا ، كل يوم في وقت الغروب تصعدين الى السطح ، وبيدك الطيارة الورقية ، التي تطيرينها في الأعالي ، علمك عمك ان تضعي على سطحها الشموع المشتعلة ، وتربطينها او تمسكين بخيطها بيدك وانتِ تراقبين تنجمها حيث تصبح احدى النجمات المتلألئة في أعالي السماء ، في الليالي المقمرة يحلو لك ان تمسكي طيارتك الورقية ، وترين طيارتك وكأنها احدى النجوم ، ترنو نفسك الى جمالها الأخاذ ، وتتطلع عيناك الى منظرها الأخاذ ،نجمتك الحبيبة ساطعة تبعث الفرح الى داخل نفسك ، تلعبين وتكثرين من اللعب وحدك ، وأحيانا يصحبك عمك الذي يكبرك بخمس سنوات ، تركضان في السطع وتجعلان طيارتيكما عاليتين كنجمتين جميلتين لا يمكن ان تنالهما الأيادي وتسلب فرحتكما منكما ، كل الأماسي وبعد ان تغيب الشمس ويخلو السطح من أفراد العائلة الكبيرة ،وانتما وحدكما في البقعة الكبيرة الشاسعة ، لا أحد يشارككما اللعب بالطائرات الورقية المتوهجة بالشموع المشتعلة ، لم تخبرا احدا بما تفعلان ، لئلا يتفوه بالعبارات التي تجعلكما تخافان :
    - كيف تضعان الشمعة المشتعلة فوق الطائرة وهي تطير ؟ الا تخشيان ان تتسبب في حدوث الحرائق ؟
    - لا توجد حرائق ..
    - كيف تعرفان ؟ الشمعة المشتعلة ان وقعت على الخشب او الورق قد تحدث حريقا ، ماذا يمكن ان تفعلا حينئذ ؟
    - لن ندعها تقع ..
    - وكيف يمكن لكما ان تمنعاها من السقوط ؟ الا تفكران ؟ يجب ان نفكر بعاقبة الأشياء والا نرتكب العمل السيء الذي يأتي بالأخطار الى الناس .
    يمضي الناصحون الى حال سبيلهم وانتما لا تتركان لعبتكما المفضلة في جعل الطيارة الورقية تصبح نجمة في السماء وفوق سطحها شمعة مشتعلة ، يسألك احد الناصحين :
    - اين كنت ؟
    - في السطح .
    - ماذا كنت تفعلين ؟
    - اجعل طائرتي الورقية تطير ..
    - هل وضعت على سطحها شمعة مشتعلة ؟
    - لا ، لم أفعل ، نفذتُ نصيحتكم ولم أشعل شمعة لأضعها فوق سطح طائرتي.
    - حسنا فعلت . انت نبيهة تسمعين النصيحة وتستفيدين منها ، وعمك هل استفاد من النصيحة أيضا ؟
    - نعم نفذ كل نصائحكم.
    - جميل جدا ، الانسان العاقل يستفيد من نصائح الكبار المجربين..
    تذهبين الى السطح وتجعلين طائرتك نجمة محلقة في السماء ،تلمع ككل الأنجم الجميلة التي يحلو لك في الليالي المقمرة ان تقومي بمعرفة أعدادها ، يصل العدد الى مائة ويغلبك النعاس ، ثم تحاولين ان تتغلبي على رغبتك بالنوم ، وتحاولين ان تعرفي عدد النجوم اللامعة في السماء ، تجمعين نجمات كل مجموعة ، ثم تكتشفين ان عددا من النجوم فاتك ان تجمعيها ، تبدئين بالجمع ، وتصلين الى العدد مائة ويغلبك النعاس ، تعلمت اليوم العدد مائة ويسرك ان تتمرني على ما تعلمت لئلا تنسين ما علمك الكبار والمعلمون
    احسنتِ صنع الطيارات الورقية المربعة والمستطيلة ، كما تعلمتِ صنع الفرّارات من الورق الملون ، تمسكينها بيدك وتركضين ، والفرارة تدور وتدور ، لم تعجبك هذه اللعبة كثيرا ، تفضلين عليها صنع الطيارات الورقية من الورق الأسمر فهي صديقتك التي تطيعك ، اين ما توجهينها تلبي طلبك بسرور ، فهي مخلوقة تحبك وانت تبادلينها الحب والمودة.
    يزور عمك بعض أصدقائه وتبقين انت وحدك في السطح تطيرين طائرتك الورقية الى اعالي السماء ،تراقبين علوها وهي لا تستطيع ان تبتعد عنك او ان يسرقها احدهم منك ، فانت تربطينها على غصن شجرة او جذعها ، وهي لعبة جميلة تجدين في نفسك الميل اليها كل مغرب، وتستمر لعبتك حتى أواخر المساء ، حيث يناديك أهلك :
    -بسمة ، ألم تشبعي من اللعب ؟
    - لم أشبعْ ، كيف يشبع المرء من شيء يحبه ؟
    - يكفي لعبا هذا المساء ،وتعالي ..
    - الى أين أتي ؟
    - الى العشاء ..
    تنزلين الدرج وتذهبين لتناول لقيمات مما وضعوه على المائدة :
    - كلي يا ابنتي!
    - شبعت !
    - لم تتناولي شيئا ، هل تحبين هذا النوع من الطعام ؟
    - نعم أحبه !
    - ان كنتِ لا تحبينه ، سوف أجلبُ لك طعاما آخر..
    - غدا هاتِ لي.





    - مصاحبة العوام
    كيف يمكن ان تجيبي ، فلم تعتادي مناقشة الأمور ، او استكناه ما غمض منها ، وما كان ذهنك الصغير قادرا على إيجاد التحليل المناسب للكثير من الحوادث.
    يطلبون منك ان تأتيهم ببعض الأشياء الموجودة في غرفة الأم الكبيرة ، التي غُرست طاعتها في نفوس الصغيرات أمثالك ، وان لمسة عناد واحدة قد تودي بصاحبتها الى ملاقاة العقاب القاسي ـ الذي لا تجد بقربه ادنى لحظات الرأفة والمحبة..
    تذهبين الى الغرفة الموصدة بوجهك باستمرار ، تتساءلين بصمت عما يمكن ان يوجد بداخلها ، وقد اعتدت ان تكون غرفة والديك مفتوحة أمامك ، تصنعين بها ما تحبين ، تلعبين ، وتأخذين ما يحلو لك ، وتزاولين ما تودين من أمور ، تذهبين الى الغرفة المغلقة بحماس ، تجدين هناك كيسا صغيرا مملوءا بحب الرقي النيئ ، تحبين الاحتفاظ به ، لأنك تحبين هذا النوع من المكسرات ، تأخذين الحبة وتنزعين عنها القشور ، وتضعينها في مكان آخر ، ثم تأخذين حبة أخرى وتقشرينها ، (14)

    تعودين مستبشرة الى منزلك ، لقد رأيت صديقاتك هذا اليوم ، وتمتعت بصحبتهن ، رغم انك لا تحسنين الكلام كما تفعل اكثر البنات في مثل سنك الصغير ، وجهك تعلوه الحمرة ، شعور بالخجل يرافقك باستمرار ، يزول منك بعض الأحيان..
    تسألك السيدة الكبيرة :
    - هل تمتعت هذا اليوم ؟
    - نعم يا عمتي.
    ما كان لك ان تخرجي ، بنات العوائل الكبيرة ، لا يمكن لهن تتجمعُ لديك كومة من اللب المنزوع القشر ، تحاولين ان تلتهمي هذه الوجبة اللذيذة التي أتتك تسعى دون بذل الجهد ، تسمعين صرخة:
    - انتظري ، بسمة : من أين جئت بهذا الحب ؟
    يعييك الجواب هل تذكرين الحقيقة ؟ تصمتين، تخشين من شدة العقاب ، كيف تسول لك نفسك ان تأخذي شيئا ليس لك ، وكيف يمكن ان تمدي يدك لتسلبي ملك الآخرين ، وقد علموك جيدا ان السرقة حرام وان الاعتداء على أموال الناس جريمة كبرى يعاقب عليها الأقربون والأهل وأفراد العائلة ..
    السيدة التي زرت غرفتها ، وأخذت منها شيئا ليس من حقك ان تأخذيه تتمتع باحترام الجميع هنا ، وتقديرهم ، فماذا يمكن ان يكون جوابك ، وكيف تبرهنين على سلامة موقفك ، ولماذا سرقتِ ؟ وهل هذه نتيجة التعب والتربية الطويلة ، التي علمك عليها ذووك ، لقد ربوك ، وأحسنوا تأديبك ، ان السرقة حرام ، يعاقب عليها الله اشد العقاب ، في الآخرة ، ويعاقبك عليها أهلك في الحياة الدنيا ، سوف يلقنونك درسا قاسيا في وجوب المحافظة على الأخلاق واحترام الملكية الخاصة ، وعدم التعدي على ما بيد الآخرين ، وخاصة ان كان الآخر سيدة عظيمة القدر ، يحترمها كل أفراد المنزل ، ويمحضونها محبتهم الصافية ، واحترامهم الكبير.
    وانت تفكرين في عواقب فعلتك الشنيعة تسمعين الكلمات الشديدة
    - انت سارقة اذن ، حرام بك التعب المبذول من أجلك ، والجد المتواصل في سبيل إطعامك ، والقلوب والعيون التي سهرت الليالي الطوال لتنشئك ، وتعتني بك ، وتعلمك أصول التربية ، ومبادئ الأخلاق القويمة.
    تمكثين نهبا لأفكار شتى تسيطر عليك ، وتسلب منك دفء اليقين ، وجمال الاطمئنان ، تُرى ماذا تفعلين ان أخبرت تلك السيدة ذويك انك سارقة لعينة ، قد سطوت على ما ليس لك ، وأخذته دون علم ، ومع سبق الإصرار والترصد ، هؤلاء الذين يحبونك ، وتجدين منهم العطف العظيم ، والرأفة الكبيرة ، ماذا يكون موقفهم منك ؟ ان علموا انك لصة كبيرة ، وان جهودهم في تهذيبك ، ذهبت أدراج الرياح، وانك نبتة غير صالحة ، لم تأتِ بثمرتها الصالحة رغم العناية الكبيرة ، التي بذلت من اجلها ، ماذا سيكون جوابك ؟ وكيف يمكن ان تعللي لهم انك لست بأهل للثقة ، فقد خنت الأمانة في أول فرصة ، ودنت نفسُك على ما ليس لك فيه أي حق ، يا خسارة التعب فيك ، ويا لعبث الجهد الذي بذلوه في أرض غير صالحة ، فأنبت مخلوقة طالحة هي أنت .
    تجرك السيدة الكبيرة من يدك الصغيرة ، تمضي بك الى المخلوق الاثير لديك:
    - ابنتك هذه سارقة!
    - .............
    - سرقت ما ليس لها من غرفة الأم الكبيرة.
    - صحيح ؟ لا أظن هذا .. ماذا سرقت ؟
    - كيس حب للرقي من غرفة الأم الكبيرة ؟
    - وهل تعتبرين هذا سرقة ؟
    - وماذا تسميها أنت ؟ يجب ان تُعاقب على فعلتها ، والا كررتْ السرقات .








    (15)

    فاجأني الوضع الذي وجدت نفسي فيه ، ابنتي العزيزة متهمة بالسرقة ، ماذا يمكن ان افعل في مثل هذه الحوادث ؟ التي أجد نفسي محشورا فيها ، من أين سرقت ؟ وماذا سرقت ؟ ولماذا تقوم بالسرقة ؟ وما هي دوافعها ؟ كل هذه الأسئلة خطرت في بالي ، حين جُلبت ابنتي بتلك الفظاظة ، متهمين اياها بفعل شنيع ربما لم تعرف خطورته ، نعم ربيتها على الأمانة ، واحترام الآخرين ، وعدم التعدي على أملاكهم الخاصة ، لكن السيدة الكبيرة لم تذكر لي صراحة ماذا سرقت بسمة ؟ هل تمت السرقة في المنزل الكبير ؟ ام في منزل آخر ، وهي عادة لا تذهب الى خارج منزلنا الكبير ، لابد ان السرقة حدثت فيه ، فماذا سرقت ؟ وممن ؟ ولماذا ؟ تصرخ السيدة الكبيرة:
    - إنها ابنتك ، يجب ان تعاقبها ، وتعلمها السلوك القويم ، من الآن ، لأنك لو تركتها وسامحتها ، لنشأت سارقة كبيرة ، وخطيرة
    - ماذا سرقت يا ابنتي ؟
    - لم أسرقْ!
    - انها كاذبة ، عاقبْها الآن ، قبل ان تستفحل دوافعها ، ويصبح من العسير علاجها ، الشدة في هذه المواضع مفيدة..
    لم أعرف كيف أكون حازما في مثل هذه الأمور ، هل أحدّث السيدة ان ابنتي لم تقصد سوءا ، ام أعاقب ابنتي ؟ ام اعلمها ضرورة احترام ما يملكه الآخرون؟
    أجد نفسي أقول للسيدة الكبيرة
    - انها ابنتي وانا مسؤول عنها
    - حسن ، سأذهبُ انا.
    - اسمعيني جيدا ابنتي ، السرقة صفة مذمومة جدا ، يجب ان نبتعد عنها ، لأنها تورث فقدان الثقة بمن يمد يديه لسلب ما بيد الآخر ، دون علمه ودرايته ، والضعيف الجبان فقط من يلجا الى السرقات ، اما القوي الشجاع فلا تمتد يديه الى ما بحوزة غيره ، ان كنت تحتاجين شيئا ، اخبريني وانا أوفره لك ، أنت عزيزة علي ، وسوف اعمل جهدي كي ألبي ما تحبين ، فهل أخذت شيئا ليس لك ؟
    - لا أعلم عم تتحدث السيدة الكبيرة ؟
    - لابد انها وجدت عندك شيئا.. ليس لك.
    لم أرض عن نفسي ، وانا أنجرفُ هكذا خلف ارادة السيدة الكبيرة ، التي لا أعرف عن دوافعها شيئا ، ولماذا لا تحب ابنتي ، اعرف ان ابنتي تتميز بالجرأة ، وانها تقول ما تشعر به صراحة نحو الاشخاص ، وكنت أشعر بالفخر من هذه الصفة ، لكن ان تكون موجهة ضد أفراد عائلتي ، ان تتسبب في خصومة بعض الناس الذين أحبهم كثيرا ، فهذا مما لا أسامح به ابنتي ولا نفسي ، لقد نشأت على احترام الجميع ، وابنتي سوف تكبر ، وتجد ان تصرفاتي معها كانت منطقية ، فتحترمني أكثر وتفهم دوافعي.
    لقد حدثوني انها لا تعرف بعد كيف تعامل الناس ، وانها تسبب بالبراءة التي اتصفت بها نظرا لصغر سنها ،بعض سوء الفهم .
    جاءتني امها مرة وقالت
    - ذهبنا الى الدعوة التي وجهها الجيران لنا ، واصطحبنا معنا بسمة ، وحين وضع العشاء أمامنا ، كان بيضا مسلوقا وخبزا قالت:
    - وأين العشاء؟
    - أردت ان أسكتها ، أشرت لها ان تصمت ، لكنها واصلت السؤال ، مما أثار ضحك الجميع.
    اعرف انها صغيرة ، وتأتي ببعض التصرفات التي لا تفكر بنتائجها من التي يمكن ان تؤدي اليها ، ولكن الواجب يحتم علي ان أحسن توجيهها ، فنحن نعيش مع الناس ، وعلينا ان نفكر بالكلام كي لانجرح السامعين.


    (16)
    تأتي آلامُ المخاض الى أمك ، فتسارعين الى الذهاب مع أبيك لجلب من سوف تساعدها في الولادة ، تسألين أباك :
    - هل تفضلُ الولد ام البنت ؟
    - كلاهما عزيزان ، أحبُ الاثنين ، ولا فرقَ بينهم ، كلاهما يبددُ الأحزان ويقفُ مع الوالدين مخففا عنهما متاعب الحياة ، الدنيا تزهو بالصغار وتتقدمُ بما يبذله الناسُ من أجل زرع الورود ، ليتمتع الطيبون بعبيرها...
    تحاولين الركض خائفة من كلب يحاول اللحاق بك:
    - لا تركضي يا ابنتي ، لئلا يلحق بك الكلب ، يظن انك خائفة منه ، سيري كما انت بلا سرعة ومري بالقرب من الحيوان ، انه يخشى الانسان وليس العكس..
    تسيران بهدوء ، وكلما اردت الاسراع نبهك ابوك الى ضرورة الهدوء ، هدوؤه يتسرب اليك كما المياه الباردة تطفئ ظمأ العطاشى المتعبين .
    تصلان الى بيت القابلة التي ستساعد والدتك في الاتيان لك باخ او اخت جديدين ، قال لك أبوك مرة :
    - حين يكثر اولادنا ويكبرون ، أبني لهم بيوتا جميلة ذات حدائق غناء ، الكل يجتمعون معا لتناول الطعام والاحتفال بالمناسبات العديدة ، أولادي وبناتي كالنجوم الزاهية المتلألئة التي تجعل الحياة فاتنة الجمال ، كل واحد منهم يتعلم كما شاء له العلم ولا يتوقف ، فالعلم نور لا يتوقف عند حد معين .
    الكلب مرة اخرى ، يدور حولك محاولا ان تلتفتي اليه :
    - لا تخافي ، هو من يجب ان يخاف ، الانسان اعظم المخلوقات وأكثرها نبلا وأشدها جمالا.
    تصلان المنزل وانت فرحة ، فقد خرجت من المنزل ولو لفترة قصيرة ، تقول القابلة :
    - هاتوا لي ماء ساخنا..
    زوجة جدك لأمك تسارع الى جلب الماء الذي سبق لها وان سخنته
    تسمعين صراخَ طفل ، ترحبُ الحياةُ بقدومه ، فاتحةٌ له ذراعيها الحانيتين ، تقول القابلة :
    - انه ولدٌ جميل يشبه امه.
    - كل من يأتي به الله جميل ، نعم الله جليلة وكثيرة.
    - هل ستقيم احتفالا بقدوم أخي الجديد كما تفعل عادة حين تلد أمي البنات ؟
    - نعم سنقيم الاحتفال ، الأولاد والبنات أعزاء يجعلون الدنيا زاخرة بالمسرات ، وانا احبهم جميعا ، سنرى اخاك الآن وننظر هل يشبهك قليلا ؟
    تدخلان على أمك ، تجدانها مسرورة بما منحها اللهُ ، تنظرين الى أخيك النائم في مهده الجديد ، تحاولين ان تهزيه ، فتسمعين تحذيرا :
    - ليس الآن . اتركيه نائما ، من الغد تلاعبينه وتحملينه بيديك ،وتساعدين أمك في تربيته وتدليله ورعايته
    تنتظرين الغد بلهفة وشوق ، لتجعلي المولود الجديد يصحبك.
    يسارع ابوك الى الحلويات التي اشتراها من قبل ويوزعها على افرد الأسرة جميعا ، ويعطي القابلة الحصة الأكبر مع مبلغ من المال :
    - هذه هديتُك ، وشكرا لك على البشرى التي حملتها لنا..

    (17)
    أرسلك أهلك الى السوق لابتياع بعض الأشياء ، فأنت ما زلت صغيرة ، ولا ضير ان تذهبي الى السوق الصغيرة الموجودة في المدينة الصغيرة ذات البساتين الجميلة ، أعطوك ربع دينار وأوصوك ان تشتري به بعض الخضر من السوق ، انت تحبين الذهاب الى الأماكن المتعددة والتي تجدين الفتيات الكبيرات محرومات منها ، لأنهن محجبات يضعن البوشية على وجوههن لمنع الرجال من التطلع الى الجمال الساحر الذي منحهن الله اياه ، فالكبار بالسن من اهلك يقولون انه كلما كانت النساء جالسات في المنزل ولا يخرجن منه الا مرتين في العمر ، الأولى حين يذهبن الى منزل الزوج ، والثانية حين يقبض على أرواحهن عزرائيل ، كان ذلك افضل لهن وللعائلة ، منعا للمشاكل ان تأتي الى المنزل الذي كان سعيدا .
    - لماذا لا تخرجين معي ياعمتي ؟
    - كنت أخرج كثيرا حين كنت بمثل عمرك ، وكانوا يرسلونني لشراء ما يريدون من حاجات ، وحين كبرت انت وأصبحت قادرة على تلبية طلباتهم ، صرت انا كبيرة ولا يصح ان اذهب الى السوق .
    - وحين اكبر ؟
    - سوف يمنعونك من الذهاب الى السوق وحتى الخروج من المنزل ، فان خروج الفتيات يعتبر من الأمور المعيبة للعائلة الكريمة
    - والنساء الكبيرات ؟
    - لا تخرج المرأة من المنزل الا مرتين بالعمر ، هل تعلمين بذلك ؟
    - نعم أعلم ، ولكني وجدت النساء في النجف يخرجن الى السوق ؟ لماذا يكون خروجهن هنا حراما وخروجهن في النجف الكبيرة حلالا ؟
    - لأن النجف مدينة كبيرة وليس خروج النساء عيبا فيها ، اما هنا فيعتبر خروج المرأة من المنزل عيبا كبيرا ، ينظر اليه الناس باستهجان .
    جرجت من المنزل وانت فرحة بقدرتك على الخروج تمسكين الربع دينار بقوة كي لا يسقط منك ، رأيت اناسا متجمهرين حول جمل كبير .ركب أحدُ الرجال الجملَ والناسُ يصفقون ،مجموعة من
    من الأطفال بعمرك ينظرون الى الجمل بأعجاب ، تحرّك الجملُ نحوك ، صرخت طفلة :
    - احذري يا بسمة لئلا يسحقك الجمل !
    تبتعدين الى الخلف بعدة خطوات ، تنسين نفسك وأنت واقفة مع الواقفين ،يراقبون حركات الجمل مع الراكب عليه ، تنتبهين الى تأخرك في العودة ، تخشين من المساءلة ، وان تسارعَ عمتُك الى الاستفسار كما تفعل دائما :
    - اينَ كنت طوال هذه الساعة ؟
    تهرعين الى السوق لشراء ما طلبوه منك ، تكتشفين انّ الربع دينار ليس معك ، تُرى ماذا ستقولين لهم ؟ أبوكِ لا يعاقبك ، ولكن عماتك سوف يجعلنه يغضبُ عليك وأنت لا تحبين أن تفقدي حبّ أبيك ، ترى كيف تنقذين نفسك من غضب ابيك ؟
    - اين الحاجات التي طلبناها منك ؟
    - لم اشترها!
    - لماذا ؟
    - لأنني وجدتُ فقيرا يطلبُ المعونة من الناس ، فأعطيته الربع دينار
    - وهل تعطينه الربع كلّه ؟ انه كثيٌر جدا ..
    يسارعُ أبوك الى الوقوف بجانبك كما يفعل دائما :
    - لابأس ابنتي ، مساعدة الفقراء عمل حميد دائما...
    تتعلمين منذ تلك اللحظة ان تحبي القيام بأعمال الاحسان كي تثيري الاعجاب بما تفعلين ، وتلقي كلمات الاستحسان التي كنتِ تحرصين على سماعها وخاصة من الأشخاص الذين تحبينهم كثيرا وتجدين انّهم يمنحونك المزيد من الحب ، وتتعلمين كيف تقومين بالأعمال التي يحبذها الآخرون وليس تلك التي تفضلينها أنت ، حتى فقدت القدرة على معرفة ما تحبين .




