بين شقاء الوعي والوعي الشقي
قراءة تأملية في مجموعة "وحين يكون الحزن وحده" (1)
للكاتب المغربي عبد السلام الجباري
قراءة تأملية في مجموعة "وحين يكون الحزن وحده" (1)
للكاتب المغربي عبد السلام الجباري
محمد المهدي السقال
توطئة:
أحببت التمهيد لهذه القراءة بما عانيته نفسيا، وأنا أتابع سرود المجموعة القصصية "وحين يكون الحزن وحده" للكاتب المغربي " عبد السلام الجباري"، بعدما وجدتني بالقوة وبالفعل ضمن كثير من فضاءاتها الزمكانية، شاهدا على قلق" أنا " جماعية، عاشت مرارة الإحساس بالفقدان، في مواجهة البحث عن المعنى بين تراكم تناقضات واقع لم يتنفس إلا من الانكسار والانهزام. كيف يمكن تجاوز هذا الانشداد العاطفي للذاكرة المشتركة بيني وبين الكاتب، بحكم تقاسم الانتماء التاريخي لمدينة الميلاد (القصر الكبير)؟ وفي جل قصص المجموعة حكايات تروي أحداثا تحرك الوجدان انفعالا وتفاعلا، تحت ضغط حضور مسارات أدري كثيرا من تفاصيلها مُعايشةً لحقيقة وجودها، أو مشافهة بالتواصل مع ما ترسب في الوعي الجمعي بالمرحلة، تساؤل دعت إليه حاجة التعامل مع المجموعة، إلى انضباط منهجي يلتمس قراءة محايدة تتوخى موضوعية مقنعة.
القصة القصيرة:
لا جدال في أن ارتباط السرد بالإنسان قديم قدم وعيه بذاته، وضمنه قدرته على الاستجابة لحاجة التواصل مع من يشاركونه الوجود، قبل الانفتاح على طرح أسئلة المعنى من هذا الوجود في فضائه الكوني المرئي المدرك، و اللامرئي المحدوس بالتأمل حينا والتخيل حينا آخر، فكانت الحكاية عن معيشه الاجتماعي والوجداني والفكري، من خلال استعادة تصوير الواقع عن طريق المحاكاة، قبل التدرج في اتجاه خلق صورة موازية عن ذلك الواقع في صيرورته، بتخيل أفق آخر لامتداد الممكن في حياته الفردية والجماعية، ولم تأخذ أبعادها النوعية ضمن الإنتاج الأدبي باللغة شفويا أو كتابيا، إلا مع بداية الانشغال بما يميز بنية خطابها وكيفية تأليفها مقارنة مع باقي التعبيرات القصصية عن الذات و المجتمع، طولا و قصرا ، تكثيفا وتفصيلا، محاكاة وتخييلا، عدا ما يتصل بانضباطها لمكونات تأثيث الفضاء السردي شخوصا و أحداثا و أزمنة وأمكنة، مع ما تستدعيه سياقات بنائها من حوار، أو ما يلحق تشكيلها من انفلات يخرق بنية الصورة النمطية للحكي.
تأسيسا على ذلك، يمكن الحديث عن انتهاء القصة القصيرة إلى التعبير عن رغبة الإنسان في القول حكايةً عن تاريخه الشخصي والجماعي، على خلفية وعي ثقافي تتدخل في صياغته معرفة متجددة بالذات والعالم، مستلهمة مفاهيم و قيما من صميم تحولات الفكر الإنساني في أبعاده الإنسانية، بعد سقوط كثير من التصورات الأصول التي ظلت مسلمات يستغرقها الثبات و اليقين عن النفس و العقل والتاريخ وغيرها. فلم تعد غايتها تحقيق تلك المتعة الفنية بجمالية التصوير وإحكام مهارة التوظيف لمختلف مكونات النص القصصي، بقدر ما باتت خطابا تعبيريا محملا بدلالات فكرية تستهدف الإقناع برؤية لتلك الذات والعالم انطلاقا من رهان التغيير.
