نص للتصحيح (الجميلة والشباك )

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سيد يوسف مرسى
    أديب وكاتب
    • 26-02-2013
    • 1333

    نص للتصحيح (الجميلة والشباك )

    الجميلة والشِبَاك
    هذا هو الريس فهيم ، يعود حاملاً فأسه علي كتفه ،لم يتغير منذ أن كان صبياً صغيراً ،قدميه حافيتان لا ينتعل في قدميه حذاءاً،يكاد يصل طول قدمه إلي أربعون سنتيمتر وجلبابه ملطخ بالطين والعفر . ولا يعرف طريقاً للملابس البيضاء ، فهو لا يحبذها ولا يحتاجها ؛ فحياته كلها كدح وشقاء . يرتدي دائماً الملابس السمراء ،والسراويل الطويلة التي تصل أسفل ركبتيه ،حتى حينما يعود للدار يخر صريعاً ملقي علي ظهره أو جنبه ، قد يأتيه طعام فيأكله ، وقد لا يستجيب إلا لنداء زوجته وبناته من أجل الطعام .أنما يستجيب جسده للنوم والراحة ، تزيد الشمس من لفحة وجهه ،فيزداد حرقة بالرغم من كثرة التجاعيد التي تعلو جبهته ؛كأنها طرقات امتدت لا تُعرفُ لها نهاية فإذا انتهت تجاعيد وجهه انتهت ملامحه ،تعددت زوجاته وكأنه بين كر وفر بينهن ،فيهن من أبت القعود معه ،ومنهن من لم يستريح لها ،فتعددت زوجاته كما تعددت همومه ،فحياته شاقة وعيشته ضنك ، من تستطيع أن تعيش شقاءًً وكداً طوال يومها ،أنه لا يستريح ولا يجلس في الدار يوماً؛تصفه أحدي زوجاته المفارقات له ،أنه مثل الثور المعلق في الساقية ،أو مثل( وابور ) الطحين ،لذلك لم تعمر معه النساء طويلاً ،وكأنهن ينجين ببدنهن فراراً من هذا الشقاء الذي يأكلهن ويسلب منهن أجسادهن وصحتهن ، إلا تلك التي ظلت حتى فنيت من أمامه فقد أفناها الشقاء وأصابها المرض وعجزت عن الحركة وظلت تعوي في هجيره وتحت قيظه حتى فارقت الحياة .تاركة له خمسة بنات ، تركتهن وهي تنظر إليهن شفقة ورحمة ولسانها رطب بالدعاء لهن ، تتمني لهن السعادة وتأمل من الله لهن رزقاً واسعاً ؛وعيشاً رغيداً حتى لا تكون حياتهن مثل الحياة التي عاشتها أمهن وهي في منزل أبيهم ، لقد ماتت صفية والدموع من عينها تنهمر خوفاً وجزعاً علي بناتها ،لأنها تعرف قسوة الأب ،وظروف الحياة الشديدة ،ولقد جزعن بناتها علي فراقها وبكين بكاءً مراً، فأصبحت الحياة أمامهم أشد قسوة ،بعدما غاب الظهر والسند ،لقد رحلت التي كانت تخفف عنهن وتلاطفهن حيثما يعودن بعد عناءٍ نهارٍ،لقين فيه من التعب وسمعن فيه من الكلام ما يُسممُّ به البدن ،كانت دائما تقف أمام سطوة أبيهم وغلظته بالمرصاد متحملة أشد العقاب .من سب ٍ ضربٍ بالعصي وركل ٍ بالقدم ِ،لقد كانت أمرآة صبورة جلدة ؛فحق لها أن تعمر بعض الشيء مع الريس فهيم ، وهذا ما ساعدها للتحمل والصبر ، ظروف متشابهةٍ تركتها خلفها عند بيت أبيها وأهلها ،فأثرة الجلادة ًوتحملت مالا يطاق ،فلا فرق بين هنا وهناك ،ولذا فما الذي أوقعها مع رجل مثل الريس فهيم ؟؛ لكنها الآن رحلت وتركت خلفها كل ما أجهدها ،وهي تنام مؤرق من شيء واحد
    فقط ،غلظة الأب وشدته علي بناتها ،لقد يأمل وهي كذلك أن يرزقا بولدٍ ، فهو يكره البنات ولا يهتم بهن،ولقد عرفت ذلك من معاملته للبنات ، دائماً يقول ولا يخفي في قوله ،كان بودي ولداً يساعدني ويخفف عني حملي وأثقالي ،لكن شاء القدر أن لا يرزق بهذا الولد من صفية ،فذلك إرادة الله وتقدمها في السن وسريان المرض وتملكه في جسدها الواهن الضعيف ، فمضت الأيام وتوقف العد ُ ،لكن البنات سرعان ما شببن واستدار قوامهن وأصبحن وبدت عليهن علامات الأنوثة الحقيقة ،التي إن دلت فأنها تدل علي وفرة الجمال واكتماله عندهن جميعاً،فكان هذا الجمال مؤشر جيد ودافع عند الناس للتقدم لخطبتهن والزواج منهن ،بالرغم من الفقر الذي يحيط بهن ويسكن معهن الديار .