    (18)
    الحرارة شديدة الحضور ، قاسية الهجوم ، وقد أرسلوك لابتياع بعض لوازم المنزل ، تمرّين على البائع ،و الحاجاتُ التي عليك شراؤها مسجلة في رأسك ، قالوا انك قوية الذاكرة سريعة الحفظ ، ما ان يكلفوك بشيء لتحضريه اليهم حتى تنفذي طلباتهم وأنت مسرورة جدا ، انهيت السابعة من العمر وانت ترتدين العباءة ، وطلبوا منك ان تضعي البوشية على وجهك ، فلبيت اقتراحهم بكل سرور ، تصلين المنزل متعبة ، تستقبلك عمتك :
    - لماذا وجهُك أحمر ؟
    - لا أدري .
    - لقد وضعت مساحيق التجميل على وجهك ، وعدت الى المنزل .. حين خرجت قبل ساعة لم تكوني بهذا الاحمرار ، أين ذهبت ؟ ومن وضع لك احمر الخدود ؟
    - لم أذهبْ الى أي مكان ولم يضع لي أحدٌ شيئا على خدي!
    - أنت تكذبين ، ألم أقل لك انّ الكذب حرام ، وان وضع المساحيق يعتبُر من الأمور التي تخدعُ الناس ، وعليك اجتناب كل ما يجعلك تظهرين بغير حقيقتك .
    - لا أعرفُ عن أي امر تتحدثين !
    - سوف أريك عن أي شيء أتحدث !
    تأتي عمتك بمنديل أبيض اللون ، تمسحُ وجهك ، وتدعكه بقوة مما يثير لك الألم ، وترى المنديل ، ثم تعاود الدعك وتقول :
    - عجيب أين ذهبت حمرة الخدود التي استخدمتها في طلاء وجهك ؟
    تقول امك :
    - بسمة لا تكذبُ ، وهي لاتضُع شيئا على وجهها ، ولا تعرف هذه الأشياء ، أنا لا أستعملها ، من أين تحصل عليها ابنتي ؟
    - انكم بتدليلها سوف تفسدونها ، لو كانت بريئة لدافعت عن نفسها ، لماذا تظل صامتة ؟
    - لأنك سوف تشكين أمرها لأبيها حين يعود .
    - وهل أبوها يسمع كلامي ؟ انّه يجعلها المفضلة دائما ..
    - بسمة لا تفعلُ ما يسيءُ الى أحد . لماذا تتهمينها كل مرة بما لم تقم به ؟
    - لأنّ الحكمة تقول احذرْ من الساكت ، هدوؤها لا يعجبني
    - طبيعتها هادئة جدا ، وأنت تريدين ان تغيري هذه الطبيعة ؟
    - لا أدري ، الا تضعين أنتِ احمر الخدود حين تكونين مع أخي ؟
    - لا أضعُ شيئا ، أخوك لا يحبُ أصباغ الخدود او الشفاه .
    - وتقولون ان ابنتكم مريضة ولا تميل الى انواع كثيرة من الطعام ، كيف يمكنُ ان تكون خدودُها بهذا اللون الوردي وهي شبه صائمة كما تدعون ؟
    - لماذا لا تحبين ابنة أخيك ؟
    - على العكس ، احبها كثيرا ، وأدربها منذ اللحظة كي تكون زوجة صالحة لولدي حين تكبر .
    - ما زالتْ صغيرة ، فلا تفكري بهذا الأمر!
    - بسمة عزيزة علي كثيرا ، لكني أريدها ألا تتذمُر او تشكو من شيء في المستقبل ، أمس أعجبتني حين كانتْ تلعبُ مع عمها ، سكب الماء الساخن عليها ولم تبكي او يعلو صراخُها كباقي الصغيرات سوف تكون ابنة لي ، فلم أرزقْ بالبنات .
    - ما زالت صغيرة الآن..
    - التعلمُ في الصغر كالنقش على الحجر ، سوف أقيمُ غدا حفلة لصديقاتي الموظفات وسوف ارسل بسمة لدعوتهن الى منزلي .

    (19)
    قال أبوك :
    - وقفت مع الواقفين نطالب بانتخابات نزيهة ، فانبرى المسؤول :
    - ارجع الى بيتك .
    - لن ارجع ..انا مع الشعب ،اطالب بحقوق الناس.
    - هؤلاء الغوغاء لا يفهمون
    - انهم شعبنا وعلينا ان نقف مناضلين من اجل مصالحهم.
    تنهمر الهراوات على الرؤوس الحاسرة ، وتتفرق الجماهير . ويعود أبوك الى المنزل ، يجمع أوراقه ويمزق بعضها ويحرق الممزق ، ويخبئ الأوراق المتبقية في صفيحة من المعدن ، ويقلع عددا من الطابوق تحت سريرك ويضع الصفيحة ويبني الطابوق عليها
    - لماذا تخبئ هذه الأوراق ابي؟
    - لئلا يراها المسؤولون فيضعوننا في السجن.
    - ما بها هذه الأوراق ؟
    - حث الناس على النضال من اجل سعادتهم، ونصرة الفقراء وجعلهم يتمتعون بالثروات الكثيرة التي يملكها العراق ، وطننا غني وشعبنا فقير ، سوف تكبرين يا ابنتي وتكونين مع الجماهير المعدمة ، ضد من يسرق اموالها ..
    لا تفهمين معاني ما يقول ابوك ، وتتشوقين الى اليوم الذي تعرفين به معاني ما تسمعينه ، تسمعين طرقات عالية على الباب :
    - على السيد ان يخرج الينا لنتحدث اليه قليلا.
    - لقد خرج قبل قليل.
    - هل عندكم ضيوف ؟
    تسكتين ، ماذا يمكن ان تقولي ، تخافين ان تذكري الحقيقة لئلا يحاسبون أباك ، ففي الغرفة قرب باب المنزل ثلاثة رجال يختبئون ، وفي الزقاق قرب باب منزلكم يجلس رجل كسيح ، طالما احسن اليه ابوك :
    - انه معافى يصطنع المرض وعدم القدرة على السير من اجل ان يتنصت على الناس وينقل أخبارهم..
    - لماذا يجعل نفسه كسيحا ؟
    - كي يظل قريبا من منزلنا ، و يعرف من يزورنا ، وينقل اخبارنا الى اولياء نعمته ..
    - لكنك تحسن اليه يا ابي ؟ لماذا لا يكون معك جيدا كما تكون انت ؟
    - الناس يختلفون يا ابنتي ، بعضهم طيب والبعض الآخر خبيث ، منهم الذكي ومنهم الغبي ، الشجاع موجود كذلك الجبان
    يواصل أبوك حديثه :
    - نسيتُ ان اخبرك ان هناك ضيوفا عند عمتك ، هل تحبين الذهاب اليها في المنزل الكبير ؟
    - نعم يا أبي ، أودُّ الذهاب..
    تذهبين الى هناك ، تتجاهلك عمتك ، ترحب بالضيفات اللاتي قمت انت بدعوتهن بناء على طلبها ، لكنها تتجاهل وجودك ! وكأنك لم تكوني هناك ! تتساءلين ماذا حدث ؟ ولماذا تعاملك هذه المعاملة القاسية وانت لم تعصي لها امرا ؟ لماذا سارعت بالقدوم ولم توجه اليك دعوة ؟كلهن كبيرات ، لماذا تحشرين نفسك بينهن ، لتظلي صامتة تسمعين الى ما يقلنه وكأنه جواهر! كنت حريصة على السكوت ، واي كلمة منك قد تفسر بغير صالحك !.


    (20)
    وقف في نهاية الزقاق يريد ضربك ، امسك العصا بقوة ، وأخذ يضربك على اجزاء جسمك الصغير :
    - ملعون انت سبعين لعنة ، لماذا تضربني ؟
    - سوف اواصل ضربك ان شتمتني
    - لماذا تضربني ؟
    - لأني أحب ضربك أيتها الملعونة .
    تحاولين ان تبادليه الضرب بكفك الصغيرة ، يمسك يديك بإحدى يديه القويتين ، وينهال عليك بالضرب باليد الأخرى..
    - انت ملعون ، ماذا فعلتُ لك لتضربني بهذا اللؤم ؟
    - سوف أواصل صربك ان تهجمت علي !
    - كف عن ايذائي
    - لن أكف حتى تمسكي لسانك
    الضرب المبرح يتوالى عليك بقوة ، وانت تشتمين ، ولسانك يأبى ان يتوقف ..
    - اسكتي يا أم لسان طويل .
    توجهين له ضربة ، فينهال عليك بضرب موجع وشديد ، تسكتين :
    - لا تخبري أباك بالأمر والا أوجعتك ضربا ، هل تخبرينه ؟
    - كلا ، ولكن كف عني
    يتركك ، فتحاولين الركض بقوة :
    - انت حقير وكلب ، سأخبر أبي ليؤدبك!
    يتبعك ، ويتمكن من الامساك بك ، و يذيقك امر الضرب وأقساه ، وانت مربوطة اليدين ، لا تستطيعين ان تردي عليه ، تسكتين مرغمة ، فيتركك ، تبتعدين عنه وتركضين محاولة ان تدخلي المنزل الذي يحميك من شراسته :
    -_ انت حقير !
    يلحق بك وقبل ان يتمكن من ايذائك يفتح باب المنزل فتتمكنين من الدخول وتغلقين الباب وراءك
    تقول لك عمتك :
    - كنت أراقبك من بعيد ، كيف تضربين من هو أكبر منك ؟
    - هو من بدأ بضربي !
    - وكيف تردين عليه ؟ يجب ان تصمتي ، وهو يتركك .
    - وهل اسكت عنه وهو يواصل الضرب لي ؟ لم أسيء اليه
    - حتى لو ! كان يجب ان تسكتي ، البنات لا يضربن الأولاد ، سوف يقولون انك قليلة الأدب!
    - من هم الذين يقولون ؟
    - الناس
    - أي ناس ؟ وهل يسكتون هم ان تعرضوا الى الضرب بدون ذنب؟
    - أرأيت ؟ انك كثيرة الكلام ، كلنا ضربنا حين كنا صغيرات السن، لماذا انت تحتجين ؟ هل انت أحسن من الجميع ؟ اسكتي وسوف لن يضربك احد!
    - سوف أخبر ابي انك ايضا تريدينني ان اتحمل الضرب !
    - اخبريه ، وسوف لن يحبك احد ، الناس لا يحبون من يجادلهم ، سوف تكونين وحيدة منبوذة من الجميع ، هل تحبين ان تعيشي وحيدة ؟
    يحزنك كلامها ، كيف يخبرك ابوك انك يجب الا تكوني ضعيفة وان تدافعي عن نفسك دون الاساءة الى أحد وهو قد بدأ بضربك دون ان تفعلي له شيئا يضره ؟ وكيف تسيئين له وانت أصغر منه بكثير وأقل قوة ؟
    حين يحضر ابوك لا احد يجرؤ على الاعتداء عليك، فهل تخبرينه ؟ وأنت لا تحبين ان تنقلي الكلام او الفعل المسيء
    كل شيء هنا يثير حيرتك ؟ كيف يمكن ان تتصرفي ؟ ولماذا تحاولين ارضاءهم جميعا ؟ أليس هذا فوق طاقتك ؟






















    (21)

    كانت الحاضرات كثيرات ، وهن يستمعن الى قراءة القران الكريم ، وتلاوته ، المعلمة تصغي بانتباه ، وتصحح الغلطات القليلة التي تقع فيها المتعلمات ، وانت قمت بواجبك خير قيام ، قرأت الآيات الكريمة ، التي طلبت منك المعلمة ان تقرئيها ، ووقعت ببعض الأغلاط وصححت لك ، وطلبت منك ان تعيدي لفظ الكلمات بالطريقة التي لقنتك بها ، ونجحت في اعادة ما امرتك بإعادته ، لكنك تلاحظين ان المعلمة ليست كالعهد بها كل يوم ، مر عليك اكثر من عام وانت تأتين كل صباح الى هنا ، تستمعين الى قراءة آيات من القران ، والى طريقة في التلاوة ، وانت سعيدة في ان تكسبي معلومات جديدة ، تعلمك اياها المعلمة التي اختارها لك ذووك رغبة منهم في تعليمك العلوم النافعة التي يحرص الابوان على تعليمها لأبنائهم..
    في هذا اليوم تجدين فتورا في المعاملة ، وبرودا في الكلام ، كيف يمكن ان تعرفي السبب وراء هذا الانقلاب في المعاملة ، وكيف اصبحت المعلمة على النقيض في التصرف ، بين عشية وضحاها ، من استطاع ان يؤلبها ضدك في هذه الفترة ، ؟ امك لا تفعل شيئا يمكن ان يؤلب أحدا ضدك ِ،فهي تظل في المنزل طوال النهار تقوم بما يتطلب ذلك البقاء من مهام طويلة وشاقة ، فمن استطاع ان يغير معاملة معلمتك لك وكانت قبل اليوم تستقبلك بابتسام وتخاطبك بمودة ، وتودعك بكلمات دافئة تدل على المحبة واللطف..
    تصرخ احدى زميلاتك في الكتّاب :
    - أغيثوني، لقد سرقت النقود التي أعطاني اياها أبي.
    تسيطر عليكن المفاجأة ، من يمكن ان تكون السارقة ؟ وكيف استطاعت ان تسرق نقود الزميلة بعد ان وضعتها في جيبها.
    تقول المعلمة
    - لتُفتش اثنتان منكن بسمة بنت التاجر وبسمة بنت اللص الذي أطلق سراحه قبل يومين.
    يصعقك الموقف ، كيف يمكن ان يعتدوا عليك ؟ وان يفتشوك في مثل هذا الموقف ، وكيف يتهمونك مع فتاة اخرى كان ابوها سارقا ، ومن استطاع ان يبدل نظرة المعلمة اليك ، كانت تجدك من البنات الأمينات اللاتي أحسن أهلهن تربيتهن ، فما بالها اليوم؟
    تفتش زميلتك ابنة اللص المشهور ، وتسمعين صوتا:
    - توقفوا عن التفتيش ، وجدت نقودي !
    - كيف وجدتها ؟
    - نسيت انني غيرت مكانها ، والآن تذكرت!
    تلتفت اليك المعلمة قائلة
    - زارتني السيدة الكبيرة هذا اليوم.
    تدركين الآن سبب تغير المعاملة وسبب غلظة المعلمة التي لم تكوني تتوقعينها..
    تعودين الى المنزل الكبير ، مثقلة بالهم ، تملؤك الأحزان وتسيطر عليك الأوجاع ، لماذا يفعلون ذلك بك ؟ و كيف تتصرف السيدة الكبيرة بهذا الكره نحوك ؟ وماذا فعلتِ لها ؟ ، وكيف ذهبت أدراج الرياح كل العناية ، التي بذلها أبوك في تنشئتك ، وأنت لم تضري أحدا ، ومن الصغر وقلة المدارك لا تستوعبين ما يجري لك من امور..
    تعودين الى المنزل ، والحيرة تستبد بك ، من يمكن أن ينقذك من الموقف العسير الذي أوقعوه بك ، وماذا يمكن ان تفعلي لتزول شكوكهم التي غرستها في نفوسهم كلمة واحدة من سيدة عجوز لا تدرك نتائج أفعالها ، ولا تبالي ان أوقعت بالكثير من المحيطين بها من جراء الشكوك الكبيرة ، والتي لا تجد دليلا واحدا كي يثبتها ، وكيف استطاعت المعلمة ان تصدق كلمة اتهام ضدك ؟ وهي تعرفك وتعرف أهلك تمام المعرفة ، من يمكن أن يضع حدا لعذاب نفسك المتزايد ، شعور بالظلم كبير يهيمن على نفسك ويسلبها الاطمئنان المطلوب ، تجدين جميع صديقاتك تحيطهن الرعاية ، ويقويهن الحنان ، وأنت ظمأى في صحراء شاسعة ، لا تجدين أحدا يحنو على طفولتك المحرومة ، وضياعها قبل الأوان ، وقبل ان تري بهجتها وتعيشي جمالها ، تعودين الى المنزل محطمة الفؤاد ، لا تعرفين كيف تستردين حقك المهدور ، كلمة واحدة تعيد الى نفسك البهجة المفقودة.
    بسمة ، هل تحبين ان تستحمي ؟
    كنت على العكس من كل الأطفال ، الذين يخشون من الذهاب الى الحمام ، لانهم يجدون القسوة في فرك الرأس وصب الماء الساخن على الجسم الصغير ، كنت تبتهجين لان احداهن اقترحت عليك ان تساعدك على الاستحمام
    تفرك السيدة الكبيرة جسدك الصغير بالليفة والصابون ، وسرعان ما تنطلق تهمة كبيرة بوجهك ، وأكبر كثيرا من سنوات عمرك القصير
    - ماذا فعلت ؟ ما هذا ؟
    - لا أعرف عمتي ، ماذا تريدين بكلامك ؟
    - من أوجد لك هذه البقع الزرقاء في جسدك ؟
    يعييك الجواب ، كيف يمكن ان تعرفي ماذا تريد هذه المرأة منك ، ومن يمكن ان يكون ذلك المقصود ، وانت تعيشين في قلعة كبيرة ، محرم عليك رؤية الناس الآخرين الا ان كنت رفقة أحد من الكبار القريبين منك ، وأنت في هذه السن ، حرّم عليك اللعب مع الأولاد بحجة انهم حين يكبرون سوف يتذكرون شكلك ، وانه من المناسب ان ترتدي العباءة منذ الآن ، كي تحافظي على نفسك ، والنفس امارة بالسوء كما يقولون ، وانت لا تعرفين المقصود من هذه الجملة ، فانت توافقين بملء ارادتك ان ترتدي العباءة الآن بالرغم من صغر سنك..
    تطلق التهمة العجيبة مرة اخرى:
    من قابلتِ هذا اليوم ؟ هل قال لك احدهم أنك جميلة مثلا ؟
    - لم يقل أحد يا عمتي هذا!
    تدركين خطورة التهمة التي توجه الى براءتك ، تصمتين دون ان تعرفي الجواب دفاعا عن نفسك ضد تهم جاهزة ، تنطلق للفتك بك...

    (22)

    أدركُ أن ابنتي تشعر بالغربة ، في هذا الجو المحافظ جدا ، كنت أسعى الى تجنيبها الشعور بالاضطهاد الذي عشته أنا وما زلت أحيا في جحيمه حنى الآن ، أعرف أن أفراد مجتمعي شكاكون رغم طيبتهم الكبيرة ، وان سهام التهم توجه جزافا الى الأبرياء ، وان ابنتي الجميلة بنظر الاخرين سوف لن تنجو من ظنونهم ـ فكيف يمكنني أن انقذها من براثنهم ، وان أجعلها بمنأى عن اتهاماتهم الكبيرة التي تشعل في النفس نيرانا لا يمكن ان تنطفئ ، لقد عانيتُ في طفولتي وشبابي ، الكثير من هذه الاتهامات الخطيرة ، التي تنطلق كألسنة من الجحيم ، لتحيط بالمساكين الذين يتصرفون على سجيتهم.
    ولأني أعرفُ ان ابنتي مثلي تماما ، تقول أحيانا الكلمة البريئة ، بعد دهور من الصمت الثقيل ، وان كلمتها تلك ، لا تقابل بما تستحقه من فهم ، وانما تكال لها التهم ، وتوجه الشكوك
    جاءتني أختي مسرعة:
    - اسمع أخي ، لأنك عزيز علي ، سوف أخبرك بأمر
    ولآني أعرفُ كيف تفكر أختي تماما ، ابتسمتُ في وجهها :
    - خير ، ان شاء الله.
    - ابنتك !
    - ما بها ؟
    - بقع زرقاء في جسدها.
    - وكم عمر ابنتي ؟ سبع سنوات تتعرض للشكوك ؟
    - انها جميلة وطيبة.
    تصفعُني التهمة الشنيعة التي يريدون منها افتراس طفولة ابنتي ، واغتيال براءتها الواضحة.
    أسارعُ الى الطبيب ، كي يعلمني لماذا توجدُ تلك البقعُ الزرقاءُ في جسدها الصغير ؟ وما الذي ينقصُها من ألوان الطعام ؟ لقد كنت حريصا على اطعام ابنتي بما وجده العلماء من الغذاء الأساسي ، الذي لابدّ ان يتناوله المرءُ ، كي ينشأ انسانا سليما معافى ، ابنتي كانتْ فاقدة الشهية للطعام ،قليلة الاقبال عليه ، ولستُ أعلمُ لماذا ؟ مع انني أراعيها تمامَ الرعاية ، واحرصُ على ابتياع الأطعمة التي أعرفُ ان ابنتي تفضلُها..
    يفحص الطبيبُ ابنتي فحصا كاملا:
    - لماذا تجوّعون ابنتكم ؟
    - كيف يا دكتور؟
    - انها مصابة بنقص التغذية!
    كيف هذا ؟ أتعبُ طولَ النهار وأشقى كي أوفر لابنتي حياة اكثر مسرة من الحياة التي عشتُها ، وغذاء صحيا لذيذا ، ودائما اسمع هذه الشكوى من أمها.
    - بسمة ، لا تحب تناول الطعام.
    أصممُ على اتخاذ خطوة اخرى ، قد تجعلُ ابنتي تقبلُ على تناول الطعام الذي يحرص اهلُها على تقديمه لها ، يواصل الطبيبُ كلامه:
    - هل ابنتك عصبيةٌ سريعةُ الغضب ؟
    - انها لا تغضبُ ، وعلى من يمكنها ان تغضب ؟
    - انها حساسة ، و لا تشكو ، مما يسبب لها متاعب صحية،
    البقعُ الزرقاء دليل الصدمات النفسية ، لماذا تسببون الألم لأبنتكم ؟
    يظن الطبيب انني في واحة خضراء ، وفي جنة مع أسرتي ، ولا يمكن أن يعرف ، أن كثرة المعاناة ، والحرمان من أبسط الأمور ، يجعل المرء عصبيا ، سريع الغضب ، يثور لأتفه الاشياء ، ويقول كلمات عدوانية ، ويوجهها أحيانا لأحب الناس اليه.
    كيف يمكن ان انقذ ابنتي من مرارة الواقع ؟ وأن اجنبها أشواك الشك ، وعلقم التهم الظالمة ؟ كيف أجعلها تتمتع بالطفولة الرائعة ؟ وتستعذب طعم الحياة الاسرية السعيدة؟
    اختي مسكينة ، لم تجد من الحياة الا وجهها المظلم ، وحرمت من كل المتع ، وحين توجهُ الطعنات لمن أحبهم أنا ، فليس عن سوء قصد ، هكذا هي ، تتصرف من وحي تجربتها البائسة في الحياة ، وفقدان ولدها الوحيد في حادث مرور ، كيف يمكن أن أجعلها تحسن معاملة ابنتي ، وهي تظن بمعاملتها القاسية تنقذ ابنتي من مصير مظلم قد يودي بها ، كل أمرئ ينطلق وفق ما مر به من تجارب ، وما وجده في حياته من ومشاكل ومنغصات..

