تحت نصب الحرية

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فراس عبد الحسين
    أديب وكاتب
    • 18-08-2013
    • 180

    تحت نصب الحرية

    تحت نصب الحرية


    وأنا أراقب من فتحة الشباك الصغير العلوي خيوط شيب الصباح الرمادي وهي تغزوا عتمة شعر الليل الأسود, بالكاد استمعت لمنبه الهاتف النقال من بين بكاء الأطفال المستمر طوال الليل، ممزوج مع شخير الرجال المتواصل الممددين بجانبي ونقيق الضفادع المتجمعة فوق برك المياه الآسنة المحيطة بالحسينية, مروحة متدلية من السقف الرمادي العالي تئن لتحرك هواءً جافاً يلفح الوجوه والأجساد العارية لتبعثر غيوم البعوض المتجمعة وتنشر بدورها رائحة العرق النتنة مختلطة بروائح المرافق الصحية القريبة الكريهة.
    نهضت من الفراش لأرتدي ملابسي المعلقة فوق مسمار مثبت بالحائط قبل أن أتنحنح بصوت عال وأهم بالخروج من بين جدار البطانيات العازل,عيون أطفال مبتسمة بأعمار مختلفة ترمقني من تحت قطع القماش الفاصلة بين العوائل.
    ما أن خرجت هياكل عمودية غير مكتملة البناء تغص بالنازحين, مغطاة بأغطية مختلفة الإشكال والألوان تخفي خلفها آلام ومعاناة لتستر العوز والحرمان عن أعين الناظرين, خيام بيضاء متراصة بخطوط مستقيمة كأنها حقول للدواجن, عليّ إغلاق فتحات أنفي وكتم أنفاسي جيداً قبل عبور أطنان النفايات المتراكمة منذ سنوات, تتقافز فوقها الجرذان والقطط, من أجل لقمة العيش, والكلاب السائبة تتناسل فيما بينها بصمت ودعة بعيداً عن أعين المتطفلين.. في بلدي تتناسل الكلاب باستمرار لتنتج كلابا صغيرة فتكبر من جديد دون رقيب.
    ما أن وصلت لبيوت الصفيح البائسة المسماة ب "حي التجاوز", علب صفيح مختلفة الألوان ممتلئة بالتراب متراصة فوق بعضها البعض لا يزيد ارتفاعها عن المترين كأنها جحور حيوانات, أبوابها من الخشب أو قطع بطانيات متهرئة, سقفها قطع من الصفيح, رحلة البؤس اليومي تستمر وصولاً إلى الشارع العام البعيد.
    ما أن توقف الباص القادم من "أبو غريب باتجاه العلاوي" , خبازون, فلاحون, عمال ببدلات زرق, عمال مع معاول ومطارق, نساء ملتحفات بالسواد بأحضانهن قدور الجبن و القيمر, أسترق السمع لأحاديثهم المتبادلة تفوح منها رائحة العوز, الفقر, الحاجة, تشعرك بأنك تعيش في إحدى قرى "زمبابوي" النائية, والحافلة تسير بعجز مثل سلحفاة معوقة فوق طرق تآكل منها الإسفلت منذ سنوات طويلة, وصولاً لمنطقة العلاوي في قلب بغداد.. هل سأراكِ اليوم.
    - تأخرت أكثر من نصف ساعة, ارتدي ملابس العمل بسرعة وإلا قطعت أجرك لهذا اليوم, هيا بسرعة... كان هذا "محمود" صاحب المخبز بوجهه العبوس الأسود وهو جالس على كرسي يتدلى كرشه من بين فخذيه ويدخن الاركيلة.
    ابتدأت رحلة أكياس الطحين والماء ونار الفرن الحامية لتصل درجة الحرارة للغليان في شهر تموزاللاهب, بعد ساعات من الضجر, التعب, العرق, الفوضى, مع ذكريات أيام معهد الانبار الجميلة وواقع الفرن المؤلم, انتهى وقت العمل في الساعة الثالثة لم يبق من الوقت سوى ساعتين للوصول إلى ساحة التحرير.