و عدا ما يجمع عليه النقاد حول البنية العامة للقصة القصيرة من خلال مكونات الحدث والشخصية والزمان والمكان والحوار، مع تباين مستويات وظيفة كل مكون ومنحى توظيفه بين الحضور والغياب، فإن القصة القصيرة تبقى نوعا سرديا غير معياري، بحيث تتحكم في هويتها الأدبية استراتيجية المؤلف في بناء تسريده، بغاية تلقّ ممكن تحقيق متعة جمالية أو تحقق تفاعل ذهني ينفتح على التأويل باستقراء أو استبطان المتن القصصي، لذلك، يصعب القبول بتصنيف نص ضمن القصة القصيرة، إلا إذا استند إلى حكاية تُروى من خلال إعادة تمثيلها في مسرح حدثها، لكن بعد اشتغال على محتوياتها لتأخذ أبعادا رمزية، بتجاوز السارد تلك المحاكاة التصويرية لحقيقة وجودها، وجعل القصة القصيرة فضاء تعبيريا باللغة، مسعفا ببلوغ ذلك التأثير الجمالي الداعم لإحساس المتلقي بالعالم، عبر تذوق السرد في تمثلاته التخيلية وما تخلقه من تفاعل مع حمولاته الدلالية،فلم تعد غايتها تحقيق تلك المتعة الفنية بجمالية التصوير وإحكام مهارة التوظيف لمختلف مكونات النص القصصي، بقدر ما باتت خطابا تعبيريا محملا بدلالات فكرية تستهدف الإقناع برؤية لتلك الذات والعالم انطلاقا من رهان التغيير.
سؤال الانطلاق:
هل يستجيب النص القصصي القصير عند الكاتب عبد السلام الجباري لتلك الرؤية، رؤية انزياح الكتابة القصصية للتعبير الفني عن رؤية للعالم تراهن على تمثل الوعي بالوجود عبر صيغة جمالية؟ سؤال تطرحه سردية النصوص في مجموعة " وحين يكون الحزن وحده"، ونحن نتلَمَّسُ ما يمكن أن يميِّز كتابته ضمن مسعى مساءلة إضافته النوعية للمشهد السردي المغربي.
بعد مشاركة خجولة لا تراهن على الحضور الكمي في المشهد الثقافي أدبيا وفكريا، سيصدر الكاتب المغربي "عبد السلام الجباري"، مجموعته السردية الأولى سنة 1998، تحت عنوان " وحين يكون الحزن وحده "، لتشكل بدايته مع تجربة النشر الورقي في مُؤَلَّف من عشرين قصة قصيرة لم تتجاوز الأربع وثمانين صفحة من الحجم المتوسط، قبل استدراكها خلال السنة الجارية (2015)، بمجموعة ثانية تحت عنوان" وداعا شوبنهور"، ضمت ثلاثا وثلاثين قصة قصيرة شغلت 148 صفحة من الحجم نفسه. وبالرغم مما حظيت به المجموعة الثانية من احتفاء واحتفال، يفسرهما البعض بتحقق إضافات نوعية تؤشر على تطور الوعي بالكتابة القصصية عند الكاتب "عبد السلام الجباري"، فإن المجموعة الأولى تبقى محتفظة بقيمة المولود البكر، من حيث صدورُها عن رؤية فنية في مرحلة تكوين الجنين السردي، أو تعبيرُها عن رغبة في التواصل مع الآخر حول هموم و انشغالات الذات في عنوانها العاطفي أو الفكري، ناهيك عما يمكن أن يعكسه النص البكر على مستوى التأثر بالمقروء الأدبي ضمن الجنس الذي ارتضاه الكاتب قناة للإبداع باللغة، قبل الانخراط في إنتاج فعل كتابي يراعي المعرفة بمنطلقات وآليات تلك الكتابة، و أزعم هنا أن يكون النص البكر أبعد في تمثيل أصالة الشخصية الإبداعية، قبل تدخل تحكمات التجنيس النقدية، بما تستتبعه من حاجات التأقلم مع السائد في راهن القصة و تحولات بنيتها ومضامينها.
لعل اللافت في متون " الجباري" القصصية القصيرة، كونها تضيق على الناقد من خلال انغلاقها على الذات وانسياب الحكاية عن صراعات واقعها النفسي، في مكان محدود يؤثث حركتها وهي تواجه مصيرها، باجتراح أسئلة الكينونة من فيض وعيها الشقي بالعالم، حيث الحانة فضاء مثالي فضاء لتفجير "أنا" الذات ضدا على رقابة "أنا" المجتمع، ربما بحثا عن مصالحة مستحيلة مع ذلك " الهو" الغائب في زحمة الشعور المؤطر لوعي زائف، تحاول أكثر من شخصية التعالي عليه، بممارسة الحفر في اللاشعور بوساطة إكسير الخمرة التي تُذهب العقل أو تعطل قدرته على الانتصار لتلك "الأنا الأعلى" في واقع مرفوض وملفوظ في حياة الشخوص القصصية بمختلف انتماءاتها الاجتماعية والثقافية.