    (23)
    كثيرا ما حاولت أن أربي ابنتي بعيدا عن أجواء الشك التي نشأت بها ، ولكني لم استطع النجاح ، فان اتهامات البعض تلاحقها ، مرة تتهمها شقيقتي بالسرقة وابنتي عنيدة تقوم بعمل الأشياء التي اتهمت بها وهي بريئة ، اكتشفت انها تأخذ بعض النقود من جيبي دون ان أدري ، لم أعرف في البداية انها تحاول أن ترتكب الخطأ الذي اتُهمت به ظلما ، الا بعد ان وجدت عندها بعض الحلويات :
    - من أين جئت بهذه الحلويات ؟
    - من النقود التي معي
    - وممن أتيت بالنقود ؟
    - انها نقودي ..
    - من اعطاك اياها ؟ من يمنحك النقود سواي انا والدك ؟
    - عمي في السوق أعطاني !
    - من هو عمك ؟ لك عم واحد هنا ولا يستطيع أن يعطيك نقودا ، فهو لا يملكها ، والعم الثاني في بغداد
    - أحد الرجال أعطاني.
    أستشيطُ غضبا ، من هو الرجلُ الذي منح ابنتي نقودا ؟ ولماذا يمنحها وانا ابوها ؟ اجلب لها كل ما تطلبه مني ، وما زالت صغيرة على ان نضع في يديها نقودا ، فهي لا تعرف كيف تتصرف بها ، كنت أظن انني أعمل حسنا حين أشتري لها ما تحب من حلويات ، أجلب لها البقلاوة التي أدركُ انها تحبها كثيرا ، وأوقظها من النوم ان كانت نائمة حين أتأخر في العودة الى منزلي ، انتظر حتي تنتهي من تناول قطعة البقلاوة ، واجعلها تنظف أسنانها وأصحبها الى فراشها ، لكني حين وجدت عندها البقلاوة وبعض النقود ، طلبت من عمها ان يصحبها الى السوق ليعرف من اعطاها النقود ؟ وهل طلبت هي منه ؟ ولماذا تطلب من الأغراب؟
    أخبرني عمها انها لم تخبره عمن أعطاها النقود ، ثم أدركت اخيرا انها تأخذ النقود التي تحتاج من جيبي ، دون أن أعلم بالأمر ، وحين علمت بذلك ، بدأت اضع بيدها بعض النقود حين تخرج مع ابنة عمها او مع عمتها ، مع علمي انها لن تعرف كيف تتصرف بالنقود .. فما زالت صغيرة بعد.
    عرفت ان ابنتي تقوم بما تتهم به من اعمال خاطئة ، وحين اتهمتها اختي باستعمال الأصباغ في تلوين الوجه ، عرفت ان ابنتي بريئة وخشيت ان تقوم بارتكاب هذا العمل الشنيع الذي تتهم به، فطلبت من امها ان تتخلص من قلم الروج الذي عندها حفاظا على براءة ابنتي الصغيرة ، ثم عرفت ان ابنتي تطلب من صديقاتها ان يعطينها حمرة الخدود وقلم الكحل ، فبدأت بنصحها ان هذه الأمور سيئة ولا يصح ان تقوم الصغيرات بها ، بل الصواب ان تنتظر حتى تكبر...



    فكرت ان استقل في منزل صغير لسببين ، الأول ان أجنب ابنتي اتهامات تنهمر عليها من بعضهم كالمطر ، والسبب الثاني ان اتمكن من استقبال أصدقائي وكتابة المحاضر بحرية ، لعدم استطاعتي استقبال رفاقي في بيت ابي ، واستطيع ان انقذ ابنتي من التصرفات الخاطئة التي قد تدفع اليها دفعا ، ولأقوم بإشغال بسمة بدعوة الرفيقات اللاتي انا مسؤول عنهن الى المنزل ، وسوف تقوم بسمة بما هو مطلوب منها، استبشرت بذكائها بعد ان مدحها الرفاق :
    - سيكون لابنتك مستقبل باهر في النضال ، كن معها دائما وأغرس في عقلها الأفكار النيرة لتكن متشوقة ان تساهم في انتشال المجتمع مما هو فيه من ظلم وجهل وبؤس يعيشه الفرد العراقي وخاصة المرأة..
    افكرُ كثيرا في منزلي الجديد والذي اتمكن فيه من دعوة الأصدقاء الى الاجتماع ، فنحن الآن نجتمع كل مرة في منزل ، حتى ابنتي سوف تبدو واثقة من نفسها وهي تحيا حرة ، لا أحد يتهمها بما هي لم تفعله ، وسأبدي حنانا كبيرا نحوها وبدلا من ان اجبرها على عمل معين ، اخذت اقنعها بالفكر الجديد الذي اسعدني وأصبحت ادعو معارفي وأصدقائي اليه..


    (24)

    قالت لك زائرتك الصغيرة :
    - هل تراقبين أباك وأمك حين ينامان ؟
    - كيف أراقبهما ؟
    - تنظرين من ثقب المفتاح الى ما يقومان به من أعمال ، انا انظر وهما لا يعرفان بي..
    - ولماذا تنظرين ؟
    - انهما يأتيان بأعمال عديدة يمنعاننا عن القيام بها
    - وماهي هذه الأعمال ؟
    - أنت ليس لديك أصدقاء من الأولاد ؟ هل لك ؟
    - كلا ، صديقاتي كلهن بنات
    - الأصدقاء الذكور اجمل من صداقة البنات
    - ومن اين تأتيني صداقة الأولاد وأنا في منزلي ولا اخرج الا للتسوق او الذهاب لقراءة القرآن؟
    - انظري اذن الى ما يقوم به والداك من أعمال !
    - وماذا رأيت انت ؟
    - لا أستطيع ان أصف لك ، المهم انهما يخلعان ملابسهما ، واحدهما ينظر الى الآخر وهو عار
    - وكيف يتعريان ؟
    - لا أدري كيف ؟ هما يقولان ان التعري حرام .. انهما يتزوجان كي يتعريان امام بعضهما
    - كلهم يفعلون هذا ؟ اظن ان والديّ لا يقومان بهذا !
    - كل الأزواج يقومون بأعمال ينهون أولادهم عنها ، انا سأطلب من صديقي ان يريني كيف يقوم المتزوجان بأعمالهما ، أنت لا تستطيعين ، ليس عندك صديق ولد ، كما ان والديك لا يسمحان لك أن نذهبي الى مكان لا يعرفانه ، ولكن هذه الليلة ابقي يقظة ولا تنامي وسوف تشاهدين ما كنت تجهلينه ..
    تدخل زوجة عمك الى الغرفة التي تتحدثان بها وتقول :
    - ماذا كنتما تتحدثان ؟
    - لا شيء ..
    - سأخبرُ أباك بالأمر، لقد سمعت حديث زائرتك معك . انّ كلامها عيب وحرام..
    - لم افعلْ شيئا خالتي .
    - أنت كاذبة وسوف أخبر أمك أنك تتجسسين عليها !
    - لا يا خالتي ، لا تخبريها !
    تلتفتُ زوجة العم الى صديقتك الزائرة ، وتقول لها :
    - اذهبي ...ولا تعودي الى هذا المنزل مرة أخرى ! والا كسرت لك ساقيك وقطعت لسانك الذي تتقولين به على الأشراف من الناس...
    تخبر زوجةُ عمك عمتك التي كانت تتهمك بكل الأمور السيئة ، تحرمك من الحلويات التي يشتريها أبوك.
    تخبر أباك انك تستمعين لما تقوله الشريرات :
    - عاقبْها لئلا يسوء أدبها !
    - لم تفعلْ ابنتي شيئا لأعاقبها عليه !
    - وهذا التصرف ؟
    - اي تصرف ؟ هل قامت بسمة بما يسيء اليكم ؟
    يلتفت اليك أبوك :
    - لم تفعلي شيئا لأعاقبك من أجله ، وبعد فترة سوف اخبرك بما تريدين من أمور تجهلينها ، انت صغيرة الآن وسوف أعلمك حين تكبرين قليلا، حالما تحسنين القراءة ، سأجلب لك الكتب التي تعلمك كل ما تجهلينه الآن لصغر سنك وقلة ثقافتك ، لن ادع احدا يعطيك معلومات خاطئة ومشوهة ! أسأليني عما لا تعرفينه يا ابنتي . او ارجعي الى أمك لتقوم بمنحك المعلومات التي تتطلعين اليها ، يبدو انني قد كنت طيبا أكثر مما ينبغي وسمحت لكل من يسكن هذا البيت بالتدخل بأموري الشخصية ،وطريقة تربيتي لابنتي ، استقبلي من تريدين من صديقاتك حبيبتي ، ولنرحب بهن خير ترحيب ، فلسنا بخلاء! لقد عرفنا الناس بالكرم وسمو الخلق .
    تصمتُ زوجة العم والعمة وتغادران الغرفة .


    (25)

    تحبين ألعاب الكبار والصغار معا ، تأتي الى منزلك الطفلاتُ الصغيرات ، تلعبين معهن ، كل أنواع اللعب المعروفة ، تتجمعن دائرة وتأخذ احداكن بالركض خلف الجالسات ، تضع خلف احداهن منديلا ، فتسرع الفتاة بالقيام ، وتجري خلف الطفلة التي وضعت المنديل ، فان امسكتها كان لها الفوز الذي يستحق تصفيق الاستحسان ، تجمعن كومة من التراب وتوزع على عدد اللاعبات ، كل وحدة منكن تأخذ كومة ـ تخبئن خاتما في احدى الكومات ، من تجده في كومتها تكون هي الفائزة ، كثيرا ما لجأت الى الغش في هذه اللعبة التي تستهويك ، تخبئين الخاتم في مكان آخر ، وتخلو جميع الكومات منه ، وتفشل اللاعبات في تحقيق الفوز ، وكل مرة تكونين الفائزة ، التي تجد الخاتم في كومتها ، حتى تفطن اليك اللاعبات ويطلبن منك تغيير اللعبة ، وكان للكبار لعب أخرى لا تجدن القيام بها ، تنظرن اليهم بإعجاب وتردد ، فهم لا يدعونكن الى مشاركتهم باللعب الجميل..
    تسهرين الليل مترقبة ، تلك اللعبة التي لا تدركين كيف تجري ، ينتظر الكبار ذهابك تحت سلطان الكرى القوي ، للبدء في القيام بلعبتهم المفضلة
    - بسمة ؟ بسمة ؟
    يأتيك صوت امك هامسا
    - انها في سابع نومة
    ظلام دامس يحيط بك ، تحبين ان تنظري الى خطوات اللعبة الجارية بينهما ، تخشين ان يفطن اليك أحدهما ، فيغضبان منك ، وتكون عاقبة أمرك وخيمة ، كيف يمكن ان تتجسسي على مناظر غير مسموح لك برؤيتها؟
    تظلين على فراشك ، اذانك في انتباه شديد الى كل همسة ، او كلمة تتردد بينهما ، وعيناك مغمضتان ، تخشين ان تأتي باي حركة تدل على استيقاظك ، حوار جميل وكلمات دافئة ، تلتقطها اذناك وانت متشوقة الى سماعها ، بكل ما يحمل قلبك الصغير من شوق وقدرة على الترقب.. لماذا نبهتك صديقتك الزائرة الى امور كنت تجهلينها؟!
    في ساعات النهار التي تمضي بطيئة طويلة ، تشتاقين ان يسرع الليل بالمجيء وأن تداعب أذنيك تلك الكلمات الساحرة ، ماذا يمكن ان يفعلا تلك الليلة ؟ ولماذا يحرصان على ان تكوني غافية ، بعيدة عنهما ؟ وتنطلق تلك الاسئلة مترقبة ، وكم ساهمت في ايقاظك من نوم جميل تداعبك فيها الاحلام ، وتزورك الجنيات الساحرات وهن يعطينك ما تحبين من هدايا ، أي شيء تتمنين ، تسارع الجنية الساحرة الى جلبه لك ، ولكن تلك الليالي المظلمة ، والتي يحرص فيها الاثنان على نومك
    - بسمة ؟
    - بسمة ؟
    تحرصين على عدم السماح لسلطان النوم ان يستأثر بك ، تصممين ان تشهدي اللعبة كلها رغم عدم تمكنك من رؤية خطواتها واضحة أمامك
    أي شيء يجعلك تستيقظين في تلك اللحظات مسرعة ، حريصة على الا يفوتك أحد من المشاهد ، التي كنت تتوقين الى رؤيتها ، ولكن خوفك من اغضابهما يجعلك تتظاهرين بالنوم العميق.
    كيف يتحول الاثنان العزيزان لديك الى مخلوقات رائعة مسكونة بالألق البهي ، في تلك اللحظات التي لاتشبه اية اوقات أخرى ، والتي يقتطعانها من غفوة الزمن ، بحرص شديد ، متناسيين انك على مقربة منهما ، ويمكنك ان تطلعي على كيفية القيام بهذه اللعبة الجميلة ، التي تجدين نفسك عاجزة عن القيام بها ، فانت لا تعرفين احدا ، الا صديقاتك الصغيرات ، وفي مثل سنك ، فاين يمكن ان تجدي لاعبا يشاركك في القيام بمثل هذه اللعبة التي لا تعلمين كنهها ، صديقاتك الصغيرات لم تحدثك احداهن عن خبايا الليل الدامس ، وتلك الظلمة الشديدة التي يحرص الاثنان على ان يضفياها على جو غرفتهما الصغيرة ، والتي وجدت نفسك تشاركينهما فيها ، رغم صغرك ، فما سر تلك اللحظات الغامضة التي تجعل الاثنين معا في أبهى أوقاتهما ؟! فيكادان يطيران فرحا ، وتسمعين اصواتهما تختلف كل الاختلاف عما اعتدت لهما من أصوات ، تستمعين الى تغريدهما الرائع وهمساتهما اللذيذة ، تتمنين ان ترفعي عينيك ، ولكن هيهات ، ليس بمقدورك ان تثيري غضبهما عليك وهما الرحيمان العطوفان ، وقد غمراك بغيثهما المنهمر..
    لا يمكن ان تحدثي احدى صديقاتك الصغيرات ، بتلك الليالي التي تتوقين فيها الى مداعبة السهر ، علك تضفرين بجواب شاف عن أسئلتك الحائرة
    في احدى ساعات النهار قالت لك صديقتك همسا :
    - هل تعرفين ما يجري بين أبويك في الليالي ؟
    - لا يجري شيء.
    تضحك على جهلك الصديقات الصغيرات ، وانت مصرة على عدم الافشاء ، بما ترومين معرفته عن الحقيقة الغائبة والسر المدفون في قلوب الكبار ، وتلك الرغبة الكبيرة في وضعك داخل قلعة عالية الأسوار...

    (26)

    رغم حرصي على عدم اطلاع ابنتي على الحقائق التي أحبُّ تأخير معرفتها بها ، حتى السن المناسبة ، الا انني أحسست انها كانت على علم بما يجري ، وان كان ذلك العلم مبهما ، كنت أخشى أن تعرف الأمور من جهة اخرى ، فتصلها المعرفة مشوهة مبتورة ، لهذا بنيت لها غرفة كبيرة فوق غرفتنا الصغيرة المشتركة ، وضعت سلما خشبيا يفصل بين الغرفتين ، انا أعلم ان بسمة تحب الاستقلال ، وانها ماهرة في اكتشاف الألعاب التي تجد فيها راحة ، ومع عدم تمكني من ابتياع الألعاب المناسبة لعمر ابنتي ، كما يفعل الناس في المدن الكبيرة ، فأنا أحيا في مدينة صغيرة ، لا يحبذ أهلها شراء الألعاب لبناتهم الصغيرات ، وجه لي الكثيرون النقد القاسي ، لأنني اعتني بابنتي اكثر مما ينبغي حسب وجهة نظرهم ، الا ان حالة بسمة من الناحيتين الصحة الجسدية والنفسية كان يشغلني كثيرا ، لعدم رغبتها في تناول الاطعمة التي تهيئها امها ، ولحاجتها الى الرعاية الكبيرة ، التي يتطلبها عمرها الصغير ، وهزال جسمها وضعف بدنها الواضح كثيرا، ممن ينظر اليها مقارنا بين هيئتها الضعيفة المنطوية وهيئة من كان في مثل عمرها من الاولاد او البنات.
    لم افرش غرفتها الصغيرة بالفرش المناسبة ، بل وضعت فيها أبسطة قديمة لم يكن أحد من أهل المنزل راغبين فيها ، ومنحتها الحرية الكافية لإدارة مملكتها الصغيرة بما ترغب فيه ، وجدت لديها حبورا ورغبة كبيرة ان تكون تلك المملكة الصغيرة حافلة بما يسر القلب من متاع قليل ، كانت تواقة الى صنع لعب كثيرة ، تجد موادها الأولية من بقايا ما تتركه عمتها من خياطة الملابس من قطع من القماش ، لا تنفع في شيء ، الا في صنع أثواب ترتديها الدميات الجميلات التي تصنعها ابنتي ، وتجد فيهن صديقات يحسن الاستماع الى ما تجود به قدرتها الكبيرة وخيالها الخصيب من حكايات ، نستمع اليها معجبين بتلك القدرة الطفولية على ابتكار حوادث من الخيال تثير العجب ، صنعت اجسادا مختلفة مما تخلف من القماش بعد خياطة الأثواب ، مخلوقات جميلة تحسن الاصغاء ، وتملك آذانا مرهفة قادرة على الموافقة الدائمة على ما تطرحه المتحدثة من اقتراحات ، كنا في الصباحات الجميلة ، حيث تكون الأسرة مجتمعة بكامل أفرادها وقت تناول طعام الفطور ، يسعد الجميع أن ينظروا الى بسمة ، التي رسمت صور أطفالها الصغار على الجدار ، وراحت تخاطبهم بما يسعد قلب الأم عادة من عذب الحكايات وجميل القصص ، اتابع ابنتي وهي مشغولة في اسعاد بنيها وبناتها المرسومة صورهم على الجدار ، وذلك الغناء الشجي ، الذي تحرص على انشاده لهم حتى يستولي عليهم سلطان الكرى ، وتداعب جفونهم جنيات النوم الضاحكات ، نناديها جميعنا ، ان تسرع لتناول طعام الافطار معنا ، لكن النداء المتكرر ، لا يجد الاهتمام الكافي ، لترك الاولاد والبنات الاعزاء معلقين على الجدار في ذلك الجو المتقلب الذي كنا نعاني منه ، في صباحاتنا المتعددة ، في الصيف اللاهب ، والشتاء الجليد ، اراقب ابنتي مشغولة مع أبنائها الأعزاء ، واكاد أعرف الجواب الشافي لضعفها البين ، والذي كثيرا ما أثار استغراب الأطباء ودهشتهم
    - لماذا لا تطعمون ابنتكم ؟ انها خالية من اللحم ، عظام وجلد
    تقضي الساعات الطوال مع لعبها الكثيرة ، وبناتها كما يحلو للجميع اطلاق ذلك اللقب على المخلوقات الكثيرة التي تصنعها من القماش والعيدان الصغيرة وازرار القمصان ، وترسم لهم بأقلام التلوين شفاها حمراء وعيونا سوداء ، تنظر اليك ، وتطيل النظر ، وانت لا تدري ، كيف استطاعت أن تجيد تلك الصناعة ، وهي تظل شبه محبوسة في هذه القلعة الكبيرة ، التي لا يتمكن احدنا من مغادرتها ، فكيف بطفلة صغيرة ، يريدون منها ان تحسن التصرف ، وان تحافظ على جمال العادات والتقاليد كما تفعل النساء عادة ، في مثل هذه البيئات المحافظة
    الان يمكن ان اشعر بالراحة ، حين تأتي ليالينا الطويلة ، فلا احد يراقبنا ، او يطل علينا بنظراته الطفولية ، فلا أملك ما أدافع به عن نفسي ، ورغبتي في عمل الأشياء التي أودها ، وهي من صميم حقوقي، وماذا يمكنني أن أفعل ، تجاه أسئلة طفولية تطرحها ابنة بريئة لم تر من الحياة الا أياما قليلة وكانت مترعة بالحرمان ، واحاول أنا أن أعوضها عن شعوري الفظيع أن نقصا كبيرا يحيط بها ويسلبها الحقوق التي تتمتع بها اقرانها من الفتيات ، تعيش بسمة عالمها الخاص ، وكأنها امرأة كاملة تزوجت و أنجبت الأولاد والبنات ، كبيرة العطف على صغيراتها ، تلعب معهن وتضحك ، وتحملهن معها اينما ذهبت ، وتدللهن ، وتخيط لهن أجمل الملابس ، أتساءل بيني وبين نفسي :
    - هل تحتفظ بسمة بذلك العطف نحو الصغار ؟
    اتمنى انها تتصف بتلك الرحمة الجميلة التي نغدقها على من هو أضعف منا ، وأحلم ان القادم في الطريق سوف يحظى بالعناية الواجبة ، وبالاهتمام المطلوب

