الصدر مطلق ...... كيف جاءا هكذا وتمردا عليه
عيناه أبدا في صدرها. لو حكت صدرها للقيت نهداها وعينيه
هات مثالا من مشاهداتك اليومية على حركة القلب حين يضخ الدم . سأل المدرس التلاميذ . رفع أحمد يده وأجاب : كحركة النهدين في صدر المرأة حين تسير.
بحلق الزملاء في وجهه , وحدها فاطمة نظرت فوق طاولتها , أحس المدرس بالحرج أن يدخل في التفاصيل , قوّس عينه نحو أحمد وهو يقضم شديدا على شفته السفلى
هنا يكمن دائما , ويتربص , هاهي قادمة , قلبه هنا في جوف صدره ونهداها هناك على صدرها , حركة القلب هنا وهو يضخ الدم وتلكما النهدان هناك على صدرها وهي تسير, يفتح كف يمينه على اليسار من صدره فوق قلبه : القلب هنا ينبض مرة .
يفرد سبابته اليسرى يشيربها إليها : وهما هناك غير مرة .. القلب وحده هنا وهما هناك متضامنان .. القلب غائر هنا وهما هناك يبارزان .
عيناه هناك على صدرها يتقدم ويعود , وكأنه هو من يتقدم ويعود في هندول أمه المتدلّي من طرفي السرير.
.
أحس بملمس صدرها في صدره , صار صدره بحساسية مقياس جهاز الترمومتر, لن تصل القشعريرة الآن في صدره إلى قياس محدد , حول صدره : كالخريف , والربيع , والشتاء , والصيف . كلها معا , لم يكن هناك الفصل المستقر الواحد , كل الفصول هنا , وكل الفصول غير مرتبة , وغير متسلسلة , حوله مناخ ليس كمناخ , وطقس ليس كطقس , كل شيئ في طريقه إلى ابتكار , سينفذ كل شيئ الآن .
يقترب منها , سيوحي لها بأنه لايراها
في كل مرة يكمن في الطريق , ليراقبها وهي تسير, لن يكمن هذه المرة , سيتقدم . كان عليه دائما أن يغرزفي يقينها أنه لاغرض له , وأنه عابر سبيل مثلما هي عابرة سبيل , ولاشيئ في الأمر سوى هذا, والجميع يمرون من هنا وليست وحدها , ويسيرون على الطريق , هذه المرة سيتقدم نحوها هي , وحدها هي , عيناه هنا على جانبي أنفه نحو صدرها هناك كالتلسكوب على الأرض وهو يشاهد السماء , ماذا لوأنه يهبط على السماء . هاهو يحوم , يقترب , يدنو , ستلاحظه , وستفرمنه , وستفسد عليه قشعريرته , هولا يريد أي عارض يفسد عليه قشعريرته , ليس إلا أن ينزلق نحوها , لكنه يخشى أن يفقد توازنه حقا , فينزلق بعيدا عنها , أو يصطدم بها فيؤذيها , لكنه لن يستطيع أن يهبط غير أن ينزلق, سينزلق الآن , وهاهو ينزلق .
نظرت إليه يقع ويتكئ بيديه فوق الأرض أسفل منها , حين كانت هي تتقهقرعن يديه اللتين كادتا أن تلمسا صدرها , أحست بعينيه تنفلقان من صدرها , وتظن أن ريح أصابع كفيه لفحت حلمتي نهديها , ولقد قال شيئا , لكن تلك الأحرف التي خرجت من لسانه تبعثرت منه حين سقوطه ولكنها تعني ماتقول ... لقد سمعت شيئا ما ذلف عميقا فيها
كانت قبل هذه تشاهده على جانبيها ليس قريبا بأي مقارنة كهذه المرة , ولا يقول شيئا , وحتى وإن لمحته ينظر إلى صدرها فإنها لن تؤكد حقيقة ذلك حين تنظر إلى عينيه فترى عينيه بين قدميه أو أمامه على الطريق وليستا في كل الأحوال فوق صدرها . في هذه المرة أحست وبشكل قاطع بعينيه تنغرزان في طرفي صدرها , وتظن حد التأكيد أن ريح أصابع كفيه لفحت حلمتي نهديها
أحست بلحمتين في صدرها تنفلقان , وضعت كفيها عليهما مفتوحتين وأطلقت تنهيدة عميقة .