    بين الجموع الغفيرة التي تمشي على الأقدام بعد غلق الطرق من قبل القوات الأمنية, رجال , نساء, أطفال, شيوخ, سيطرات من الجيش, سيطرات من الشرطة, تفتيش وتجعيص, شباب يلتفون بعلم العراق ووجوههم لامعة ينز منها العرق يحملون مكبرات الصوت والعديد من اللافتات والبوسترات المطوية, هم فتية أمنوا بالوطن وزادهم الله أيمانا, وأنا أبحث بين الجموع السائرة عن وجهها.
    عبر "جسر السنك" طيور النورس وهي تداعب مياه دجلة المتلألئة تحت أشعة شمس الصيف الحارقة, زوارق صغيرة وكبيرة, جسور خضراء كل واحد منها يحكي تاريخ مدينة, أولاد يسبحون, عشاق يجلسون تحت ظل الأشجار ربما بانتظار موعد التظاهرة.
    أكثر من ساعة مضت من الوقت حتى وصلت "ساحة الخلاني" جيش شرطة قوات التدخل السريع ومكافحة الشغب تنتشر في الشوارع والطرقات الفرعية والجموع تسير, حتى لاح نصب الحرية الشامخ من بعيد.
    ما إن أصبحت تحته, ماذا أبدعت لنا يا جواد سليم, نصب مهيب ذو سحر غريب يشدك بقوة ويثير في نفسك الرغبة في التساؤل كأنه وجد مع الوجود أو من زمن حضارة العراق البابلية أو الاكدية أو السومرية, وكأن هناك عملاق أسطوري نزل للأرض بعد تكوينها ماسكا بختم اسطواني مصنوع من البازلت أو المرمر ليمرره من اليمين إلى اليسار مثل كتابتنا العربية فوق ذلك الجدار العاجي ليرسم لنا بمنحوتات برونزية تاريخ بلاد الرافدين منذ الأزل.
    14 منحوتة بارزة يبتدئ بحصان يعلوا صهوته فارس أشوري وهو يحارب الأعداء ربما يمثل إحدى حروب وادي الرافدين العديدة التي لم تنقطع ليومنا هذا, وبجانبه رجل يرفع يدا ويلوح بالأخرى لجهة الفارس ومعه امرأة وطفل ترفع كلتا يديها وتصرخ تحت قطع تشبه أوراق ربما تمثل صفحات من تاريخنا المتعاقب أو هي رايات ولافتات الثورة على الظلم, بعدها تمثال رمزي لامرأة بزي غريب كأنها من زمن بغداد الرشيد, ثم أم تحتضن ابنها الشهيد واضحة عليها ملامح الحزن أعتقد هي إحدى فترات الاحتلال المغولي, العثماني, البريطاني, أو يمثلها جميعا بكل ما جلبت للبلاد من فقر ومرض وموت ومآسي, بجانبها صورة الأمومة التي تغمر حياتنا بالحب والطمأنينة لتمثل بقاء واستمرارية الأمل رغم كل الصعاب, يأتي بعدها تمثال لسجناء سياسيين والتعب والإنهاك من التعذيب واضح على وجوههم, ليتوسط النصب عسكرياً ظافراً قوياً ذو عضلات بارزة وهو يحطم قضبان السجن ويخلص السجناء ويشعرهم بطعم الحرية تحت شمس ساطعة في كبد السماء, يستقبله رجل يحمل شعلة الثورة, ثورة الزعيم عبد الكريم قاسم في تموز عام 1958, وما جلبته للبلد من تطور وعمران, وتمثال رمزي لامرأة تحت أشجار عالية نابتة فوق جبال شاهقة ربما تمثل وحدة البلاد من شماله لجنوبه, لتبدأ بعدها الثورة الصناعية الزراعية متمثلة بتماثيل للفلاحين وخلفهم نبتة الحنطة ورجال يضربون الحديد فوقهم ثور يمثل إله الخصب في حضارتنا القديمة ويستخدم لحرث الحقول من أجل الزراعة... كم أنت مبدع يا سليم.