ويلازمهن عيشتهن ؛أن لهن جمال لا يتوفر عند غيرهن من بنات العائلات الشهيرة بالقرية ،وقد ساعدهن هذا الحظ الجمالي في الهروب واحدة تلي الأخرى من خضم هذا اليم الغادر وهذا العذاب المعيشي ،لقد كانوا ينظرن بعين الحسرة علي مثيلاتهن من البنات وهن يرتدين الأثواب الجديدة والسعداء في بيوت أبائهن ،هن يردن لكن الظروف لا تسمح ،لقد كانت صفية تستقطع بعضاً من أجرتهن في حقول الغير خلسة لتستطيع أن توفر لإحداهن ثوباً جديداً أو طرحة تغطي الواحدة منهن بها رأسها أمام الناس حينما تخرج ،ولقد تجاوزن أغلبهن وسوادهن هذه المرحلة التي أدمت قلوبهن وأجسادهن ، لقد تزوجن فراراً ونجاة من هذه الحياة التي كادت تقضي عليهن ،لو استمرين في بيت أبيهن علي نفس الوتر والعيشة الضنكة ؛فلم يتبقي منهن إلا واحدةً لم تتجاوز العقد الثاني من العمر؛طولها فارع؛ووجهها مشرق كالشمس؛ضفائر شعرها المدلاة؛مهرة عربية تراها في استقامة الرقبة؛واتساع مساحة الصدر؛وخصرها الملفوف؛إذا تحركت اهتزت كأنها لوالب تشابكت تراقصت على أنغام الدفوف القارعة ، سبحان من خلق ،لا تعرف النعيم ولا راحة البدن ،كأنها خُلقت للشقاء ، تنظر الأقران وتتحسر ، تود لو جيء إليها يوماً بفستانٍ جديدٍ؛أو جلبابٍ جيدٍ كما تري الفتياتَ من حولها يلبسن ويرتدين ؛ لكن ما باليد حيلة ،وحيدة مع زوجة الأب القاسية ،ودموعها لا تنقطع ،تأمل الفرار وتخشي الغدر من الزمان ،لكنها تخشي غدر الأب قد يسلمها لأي متقدم وتقع فيما كانت فيه واحلة في بيت أبها من فقر وذل وحرمان ؛
    فالعوز يسكنها والأمل يراودها، والدنيا لا تكتمل لأحد ، فالجمال رزق ؛والغنى رزق ؛وليس لها حيلة في ذلك ؛أنها من بين خمسة مثيلاتها يتألق الجمال فيهن ؛ويَشُدنَّ إليهن الأنظار؛لكن الفقر الذي كاد يقف سداً عائقاً لهن ؛وماذا يفعلن ؟وقد احتكم الأمر ،فلا مفر من قدرها المحتوم ، إنها تؤجر للعمل في حقول الغير وزوجة الأب لا ترحم ،والأب في دنياه العضاضة هائم علي وجهه ،وماذا بعدُ ؟
    ******
    إنه القدر والعرف السائد عند الناس ،والدنيا المقلوبة ، فلا حاجة للناس فيهن ماداموا فقراء ،العيون المفتوحة والإغراء حولهم يأكلهن ؛وأصحاب الشهوات المكبوتة يلاحقهن،كأنهن فرائس خلقن للوحوش الضارية ؛ داخلهن براكين متأججة تلوكهن تحرقهن ، والسدود كثيرة عالية ، العادات ؛التقاليد ؛العرف المتبع ؛والذئاب تحوم حول الغنم ؛ولولا يقظة الراعي لافترس الذئب الغنم إنه يحاول أن يكون حارساً بالرغم من ضعفه وفقره ، ؛يتخلص منهن واحدة تلو الأخرى ؛فإذا ما تقدم إليه حتى عابر سبيل وافق على زواجها منه والتخلص منها،المهم عنده أن يجد من يقوم عليها ؛ويحرص عليها ويصونها ويطعمها ويسقيها ؛رجل فقير والبضاعة جيده ؛والمتقدم مشتت بعيد ،يبحث عن مواصفات لا تتوفر فيهن ، مثل ؛العزوة والجاه والمال أما هن ، لا يتوفر عندهن إلا الجمال وحتى الأخلاق قد أصبح الناس لا يهتمون بها، وليس لأبيهن طلباً ، غير سترتهن ،ولا من حقهن الرفض أو القبول ، ويضربون مثلا في ذلك (ظل رجل ولا ظل حيطة ) عندما تعثر الواحدة علي زوج ،فقد حازت علي الدنيا بما فيها ،لأن ذلك سيكون فرجة لها من العمل في الحقول ،ونظرات الناس لها ، تفتح الطريق للتي تليها ، يخفف العبء عن كاهل والدها ،
    * * * *
    ولقد جاء دورها من بعد أخوتها وتقدم إليها رجلا مسنناً ابيض شعره ؛وبدت عليه علامات الوهن ؛وانحناء الظهر ؛ عمله بسيط ، فهو يعمل صانع أسرجه للحمير ؛والبغال (برادعي ) ما أن تقدم حتى تمت الموافقة لم يُأخذ برأيها ولم تُسأل في أمرها ، تجلب إليه بأقل مهر (ثمن ) ،وتُساق إليه كشاةٍ أتُىََّ بها من السوق ؛يجرها خلفه ليدخلوها عليه في حجرةٍ ،بالكادِ تكون قبراً فيه سراجٌ زيتيٌ المشعل ،نظرت بعينيها وغاصت في تيه عميق ،وفاقت على الصدمة الكبرى وتيقظت فكره الهروب عندها تظاهرت بالرضا حتى تفك نفسها من شباك الأسر التي وقعت فيها ؛أوهمته بالذهاب إلى الحمام ،وكان الليل قد أسدل ستره ،وقبضت يدها على مقبض الباب ، وقطعت أول خيطاً من الشبكة ؛حتى أكتمل لها الفكاك ،وغاصت في أعواد الذرة ؛لا تخاف ليلا ولا ذئاب ؛وإنما يؤنسها نبح الكلاب ،والنجم الذي تخاطبه كلما لاح لها شيء يهاب ....

    بقلمي /سيد يوسف مرسي









يعمل...
X