    (27)
    يعلو صراخ الجميع ، تنظرين اليهم وأنت حائرة ، لماذا يسفك الموت دماء الأحبة ، ولمَ يذهب الأعزاء الى مكان آخر لا يمكن لك ان تشاهديه ، وماذا يفعل الصغار حين يستبد الموت بمن يعتني بهم ؟ من يرعى الأولاد الصغار والبنات ويمنحهم الحب والحنان ، أسئلة كثيرة تجول في خاطرك وانت حزينة ، صديقتك مريم رحل أبوها الى مكان بعيد ، فمن يشتري لها الطعام والشراب والملابس الجميلة للعيد ، ومن يصحبها في الرحلات ويلبي لها ما تطلب من أمور صغيرة ، لا يلبيها الا الآباء ، تنظرين الى مريم ، تجدينها غزيرة الدموع ، تتساقط من عينيها الكبيرتين ، ماذا يمكن ان تفعلي لها ، هل تستطيعين ان تطيري مثل الفراشات والبلابل لتنقذي اباها من الموت ، و تعيدي أباها الذي تحبه كثيرا ، فهو الوحيد الذي يرعاها و تجد عنده الحنان ، سألت مرة امك :
    - اين يذهب من يموت ؟
    - الى الحياة الآخرة
    - وكيف يذهب ؟
    - الله يأمر الملك عزرائيل ، فيقبض روح الانسان الذي انتهت فترة حياته ..
    - ولكن لمَ يتعجل الموت ؟ ألا يمكن ان يكبر الصغار حتى يموت آباؤهم وامهاتهم ؟
    - انها مشيئة الله ، حين يأتي الأجل ، يرحل الناس ، فهذه الدنيا مؤقتة ، نعيش فيها فترة محددة وحين يزورنا الموت ، يحاسبنا الله على أعمالنا ، فان كانت صالحة يدخلنا الجنة ،وان كانت سيئة كان مصيرنا نار جهنم تحرق أجسادنا بها..
    - ولكن الصغار ؟ سوف يعيشون محرومين ان مات أبو هم او امهم ، لماذا لا ندعو الله ان يعيد الاموات الى عائلاتهم حتى يكبر الصغار ؟
    - لا يمكن هذا ، حين يأتي الموت لا يستطيع البشر ان يؤخروه...
    - ولكن الله يستجيب للدعاء ان دعاه الانسان ؟
    - نعم حبيبتي ،الله يلبي ما نُريد انْ دعوناه ، يرزقنا ان طلبنا منه الرزق ، ويعطينا الصحة ان أصابنا المرض ، ونحن لا نسأله رد القضاء وانما نسأله اللطف فيه..
    - ما معنى رد القضاء ؟
    - انت ما زلت صغيرة ، ورد القضاء معناه عودة الميت الى الحياة في الدنيا ، الله يحيي الأموات كلهم يوم القيامة ويحاسبهم على أعمالهم .
    الصراخ يتعالى ومريم صديقتك المقربة تنظر الى الناس بحسرة والتياع ، فقد فقدت اباها الذي يعتني بها ، وزوجة ابيها لا يمكن ان تجد عندها الحب الذي تريد .
    تتمنين ان تفعلي شيئا :
    - يا ربْ ...أعدْ أبا مريم اليها يا رب ، يا رب انها صغيرة ، وأنت تعلم ان زوجة أبيها شريرة وقاسية ، يا رب استجب لدعائي وسوف أصلي صلاة الليل ...
    - ماذا تفعلين يا صغيرتي ، اذهبي الى منزلك مع امك .
    - انني ادعو الله
    - لأي شيء دعاؤك ؟
    - أن يعيد الله أبا مريم الى أحبابه وأولاده!
    - ولكن الله لا يعيد الأموات الى الدنيا ..
    - ألا يستجيب الله لدعاء المظلوم ؟
    - بلى ..يستجيب ..حين كان ابو مريم مريضا لو دعت ابنته الله ان يشفي أباها لاستجاب الله للدعاء ..
    - والآن ؟ انْ دعوته أنا لا يستجيب؟
    - ماذا تقولين عزيزتي بسمة ؟ الله يستجيب لدعاء الصغار من أمثالك ، ولكنه لا يعيد من مات الى الحياة الدنيا ، احياءُ الأموات تكون في الآخرة ، وابو مريم كان صالحا ذا اخلاق حميدة ، والله سوف يدخله جناته الواسعة ان شاء الله تعالى..
    - ولكن من يعتني بمريم بعد موت أبيها؟
    - سوف ندعو الله ان يجعل زوجة أبيها رحيمة معها، لا تؤذيها ولا تكلفها بالقاسي من الأشغال ، وانما تساوي بينها وبين بناتها في الرعاية والاهتمام
    تثقين بكلام جارتك وتذهبين مع أمك الى منزلكم ، وترحبين بعودة أبيك من العمل
    - مات ابو مريم يا أبي!
    - رحمة الله عليه ..
    - من سوف يعتني بصديقتي ؟
    - انت يجب ان تعتني بها ، سوف أشتري لها مثل ما أشتري لك ، اطلبي منها ان تأتي الى منزلنا في الغداء والعشاء ، وحين اشتري لك الملابس والأحذية سوف أشتري لمريم ايضا ، فالله يكافئ من يرحم الأيتام.
    تسرعين الى منزل مريم ، وتطلبين منها الحضور الى بيتكم كما اقترح أبوك ، تمسح مريم دموعها المنسكبة وتدخل معك الى غرفتك الصغيرة..


    (28)

    تشغلك التساؤلات ، وتستبد بك الحيرةُ ، ولا تجدين من يمكن أن يعطيك الجواب الصحيح ، لأمور كثيرة ، ترينها غامضة ، ولا تعرفين لها تفسيرا ، قادرا على تبديد الحيرة التي تحيط بك ، والتقليل من اجواء الغموض الذي يلفك..
    أمُك دائمةُ الانشغال ، أعمالٌ كثيرة تنهكُ صحتها ، تقضي أوقاتها في مطبخ كبير ، يخرج ما يتوق اليه أفراد المنزل الكبير من أطايب الطعام ، تلاعبين بناتك الصغيرات ، وتدللينهن ، وتطير بك اجنحة الخيال الى جزر بعيدة ، حيث تكونين انت الملكة التي تحكم بغير ان تتوزع الأدوار كما كان في مملكة أبيك وأمك ، تكبر بطن أمك ، تسمعين ضحكات الكبار تنطلق عالية ، بعد سؤال يتكرر باستمرار :
    - هل ستأتين لنا بأخت لبسمة؟
    يفرحك السؤال ، ويبهجك ان تكون لك شقيقة ، تشاركك اللعب مع صغيراتك ، الصامتات دائما ، لكنهن يحسنّ الاستماع ، في منزلك يرحبون بمجيء الفتاة ويتطلعون الى ان ما في بطن أمك فتاة صغيرة كثيرة الأحلام ، والرغبة في الطيران ، تشتكي صديقاتُك ان أهلهن يفضلون الأولاد دائما ، وان الفتاة عورة!
    تسارعين الى أبيك :
    - ما معنى عورة ؟
    - أين سمعت هذه الكلمة ؟
    - تقول صديقاتي انّ الفتاة عورة.
    يرتفع صوتُ أبيك ضاحكا:
    - لا تهتمي بمن يقول ، لا فرق بين الاثنين ، كلاهما عزيزان
    تتذكرين ذلك الحديث الذي دار بينكما ، قبل ايام ، كنت جالسة ، تضعين مرفقك على فمك وتقبلينه عدة مرات!
    - ماذا تفعلين يا ابنتي؟
    - أقبُّل مرفقي.
    - ولماذا ؟
    - حتى أنقلب ولدا
    - ولماذا تريدين أن تنقلبي ؟
    - الولدُ أفضل من البنت!
    - أيُ غبي قال لك هذا ؟
    - كلهم يقولون!
    - لا تصدقي ، لا فرق بين الاثنين ، الأحسن منهما من كانت اعماله افضل .. والبنت برأي أبيك أفضل ، وأكثر رقة وأجمل
    ، ولقد خلق الله الولد ليخدمها! ألم يجعل اللهُ الرجال قوامين على النساء ؟ معنى قوامين يا ابنتي انهم يقومون بتلبية ما تحتاجه المرأة !
    تضحكين ، مدركة الدعابة التي يقولها أبوك ، أنتِ تحبينه كثيرا ، فهو يعتني بك ويرعاك ، ويجيب عن أسئلتك التي لا تجدين ترحيبا بها من الآخرين ، يمضّك السؤال ، تحاولين أن تطرحيه ، ولكن من يمكنه ان بآتيك بالجواب الشافي ؟!
    - ماما ، ما ذا في بطنك الكبير ؟
    - انّه أخوك او أختك ..
    - وكيف يخرج من بطنك ؟
    تصمتُ أمك حائرة ، ثم لا تلبث ان تقول:
    - حين تكبرين ، أخبرك.
    تكررين عليها السؤال:
    - كيف خرجتُ من بطنك؟
    - من صرّتي..
    - وكيف تفتحينها؟
    - لدي مفتاحها !
    - واين مفتاح صرتي أنا ؟
    - ليس لديك الآن
    - ومتى يكون عندي ؟
    - حين تتزوجين!.
    - متى أتزوج ؟
    - عندما تكبرين.
    شوق كبير يشعل قلبك ، متى تكبرين ، لتتزوجي وتنجبي أطفالا ، وتكوني محترمة مطاعة.
    في الليل يصحبك أبوك الى أم محمود.
    تدخل الغرفة ، تسمعين صراخا عاليا ، تودين ان تحملي الطفل بيديك وتلاعبينه ، كما تفعلين مع لعبك الصغيرة التي صنعتها بنفسك، تخبركم ام محمود :
    - الضيف ابنة جميلة تشبه بسمة!

    (29)

    أسئلة كثيرة ، أجد بسمة مشغولة بها ، لكني لا أعرف كيف أوضح لها الجواب في تلك السن الصغيرة ، أتركُ أمها تجيب عن تلك الأسئلة بما يتناسبُ مع السن الصغيرة ، أفكر أن أشغل الطفلة بالكثير من الاهتمامات فلا تعود الى طرح تلك الاسئلة، التي لا يستطيع أحد منا ان يجد لها الجواب الصحيح والمرضي ، وكيف يمكن ان نقدّم جوابا شافيا .. ونحنُ في بيئة تحاسبُ على كل حركة وسكنة ، فالأمرُ الذي ليس حراما قد حضره العرفُ , فهو بطبيعة الحال عيب ، لا يمكن ان نقترب منه ، والا لاكت سمعتنا الألسنُ ، وأنا عودت نفسي أن أكون بعيدا دائما عما يثيرُ الاستفسارات المغرضة الجاهلة ، او يؤلبُ بعض الناس ، أسيرُ قرب المألوف الذي لا يتناقض مع العرف السائد ، ولا اقرب أي كلمة او عملا من شأنه انْ يفسّر على غير حقيقته ، والآن أجدُ ابنتي كثيرة التساؤلات عن أمور تبدو لها غامضة ، فسوف اتبع الطرق التي سلكها الآباء الآخرون في الاجابة عن أسئلة الصغار ، وأظنُ ان الأبناء في سن الطفولة يجدون الكثير من الغرابة وعلينا ان نفسر لهم الامور الصعبة ونوضح ما التبس عليهم فهمه ، ولكن حين تسال امها ذلك السؤال العسير
    - كيف خرجتُ من بطنك؟
    كيف يمكنُ لأحد عاقل انْ يجيب عن سؤال من المستحيل اجابته ،وان يذكر الحقيقة ، في تلك السن الصغيرة ، واي حقيقة يمكن ان اوضحها لابنة صغيرة في السابعة من عمرها ، لهذا فكرت مليا بالأمر ، ووجدت انه من الصواب ان اشغل ابنتي في بعض الأعمال المنزلية ، حتى وان كانت تعتبر مرهقة لها ، افضل بكثير من تركها تستفسر عن اشياء ، أجدُ نفسي مغلول اليد في الاجابة عنها ، لا أستطيعُ انْ اقول الحقيقة ، ولا اقدرُ انْ اذكر الزيف!
    وجدت الرغبة في الامومة جلية على ابنتي من طريقة الاهتمام باللعب الصغيرة التي تصنعُها بنفسها ، وتلبسُها الملابس الجميلة ، وتتحدثُ اليها كأنّها بنات صغيرات بحاجة الى الرعاية والاهتمام..
    جاء المولودُ ابنة جميلة كما كنتُ أرجو ، وأتوقع ان تجد بسمة راحتها في العناية بهذه الطفلة ، وبذلك أكسبُ أمرين ، الأول انني اشغل ابنتي عن الكثير من الأسئلة التي لا أجدُ لها جوابا مقنعا في الوقت الحاضر ، والأمر الثاني أنْ أجدْ لزوجتي من يعينها على الأعباء الكثيرة الملقاة على عاتقها.
    لم أطلبْ من ابنتي شيئا ، ولم أوجهها الى ضرورة العناية بأختها الصغيرة ، بل وجدت ذلك الاهتمام في نفسها الصغيرة ، فرعيته ، كانت تجد وقتا سعيدا باللعب مع أختها الصغيرة ، وملاعبتها وملاطفتها ، وارضاعها بواسطة الرضاعة الاصطناعية التي تهيئها أمُها ، وكانت تجد متعة في تنظيف الصغيرة وغسل ملابسها والسهر بجانبها وكأنها الأم الفعلية ، وحين فكرتْ انْ تخيط لأختها الصغيرة الملابس الجميلة من الورق الملون ، رحبتُ أنا ، وكنت أبتاعُ لها ما تريدُ من المواد الأساسية لصنع الملابس والأغطية والقصور الكبيرة ذات الحدائق الواسعة والاشجار من ورق المقوى ، الذي كانتْ ابنتي تطلبُه ، وأسارعُ أنا الى تلبية الطلب فورا ، فغرستُ في نفس ابنتي الصغيرة شعورا بالمسؤولية ، وانّها جزءٌ من العائلة وعليها انْ تكون مراعية للظروف ، وانْ تقوم بواجبها دائما ، وانّ الأسر السعيدة يكون لكل فرد من أفرادها واجبٌ عليه القيام به على أكمل وجه..
    لم اجبرْ ابنتي على شيء ، بل وجدتُ فيها ميلا الى التصرف كما الناس البالغين في الاهتمام بالواجب ، والعناية بالناس المحيطين ، واحترام من يعيش معنا او يرتبط بنا بروابط كثيرة ، بعضُ الأصدقاء عاتبني انني أطالبُ ابنتي بأمور فوق طاقة عمرها ، ولكن حين أخبرتُهم انني لم أجبرْها على عمل من الأعمال ، التي كانتْ تقومُ بها تطوعا اقتنع المحتجون بوجهة نظري ، ثم وجدتُ ابنتي تتقدم في الشعور بالمسؤولية تجاه أختها الصغيرة ، فقالتْ لي يوما:
    - بدلا من ملابس الورق الملون ، سوف أخيطُ لأختي الملابس من القماش..
    رحبتُ بالفكرة الجميلة ، وبدأتُ أشتري لابنتي قطعا من القماش لتخيط لها ولأختها ملابس جميلة تحظى بإعجاب من يراها
    (30)
    تستأذنين أمك أنْ تذهبي مع أختك التي تصغُرك بعام الى الحديقة لتتمتعا بجمال الورود وروعة الأشجار المغروسة على الجانبين ، ولتركبا الأرجوحة التي تحبين التأرجح فيها والصعود بها لمعانقة السماء والنزول، والضحك المتواصل الذي يبعثُ الفرح الى النفوس التي لم تجدْ الكثير منه في حياة خالية من الجديد، و المتع التي يحسنُ ايجادها الآخرون، تقول لكما أمكما :
    - اذهبا وعودا بسرعة ، قبل أنْ يعود والدُكما ، فانّه لا يرضى انْ تخرجا بدون اذنه..
    - نعمْ أمنا العزيزة ، سنعود بسرعة !
    - اصطحبا أختكما الصغيرة ، وحافظا عليها ، لتحملها احداكن فترة من الزمن وحين تتعبُ ، تحملُها الأخرى..
    - نعم أمنا..
    كانت اختكما الصغيرة لا تتجاوز الثمانية أشهر ، وكنتِ تحبينها كثيرا ، وتحرصين على العناية بها وتلبية ما تطلبه من حمل على الأيدي وتدليل واسماعها الكلمات الجميلة وملاعبتها.
    تخرجان من المنزل وأنتما فرحتان ، فخروجكما منه كان نادر الحدوث ، تبقين في البيت وتستمعن الى الكبيرات اللاتي يفرحن بإسماعكن الغليظ من الكلام ،ان لم توافقْ احداكن على تلبية الأوامر التي لا تحبونها أنتم الصغار...
    الأراجيحُ كثيرةٌ في الحديقة الغنّاء ونفسُك جذلى، فقد استطعتِ الخروج من القلعة الكبيرة التي لا ُ يعرفُ الناسُ ماذا يجري بداخلها...
    تنتظران عند احدى الأراجيح ، عل الراكبات الثلاث ينزلن منها ، فتتاح لكما الفرصة في التمتع بالركوب ككل الأطفال الموجودين هنا ،تعلو وجوههم الفرحة ، وتستبد بهم السعادة ، تخلو الارجوحة من راكباتها الصغيرات ، تدعوكما احدى الامهات :
    - تقدما الى هنا عزيزتيّ ، هيا أيتها الصغيرتان..
    يفرحُكما قولُها ، تصعدان الى الارجوحة بمساعدة المرأة الكبيرة ، التي تنطلق بدفع الارجوحة عاليا ،كي يستمر ضحككما بفرح وجذل ،وكأن الدنيا تفتحُ ذراعيها مرحبة بقدومكما هذا المساء ،الى هذه الحديقة ،للترويح عن النفس المتعطشة الى بعض من الفرح ، يستمر تأرجحُكما عاليا من قبل المرأة الكبيرة التي قالت لكما ،قبل ان تصعدا الارجوحة :
    - اصعدا وافرحا وسوف اعتني بأختكما الصغيرة..
    تنزلان من الارجوحة ،بعد انْ اكتفيتما من التأرجح الذي يبعثُ الفرحة ويؤججُ الشعور بالمتعة ،التي لم تعيشا مثلها من قبلُ ، تسألين أختك التي تصغرك بعام :
    - أين أختنا الصغيرة ؟
    - لا أدري ، يا الله ! اين ذهبتْ ؟ خالتي، أين أختُنا الصغيرة ؟
    - كنتُ أهزُّكما وأنتما بالأرجوحة ، فلم أنتبه للصغيرة ، لا تباليا ، سوف نجدُها! أين يمكنُ أن تذهبْ ؟ لابدّ انّ احدى معارفكما قد حملتها قليلا ، وسوف تعودُ بها اليكما ، فلا تخافا..
    توشكُ الدموعُ أنْ تنبثق من أعينكما الصغيرة ، كيف أنّكما لم تنتبها الى شقيقتكما الصغيرة ، وانهمكتما باللعب والترويح عن أنفسكما فقط ؟ ماذا ستفعلان ؟
    - ماذا سنفعل ؟
    -لا أدري ! كان يجب الا نخرج !
    تغادرُكما المرأةُ الكبيرةُ التي كانتْ تساعدُكما بالتأرجح قائلة :
    - لا تخافا ، سوف أعثُر على الصغيرة!
    تعودُ المتكلمة ُبعد دقائق ،ومعها امرأةٌ تحملُ أختكم الصغيرة ،التي ما انْ تراكما حتى ترمي بنفسها بين أحضانك ، تخبركما المرأة الكبيرة :
    - هذه المرأة تدّعي انّ اختكم ابنتها!
    - لكنها أختنا!
    - انها اختكم ، ووجودُها بين أحضانك دليل على أنّها قد عرفتكم!
    تغادران الحديقة بسرعة ، تخبران أمكما بما حدث ، تقرر معاقبتكما على الاهمال ،وعدم تنفيذ نصائحها لكما بالانتباه :
    - حتى لا تكررا الخطأ مرة اخرى ! ماذا كنّا سنفعلُ انْ لمْ نعثر على أختكما ! وسرقتْها تلك المرأةُ وجعلتها احدى المتسولات، او لا سامح اللهُ احدى بائعات الهوى! اللاتي ينتقلن من مكان الى آخر بحثا عن الرزق الحرام!
    - وما معنى بائعات الهوى يا أمي ؟!
    - كيف أشرح لكما ؟ عندما تكبران سوف تعرفان معاني الكثير من الكلمات ،التي لا يصحُ لكما الأن التعرفُ الى معانيها..


    (31)

    لم تتذكري متى ابتدأت ارتداء العباءة ، وجدت نفسك كما البنات الصغيرات في مثل سنك ، تتلفعين بعباءة فضفاضة ، وانت سعيدة بهذا الغطاء ، الذي تجدين جميع النساء هنا يرحبن به ، ويرينه عنوانا للفضيلة والاستقامة والخلق الرفيع ، لم تصادقي من كانت تخلع العباءة ، او نشأت في بيئة لا ترتضي بها ، ظننت ان جميع البنات الصغيرات يرتدين هذا اللباس الأسود ، واستقر في عقلك انه من الأمور الجميلة التي يجب ان ترضي بها ، وانه لا داعي لرفضها مادام الجميع قد اتفق على الترحيب بها ، وأصبحت من ضمن العادات ، وكم كانوا يرددون على مسامعك ان احترام العادات والتقاليد يورثُ خيرا متواصلا ، ويحقق سعادة مستمرة ، وأنت مطيعة كالأخريات تماما لما تعارف الناس على احترامه ، حتى كان ذلك اليوم ، خرجت مع احدى صديقاتك ، وذهبتما الى السوق لابتياع بعض الحاجات لأسرتك ، وانتما تتحدثان في ذلك السوق الكبير ، قدم رجل كبير ، لم تكوني تعرفينه ، سلم على صديقتك ، واخذ يداعبها بحركات لم تكوني قد تعرفت عليها سابقا ، لم تعتادي على ان يمد الرجل يديه الى أي امرأة ، أبوك لم يفعلها مع امك ، أمامك على الاقل ، وتلك الهمسات الساحرة ، التي كنت تحرصين على سماعها حين يهرع الجميع الى سلطان الكرى ، ولم تعرفي حينها ما الداعي اليها ، وماذا يمكن أن يفعل أبوك من افعال ، فترحب امك فرحة مهللة ، في مسيرك المشترك مع صديقتك وجدت الرجل يقوم بحركات لم تألفي مثلها في منزلك الكبير ، الذي كل حركة فيه مدروسة بعناية فائقة ، ولا وجود لحركات عبثية ، او ألفاظ لامعنى لها ، او تلك التي تؤدي الى نتائج غير محمودة ، لقد علموك انه يجب التفكير في عواقب الكلمة قبل نطقها ، لهذا نشأت قليلة الكلام ، تحسنين الاصغاء الى ما يقوله المجيدون لهذا الفن الرفيع ، أخذ الرجلُ السمين الأصلع، يمسك بفخذ صديقتك ، وهي تضحك ضحكات لم يكن أهلك في منزلكم المقفل دائما يرضون عنها ، يمد يده الى اجزاء من جسدها الصغير ، فتنطلق ضحكاتها المشجعة ، نسيك الاثنان معا ، وكأنك لم تكوني موجودة تلك اللحظة ، تشهدين مداعباتهما ، التي لم تكن بريئة برأي اهلك ، انطلق صوتك محتجا:
    - انك لا يمكن ان تقترب مني .
    يلتفتُ اليك الاثنان ، يقول لك الرجل:
    - أحقا ؟ ومن تكونين انت ؟
    - أنا حفيدة فلان.
    يستمع الرجل اليك ، يضع دشداشته في فمه ، ويجري هاربا ، وانت حريصة على تلقي كلمات التشجيع ، وقد أحسنت صنعا هذه اللحظة ، تذهبين الى جدك
    - تحرّش بي رجل كبير!
    - أنت ؟ هل كبرت منذ الآن ؟ كيف تحرّش ؟
    تنقلين له الحكاية راغبة في كلمة استحسان لموقفك ، لكنه بدلا من الاستماع الى نهاية القصة ومعرفة حكمتك التي جاءت مبكرة ، كما اعتدت دائما:
    - لقد كبرت كما يبدو ، حان أوان وضع النقاب.
    تفرحين للأمر ، وتهللين له ، لقد اصبحت امرأة ، يحترمها الناس ، ويحسبون لها ألف حساب ، يقول لك ابوك:
    - لا تتعجلي يا ابنتي ، انت الآن صغيرة ، تتشوقين الى ان تكبري ، حين تكونين كبيرة حقا ، سترفضين هذا النقاب ، أنصحكِ الآن بالتريث ، لأنني في الغد ، قد لا أتمكن من مناصرتك. ، حين تناضلين ويعلو صوتك لأجل خلع هذا النقاب الذي ترحبين به اليوم دون ان تعرفي حقيقته !
    لم تفهمي المعنى الحقيقي للنصح ، وأصررت على وضع النقاب ، ولأنك صغيرة ، اعتادت البنات على اللعب في مثل سنك ، وتظن صديقاتك ان مظهرك الجديد احدى لعبك التي ترغبين في مفاجأتهم بها ، يجرون عباءتك ، ويظل النقاب على وجهك ، يمضّك أن أحدا منهم لم يفهمك ، ماذا كنت ترومين ؟ احترام الآخر حتى الى درجة اسكات تطلعات النفس الراغبة في الانعتاق..