انطلاقا مما أثث مجمل النصوص من هواجس فكرية ذات منحى وجودي بأبعاده الإنسانية، عنت لي جملة ملاحظات حول طبيعة المقروء السردي اتصالا أو انفصالا عما تم الإعلان عنه من تصنيف للتأليف ضمن نوع القصة القصيرة.
هل نحن إزاء عمل سردي يتوخى إحداث متعة فنية وتذوق جمالي بالحكاية عن حالات واقعية تبقى في النهاية رمزية منفتحة على أكثر من تأويل، مع المراهنة على تحقيق حضور نوعي ضمن نسيج الخطاب السردي باللغة العربية في المغرب، بحيث تنزع قراءة المجموعة إلى التحليل في ضوء مباحث السرد العامة، من قبيل: الثيمات -البناء القصصي - وضعية السارد – البعد الرمزي – البنية اللغوية - تيار الوعي وغير ذلك مما تسعف به النصوص من استدعاءات؟
أم نحن أمام نصوص سِيَر حيواتٍ عِيشت بالفعل، يؤشر على ذلك استغراق الحكايات لحركة شخوص واقعية في أزمنة وأمكنة محددة ومعلومة، بل يجسد ذلك تمسك السارد في الحكاية بشروط السيرة من اتساع هامش الإسنادات للحقيقة العينية، باعتماد التوثيق والحرص على الأمانة في الرواية بما يضيق في الأقصى هامش الحرية في التخيل، بالرغم من بعض الميل إلى تعبيرات تتقصد التصوير، فينطبق عليها مفهوم الكتابة السيروية بمختلف استلزاماتها الفنية والتعبيرية والمحددة للانتماء لنوع سردي غير قصصي بالمعنى التخييلي؟
أتصور أن ثمة إمكانية للتعاطي مع مجموعة " وحين يكون الحزن وحده" ضمن تصنيفها المعلن من طرف الكاتب عبد السلام الجباري، تستند إلى قراءة في اتجاهين:
أحدهما يتناول المتن سردا تخييليا، بينما يعالج الثاني النصوص باعتبارها كتابة سيروية، على أن يكون هدف توزيع الاهتمام، تجميعَ خلاصة الاستنتاجات الممكنة، للانتهاء منها إلى تقييم المجموعة، إما اتباعا لتغليب التصنيف المخصوص في متداول التعاطي مع القصة القصيرة، وإما اختلافا معه بطرح تصور تركيبي للتصنيف، يقول بالقصة القصيرة السيروية أو السيرة القصصية القصيرة.
قد يبدو الاتجاهان منفصلين، غير أن تأمل مسوغ الفصل في القراءة، والمتمثل في فتح نافذة يمكن من خلالها مطارحة قضية حيوية تثيرها نصوص المجموعة، يتعلق الأمر بما يتبقى بعد قراءة المجموعة من معرفة بطبيعة الواقع الذي متح منه الكاتب مادته الحكائية، وما تقدمه من حالات للنماذج الإنسانية في معيش صراعها الوجودي اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا وغيرها من المستويات الواردة.
البنية:
أعلنت محتويات الفهرس عن عشرين قصة قصيرة ضمتها المجموعة، مكتفية بعتبات العناوين ميثاقا للقراءة دون استدراكها بما يلجأ إليه بعض السراد من عتبات للإيحاء بانشغالات النصوص أو التلميح لزمكان حكاياتها، وقد توزعتِ العناوينَ أسماءُ الأعلام بين رجال ونساء من شخوص الفضاءات السردية، مفردات : روزانا / سوسو / أنطونيو / ماركوس / سلبادور/ و جملا بالعطف : الباتول وسعاد / و مضافا إليه، أوهام لولوش / وخبرا آلام السيد البرناوي / آية الله الهاشمي / موت الطيب بنسالم /، أما باقي العناوين، فقد توزعتْ بين مفردة من أسماء جمعا في الأسئلة أو مصدرا في هبوط /الحملقة، أو جمل يكون فيها خبر المبتدأ معرفة أو بتعريف نعتا أو إضافة أو ظرفا (البحر و الكرطونة /أوهام الماء / نهاية مساء / الماء العاطر / حانة النخيل / سفر داخل الماء/ أطفال الخمسة نجوم.