    لكن ما هذا الهراء ربما أنا أهذي الآن بسبب العمل الشاق والسير لكيلومترات تحت أشعة الشمس الحارقة, فقد يمثل النصب أشياء أخرى لا يعلمها إلا النحات نفسه, لكن أين هي الآن...!.
    لافتة طويلة بطول نصب الحرية مرتفعة تعانق وجه السماء مكتوب عليها وبالخط العريض ( خبز, حرية, دولة مدنية, عدالة اجتماعية), لافتات حمر وبيض بمختلف المطالب, , مكبرات الصوت, أناشيد وطنية, حمام أبيض, أغصان الزيتون, ورود حمراء, شباب وبنات مزقوا جدار الصمت يصرخون بحب الوطن.
    اندمجت بين الجموع ووقفت معهم أخذت أهتف مثلهم بكل ما أوتيت من صوت, توسلت حنجرتي كي يصل صوتي لهنآك حيث المنطقة الخضراء المحصنة, تمنيت صوتي أن يكون أعلى بكثير ليخترق كل طبقات الجو ويجتاز كل السنين الضوئية ليصل هناك حيث السرمدية, إحساس غريب لن استطيع وصف ما أشعر به , أن أصرخ بصوتي عالياً مطالباً بالحرية, كيف بإمكاني وصف طعم الحرية.؟
    من بين كل الوجوه لمحتها من بعيد تفور نزقاً وثورة, تهتف مع الشباب من فوق المنصة أخذتني قدماي نحوها, تحمل كل أوصاف فتاة أحلامي, شعراً أسود ينسل على عيون سود سحرية من أصول عراقية أصيلة, خدود بيض بتأثير الشمس أصبحت حمراء قرمزية, فم صغير بشفتين مكتنزتين كأنه حبة فراولة ناضجة لم يتذوق طعمها أحد من قبل, وجسم أهيف رشيق طويل بخصر مستدق وتضاريس مرتفعة تحت قميص ابيض شفاف,عيون لماحة ذكية تنظر للأفق البعيد بين حين وأخر, وأنا مفارق هذا العالم من ضجيج وحر قائظ وصرخات بمطالب مختلفة, هائم ببحر جمالها المتلاطم الأمواج رمقتني بنظرة مقابلة, ابتسمت وابتسمت.
    صعدت بجانبها حتى التصق كتفي بكتفها, تحت النصب أسفل الجندي الظافر بالحرية نظرت للجنود المدججين بالسلاح يحوطون الساحة من كل جانب, تحت الشمس في أعلى النصب, ونحن تحت شمس تموز الحارقة, تحت الحصان الأشوري وثور القوة والنماء, تحت امرأة النصب الثكلى ونحن بين ثكالى مجزرة سبايكر, بين أعلام العراق, الحمائم البيضاء ,أغصان الزيتون, الورد الأحمر, لنصرخ سوية خبز حرية دولة مدنية عدالة اجتماعية.
    ينطلق صوتنا بعيداً ويتوغل بأطراف المدينة, لتعيد لنا جدران البنايات صدى الصوت من جديد, أو لربما هناك أناس بعيدون يرددون معنا شعاراتنا, خبز, حرية, دولة مدنية. هناك من بين بساتين النخيل في البصرة, أو من فوق جبال دهوك, أربيل, السليمانية, أو من تحت رايات الظلم الأسود في الموصل الحدباء, أعتقد من أقضية الرمادي البعيدة, لربما من كربلاء الثورة ونجف الآباء, من مآذن الجوامع ودرابين المحلات الضيقة, نسمع صوتاً من بعيد, خبز حرية دولة مدنية عدالة اجتماعية, عدالة اجتماعية, عدالة اجتماعية.
    ......................................

    فراس عبد الحسين
    فراس العراقي
يعمل...
X