    (32)

    ارتدتْ ابنتي العباءة في سن مبكرة جدا ، ولقد رغبتُ في رفض الفكرة منذ البداية ، ولكنّ اصرارها على ارتداء العباء ة ، جعلني أتراجعُ عن تشجيعها على رفضها ، وما دامت البناتُ الصغيرات في مثل سنها يرتدين هذا اللباس الأسود ، فلا ضرر في الأمر ، كنت حين أسافرُ الى المدن الكبيرة ، وأصحبُ بسمة معي أحرصُ على خلعها العباءة ، ترحب هي باقتراحي ، وتعملُ به، وكثيرا ما كنتُ أتلقى كلمات الاستنكار من المحيطين بي ، ان ابنتي تملكُ جمالا ، قد يجعلها في مرأى النظر ، ولكني كنتُ حريصا على ألا تكون وحدها ، وسفري الى المدن الكبيرة كانت برفقتي الدائمة ، وموضع اهتمامي ورعايتي ، لكني فوجئتُ بالاقتراح الأخير ، انه على بسمة ان تغطي وجهها وان تضع النقاب ، بحجة ان أحدا تجرأ وتحرش بها ، من يمكن ان يتحرش بطفلة صغيرة في السابعة ، محاطة بمثل هذه الرعاية من أسرتها ، وتحيا وسط قلعة كبيرة ، لا يجرؤ أحد على الاقتراب منها ، من هذا الرجل الذي يمكن ان يدنو من ابنة يعرف ان عائلة كبيرة تحرص عليها حرصا كبيرا ، قد يكون مبالغا فيه ، حاولت أن أبين لبسمة ان وضع النقاب ما زال مبكرا جدا ، فهي صغيرة ومن حقها ان تلعب ، تلك اللعب الكثيرة التي تبدعُ في صنعها ، أدركتُ انّ بسمة كانت توّاقة انْ تكون مثل الكبار ، ولم تدركْ بعد انّ وضع الطفلات الصغيرات في بلادنا ،أفضل بكثير مما تعيشه النساءُ ،من حرمان كبير من كل الحقوق ، تُحاط المرأة بكيس أسود من القماش ، وكأنها فحم يريدون اشعاله ، وتضع على وجهها نقابا أسود كالحا يمنعها من الرؤية الواضحة ، وقد يجعلها كثيرة التعثر ، وربما تقع ، لقد وجدت نفسي في هذه البيئة ، ومهما حاولتُ أنْ اثور أو أتمرد على قوانينها الجائرة ، لم أوفق، ولكن كيف يمكن للمرء أن يثور على القوانين التي يحترمها أهله ، وتسير وفقها عشيرته ، هل يقابل كل محبتهم بالنكران والجحود ، ومن له بعد فقدانهم ؟ وقد منحوه المحبة الخالصة ، والعطف الكبير ، في حالتي تلك ، أجدُ الجميع منددين بتصرفاتي ، أهلي واقربائي يدّعون أنني غير مكترث بعادات الأهل والأجداد ، وانّه عليّ انْ أبدي صرامة أكبر ، وأصدقائي يقولون انني متمسك بعادات بالية ، وعلي ان أنقذ نفسي منها ، ولا أحد يمكنه أن يفهمني من هؤلاء الذين أجدهم متناقضين فيما بينهم تمام التناقض ، أهلي يريدون أنْ أتمسّك بعادات وتقاليد أراها لم تعد تناسبُ هذا العصر ، وأصدقائي يتهمونني بأنني أجاري الأهل كثيرا ، وأحترم مشاعرهم ، وعليّ أن أبيّن أخطاءهم صراحة بلا مجاملة ، ولا أحد منهم يعرف من أي بيئة منغلقة انا ، ولا كيف تركتُ صفوف المدرسة التي أحبّها ، وزملاء العلم من أجل أن أساعدَ أسرتي ، ولا أسرتي تدرك حجم التضحيات التي قدمتها لأني أحبها ، وأريدُ لتلك الروابط الجميلة ان تظل حامية للإنسان ومظللة على حياته ، وكمْ أسعى كي أجنّب بسمة حياة الحرمان التي عشتها ، وأن أربيها وأعلمها لتعرف كيف توازن بين الأحبّاء جميعا ، وألا تضحي بطرف منهم من أجل طرف آخر ، حاولتُ انْ أثني ابنتي عن قبول وضع النقاب على وجهها الصغير ، مبينا لها انها ما زالت طفلة بعدُ ، وانّ الصغيرات في مثل سنها لم يضعن النقاب ، ولكني حين وجدت تمسكها بان تصبح كبيرة بنظر نفسها ،وان تسارع بالقبول باقتراحهم ، صمتُ على مضض ، مما أثار استنكار اصدقائي واتهامهم لي انني دائم الموافقة على اقتراحات أسرتي ، حتى لو كنتُ غير متفق معها في أمور أساسية تسبب الضرر لي ولابنتي....


    (33)
    بنات صغيرات في مثل عمرك تماما ، اجتمعن ذلك اليوم في منزلك ، وقد ارتدين أجمل الملابس ، قبل الاحتفال أرسلوك الى تاجر أقمشة معروف في مدينتكم الصغيرة ، وطلبوا منك ان تختاري نوع القماش الذي تحبين ، من بين ألوان وأنواع مختلفة من الأقمشة ، أوصوا البائع أن يعرضها أمامك ، أخذ البائعُ يضع امامك صنوفا من القماش تختلفُ من حيث الأنواع والألوان ، وأنت واقفة أمامه ، يكثر عرض البضاعة بأشكال متنوعة ، والبائع يتساءل:
    - أي أنواع تحبين ؟
    قبل هذا اليوم كان أبوك يبتاع لك ما يحب من الأنواع ، مما يثير اعجاب جميع من يرى الملابس عليك ، مادحين الذوق الجميل والاختيار الحسن ، هذا اليوم ، طلبوا منك أن تختاري بنفسك نوع القماش ولونه ، أشارت يدك الى لون أحمر ، كان في مكان بعيد من القطع التي وضعها البائع بين يديك ،كنت تفضلين الأحمر على بقية الألوان ..

    قالوا لك في المنزل حين عدتِ اليهم مع قطعة القماش :
    - لماذا هذا اللون ؟
    - انه جميل!
    - اوع ، انت لا تفهمين كيف تختارين الجميل ! هذا اللون لا يرتديه الراقون من الناس!
    تسكتين على مضض ، يعجبك هذا اللون ؟ فهل تختارين ما يعجبهم هم ؟ ، وكثيرا ما سمعت الجملة تتردد :
    - كُل ما يعجبك ، وألبسْ ما يعجب الناس!
    صحبتك عمتك الى أمهر خياطة في المدينة، واختيرت لك التفصيلة المناسبة ، في هذا اليوم حين ارتديت ملابسك الجديدة ، والتي ساهمتِ في اختيارها ، بدوت مع جميع الحاضرات ، وكأنكن في عرس جميل ، صبيات صغيرات في عمر السابعة ، اجتمعن معا في غرفة كبيرة في المنزل الكبير ، كانت احداهن صديقتك في الكتّاب حيث يحفّظونك القرآن الكريم ، والباقيات لم تقع عليهن عيناك قبل هذه اللحظة ، كنتِ سعيدة جدا ، وأنت تجدين الاهتمام الكبير بنجاحك ، الجميع يقولون انك اجتزت الاختبار بمهارة تستحقين عليها التهنئة ، تسمعين الكلمات الحسان ، يقولها الجميع لك في هذا اليوم الجميل ، ولم تسألي نفسك لمَ أقيم هذا الاحتفالُ ؟ وما هي المناسبة ، وماذا اجتزت من اختبار ؟ وكيف تم هذا ؟ هذه الأسئلة لم تتطرق الى ذهنك الصغير في ذلك اليوم السعيد ، الشيء الوحيد الذي تعرفينه ، أنك اليوم عروس صغيرة ، قد ارتدت أجمل ما عندها احتفاء بحدث كبير ، لا يمكنُ أن يتكرر ، مئات الكلمات تسمعين في هذه المناسبة ، وهؤلاء الصغيرات ، التي لم تقع عليهن عيناك قبل اليوم ، كيف اجتمعن معا في هذه الغرفة ، وبهذا الجمال ، الذي لم تشهدي له مثيلا في أيامك السابقات ، توزع عليكن أصناف الحلويات والعصائر التي تعاونت الكثيرات من أجل القيام باعداده ، والكل فرحٌ مسرور ، كأنك في عيد ، يسمعونك الكلمة الجميلة التي تتوقين اليها دائما ، و يبتعدون عن اللامبالاة التي كثيرا ما جرحت احساسك ، انت فرحة هذا اليوم ، و الجميع فرحون... رأيت صديقتك في الكتّاب والتي يقع منزلها امام البيت الكبير ، ولم تتذكري ان هذه الصديقة نفسها هي التي بسببها اتهموك بالسرقة ، تختفي الحوادث المؤلمة من رأسك الصغيرة في هذه المناسبة ، ولا تعرفين الا انك اليوم في احتفال الأعياد!


    (34)


    أخبروني أن ابنتي قد أكملتْ حفظ القرآن الكريم ، ولم أسالْ نفسي ، كيف تمكنتْ في هذه السن الصغيرة انْ تقوم بما عجز عنه الكباُر ، ثم أدركتُ بعد تفكير أن كل شيء جائز ، فلماذا حرص آباؤنا وأجدادنا القدماء على تعليمنا منذ الصغر ، ألم يقولوا انّ العلم في الصغر كالنقش على الحجر ، وهذه قاعدة صائبة من قواعد الحياة لا يمكن مناقشتها ، أثبتتْ التجربة صحتها مائة في المائة ، ولكن هل أقومُ باختبار ابنتي لأعرف ماذا حفظتْ من تلك الدروس الكثيرة ، التي داومت فترة طويلة على حضورها ، وهل صحيح انها تمكنت من حفظ آيات القرآن الكريم كاملة ؟ ام بعض السور القصار ؟ الكلُ فرحٌ في هذه المناسبة ، لماذا أكلفُ ابنتي فوق طاقتها ، وأقومُ باختبارها ، وتلك مرحلة قد مرّت ، وأحبُ انْ تجتاز مراحل أخرى لا تقل عن هذه أهمية ، وان كانت ناجحة في حفظ القرآن الكريم ، فالأحسنُ انْ أجعلها ناجحة أيضا في تعلم مبادئ أساسية في الحياة ، لا يمكنُ للإنسان انْ يدرك شيئا بدونها ، وان قال الأهل انّ تلك الدروس في حفظ القران كافية بالنسبة للفتاة ، فرأيي انها ليست كافية ، وعلى أولياء الأمور انْ يعلموا الفتيات العلوم والآداب والحساب ، وكل المعلومات التي يحتاجها الانسان في الحياة ، كي يكون سويا سعيدا ، لا يغلبه الآخرون ، او يسلبونه الحقوق ، فلأناضل من أجل انْ تذهب ابنتي الى المدرسة، أسوة بمن كنّ في سنها من الصغيرات ، ولكني سأواجه بمقاومة كبيرة ، كيف يمكنني اجتيازها ؟ وهل يمكنُ ان تكون القدرة على التلاوة كافية ، كي تتقن ابنتي العلوم التي تحتاجُها في هذه الحياة ، وكيف يمكنُ انْ تدرك معاني القران الكريم ، وهي ما زالت صغيرة أولا ، وانها في مؤسسة الكتّاب للتحفيظ لم يعلموها المعاني الواجب تعلمها ، كيف تكون المعارف التي اكتسبتها في سنها الصغير هذا كافية لها في مستقبل أيامها ؟ وهل تعلمت فعلا ؟ سألتُ ابنتي قبل يومين من هذا الاحتفال :
    - ماذا تفعلُ البنات في الكتاب ؟
    - بعضُهن يكنسن، والبعضُ الأخر يساعدن الملاية في تجهيز الطعام .
    - وأنت ؟ ماذا تفعلين ؟
    - كنتُ في البداية أجلسُ مع بعض البنات ، وحين وجدتُ ان الأكثرية منهن ،تقومُ بمساعدة الملاية في أشغال منزلها ، أخذتُ أقتدي بهن..
    - ومتى تقرأنَ القرآن ؟
    - حين تنتهي الأشغالُ المنزلية ، تجلس الملاية في وسط الغرفة ، نجلس محيطات بها ، تطلب من احدانا ان تبد أ القراءة ثم تبدأ التي تليها .
    - هل تقرئين أنت كل يوم ؟
    - ليس كل يوم ، احيانا لا يأتيني الدور..
    أرى العالم يتطور باستمرار ، ولا يبالي بمن يقف في مكانه مؤثرا الركود ، كيف أستطيع ان أقنع الأسرة بوجهة نظري ، وان أبيّن لهم شدة حبي لهم ،رغم اختلافي معهم بالآراء والافكار ، أنا احترمهم كثيرا ولا ارغب في ان اخسرهم ، لهذا أعيشُ صراعا حادا بين واجباتي الأبوية ،وواجباتي نحو أبويّ العزيزين ، وأبناء المدينة ممن يحلو لهم أن يناقشوا أمورنا الخاصة ليدلوا بدلوهم ويأتوا بآراء ما أنزل الله بها من سلطان ، تستبد بي الحيرة ، ويقضي على راحتي الصراع الكبير بين ما أجده حقيقة يجب أن أدافع عنها وعن عرفاني بجميل من أغدق عليّ الحب والحنان ، ومنحني الشعور الرائع بالدفء، رغم حرماني أحيانا من الأمور المالية التي أجد بعض أقراني متمتعين بها ، ولكني أجد لهم العذر ، فليسوا قادرين على توفير ما نحلم به من أشياء لم يستطيعوا تقديمها رغم كفاحهم الطويل..


    (35)
    لم تستطيعي ان تستوعبي الحدث ، رغم ان الجميع أبدوا رأيهم فيه ، لماذا يقدمون على هذا العمل ، ولماذا استحق عملهم الوحشي والقاسي ذلك التأييد ؟ ولماذا قدموها ضحية للواجب والمحافظة على التقاليد ، الجميع من حولك يتحدث عن تلك الفتاة الجميلة ، والتي لم ترعها العائلة ، فشبّت لامبالية بما يقره الناس ، والذي تحترمه الأعراف والعادات التي استقرت في العقول والقلوب وكأنها قوانين لابدّ من احترامها ، وابداء التقدير الكبير لها والتقديس ، كنتما تلعبان أحيانا معا ، وكثيرا ما كنت تسمعين عبارات الاستهجان ،من تصرفاتها التي لا يقرها الجميع
    - اتركيها ، انها بائسة ، لا تستحق ان تصاحبيها..
    ولم تكوني تعرفين لماذا ينصحك بعض معارفك أنْ تتنكري للصحبة ، وجدتها ممتعة في المشاركة في ألعاب الطفولة ، تأتي الى منزلك الكبير ، وتشتركان معا في لعب مستمر طوال النهار ، حتى اذا ما أزفت الشمسُ الى المغيب استأذنت في المغادرة .
    - وهل لها منزل يأويها ، كي تسارع الى الذهاب ؟
    انْ كانت يتيمة ، ما ذنبها ؟ ولماذا يعاملها الناس بتلك القسوة التي لا تجدين لها مبررا ، وماذا جنت هي ان فقدت الوالد الحنون ، لتعتني بها الوالدة الفقيرة ، لماذا يستنكرون على الأم ان تربي أولادها؟
    - انها ابنة أمها!
    أسئلة كثيرة تدور في عقلك ، ولا تجدين لها أجوبة وافية ، مَن يمكنه أن يوضح لك ما استعصى على فهمك؟
    تتزوجُ حليمة ويثير ذلك الحدث استغرابك ، كيف تتزوجُ الطفلة التي كانت تلعب معك ؟والتي تكبرك ببعض السنين والتي لا يمكن ان تجعلها ناضجة تحسن التصرف ؟ فالجميعُ يقول انها ابنة أمها ، جئت الى أبيك يوما مستفسرة:
    - ما معنى ابنة أمها ؟
    - انها لم تحسن تربيتها..
    يرى أبوك حيرتك واضحة على وجهك ، فيسارع الى القول:
    - لا تسمعي ما يقو ل الظالمون يا ابنتي ، الأم مثل الأب تحسنُ التربية ، ولكنّ تعاون الاثنين أفضل دائما في تنشئة الأبناء.
    فوجئتِ بزواجها مبكرة ، وكأنها تحاولُ الاختباء من عدو يتربص بها ، جاءت وودعتك والدموع واضحة على محياها :
    - سوف أغادرُ الى مكان بعيد!
    ولكن هذه المغادرة لم تتم ، فالألسنُ تتحرك ، متحدثة عن فتاة صغيرة ، لم تحسنْ أمُها تربيتها ، طعنها اليوم أخوها عدة طعنات دفاعا عن الشرف.
    هذا ما تقوله النسوة العواجز، اللائي سارعن الى بيت جدتك لإعلان النبأ ، تستمعين الى الحكايات الكثيرة عن ذلك الحدث المفجع ، رغم كل شيء كانت رفيقتك في اللعب ، وتلك الحكايات لم تفارقها يوما ، ولكن هذا اليوم تزيد تلك التوابل التي وضعت حول القصة وزادتها رونقا ، وأنت لا تعلمين ، ما الذي يعنيه الشرف ؟ وما معنى الدفاع عنه ؟ ولماذا يقتل حليمة رفيقتك في اللعب أخوها ؟ وكان الجميع يصفونه بالمعتوه ، وكيف يمكن للمعتوه ان يفعل شيئا يستحق كل ذلك التقدير في مدينتك الصغيرة ، التي هاجت وماجت لدى سماعها بالأخبار الغريبة ،التي لم تعتد ان تحصل فيها؟
    تحاولين ان تسمعي القصة من افواه النساء الكبيرات ، وهن يقصصن ما رأت أعينهن في وضح النهار :
    - حليمة لم يكن لها أب يحسن تربيتها ، رعتها أمها ، التي كانت امرأة فقط ، ولم تتصف بصفات الرجال ، فتجعل أبناءها وبناتها يخشون من التقرب من الأعمال الفاحشة ، ولكن حليمة لأنها بدون أب يرعاها ويزجرها ، أحبت عماد الابن المدلل لذلك الاقطاعي ، المالك لكثير من الأراضي الزراعية مع الفلاحين أصحاب الأيدي التي تتعهد زراعته بالحرث والارواء ..
    تواصلين الاستماع الى تلك القصة التي تجدينها فوق قدرتك على الاستيعاب والفهم ، تسمعين عبارة تزجرك :
    - بسمة ، لا يمكن للصغيرات ان يسمعن هذه الحكايات.
    - لكن بسمة عاقلة..
    - ليكن ، الافضل ان تغادر الغرفة !
    - لا عليك ، دعيها تبقى ، ما الضير في بقائها ؟
    تواصل المتحدثة الكلام :
    - أغواها ابن الاقطاعي ، صدقت وعوده ، وحين قامت بما طلب منها تركها.
    لم تفهمي مرامي الحكاية ، ولم تدركي بعد ما ذنب حليمة ؟
    ولماذا تعاقب هذا العقاب العسير ؟ أتقتل هذه الصغيرة ظلما ؟ وهل يهرب الناس جميعا من أمها ؟ تغلق الأبوابُ في وجهها ، ولا يسمح لأحد باستقبالها في منزله ، تسمعين أباك:
    - يا أم بسمة ، لا تسمحي لها بالدخول
    - لا أستطيع ، كيف أطردُ المسكينة من منزلي ؟ وقد جاءت ضيفة ؟
    - انها خاطئة
    - الابنة خاطئة ، هل أخطأت الأم ايضا ؟
    في صلاة العشاء تكون أمك منهمكة في أداء الفرض ، تسمعين دقات خافتة على الباب ، تعرفين من هي الطارقة التي تتكرر زياراتها ، في هذا الوقت من كل ليلة ، تسارعين الى فتح الباب ، تجدين أم رفيقتك حليمة أمام الباب ، وقد حملت لك هدايا كثيرة من ألوان من الأطعمة تعرف أنك تحبينها كثيرا ، الخبز باللحم والخبز بالسمسم ، ترحبين بالضيفة وأنت لا تدركين لمَ يرغب أبواك في عدم السماح لها بزيارتكم ؟ ولماذا يقولون ان حليمة لا أب لها ؟ وأنت تعرفين ان أباها حي يرزق ، لكنه فقير لا يملك النقود التي تكفيه للعناية بزوجته وابنته ، وكثيرا ما سمعت السؤال الذي يتردد على الألسن بهمس :
    - من أين تأتي أم حليمة بالمال ؟ وهي تعمل خادمة وزوجها عاطل عن العمل؟
    كثيرا ما انتابتك الحيرة من وضع بعض الناس في مدينتكم الصغيرة فتسارعين الى الاستفسار:
    - أبي ، لماذا نجد بعض الناس لا يملكون الطعام الذي يحتاجون ، والبعض الآخر يملك أموالا كثيرة ؟ فيرمي أنواعا من الطعام في سلة القمامة ؟
    - انه الظلم يا ابنتي العزيزة ، وعدم توزيع الثروات بعدالة بين البشر!
    لم تفهمي شيئا مما يقول أبوك ، تجلسين مع الضيفة وهي تتحدث مع أمك ! محاولة ان تبادليها امك الحديث ، ولن والدتك تظل صامتة لا تجيب ُ..