هل كان الاحتفاء بالشخصية داخل النصوص القصصية موازيا لحجم حضورها في تلك العناوين؟
تساؤل آخر يفرضه بقاء الكاتب منسجما مع استحضاره لشخصيات تعكس لحظة وجودية وتفصح عن همومها النفسية والذهنية، لذلك لن يتجاوز في التعامل معها رمزية تمثيلها لجيل بكل ضياعه وإحباطاته، في غياب شبه تام عن الاهتمام بأية تفاصيل لا تحيل على ذلك الاختيار. يهتدي الكاتب إلى اختيار عنوان لأضمومته بما يكون في الشعر عامة، حين يتم اقتناص كلمة أو عبارة من المقول المحيل على نسق أو المرتبط بسياق، باعتبار ما تختزنه من حمولة تختزل من وجهة نظر الشاعر أو الكاتب محور الرؤية أو الانشغال، وقد عمد عبد السلام الجباري إلى هذا الاختيار، إلى اجتزاء عبارة وردت بصيغة الاستفهام الإنكاري، ضمن حوار السارد مع صديقه سلبادور، "بحثا عن سبيل للتحكم "في نفسه ورغباته أثناء امتلاء ذاكرته بالكوابيس والأحلام". - يقول لي : - لا فرق بين الحزن والفرح. - وأقول له : - وحين يكون الحزن وحده. (2) تنتهي الجملة بنقطة علامةً على إفادة اكتمال معنى، بالرغم من إمكانيات حملها على السؤال أو التعجب أو غيرهما مما يقتضيه السياق، ما دام السارد بتلك العبارة، إنما يستدرك ما ذهب إليه محاورُه الذي قرر على سبيل اليقين والإثبات أن" لا فرق بين الحزن والفرح" في التعامل مع الحياة، كأنه يقول له: ولكن ماذا سيكون الوضع "حين يكون الحزن وحده"، الحقيقة الموضوعية في كينونة الإنسان في غياب الفرح، هل ستنغلق في وجه الإنسان منافذ الأمل في التغيير مع سيطرة أحادية الحزن محركا؟! . تبدو العبارة العنوانُ مفصلية في تشكيل الرؤية للوجود والعالم والنفس، لأن كثيرا مما سبق أو سيلحق، سيستمر في الدوران حول المحور ذاته اتصالا بفيض معاناة السارد في جل المواقف التي تتاح له من خلالها فرصة البوح عن تعبيرات الأنا المتأرجحة بين " الهو" الفطري أو المكتسب بالطبيعة، وبين «الأنا الأعلى" المختزلة للوعي الجمعي بطقوسه النظامية والمشكلة للرقابة القبلية والبعدية على تمثل "الانا" للواقع بعد انفلاتها من سلطة" الهو". إن سياق العبارة محدد لدلالتها، لذلك لا يمكن فصل السؤال أو التساؤل الإنكاري في جملة: وحين يكون الحزن وحده"، عن مضمون الشحنة الانفعالية التي يقتضيها الموقف، استدراكا لجواب الصديق عن طلب تعلم كيفية تحقيق الرغبة المُعَبَّر عنها بقرار التوقف "عن التمادي في مثل هذه الكوابيس"، ممثلة في فقدان الثقة في محيطه القريب منه، في عجزه عن التناغم مع ذاته حين يستسلم للتنازل "عند رغبة بعض الأصدقاء"(3)، في مواجهة تعرفه "على أخلاق سكان المدينة الجديدة"، في مرارة الإحساس بتوالي التعرض لهزات واستفزازات نفسية، ترتبط أساسا بهدوء طبعه وخصوصيات القيم الأخلاقية التي تربى عليها في مدينة الميلاد والمنشأ. حين ينطق السارد عبارة العنوان في وجه محاوره بصيغة الاستفهام الإنكاري، لا ينتظر جوابا لحصول معرفة كان يرغب في الوصول إليها، وإنما يقرر حقيقة موضوعية لا يعيشها السارد وحده، بل يمثل فيها حالة وجودية إنسانية تنفي وتلغي زعم التساوي بلا" فرق بين الحزن والفرح"، لأنها لا تفيد غير الاستسلام لمواصلة العيش ومعايشة الواقع بمنطق المجتمع، وهنا بالذات، يصبح الراغب في المعرفة، مالك المعرفة الغائبة عن مخاطَبِه، بإنكار طرحه وتشكيكه في دعواه وضمنيا تقرير ما يفيد تكذيبه وإبطال دعواه. سيهيمن منطق الجدل على كثير من المواقف التي اتخذها السارد إزاء الآخر، في مواجهة معيشه متأرجحا بين رغبة الانفصال عن الواقع و رهبة الاتصال بالذات، قبل الانتصار للعودة إلى الانتكاس الداخلي لحفر العمق الوجداني والفكري ضمن نزعة التماهي مع أسئلة اللحظة الوجودية. غير أن الجدل الذي اتخذه السارد أداة للتواصل مع العالم، لن يكون محاولة منه لتغيير الوجود من حوله، بقدر ما سيكون اختيارا لفهمه وتفسيره، بما ينسجم مع رؤاه لتثبيت المصالحة مع الذات الممزقة بين أسئلة ذلك الوجود المعتل في جل صوره ومظاهره الاجتماعية والثقافية والفكرية والسياسية، وهو ما يمكن رصده على امتداد أكثر من مائة سؤال أو تساؤل توزعتها جل أدوات الاستفهام (ما / هل/ ماذا / كيف/ أين/ مَن/ أيّ / أ) على لسان السارد، دون بحث ما تم التعبير عنه من خلال أصوات الشخوص المحمولة على صوت الكاتب ترجيحا. (4)
من فضاء الحانة تبدأ الأسئلة الوجودية انطلاقا من تفاعل ذات السارد مع اللحظة في المكان، فهناك تسعفه الأشياء وتصبح طيعة، حين يلجأ إلى تحويل اتجاه الذاكرة كي تفيض بما يرغب في استحضاره من مخزون وعي "الأنا"، مهما كان لفيض " الهو" من إحداث للألم، حين يبدأ في استرجاع مكبوتاته الغالية، فقناعته راسخة " بأن الألم أحد ركائز الحياة الدنيا والآخرة." في فضاء الحانة يستعيد السارد وعيه بذاته في كينونتها الشخصية، منشغلا بما يكون عليه وجوده، حين ينتكس إلى الداخل في مواجهة الإحساس بالانفلات من منطق العقلاء للدخول في حلقة المجانين، سائلا " هل أنا مجنون...؟ أو متسائلا: ماذا أنا فاعل الآن؟ غير أنه في خضمهما، لا يزداد إلا اشمئزازا ونفورا، فتراه يشق ذاته ويغوص في الماضي السحيق عله ينسى أو يتناسى "هذه الشعبوية الهابطة"(5)، بعيدا عن أية رغبة في "حوار، حجاج، برهنة، استدلال، قياس، استقراء، استنباط،".
لا يبدو الكاتب منشغلا بتنامي وتطور شخصيات قصصه، إذ يتم تقديمها كنماذج بشرية تجسد حالات واقعية جاهزة بحمولاتها الدلالية والرمزية، مع انفصال شبه تام عن مسار تكوينها الاجتماعي والنفسي والفكري. ينطبق ذلك على المرأة التي حضرت بوجودها الأنثوي كموضوعة جنسية، مع ما يعنيه ذلك من إذلال لكينونتها الإنسانية، تحت وطأة الحاجة وقهر الظروف المادية أساسا، كما ينطبق على الرجل الذي غلب على حضوره بؤسه الذهني وانكسار وعيه الشقي بذاته وبالعالم من حوله.
غير أن الشخصية الجاهزة ليست نمطية ثابتة التشكيل، ما دامت الشخصية دينامية في حركتها الوجودية انفعالا وتفاعلا مع صيرورة الواقع، رغم ارتهان رد الفعل على مستوى التفكير والسلوك، للعجز والانهزام والفشل، باعتبارها قواسم مشتركة للذوات المنهوكة بتوالي الخيبات.
إن الشخصية في " وحين يكون الحزن وحده" ليست خلقا فنيا تخييليا يستثمر الكاتب وجوده لتمرير خطاب أو رسالة، لأنها موجودة بالقوة وبالفعل في مسار تاريخي من حياة الكاتب، بمعنى أنها سابقة الوجود في الواقع بما كانت عليه، وليس كما يريد لها الكاتب ان تكون عليه، بالشكل الذي يتحقق عادة في النص القصصي. لذلك، سيهيمن على القصة القصيرة عند المؤلف اختيار التعبير عن كينونة وجودية لذاوت لها حضور مادي في ذاكرته، لذلك لا يبدو منشغلا ببناء الشخصية في قصصه، بقدر ما يبدو مهتما لحالها مغموما لوضعياتها المصيرية بشكل درامي.