    (36)

    سافرتُ يوما واحدا ، وحين رجعتُ وجدت الدنيا مقلوبة رأسا على عقب ، حكايات كثيرة تلوكها الألسن ، وغموض يستبد بالنفوس ، وبسمة حائرة في هذا الجو الكئيب ، لا تعرف الحقيقة ، ولا تدرك لماذا كان مصير حليمة بمثل هذا السوء ؟ ولم يدعها سنها الصغير تعرف معنى الاتهامات وان تميز بين الواقع والخيال ، وما ذا تريد الحكايات اثباته ، وما الذي يرغب العقل في توضيحه ، فالبنتُ أخطأت حين صدقت ادعاءات الحب والزواج ،من شخص لا يفقه في هذه المعاني شيئا ، كيف يمكنُ لغني مستبد يملك الاقطاعيات والنفوذ والأرض، انْ يحب فتاة صغيرة ، بلغت سن البلوغ توا ، وما زالت تحب اللعب مع الصغيرات ، وتفضل ألعاب الصبيان والأطفال على الجلوس في المنزل كما يحتم سن المراهقة ، وما يتطلب الحال من ابنة صغيرة ، رائعة الجمال ، تنظر اليها العيون بريبة ، وتتناقل الألسن ما تقوم به من تصرفات ، وتورد الحكايات المبالغ بها قصصها المثيرة للاشتباه مع ابن الاقطاعي الغني ، كنتُ أعرف نتيجة القصة منذ البداية ، ولكن كيف يمكن انقاذ طفلة مسكينة ،من غدر ذئب متمرس بطباع الذئاب ، وقعت في يده ضحية شبه يتيمة ، لم تجدْ حنان الأب ، ولا جربت حزمه ورعايته ، وكما في كل قصة من هذه القصص غير المتكافئة ، نستطيع ان تدرك خاتمتها من أول انطلاقها ، ومن تلك الهمسات المنبعثة بصمت عن الشك بالفتاة التي لم تحسن تربيتها ، فأخذت تثق بمن ليس من مصلحتها الوثوق به ، غرر الشاب الكبير ، بضحيته المسكينة ، ومثّل عليها منظر المتيّم الولهان ،ومن شارف على الموت شهيد الحب واللوعة ، فصدقت دعواه ، وأمنت بكلامه المنمق الجميل ، وهي لم تسمع كلمة جميلة من مخلوق ، واعتادت على سماع الكلمات القاسية والتهم الظالمة ،التي تقابلها في كل مكان تطأ قدماها أديم أرضه ، والفتاة التي لم تحصن جيدا أمام من يحب افتراسها لقمة سائغة ، سقطت فريسة سهلة ، وكادت القصة تنكشف أمام الناس في مدينتنا الصغيرة المحافظة، التي لا تسمح أبدا بمثل هذه القصص ،التي تدل على سوء التربية ، وقلة احترام الرأي العام ، وحين عرف الاقطاعيُ ان فريسة ابنه سوف يكبر بطنها معلنا عن فعلته الشنيعة ، نصح أحد المساكين الفقراء ،أن يتقدم للزواج منها سترا لها في سبيل الله ، والذي أمر بالستر على الولايا الضعيفات ، وقبل الرجل الفقير ان يقوم بما طلب منه ،لقاء مبلغ من المال ، وما كان يدري ان الحقيقة اسوأ مما توقع ، فالفتاة لا تعاني من ثقب يدل على السقوط فقط ، انّما هناك في بطنها ما هو أشد هولا ، في ليلة الدخلة ، يُكتشفُ الجرمُ ، وتجهض حليمة ، وفي بواكير الصباح يؤتى بالجنين السفاح الى خالها الجالس في المقهى ، ويطلعونه على النبأ أمام مرأى الناس وأسماعهم:
    - أنظرْ ايها الشريف ، هذا ولد ابن اختك. العروس !
    يفاجأ الخالُ ، ولا يعرفُ كيف يجيب ، وابناء المدينة كلهم يعرفون ان ليلة الامس كانت الدخلة.
    يسقط بالسكتة القلبية..
    يقنع أهلُ الرأي والتدبير شقيق حليمة المجنون أن يغسل العار ، وان يثأر من أخته التي لطخت شرف العائلة ، وهي المسكينة التي لم تعرف دفء العائلة ، ولا ذاقت حنانها وعاشت محرومة من الرعاية، تتخبط في الحياة دون ناصح ، حتى ظهر الأخ الذي كان غافيا لم يعرفْ ان له اختا الا بعد خطيئتها.. وقال بعض المطلعين على خفايا الأمور : ان شقيق حليمة لم يرتكب جرما ، انّما قتلها أحدُ الأقرباء ورمى الشقيق انه قام بالدور خشية من العقاب ، والشقيق لا يعاقبه احد لأنه بقتله حليمة ، يعيد الشرف الى الأسرة التي سلبه ابن الاقطاعي منها..



    (37)
    تسيرين على شاطئ النهر ، تنظرين الى الآلاف من طيور البط ، وهي تجلسُ تتمتع بذلك الدفق الهائل من الجمال ، تشاهدين زورقا صغيرا ، يسيّره صبيٌ صغير ، تتوقين الى الابحار في هذا الزوق الصغير والذهاب الى منزل عمتك ابتهاج ، التي دعتك اليوم الى منزلها ، انها زوجة صديق أبيك ، اعتدت على الذهاب الى منزلهما الصغير مع والدك ، تتخذين منها عمة لك ، تعاملك برأفة ، محترمة سنّك الصغيرة ، ولا تكلفك انْ تقومي بالأعمال التي ترهقك ، لأنها لا تتناسب مع صغر عمرك ، أخبرتك منذ الأمس انها تحبُ أن تزوريها وحدك في منزلها ، ولقد رحب أبوك بتلك الدعوة ، القاربُ الصغير يمخرُ الأمواج المتلاطمة في هذا الجو الصاخب من أيام الربيع ، وقد ارتدتْ الطبيعة أجمل أثوابها في هذه المناسبة السعيدة ، حين تتفتحُ الازهار وتبتهجُ الأرض لجمال الربيع وفتنته الساحرة ، وتغرّد العنادلُ ، وتتوق النفوس جميعا الى الحُب ، الطيورُ النهرية الجميلة ، تتجمعُ زرافات على صفحة الماء الشفافة ، معلنة عن فرحها الكبير بمثل هذه الايام ، التي يبلغُ الجمال فيها أوجه ، رغم قصر الفترة الزمنية ، تسير بك الأمواجُ على صفحة الماء الفضية ، والشمسُ الحانية تداعبُ جسدك الصغير ، وأنت تتوقين الى الذهاب الى عمتك ابتهاج ، التي كانت تعاملك بلطف رقيق لم تتعودي عليه ، ، النهرُ ينسابُ بك رقراقا هادئا ، وأنت تجلسين على حافة الزورق ، يدفعك الموجُ مرة بهدوء تحبينه ، ويقف مرات أخرى ، ليسمح لقائد المركب بقيادته وقت هدوء النهر الجميل ..
    تصلين الى المنزل ، تجدين عمتك ابتهاج ، وقد تهيأت لنزهة داخل البستان ، حيث الزهورُ المتفتحة التي تستقبل الربيع بفرح وبهجة ، والطيورُ تغرّدُ بأصواتها الجميلة ، أهلك لا يسمحون لك بالذهاب الى هذه الأماكن الجميلة ، وقد وجدت الفرصة أمامك تفتح ذراعيها داعية اياك بفرح ،الى الذهاب مع عمتك والاستجابة للدعوة الجميلة التي لا يجود الزمان بمثلها دائما ، تأخذك عمتك العزيزة ، وتغيّر فستانك الطويل الذي ارتديته في زيارتك هذه ، و تحلّ ضفائرك الطويلة ، وتجعلّ شعرك مرسلا، بكثافته على ظهرك بعد تمشيطه ، ثم تضع لك أحمر الشفاه ، تصبغ لك شفتيك ، فتصبحين مخلوقة أخرى ، تناولك المرآة ، وتطلب منك النظر الى الصورة المنعكسة فيها ، تتفاجئين ، انّك صرت مخلوقة جديدة ، لم تكوني تعهدينها ، لقد تبدّل شكلك ، وخلعت عمتك الحجاب والنقاب ، وأضحيت كحقيقتك فتاة صغيرة ، بعد ان كان ذووك قد نقولك بلباسهم الطويل الى شكل امرأة ما زالت بعد في سن الطفولة ، تسيرُ عمتك وهي تمسكُ بيدك، وكأنك ابنتُها الصغيرةُ في أزقة لم تكوني تتقربين منها ، وليست الأزقة التي كانت توصلك الى القيام بشراء ما يريدون منك في المنزل ، لم ترتادي غيرها في حلّك وترحالك ، بستان جميل ، كنت تحلمين ان تطأه قدماك ، ودائما تقابل أحلامك الصغيرة بالرفض ، بسطت عمتك الحصيرة الصغيرة على الأرض وجلستْ ودعتك الى الجلوس بقربها ، وأنت تكادين لا تصدقين ما يحدث لك للمرة الاولى في حياتك ، يأتي أصدقاء عمتك ابتهاج ويسلمون عليها ثم يلتفتون اليها متسائلين :
    - من تكون هذه الطفلة ؟
    - انها ابنة أخي ، جاءت من بغداد ، وسوف تبقى معي أياما
    ينظرُ اليك أصدقاء عمتك بإعجاب لم تعهديه ،من بين تلك النظرات الكثيرة ،التي كانتْ تحطّ على وجهك ،وأنت بتلك الملابس الطويلة والعباءة السوداء ، والنقاب الأسود الذي رغبت أنت بوضعه قبل الأوان على وجهك الصغير ، ظنا منك بأنّك ستصبحين امرأه به، تتمتع بتلبية رغباتها ، وطمعا منك انك ستكونين محل الاحترام والتقدير.
    أصدقاء عمتك وصديقاتها كانوا من زوار منزلك ، وكانوا في البستان مجاورين لبعضهم أما في منزل ذويك ، فكان الرجالُ في مكان والنساء في مكان آخر ، أحاديث جميلة لم تكوني تعهدينها في منزل ذويك الكبير ، وكنت تتوقين اليها ،حين يصحبك أبوك معه في رحلاته الكثيرة الى المدينة الكبيرة
    ابتسمت عمتك ابتهاج وسالتك:
    - هل أنت مسرورة ؟
    - كثيرا يا عمتي!
    - لا تخبري احدا من أهلك بخروجنا هذا.!

    (38)

    علمتُ أن بسمة تحب البساتين منذ صغر سنها ، ذهبتْ الى أحد البساتين في مدينتنا الصغيرة مع صديقاتها الصغيرات حين كانتْ في الخامسة من العمر ، ولكن أحد الوشاة جاء الى أبي وأخبره بالأمر ، فعاقب الصغيرات اللاتي ذهبن الى البستان ، وأخبرني انه سوف يعاقبهن حتى لا يشجعهن السكوتُ على الذهاب الى أي من هذه الامكنة في مستقبل حياتهن ، وكي يدركن جيدا اننا عائلة محافظة ، تهمها سمعتها بين العوائل ، وتحرصُ على أن يسلك أبناؤها السلوك القويم منذ الصغر ، وخاصة الفتيات الصغيرات ، اللائي كثيرا ما ينظر الى تصرفاتهن البريئة بعين الانتقاد والاستهجان ، اقتنعتُ بوجهة نظر والدي ، حين برر لي الأمر جليا ، لهذا لم تبد ابنتي رغبتها في زيارة البستان مرة أخرى ، لان والدي لم يعاقبها ، وإنما تظاهر انه مزمع على إقامة ذلك العقاب ، واتفق مع أمها ان تخبئها في مكان بعيد ، لا يصل اليه غضبُ الجد ، كما ظنت الصغيرة ، سمعتْ جدها يسأل أمها بلهفة ؟
    - أين بسمة ؟
    - ما زالت نائمة.
    - حين تستيقظ أخبريها انني أروم عقابها..
    كانت ابنتي مختبئة في خزانة الملابس ، تومئ لها أمُها انْ اخرجي ، لقد ذهب جدُك ، وسوف ينسى ذهابكن الى البستان ،هذه الحادثة اثرتْ على ابنتي وجعلتها لا تميل الى فتح هذا الموضوع مجددا ،لتنقذ نفسها من العقاب المفترض ، ولتنأى عن الغضب الذي لا تحمد عاقبته..
    حين تعرفت الى صديقي أبي غائب ، زوج السيدة ( ابتهاج) كنتُ أصحبُ ( بسمة) حين أزورهما في منزلهما الجميل ، أبدى الصديقان اهتماما كبيرا بابنتي الصغيرة ، لم تكن تجد مثله ممن يشاركها المنزل الكبير ، كانوا جادين ، أكثر مما ينبغي في معاملة فتاة صغيرة ، يجمع من تعرف إليها انها تتميز بالشعور المرهف ، والحساسية الشديدة ، ولقد أعجبني اهتمام أصدقائي بابنتي الصغيرة ، وأحببتُ أن اخرجها بعض الأحيان من الجو المتزمت الذي نعيشه مرغمين ، والذي تحرّمُ فيه الحركات البريئة واللامقصودة ، ويتعرض المرء للمساءلة ، ان قام بتصرف بريء قد يثير الاستهجان والغضب ،من الناس الذين اعتادوا انْ تكون كل حركة مدروسة ، ولا يقوم بها الإنسانُ الا بعد التفكير العميق، في أسبابها ودواعي القيام بها ، وهل تؤثر في الناس الآخرين سلبا ام إيجابا ، وكم عدد الذين يستحسنون تلك الحركة ، وما عدد من يستهجنها ، وهل يهاجمها الغاضبون منها ؟ وماذا يمكن ان يقولوا ضدها ، كل هذا الحذر من ردود الأفعال من حركة واحدة ، او كلمة قد يلفظها الإنسان أحيانا دون ان يفكر بنتائجها ، جعلت أفراد منزلنا الكبير ، يتميزون بإدمان الصمت ، ونادرا ما ينطق أحدهم بكلمة قد يفسرها السامعُ انها تتضمن الهزء او السخرية من بعض الأمور ، او تدلل على انّ قائلها ليس حكيما ، ولا يفكر بما يقول ، ويتصف باللغو الذي لا ترجى منه فائدة ، كل هذه الصفات التي أجد نفسي مكبلا بها ، جعلتني أفكرُ بإنقاذ ابنتي الصغيرة منها ، فهي لا ذنب لها ان تتحمل كل هذا الحرمان الطويل ،الذي فرض علينا ولم نقترف إثما نحاسب عليه ..
    سمحتُ لابنتي أن تزور عائلة صديقي أبي غائب ، وأن تكثر من محاولات التعرف على تلك العائلة التي كانت ظروفها أفضل مما يحيط بي من محبطات كثيرة ، حين حدثتني السيدة (ابتهاج) برغبتها في اصحاب ابنتي معها الى البستان ، رحبتُ بالفكرة ، وقلت انّ هذه الخطوة تشجعُني أن أرمي الحجر الى عصفورين بنفس الوقت ، فهي تتيح لابنتي الذهاب الى مكان تحبه ،وحُرمتْ منه منذ عهد الطفولة ، وان تريحني من شعور بالإثم ما فتيء يلاحقني انني اجعل ابنتي محرومة من أشياء كثيرة ،تتمتع بها الفتيات الصغيرات في مثل سنها ، وتحرم منها ابنتي لأنها نشأت في أسرة تجد نفسها محاطة بالكثير من المحرمات ، التي لا يستحب الاقتراب منها للإنسان الذي يودُ انْ يكون محترما من الآخرين ، فكيف بابنة صغيرة ، ما زالت بسن الثامنة من العمر ، أخبرتني السيدة ( ابتهاج) انُها سوف لاتدعُ ابنتي تعلمُ انني عارفٌ بأمر تلك السفرة الى البستان ، حتى لا تطالبني برحلة اليه مرة أخرى ، وحتى لا يسمع بالأمر أفراد منزلي ، فيطلبون أن يشملهم ذلك السماح بالخروج الى البساتين ولم يكن هذا الأمر بطاقتي انْ أقدمه ، والسبب الأخر ، أنني لا أرغبُ ان يستنكر أحد العارفين بأمر أحاول أنا أن أخبئه ،ذهاب ابنتي الصغيرة بصحبة أصدقاء لي ، رغم انّه أمر يسير وباستطاعة كل أمرئ ان يقوم به ، بصحبة عائلته ، اِلا انني وبظروفي القاهرة لا يمكنُ أن أجرؤ على الاعلان انني سمحتُ لابنتي الصغيرة أن يصحبها أصدقائي لمثل هذه الأماكن ، ان سمع بالنبأ أحدهم ،يقيم الدنيا ، ولا يقعدها متهما اياي أنني لا أتوخى كرم الأخلاق حين أعاشر الأصدقاء ، وان سماحي لابنتي بمصاحبتهم قد يفسدها ، ويجعلها تخرج في مستقبل أيامها على ارادتي ، وتستسهلُ عصياني ، ورغم ما كنت أفعله من مراعاة كثيرة للناس، وما يمكن أن يقولوه في منزلي الكبير ، الا ان البيئة التي عشت فيها كانت تجبرني على تلك المراعاة ، وتدفعني الى اظهار الاحترام الكبير لكل القيم والمبادئ والمثل ،التي تربيتُ على تقديرها ، وافقتُ على خروج ابنتي في زيارة البستان ، وكنت واثقا انها تكونُ مرتاحة لهذا الخروج ، وفعلا عادت اليّ في أواخر النهار تخبرني انها مرتاحة جدا وسعيدة ، وأنها زارت منزل صديقي أبي غائب ، ووجدت عنده كما هي العادة دائما الراحة والسرور ، لم أوجه لها أسئلة عما جرى في البستان وكنت أعرفُ به ، وجعلت ذلك الأمر سرا بيني وبين أصدقائي الرفاق، ولقد عجبت كثيرا ان ابنتي لم تشر أبدا الى انها كانت سافرة في ذلك الخروج ، أيكون لنصيحة الاصدقاء ذلك التأثيرُ عليها ؟ وهي لم تخبئ عني أمرا من أمورها قبل هذا اليوم ، أم أنها صارت تفكر بالنتائج في هذه السن الصغيرة ، وخشيتْ ان أخبرتني بحقيقة الرحلة ألا آذن لها بالخروج مرة اخرى ، ومهما تكن الدوافع التي حدت بابنتي الى عدم الافضاء ، فقد أراحني تصرفها ووجدته دلالة على نضوج مبكر ، كان الأصدقاء يرونه في ابنتي الصغيرة ، وكانوا يوجهون لي نقدا انني بتصرفاتي حيالها قد أحرمُها من بعض العبث البريء الذي يتميز به الأطفالُ ، الا انني بقرارة نفسي كنت مرتاحا الى سلوك ابنتي المتزن ،والذي لا يتلاءم مع عمرها الصغير ، وفكرت كثيرا انها تشبهني كثير ا ، ألم أحرم من التعلم مع الزملاء في مثل سني ، حين اضطررت الى الخروج من المدرسة ، لمسا عدة عائلتي في الحياة الاقتصادية الصعبة ، لقد فتح لي والدي محلا تجاريا لبيع المواد العطارية وانا في السن التاسعة من العمر ، ورغم ما كان الاصدقاء يقولونه عن ان بسمة قد كبرت قبل الأوان وأخذت تتصرفُ كالناضجين ، الا انني في أعماق نفسي وجدت الأمر تأثرا بي ، فكم كانت تشبهني في كثير من الصفات وكان ذلك مدعاة لفخري واعتزازي..




    (39)
    يرسلونك دائما للتسوق ، تحبين هذه المهمة ، وتسارعين الى القيام بها ، جسمك صغير ، وعظامك رقيقة ، وخصرك أهيف ، حين يرفعك أبوك اليه رغبة في تقبيلك ، يخشى ان خصرك سوف ينكسر من جراء ضغط يده عليه ، وقد أكسبك صغر الجحم هذا مزايا لا يقدر عليها الكبار ، وحتى الصغيرات من أمثالك ، وفي مثل سنك ، يحرمن من الذهاب الى ذلك السوق الكبير ، الذي منعت النساء من ارتياده ، أمُكِ يجلب لها ابوك ما تريد وما تشتهي من أنواع الحاجات وأشهى المأكولات ، وأجمل الأقمشة من هذا السوق الرجالي الكبير ، ورغم ارتدائك للعباءة في سن مبكرة ، الا انك تتمتعين بحق لا يمكن الاقتراب منه بتاتا في هذه المدينة العجيبة ، تلبين الطلبات بسرعة كبيرة ، وأنت تركضين في أنحاء السوق الكبير ، ما ان تصلي الى حانوت أبيك ، حتى تهل عليك الفرحة ، جميع ما تشتهينه موجود ، مع ذلك الأب الحنون ، يسارع اليك بلبن أربيل المثلج ، كأس كبير ، لا تقدرين لصغر سنك على شربه بالسرعة التي يشرب بها الرجال ، تشربين بعضا من الشراب المثلج ، وترتاحين وقتا ، وتثيرين ضحك الكبار ، الذين لا تستطيعين مجاراتهم بالسرعة التي يتصرفون بها ، أبوك يصبر ولا يحاول الطلب منك الاسراع ، والرجال هناك يسمعونك بعض العبارات السريعة و يطلبون منك تكرارها دون توقف ، تحاولين وترتكبين الاخطاء ، وهم يضحكون( عندنا نخلة ، وعندكم نخلة ، اعطونا من تمر نخلتكم ، ونعطيكم من تمر نخلتنا ، ونشوف ، تمر نخلتكم أطيب من تمر نخلتنا ، او تمر نخلتنا اطيب من تمر نخلتكم) تعيدين العبارة عدة مرت بسرعة كبيرة ، فتقعين في أخطاء تجعل السامعين يغرقون في الضحك المتواصل السريع.
    كنت تحلمين ان يكون لك صندوق من انواع الحلويات التي يبيعها ابوك في حانوته ، لكن الحياء يغلبك ولا تفاتحين أباك بالرغبة التي تتملكك ، ولكن اباك وكأنه قرأ أفكارك واطلع على رغبتك ، يفاجئك بصندوق صغير ، فيه أصناف متعدد ة من أنواع الحلوى الموجود في حانوته مع أخرى اشتراها من الحوانيت المجاورة ، الصندوق مقفول ، ومفتاحه برقبتك ، وأنت مطمئنة فرحة ، انك تمتلكين اشياء كثيرة مثل الكبار ، لا يستطيع احد مهما كان أن يسلبها منك ، فهي محفوظة في الصندوق المقفول ، تحلمين أن تخرجي للتجول في البساتين ، تقطفين الورود ، وتتمتعين بالرائحة العابقة التي تنتشر كل ربيع ،في انحاء متفرقة من مدينتك الصغيرة ، وأنت جذلى تغنين للعصافير المغردة ، وتنشدين مع البلابل الفرحة، احتفاء بمقدم فصل الجمال والفرح الساطع ، والأغنيات العذبة التي تملأ النفس انشراحا والقلب حبورا ، تركبين الأراجيح ، وتضغطين بقدمك الصغيرة على الأرض لتندفع ارجوحتك معانقة السماء ، تهللين مستبشرة ، كأنك واحدة من الطيور المغردة والعنادل المسرورة ، وقد تحقق حلمها في انبلاج النور وسطوع الشمس وبهجة القمر، وفرحة النفوس المتعطشة الى الجمال المبثوث في الوجود.
    تركضين وراء الفراشات ، وتبتسمين للمخلوقات وهي تعلن عن فرحتها في يوم جديد ، يهل على العالم وهو يرفل بأثواب من الزهو والبهاء ، تفطنين ان الوقت قد أدركك وأنت لاهية ، تخشين ان تسمعي كلمة تخدش شعورك المرهف ، فتسارعين بالعودة مع الطيور في أوبتها الى أعشاشها بعد نهار قضته مغردة ، تسارعين الى عشك الصغير الذي شيده لك أبوك ، تفتحين صندوق الحلويات ، واذا به خاو ، قد امتدت اليه الأيادي وسرقت ما فيه من كنز كان يبعث الى نفسك الصغيرة الفرح الكبير... الغريب انك حزنت قليلا ، ربما لأنك عرفت من يكون السارق ،وان منظر الصندوق ممتلئا بحلويات لذيذة تثير الشهية...



    (40)
    تأتيني ابنتي متهللة النفس ، سعيدة ، تكاد الفرحة تعلن عن انبثاقها ، أشياء قليلة يمكن أن تخلق معاني للسرور في تلك المخلوقة الصغيرة ، وكنت أحرصُ على توسيع دائرة الفرحة في ذلك القلب الصغير ، وزيادة جرعات السرور في نفس ابنتي، التي طالما وجدتها سجينة قلعتنا ، وأنا أملكُ تخليصها من عناء ذلك المكان ، وكلنا بقينا شطرا من عمرنا نحلمُ أن ننقذ حيواتنا مما يراد لها من بقاء داخل جدران صماء..
    أدركُ أنها تحب الحلوى وتفرح نفسها حين تطير مع الطيارات الورقية في سطح منزلنا الكبير ، ، فأجهز لها الأوراق الملونة كي تصنع لنفسها أنواعا جميلة من تلك الطيارات الورقية ،وتطيرها في أعالي السماء حين يكون مغيب الشمس ،ويدنو القمر من موعد تحيته للعالم وتمنياته للورى بحياة جديدة وأحلام سعيدة..
    أخبرتني انها سوف تسافر الى العاصمة ،مع عمها وعمتها لحضور احدى المناسبات السعيدة ، فجهزت لها صندوقا خشبيا صغيرا ، ملأته بأصناف عديدة من الحلوى ،كانت تحبها كثيرا ، وأقفلتُ لها الصندوق وأعطيتها مفتاحه ، وأبهجني اني وجدتها كثيرة السعادة بعملي ذاك ،الذي لم يكلفني شيئا ، ثم اعطيتها قليلا من النقود ، وابتعت لها فستانا بسيطا ، كان كفيلا بإشراقة السرور ان تهل في نفسها الصغيرة الحالمة.
    سافرت قبلي بيوم واحد ، وحين وصلتُ في اليوم التالي فوجئتُ ان رصيدها قد سُلب منها ،وان صندوقها الصغير الذي ملأته حلوى قد سطت عليه أيادي الكبار ، وأفرغوه مما فيه من محتويات ، وانها حين عادت من رحلتها الى البستان واستنشاق عطر الورود والرياحين ، ورغبت بالتمتع بطعم الحلوى ، وجدت الصندوق فارغا ، كان يمكنني ان اجهز السارقين بما يحبون من أصناف الحلويات ، لو عرفتُ ان نفوسهم سوف ترنو الى ما عند ابنتي ، ولكن هل كان ما عندها غاليا لأنه مقفول ؟ بعضهم يملك قدرة عجيبة على تبديد شعور بالفرح لدى الناس صغارا كانوا او كبارا ، ولم أكن ادري ان ابنتي قد تتعرض الى خنق سرورها من قبل أشخاص قريبين مني وأكنُّ لهم كل الحب..

    (41)
    انتقلتم الى منزل جديد ، أبوك وأمك وأنت الكبيرة بين أخواتك واخوتك، وتغيرت حياتك بعض التغيير.

    أعطاكِ أبوك مبلغا من المال ، وقال :
    - اذهبي مع صديقاتك الى مدينة الألعاب ، اليوم عيد وكل الناس يحتفلون بقدومه
    ارتديت ملابسك الجديدة ومشطت شعرك ووضعت الشرائط الملونة عليه ، ثم وضعت العباءة ككل البنات اللاتي سوف يصحبنك الى هناك ..
    الحديقة كبيرة ، والأطفال كثيرون ، وأنت تأتين الى هنا للمرة الأولى في حياتك ، ركبت السيارة مع زميلاتك ، كدسكن السائقُ وأنتن فرحات بهذه المناسبة السعيدة ، لا تملكن أنفسكن من الفرح والسرور ، قالت لك احدى زميلاتك في السيارة :
    - كل عيد ونحن البنات نركب سيارة العيد .
    وأنت كنت تفرحين بأيام الأعياد بشكل آخر مختلف ، ترتدين الملابس الجديدة وتستلمين العيديات من أبيك وجدك ، وتأكلين الحلويات التي يأتي بها أبوك وجدك بكميات كبيرة جدا ، يوزعونها على الضيوف ، وكلما دخل أحدهم من قاعة الرجال الى قسم النساء والأطفال أحضر بيده كمية من الحلويات التي تحبينها :
    - هاك ما تحبين ..
    تتناولين ما يعطونك وانت مسرورة ، الجكليت والمسقول والحلقوم وأصابع العروس وكل شيء لذيذ..
    يقول سائق سيارة العيد :
    - انتهت نقودكن ، هل تحببنَ أن أزيد لكن في السير
    - لا ، يكفي هنا ، سوف نذهب الى لعبة أخرى
    - هيا انزلن من سيارتي ، يبدأ الآن دور مجموعة أخرى من البنات..
    تنزلن جميعا ، تسأل احدى الزميلات :
    - ماذا نفعل الآن ؟
    - سوف نلعب الأراجيح ..
    في ركن الحديقة ثلاث أراجيح ، تركب اثنتان في كل مجموعة وتقف اثنتان لهز الراكبتين ، فاذا ما انتهت المدة نزلت الراكبتان وتبادلتا الأمكنة مع اللتين كانتا واقفتين ، متعة جميلة كنت تعرفينها في المنزل الكبير ، عدد من الأراجيح هناك ، احداها في الدرج لا ينافسك فيها أحد :
    - بسمة انزلي ، المكان هنا خطر ..
    - هنا المكان جميل.
    - سوف تقعين في المرحاض ، الا ترين ان المرحاض يقع أسفل الدرج ؟ ماذا تفعلين ان وقعت وتهشم رأسك ؟
    - لن اقع ، اني أمسكُ بقوة!
    - انزلي الآن ، ماذا نفعل ان وقعت ، انت لا تفهمين !
    - دعك مني واتركيني ، او تعالي وتأرجحي معي..
    - اوووف ، وهل انا صغيرة مثلك ؟انت لا تشبعين من اللعب
    تنتهي لعبتكن على الأراجيح ، تسأل احداكن :
    - ماهي اللعبة الآن؟
    - نركب الحمار..
    - لا، لا ،أنا لن اركب ، أمي قالت البنات لا يركبن الحصان او الحمار.. الأولاد فقط يركبون !
    - وانت بسمة ؟ هل تحبين الركوب ؟
    - نعم احب .
    - هل يوافق أهلك ؟
    - لم يقولوا لي شيئا ..
    - اظنهم لا يوافقون ، كل الأهل لا يوافقون على ان تركب البنات على ظهور الحيوانات ..
    - الا ترافقني احداكن ؟
    - لا..
    - ولكني أريد ان أركب .
    - نخافُ أن يعاقبنا أهلنا اِن وافقناك ، فان أهلك حتما سيرفضون.
    - ولكني أحب الركوب ، لمْ أجربّه ، وأريدُ ان ارى كيف يكون ؟
    - لا تستطيع احدانا أن ترافقك ، وصاحب الحمار لن يقبل بواحدة فقط ، يقول ان الراكبة الواحدة على الحمار تكون خفيفة جدا ويخاف ان تقع، مرة اخرى يا بسمة نصحبك!
    - والآن ؟ ماذا نلعب ؟
    - نشتري ما نأكل .
    - في المنزل طعامنا ..
    - شطيرة واحدة فقط .
    - نصف شطيرة لكل واحدة ، حتى نستطيع أن نتغدى في منازلنا..


    (42)
    يطلب منك أبوك أن تتصلي بفتيات المدينة ، وتخبريهن أنّ زائرة كبيرة سوف تأتي من بغداد للاطلاع على أمورهن ، ومعرفة مصاعب الحياة الكثيرة ، ومساعدتهن في تذليلها ، وكي تسير أمور التنظيم كما قد خُططَ لها، تلبين الطلب بسرعة كبيرة ، وتخبرين كل فتاة على حدة بموعد الزيارة وانه عليها ان تتأهب لملاقاة السيدة الزائرة ، التي حان مجيئها اليوم مساء للاستماع الى نساء المدينة الصغيرة المحرومات من كل شيء ، تجد نساء المدن الكبرى انفسهن متمتعات به..
    تخبرين سكينة بموعد الزيارة ، فتتهلل للخبر السعيد وتمضي مسرعة الى منزلك لرؤية الزائرة المشهورة والاستماع الى حديثها والى تجربتها الطويلة في النضال من أجل حياة جميلة ، رغم ما في النضال من شدة وشقاء ، وانت فرحة مستبشرة بنجاحك بإخبار جميع الفتيات بالأمر، تأتيك أخت سكينة :
    - أين سكينة ؟
    - لا أدري.
    - كيف لا تعلمين ؟ وأنا رأيتُك تتحدثين اليها قبل قليل ، وتسير هي الى الوجهة التي طلبت منها التوجه اليها..
    - لا علم لي بما تقولين..
    - أريدُ أختي منك ، الآن أرجعيها لي ، أين ذهبتْ؟ ، لابد انّك تعلمين..
    تقنعين اخت المناضلة ان سكينة سوف تعود الى منزلها قريبا ، وترجعين الى منزلك ، تجدين امرأة أنيقة جميلة ،ليست كالنساء اللاتي اعتدت على رؤيتهن في هذه المدينة الصغيرة ، تسمعين أباك يسألها :
    - هل وجدتِ صعوبة في الوصول الى هذه المدينة ؟
    - لا ، سيارة أجرة أقلتنا من العاصمة الى هنا ، ولكني عانيتُ بعض الصعوبة في السوق.
    - نعم ، أخبرني الأصدقاء: ان امرأة دخلت السوق تسأل عني ، هذه المدينة لا تعرف نساؤها الأسواق ، من المحظور عليهن الدخول الى هناك ، الرجال يقومون بالتسوق وشراء ما تطلبه النساء!
    يفرحك الحديثُ بين أبيك والزائرة الجميلة ، رغم ان أغلبه ليس مفهوما بالنسبة لك ، تدخلين غرفة الضيوف مع والدك ، وتجدين زوج السيدة هناك ، يرحب بك فتسعدين للترحيب ، أنت صغيرة جدا ولم تعتادي على الترحيب كما يفعل الكبار..
    - في أي صف انت عمو ؟
    - لم يسجلني أبي في المدرسة
    - لماذا ؟ التعليم من حق الجميع
    يقترح أبوك انْ تعتمدي على نفسك ،وان تذهبي الى المدرسة لطلب التسجيل هناك ، تجري لك المديرة عملية اختبار لمعرفة مدى استيعابك للدروس وفي أي صف يمكنُها انْ تسجلك:
    - ستكونين في الصف الثاني!



    (43)
    أفرحني كثيرا حين علمتُ ان الرفاق في بغداد ،يريدون ان يطلعوا على اخبار التنظيم الذي شكلناه في مدينتنا الصغيرة ، وانهم سوف يرسلون الرفيق جمال وزوجته الرفيقة نرجس ،لمعرفة أحوال المدينة الصغيرة ، وكيف تسير أمور التنظيم الوليد، وما هي حاجة أعضائه من المعونات والاهتمام ، رحبتُ بالخبر ، فقد كان الأصدقاء يأتون من الكوت فقط ، اما الآن فان الزائرين سوف يتمكنان من اخبار المركز عن أمورنا الصعبة وعن حالة التأخر، التي ترزح بها مدينتنا البعيدة عن العلم والمعرفة ، والغارقة في سبات الجهل والظلام ، ورغم طيبة أهل المدينة الا انهم ما زالوا راغبين بالبقاء ،على الأحوال القديمة وعدم الترحيب بالتغيير نحو الأفضل ، طلبتُ من بسمة انْ تخبر عضوات التنظيم بأمر الاشراف ، وان اتولى انا القيام بإخبار الأعضاء ، فقامت بالمهمة أحسن قيام وأسعدتني بذكائها واستطاعت أن تتخلص عن بعض المضايقات التي قامت بها قريبات العضوات ، وعن سؤالهن السقيم أين يمكن ان تذهب الشقيقات ؟ وحين التمّ الشملُ في منزلنا الجميل ، رحبتُ بالزائرين الكريمين اللذين كنتُ أسمعُ بأخبار أعمالهما المثيرة للإعجاب بين الشباب، والجيل الناهض المتطلع الى التغيير نحو الافضل ..
    لكني سمعتُ من بعض الأصدقاء استغرابهم من دخول الزائرة الكريمة الى سوق المدينة ، وضحتُ لهم انّ نساء مدينتنا محرومات حتى من دخول السوق ،اسوة بنساء الأرض جميعهن ، واننا نسعى الى تغيير هذا الوضع نحو الأجمل ، وان من حق النساء ان يتمتعن ببعض الحقوق..
    كانت بسمة تبدي جهلها ببعض العبارات اتي نستعملها في الحديث ، وحين نحاول شرح الكلمة الغامضة وتوضيحها يبدو على ابنتي السعادة والسرور..
    حين طرح الرفيق جمال بعض الأسئلة على بسمة عن المعاملة الحسنة بين الناس وكيفية التصرف في بعض الأمور ، أجابت بذكاء فنالت الاستحسان ، الذي أجدها محرومة منه في مدينتنا الصغيرة..
    حين سألها الرفيق عن الصف المدرسي الذي وصلت اليه ، شعرت بالخجل لأني لم أدخل ابنتي بعدُ الى المدرسة ، وانني حاولت ارضاء الناس هنا ، فنصحتُها ان تفعل وان تسجل في الصف الثاني، او الثالث فتتلافى التأخير ، وحدث لنا ما رغبنا به ، فقد اجري لها امتحان لمعرفة مدى احسانها القراءة والكتابة ، ووافقتْ مديرةُ المدرسة ان تكون في الصف الثاني ، وحين جاءتني بسمة تبشرني بالخبر ، اشترطت بعض الشروط ، وافقت عليها كلها:
    - ستكونين في المدرسة ، ولكن بشرط ان تكوني الأولى دائما على صفك ، والا أسمع من أحد شكوى ضدك تدل على سوء في الخلق او خشونة في المعاملة ، او تكاسل في أداء الواجب ..



    (44)

    تقفين قرب الجدار ، البنات كلهن يتحركن ، وأنتِ وحدك يغلبُك الحياء ، من أي شيء تستحين ؟ ولماذا يجعلك الحياء خرساء لا تحسن الكلام ، درجاتك عالية والمعلمات يحببنك فانت هادئة ومجتهدة ولا تثيرين الصخب او تعتدين على احدى زميلاتك ، تقول معلمتك :
    - ورقة بسمة لا خطأ بها ، انظرن اليها وتعلمن منها ، ورقة الامتحان لديها نظيفة ومرتبة ، والاملاء كله صحيح لم ترتكب خطأ واحدا ..
    يستبدُ بك الحياءُ فلا تقدرين على الكلام ..
    تقف التلميذاتُ بصفوف لتحية العلم ، تقول مديرة ُالمدرسة :
    - نحيي اليوم علمنا المفدى ، الذي هو رمز استقلالنا ومن ترفعه تلميذة ذكية ومجتهدة ومؤدبة لم أجد مثلها طيلةَ عملي كمديرة مدرسة وحتى حين كنتُ معلمة، انها احدى طالبات الصف الثاني في مدرستنا، تعالي حبيبتي بسمة..
    لا أحدَ يتحركُ ، وأنتِ واقفة في مكانك ، لم تدركي انهم يقصدونك .. تأتي مرشدةُ الصف اليك وتصحبُك معها الى حيث انتصبَ العلمُ ، وتساعدك في رفعه ، يتعالى التصفيقُ..
    تعودين الى مكانك ، تتعزز منزلتك بين زميلاتك التلميذات ، وتظلين هادئة أكثر مما ينبغي ، تجعلك مرشدةُ الصف مراقبة لضبط النظام ، فتقومين بعمل المراقبة خير قيام ، ويبقى هدؤوك لا يتغير ، تحرزين أعلى الدرجات ، وتتلقين كلمات الثناء من ادارة المدرسة والمعلمات .
    في آخر العام تكون درجاتك هي الأعلى ..
    تقول المديرةُ :
    - ان بسمة استطاعت ان تكون الأولى على صفها هنيئا لها بهذا الاجتهاد وهذا التفوق !
    تسلمك المديرة شهادة التفوق ، تعودين الى بيتك ، يفرح أبوك حين يطلع على درجاتك ، كل الدروس عشرة من عشرة..
    يصحبُك أبوك في سفرته الى الكوت ، يقول لك :
    - ماذا تحبين ان أشتري لك مكافأة على التفوق ؟
    - بقلاوة!
    كيلو بقلاوة لك وحدك، هل نسيت انك عندما كنت صغيرة أجلب لك كل ليلة قطعة من البقلاوة ؟
    - نعم أتذكر ، وتنتظرني حتى انتهي من أكلها ،فتصحبني لأغسل فمي وافرّش أسناني ثم أنام وأنت تغطيني..
    - وأمك أغلب الأيام تقوم بمرافقتك للنوم وتغطيتك حين يغلبك النعاس..



    (45)

    أفرحك التسجيل في المدرسة ، الاستيقاظ في الصباح الباكر ، عمل الفطور ، والتوجه الى المدرسة بحب كبير ، تعرفت الى صديقات كثيرات ، وجدت صعوبة أول الأمر في التعرف اليهن ، يتحدثن ويجرين ويلفظن الكلمات بسرعة ، وأنت قد علمك أهلك انه مهما كان الانسان حرا داخل منزله ، فانه جدير ان يكون موقرا محترما خارج هذا المنزل ، وان يتمتع بالاحترام وألا يتحرك كثيرا ، وان يكون كل شيء محسوبا حسابا صائبا ، لئلا توجه اليه سهام النقد ، وهذه النصائح جعلتك تبقين قرب الجدار في الفرص ،والبنات يجرين هنا وهناك وأنت تخشين من النقد أو تبدين خفيفة ،تخلو من اللياقة و حسن التصرف
    أبديت ذكاء كبيرا في الدروس واستمتعت برضا المعلمات وتقديرهن ، الا ان الفتاة المتحركة في المنزل المبتسمة فيه ، كانت قليلة الحركة ، لا تبتسم الا نادرا ولا تتحدث الا قليلا ، فابتعد ت عنها الرفيقات في بادئ الامر
    تجتمع الطالبات كل اسبوع لتحية العلم ، ينشدن نشيدا حماسيا يدعو الى حب الوطن ، والى ضرورة التعلم والاجتهاد لرفعة الوطن العزيز ، وأنت تصغين بكل جوارحك الى الكلمات المتدفقة من فم المديرة وهي تحث الطالبات على ضرورة الاستماع الى نصائح الكبار والمدرسات والاجتهاد للحصول على الدرجات العالية في الامتحان ، قالت المديرة
    - ترفع العلم هذا الاسبوع طالبة كاملة بمعنى الكلمة ، مجتهدة هادئة مؤدبة ، سبق لها ان رفعت العلم ..
    تتكرر الحادثة ، فتعرفين من هي التلميذة المقصودة..
    ينظر اليك الجميع مرحبين حاثين ، تسيرين ببطء وقد فارقك حياؤك المعهود..
    تكبر بك الفرحةُ كل يوم ـوأنت تستيقظين مغردة في كل صباح ، تتمتعين بغناء العصافير في أعماق السماء المبتهجة بمقدم يوم جميل ، يُدقُ جرسُ الباب ، وتهرعين الى فتحه..
    - صباح الخير..
    تجدين بائع الحليب ، يعطيك لترا من الحليب ، اتفق أبوك معه على جلبه لبيتكم كل صباح ، تستنشقين رائحة زكية ، تنظرين الى يد البائع ، ترين ورودا حمراء اللون باسمة ، تنظر اليك بسرور ، داعية اياك الى الشم والتقبيل !
    - من اين لك كل هذا الورد ؟
    - انا بستاني ، أعتني بالأرض وأرعاها ،كي تنتج لنا أطيب الخيرات
    - هل يمكنك ان تأتيني ببعض الورد غدا؟
    - نعم بكل سرور ، سأجلب لك باقة..
    تكبر الفرحة في قلبك الصغير ، تنتظرين الغد ، ليحمل اليك ورودا زاهية الألوان جميلة ، عطرها عابق بالعبير ، تذهبين الى المدرسة وأنت أقوى مما كنتِ في الأيام السا بقة ،وأكثر ثقة بانك سوف تحققين النجاح الكبير، كي تدخلي الفرحة الى قلب أبيك الذي تحبينه كثيرا وقد وعدته أنك ستكونين الأولى على صفك دائما ...