سؤال التقييم:
لماذا تم التركيز على حالات إنسانية بعينها دون سواها ممن عرف أو عايش الكاتب في مجالات أخرى غير تلك الفضاءات التي استحضر فيها نماذج شخصياته؟
هل كان الاختيار مقصودا للتناسب مع السائد في النص السردي المغربي في التسعينات، حين كانت الشخصية تستجيب لمواصفات الإحباط في أرقة تمثلاته عند الخوري وزفزاف وشكري ممن يستشهد بهم الكاتب نفسه في أكثر من سياق؟
أم كان الاستحضار تحت إكراه الحاجة للمصالحة مع الذات من خلال استعادة حضور الشخصية بكل ملامحها الواقعية ضمن مسار حياتي جسد علامات المعاناة التي تقصد الكاتب تعريتها في واقع مهترئ؟ هل يمكن النظر إلى مجموعة عبد السلام الجباري" وحين يكون الحزن وحده"، من زاوية ما ميز الخطاب القصصي القصير على مستوى بنيته الدلالية، ارتباطا بما شكله التيار الاحتجاجي في الكتابة شعرا ونثرا بأروبا وأمريكا، من تأثير على كتابات رواد التجديد التأسيسي في بنية السرد المغربي، ممثلا في المحمدين زفزاف وشكري خلال العقدين السابع والثامن من القرن العشرين؟
يطرح السؤال بتواز مع ملاحظة تأثير التيار الوجودي في مظهره التحرري على شكل ومحتوى الخطاب المنجز قصصيا عندهما، في غياب أدنى إشارة تلميحا أو تصريحا لذلك الاستلهام، مع ما يحضر بقوة من تأثير فضاء المرحلة فكريا وأدبيا في إنتاجاتهما، خاصة ما يتصل بدروب الحرية عند " جان بول سارتر" ونموذجه المثال في أمريكا" تشارلز بوكوفسكي"(6)، رائد ذلك التيار الاحتجاجي المتمحور أساسا حول قضايا الوجود الفردي بقلقه وأسئلته وإحباطاته الاجتماعية والسياسة، في واقع مأزوم لا يتناسل إلا في اتجاه تعميق الإحساس بشقاء الوعي و امتداده المأساوي في حركة الذات بحثا عن استعادة الزمن الضائع. يمكن وصل ذلك التساؤل بما مثله حضورهما في ذهن الكاتب عبد السلام الجباري، بعد ورود اسم زفزاف وشكري ومعهما الخوري، باعتبارهم ثالوثا " قدم خدمة جليلة للإبداع المغربي في ذلك الزمن الوردي" (7) ، أو بما ظهر من هيمنة حقول معجمية ودلالية على القصص العشرين في المجموعة بلا فرق، إذ ظلت تمتح من فضاء الحانات بحيوات شخوصها الإنسانية، متأرجحة بين رهبة الاحتواء في خانة الجمود، ورغبة الانفلات نحو عوالم تحقق فيها الذات حريتها بتصعيد تكون الخمرة فيه عامل انفصال بالقوة لممارسة تلك الذات كينونتها بالفعل، لذلك ستشكل الخمارة متنفس الذات في بحثها عن ملجأ للهروب من واقعها بعد معاناة مرارة العجز عن الانخراط في مواجهة الممكن، لترجمة وعيها بالعالم في مجالات التحقق النقابية أو السياسية، قبل تضخم ذلك الإحساس بالوعي الشقي تناسبا مع الافتقار للقدرة على الفعل الوجودي في الواقع التعيس، وما يحاذيه من رفض مطلق للقبول بالتعايش معه وفق منطق المستلبين المحكومين بوعي زائف. ثمة أكثر من مؤشر على اتصال المجموعة بانتماء ثقافي يجسده الكاتب ساردا، حين يعيد نسج حكاياته من يومياته بين الحانات، شاهدا على جيل من الشباب كسرت أحلامه صدمة التحول نحو الضياع والتلاشي، فصاروا يستلذون الإهمال والبؤس والتهميش بين النبيذ والنساء، بعدما خذلتهم الحياة وانقلبت عليهم بفرض رؤى وتصورات ظلت هجينة في قراءتهم لها، لكنها لم تمنعهم من مواجهتها بالعبث الوجودي والتعالي عليها.
محمد المهدي السقال
القصر الكبير 3/12/2015
****************************
************************************