    (46)
    ما ان خطت بسمة باب مدرسة البنات الوحيدة في مدينتنا ، حتى وجدت انها تتغير نحو الأفضل ، كل يوم ألاحظُ عليها تحسنا في التصرفات ، وثقة أكبر بنفسها وقدراتها على اجتياز الصعوبات ، وتحدثني المعلمات ان ابنتي حازت على رضا الجميع ،لهدوئها واجتهادها وحسن خلقها ، لكن الذي كان يثير حيرتي انّها دائمة الصمت ، لا تتحدث الا قليلا عن نفسها ولا تروي لنا عما يجري لها من أمور في المدرسة ،وكيف انها تنال استحسان جميع المدرسات والمديرة ،بمثابرتها وشدة ذكائها،
    قللتْ من اهتمامهما بأشغال المنزل ، ولمْ أبالِ بذلك ، لأن المدرسة أهم كثيرا من الأشغال المنزلية ، التي يمكن ان تتعلمها في المستقبل ، ولا أجدها كثيرة الدرس لأن انتباهها الى المعلمات وهن يشرحن الدروس كان كافيا لفهم تلك الدروس ، ولمْ تتغيرْ طريقتها البسيطة في ارتداء الملابس، وكنتُ احبُّ ان تظل مهتمة بالدروس ولا يشغلها شيء آخر ، فالاهتمامُ بالمظهر كما تفعل الفتيات عادة يأتي في وقته ، ولكن الذي أثار حيرتي أنها أبدت حبا كبيرا للمناظر الطبيعية الجميلة والعطور والورود الزاهية..
    حين ذهبتْ الى المدرسة صباح أحد الايام ، دُق البابُ فذهبتُ أنا لاستطلاع مَنْ يكونُ القادمُ ، وجدتُ بائعَ الحليب ، بعد أن أعطاني القنينة التي تمّ الاتفاقُ عليها ، رأيتُ في يده باقة جميلة من الورود الحمراء والبيضاء، مصففة بطريقة تثيرُ الاعجابَ ، ونظرتُ اليه مندهشا أن يكونَ البائعُ المسكينُ مهتما بأمور الورد والرياحين ، لاحظتُ سؤالا يجهدُ بائعُ الحليب لإثارته :
    - ما بك يا بني ؟
    - اين بسمة ؟
    - ذهبتْ الى المدرسة
    - ..........
    - لماذا تسأل ؟
    - لقد أتيتُ لها بباقة من الورد..
    أحاولُ ان أضبطَ نفسي :
    - لماذا جلبتَ لها الورد؟
    - هي أرادت!
    - هاتها ، سوف أوصلُ الوردَ لها ، لا تجلبْه لها مرة اخرى ، آه ..نسيت أريدُ أن أعلمك الا تأتي مبكرا في الصباح ، وقت اليوم مناسبٌ جدا..
    مضى بائعُ الحليب الى عمله بتوزيع قناني الحليب على المشترين ، وبقيتُ أنا متسائلا : هل كبرتْ بسمة بهذه الفترة القصيرة ، وأصبحتْ تهتمُ بالورد ، وماذا يعني اهتمامُها ذاك ، هل هو نضجٌ قبل الأوان ، وكيف تجرّأ بائعُ الحليب على ان يأتي لها بباقة ورد كبيرة وزاهية الألوان ؟ وهو يعرفُ تماما انها ابنتي وانا لا أسمحُ لأحد ان يفعل شيئا يلهيها و لاسيما الورود ، فأنا أعرف وأكثر من الجميع ما لغة الورود؟ وما ذا يعني أن يهدي بائعُ الحليب المراهق باقة ورد لفتاة ما زالت طفلة!


    (47)ُ
    قالت لك المعلمة :
    - سأغادرُ قاعة الدرس بعضَ الوقت ، قفي مراقبة على التلاميذ ، وسجلي اسم من يثير الشغب..
    تحلو لك المهمة الجديدة ، تقلدين حركات معلمة اللغة الانجليزية تحركين وجهك يمينا ويسارا ، وترجّفين يديك الاثنتين ، يتعالى الضحك بين تلاميذ الصف حيث تكونين ، تعود المعلمة فجأة:
    - ماذا تفعلين ؟ كيف تتجرئين ؟
    تعاقبُك المعلمة بضربة من المسطرة على كفّك الصغيرة
    تخبر احدى زميلاتك أختك بالأمر ، تسارع أختك الى استغلال عقوبتك لا خبار أبيك الذي لم يقم بمعاقبتك الا نادرا ، يسألك ابوك :
    - ماذا فعلت كي تعاقبك المعلمة ؟ هل قصّرت بواجبك ؟
    - كلا..
    - هل أسأتِ الأدب ؟
    - كلا..
    - لماذا اذن كان العقابُ ؟
    - طلبت مني المعلمة ان أكون مراقبة في غيابها ، وحين عادت ، سألتني :
    - من جعلك تراقبين تلاميذ الصف ؟ ثم عاقبتني ..
    - هل صحيح ما تقولين ؟ الكذبُ سيء يا ابنتي
    - نعم أنا اكذبُ ، لقد قمتُ بتقليد حركات معلمة الانكليزية فقامت المعلمة بمعاقبتي ..
    - المعلمة مثل الأم لا يصح ان تقلديها لإثارة ضحك زملائك عليها ، وان كان التمثيل من الفنون الجميلة الذي يقبل عليه الناس لجماله والمتعة التي يجدونها فيه ، ولكن هل كان بإمكانك ان تخبري المعلمة بالحقيقة ؟ حتما انها كانت تعاقبك !
    - هل الكذب جيد ؟
    - ليس دائما ، احيانا ينجينا من المتاعب ، فنلجأ اليه للتخلص من العقبات التي تعترض طريقنا ، ولكني لا أحبه ، فلا تكذبي علي ابدا
    - هل أخبرُكَ بكل شيء ؟
    - نعم ..
    - أحد زملائي في الصف قبّلني هذا اليوم !
    - كيف ؟ كيف سمحتِ له ؟ يجب الا تسمحي ، صحيح أنّك صغيرة ، ولكن لا يصح أن يقبلك أحد ،عمرك تسع سنوات يجب ان تكوني جادة ولا تجعلي أحدا يقبلك او يسمعك كلاما غير لائق
    - وما معنى الكلام غير اللائق ؟
    - كيف أشرحُ لك معناه ؟ ماذا قال لك حين قبّلك ؟
    - انه في صفي وجاء الي مسرعا وقبلني ثم اسرع بالخروج من الصف ، ماذا سيحدثُ ؟
    - لا شيء ، فقط انه سيقول انك لستِ مؤدبة ..
    - ولكنني مؤدبة ، الجميع يقولون انني مهذبة ومؤدبة !
    - لا تسمحي لأحد ان يقبلك .
    - هل هذه القبلة تجعلني حاملا ؟
    - أنت تثيرين الضحك يا ابنتي ، كيف أشرحُ لك ؟ القبلة لا تؤدي الى انْ تكون البنت الصغيرة بعمرك حبلى ..
    - ولكن لماذا تكون القبلة ممنوعة ما دامت لا تسيء الى البنت ؟
    - لأنه لا يصح ان يقبل البنتَ أحد غريب ..
    - ولكنّ أحدا لم يقبلني !
    - حين كنت صغيرة كنتُ اقومُ بتقبيلك ، الآن أنت كبيرة ، عمرُك تسع سنوات
    - ولكني أرى صديقاتي يقبلهن آباؤهن وأمهاتهن !
    - نحن أسرة محافظة يا ابنتي !
    - ما معنى محافظة ؟
    - انها تفكر جيدا قبل الاقدام على عمل معين ..
    - وهل القبلة عمل ؟ ولماذا أنتم تقبلون أخي ؟ ألا تقول انه لا فرق بين الولد والبنت ؟
    - انها العادات والتقاليد ، لا نسمح لك بالقبلة حتى لا يستغلك أحد
    - كيف يستغلني ؟
    - انت تكثرين من الأسئلة هذا اليوم ، حين تكبرين قليلا أشرحُ لك كل ما هو غامض لديك..


    (48)
    قالت قريبتك :
    - أبوك لم يكن بمثل حنان اليوم ، كانت يداه تسارعان الى ضرب من لا يسمعُ الكلام ، ومن الخير له ولك انْ يعاقبك انْ بدر منك ما يسيء
    - ولكني لم أفعلْ شيئا يستوجب العقاب!
    - ألا تعاندين ؟ وترفضين انْ تقومي بعمل ما نطلبُ منك؟ البنتُ المؤدبة تسمعُ نصيحة الذين يكبرونها في السن!
    - ولكني لمْ أعاندْ ، أنا لا أفعلُ ما لا أحبُ فعله..
    - وما هو العناد ؟ أنك تعاندين دائما ، كلامُك أكبرُ منك ، من أين تعلمت هذا ؟ طوالَ العمر ونحنُ نلبي ما يُطلب منا ، لماذا تكونين مخالفة لنا ؟ لقد نشأنا على السمع والطاعة ، الأجدرُ بأبيك ألا يسمحُ لك بمخالفة الكبار ، ما زلتِ صغيرة ، والعمرُ أمامك طويل ، والتجربة تنقصُك..
    - أنا غيرُ مقتنعة بما تقولين ! كيف لي أنْ أقوم بما لا يرضيني؟
    - انّه أبوك ! كيف تغيّر وأصبح متسامحا معك ؟ عليه انْ يؤدبك فالعالمُ ليس جميلا كما تتصورون ، حين تكبرين سوف ينتقدُك الجميع ، فأنت لا تجاملين أحدا..
    - وهل تريدون مني أن اكذب ؟ انا لا أحبُ الكذب!
    - انها الحياة تدفعنا أحيانا الى مجاملة من لا نستطيعُ انْ نقول لهم حقيقة أنفسهم ، في صغرك تعاندين ، ماذا تفعلين حين تكبرين ؟
    - ربما أصبحُ مجاملة أكثر مما أفعلُ الآن !أبي يوجهني حين أخطئُ، حتى اقتنع بما يقول..
    - ما زال الوقتُ مبكرا ليغرس أبوك في نفسك مفاهيمه وأفكاره ، الناسُ كلهم لا يحبون من يقول لهم الصدق او يخبرهم بصفاتهم الحقيقية ، جميعهم يريدون انْ نذكر لهم خصالهم الحميدة وليس السيئات ، اسمعي ما أقولُ لك ، لئلا تصبحي وحيدة حين تكبرين ، انْ كانوا يرأفون بك حين تتوجهين لهم بالنقد ، فهذا ارضاء لعائلتك ولأنك ما زلت صغيرة ، ام احمد غضبت منك حين قلت لها ان ابنتها كسولة ،ولا تحب الدراسة ولهذا أخفقت في الامتحان !
    - وهذه الحقيقة.. لست بكاذبة !
    - الأنسبُ لك انْ تقولي انّها بذلت جهدها ولم توفق ، و انْ شاء اللهُ تكونُ من الناجحات بتفوق انْ ضاعفت جهودها.
    - انْ لمْ تدرسْ بجد لا يمكن ان تجتاز الامتحان بتفوق!
    - هل رأيت ؟ رأسك كالصخرة لا يفهم الا ما تريدين أنت ، سوف تقابلين المصاعب حين تكبرين ، اسمعي ما أنصحُك به..


    (49)
    {قال لك أبوك :
    - ما زلتِ صغيرة على العباءة ، اخلعيها وسوف نذهبُ معا الى صديق أحبه كثيرا..
    تخلعين عباءتك التي لم تحسني يوما ارتداءها ، وتخرجين مع أبيك ، تشعرين أنك حرة ،لا تقيّد حركاتك العباءةُ التي تجعلك تتصرفين وكأنك عجوز ، ترتدين التنورة التي قالوا انّها تلائمك كثيرا وتلبسين الحذاء ذا الكعب العالي الذي اشتراه لك أبوك وتخرجين معه من المنزل ، طوال الطريق يحدثك أبوك عن الأحلام الجميلة التي سوف ترى النور بفضل نضالات الجماهير وتضحياتها الكبيرة ، يخبرُك أبوك انّه في البلاد البعيدة يكون الإنسانُ محترما والطفولة سعيدة، و لا أحد يرغمُ مخلوقا على فعل أمر لم يشأ انْ يقوم به ، يخبرك أبوك أن هناك أناسا كثيرين يناضلون من أجل تحويل الأحلام الجميلة الى حقائق ،يتنعم بها الانسان فهو أثمن المخلوقات وأعظمها شأنا ، يتحدث أبوك عن الحرية التي يجب انْ يتمتع بها كل انسان ، فان أراد كل أمرئ انْ يعمل شيئا، فله ما أحب وان لم يشأ ،فليس لأحد مهما كان انْ يجبره على القيام بما لا يحب ..
    وصلتما الى مكان ،قال لك أبوك :
    - انه صديقي المقرب ، وأنا كسبته للجماعة.
    ابتسم صديقُ أبيك وقال :
    - مرحبا بك يا مناضلة الغد
    - أتعرفين صديقي هذا ؟انه أبو كاطع
    يتحدثُ ابوك بكلام لم تفهمي كنهه وحين ينتهيان من الحديث تعودان الى المنزل ، أنت سعيدة جدا ، وكأنك كسبت كنوز الأرض وأبوك يشعر بالسعادة ويطيل الحديث عن مدن جميلة لا يشقى الانسانُ فيها، وينالُ كلٌ ما يحب ،ولا يُتخمُ الأغنياءُ في تلك المدن ولا يجوعُ الفقراءُ ، انّما توزعُ خيراتُ الأرض على كل البشر ولكل انسان حاجتُه من الغلات التي تجود بها الأيادي العاملة..
    تدخلان المنزل ، تسمعين عمتك تقول :
    - يا الله... هل أخرجتَ ابنتك سافرة ؟ ماذا سيقول الناسُ عنا ؟
    - لنْ يتقول عنا الناسُ فبسمة ما زالت صغيرة !
    - هي كبيرة الآن انظر الى صدرها كيف نهد ؟
    - ما زالت بسمة صغيرة ..
    - لا تخرجْ معها الا وهي ترتدي العباءة ، أنا لا أكبرها الا ثماني أعوام ،ومنذ صغري أرتدي العباءة ، هل تختلفُ ابنتك عنا كلنا ، لقد تمتعنا باحترام الناس هل تريدنا ان نفقده ؟
    يلتفتُ اليك أبوك :
    - هل سمعتِ يا ابنتي ؟ كلامُ الناس صعبٌ وعلينا انْ نحترمه ولا نخرج عن العرف والتقاليد ، يمكننا انْ نعمل اي شيء نحبه ، دون انْ نفقد تقدير الجماهير الشعبية واحترامها ، كل ما حدثتك عنه سوف نصلُ اليه بنضالنا ،والناس لن نفقد تقديرهم لنا ، هل فهمت يا بسمة ؟
    - انّها تفهمُ جيدا ، انا لم يستشرني أحدُهم حين ألبستموني العباءة ! لماذا تحاول اقناعها ؟
    - الانسان ابن البيئة . بسمة ارتدت العباءة أيضا ، ونحن الآن في بغداد.
    - وما الفرق ؟ كلها مدن عراقية.
    - بسمة ابنتي. وعلي توجيهها
    - وأنا أيضا شقيقتُك وحبيبتك !
    - زوجُك ابو أحمد حبيبك وأنا أخوك
    - فهمت هذا منذ زمن طويل .
    - أبو أحمد انسان طيب..
    - وكبيرٌ في السن ويكبرني بعشر سنين .
    - هو يحبك ويرعاك وأنت قبلت به حين سألناك !
    - كنتُ صغيرة ولا أفهم ، كيف يمكنُ لفتاة في عمري آنذاك انْ تعرف نوع الرجل الذي يتقدم لخطبتها ؟
    - وكيف تريدين ان تعرفي ؟ انها عاداتنا تسري على كل الناس ..
    - وأنا لم أقلْ شيئا خارج نطاق العادات، التي انهمرت على رأسي !
    - أراك متذمرة هذا اليوم ؟ هل أغضبك أبو احمد في شيء ؟
    - لم يغضبني ولم يفرحني انّه محايد كبير!
    - انه صديقي ايضا..
    - وليس من اصدقائك هواة السراديب !
    - لكل حالة ظروفها!

    (50)
    تغيير كبير حدث في بلادنا الجميلة ، قال أبوك :
    - الثورة التي انتظرناها وناضلنا من أجلها حدثت ..
    - ما معنى ثورة ؟
    - انها تغيير في الأوضاع الظالمة ومنح العاملين مكتسبات ما قامت به أيديهم من اعمال ،والمساواة بين الناس في التمتع بالحقوق والخيرات التي حبانا الله اياها ، والتقدم في التربية والتعليم والصحة وظروف العمل ..
    - .........
    - ان اليوم هو عيد كبير ، وأنا سعيد أنّ أوضاع البلاد سوف تتقدمُ الى الأفضل..
    وزع أبوك مبالغ من المال عيدية بهذه المناسبة السعيدة ، واشترى الحلوى وصنعت أمُك الشاي ،وجلستم كلكم احتفاء بهذا اليوم الذي شهد تغييرا في طبيعة نظام الحكم، ومن الممكن انْ تتقدم حياة ُالناس في كل الميادين وانْ يصبح العراقُ دولة متطورة ينعمُ شعبُها بالخيرات الكثيرة التي وهبهم الله اياها ..
    - هل الناسُ كلهم فرحون بهذا الحدث ؟
    - ليس كلهم ، بلْ منْ يتوقُ الى التغيير نحو الجمال ورفاه الانسان ، وجعل الناس متعلمين بالقضاء على الأمية والجهل والفقر والمرض ، لم لا ؟ لماذا لا نكونُ كالأمم المتقدمة الساعية نحو التقدم والازدهار ؟ حدثي اخوتك بما حدث هذا اليوم واجعليهم يفهمون جدوى التغيير وأهمية العمل المثمر من أجل الحياة الجميلة ..
    تجدين اخوتك بعد تناول الحلويات وشرب الشاي ،وقد توزعوا ، خرج الأولادُ الصغار مع أصدقائهم وبقيت البنات يتحدثن في أمور أخرى ليست مما يشغل بالك الصغير ، أخذت تلتهمين الكلمات المطبوعة في الكتب والتي بدأ أبوك يزودك بها ، وبدأت أحاديثك تتغيرُ مضامينها ، تظلين دائما صامتة فاذا ما بدأ القومُ يتناولون قضايا السياسة ومتاعبها ،انبريت لهم عارضة عليهم ما قرأته في الكتب العديدة ،التي اطلعت عليها عن قضايا الفكر والسياسة والاجتماع ، يظل بعض الناس صامتين ، ويأخذ بعضهم بمهاجمتك بأسلوب لم تكوني تتوقعينه منهم ، ويمدحك بعضهم وان لمْ تعرفي أبدا ، انّك كنت تطرحين افكارا لا تتناسب مع صغر سنك ، تبقين وحيدة أنت الأولى على صفك ، وحين تناقش احدى القضايا في الصف، وتسأل المعلمةُ الطالبات ولا تجد الجواب عند احداهن ، تلتفتُ اليك قائلة :
    - ماذا تقول بسمة ؟ ما رأيك بما ذكرناه من آراء ؟
    تطرحين آراءك وتقوم المعلمةُ بتسجيلها على السبورة ،وتطلبُ من التلميذات انْ يقمن بنقلها الى الدفاتر المخصصة في التاريخ او الجغرافية او الوطنية ، وتتناهى الى سمعك آراء التلميذات بك :
    - انها الأولى دائما ..
    - وتعرف كل شيء !
    - معلوماتُها أكثرُ مما تعرف المعلماتُ !
    - لابدّ انّ الجنّ ساكنٌ في رأسها !
    تطاردُك الغربةُ أينما حللت ، كلماتُك الكبيرةُ والتي هي أكبر من سنك بكثير، تجعلك بعيدة عمن هن في مثل عمرك ، تكتبين المقالات في الدفاع عن القضايا التي لا تتناسب مع عمرك الصغير ، فتسمعين بعض الاتهامات :
    - انها صغيرة ، و من غير المعقول ان تكون الكاتبة لهذه المقالات ! لاشكّ انّ أحدا كبيرا يكتب لها ،ويضع اسمها بدلا من اسمه .
    يمتحنك الكثيرون :
    - طلبتْ منا مدرسةُ اللغة العربية انشاء في موضوع ( الوطن ) هلْ يمكنك انْ تساعديني في كتابته ؟!
    وطالبةٌ أخرى تطلبُ منك أنْ تساعديها في الكتابة عن حنان الوالدين ..
    تسارعين الى الكتابة في المواضيع المطلوبة ، فتسمعين الحكم ببراءتك من كتابة شخص آخر لك..
    يخنقك الشعورُ أنك وحيدة بين جموع التلميذات ، تأتي احدى المعلمات سائلة اياك :
    - بسمة صوتك جميل ، هل يمكن ان تأتي معنا لتعلم اللحن ،وحين تعودين الى المدرسة تعلمين التلميذات ؟
    - نعم يا ست..
    تستمعين الى اللحن وتحفظينه جيدا ، وكنت قد حفظت النشيد سابقا وحين تعودين الى المدرسة ، تقول المعلمةُ :
    بناتي التلميذات ،استمعن الآن الى زميلتكن بسمة وهي تعلمكن كيفية انشاد هذا النشيد .
    ما أنْ تشاهدي التلميذات ،وأعينهن المفتوحة لمراقبتك حتى يغلبك النسيان ، تنسين النشيد واللحن الذي تعلمته قبل قليل ، تقول لك المعلمة :
    - ما هذا ؟ تعلمُ اللحن جزءٌ من الواجب المدرسي ، لا يكفي ان تكوني الأولى في العربية والحساب والعلوم والانكليزي والتاريخ والجغرافية ، وترتبكي في درس النشيد ، ويغلبك النسيان ،هل ستكونين راسبة في النشيد ؟ لا يصحُ انْ تكوني خجولة بهذا الشكل ،الذي يهددُ كل محاولاتك للتعرف الى صديقات . هل تحبين انْ تظلي وحيدة ؟!
    شعورُك بالعزلة يزولُ عنك أحيانا ، ويغلبُك أكثر الأوقات ... ولكن التفاؤل بانك قادرة على تحقيق ما تصبو اليه النفس، يظل حافزا كبيرا..


    تمت
يعمل...
X