في المساء وقد أغمض جفنيه . ومن دون كل الناس هرلاء الذين اختفوا عن بكرة أبيهم كانت فاطمة قادمة نحوه تلوح بذراعها كأقواس قزح , وعقود نجمات تزغرد حول راسها , في الأثناء أحس بكتفيه كصخرتين عظيمتين حين كان أحدهم يضع مخلبيه فوق رأسها ويحتويه ويطير,. عيناه تحلقان في فضاء خاو , أدرك بأنه لا يستند على شيئ , لاوزن له , والأرض تهوي من تحت قدميه, ووحده يدور في الفضاء حتى لا يتناثر ويصير عدما كونيا . أغمض عينيه حتى لايذوب في الظلمة الكونية , وبدأ يفيق وحده ممددا على السرير, ولا شيئ غير ظلمة الليل تحيط به
كان أحمد زميلا لفاطمة في الصف الثالث من المر حلة المتوسطة في القرية والتي لاتتوفربها مدرسة مستقلة للبنات , وكانت فاطمة يتيمة الأبوين , سوى أن أختها الأكبر منها بسبع سنوات أدخلتها المدرسة المتوسطة الوحيدة في القرية , لتواصل تعليمها وحيدة دون البنات اللائي ماكان إباؤهن ليرضوا باختلاطهن مع البنين , وماكان بمقدور أحمد أن يلتقي فاطمة في مكان ما , داخل المدرسة أو بعيدا عن المدرسة , بسبب من الثقافة التي تختزل المرأة في مسمى العار الذي سيتدنس في اقرب فرصة تحين له , ولأن القرية صغيرة لاتتوفرعلى فرص لالتقاط لقاء طبيعي يفترض زمنا بعيدا عن أعين الآخرين , فقد كان احمد يتحين الفرصة ما أمكن بين بيتها وبيت جارتها , فالطريق بين بيتها والمدرسة مشغول بالزملاء , وكان عليها ألا تتحدث إلى زميل آو أحد سوى أهلها إلا في وجود أختها وأخيها الصغير, وهما جموع أهلها , واللذين لا يكونان إلى جانبها إلا حين تكون داخل المنزل , وكانت فاطمة تستجيب ابدا لمشاعرأختها , وتدرك مقدار الحب الذي تكنه أختها لها , والجهد الذي لا تتوانى عن بذله في سبيلها , حتى لأنها تسربت من دراستها إلى الأبد , رغم حبها ورغبتها في التعليم , لتتفرغ لرعايتها وأخيها الصغير , وهوما دفعها إلى المثابرة في دراستها , ولم يكن أحد ليتفوق عليها سوى تنافسها هي وأحمد , وكانت تتمنى في شعور حثيث أن تتفوق عليه في أي لحظة , ودائما ما تشعرانها في سباق معه , الأمر الذي خلق في وجهه الآخر استدعاءا دائما لكل منهما للتفكير في الآخر , ليس بمعنى محدد , وإنما هو استدعاء لابد أن يستجيب إليه الواحد منهما وهولا يدري ماوراء الأكمة
كانت تشعر به وهي الأنثى الوحيدة من بين زملائها منفردا متفردا , ليس لأنه ذكي , فلم يكن ذكاؤه ليمثل غير نسبة مضافة في أي استدعاء لمشاعرها نحوه
كان أحمد يتربص خارج المدرسة ليشاهدها بين بيتها وبيت جارتها وهي تسير, ويحاول الاقتراب منها مشدوها وهائما بحراك الأنثى الذي لايقر له قرار, وتلك النقلة حين السكون في صدرها فوق مقعدها في الفصل الدراسي يراه منذ اللحظة حين تنقل النقلة الأولي من جسدها على إحدى قدميها وقد دبت فيه الحياة كأعذب حياة يتخيلها يمكنه القبض عليها
وحتى وأنه لم يتحدث إليها فإنه ظل يشعر أن هناك أكبر من شعرة تربط بينه وبينها, وأن هذه الشعرة قد فتلت وقويت حتى أنها لم تعد في حقيقة الأمر شعرة , بل صارت شيئا آخر أسمك وأقوي ويمكن الوثوق إليه
في هذه الإثناء , وقد تأكد لديه أنها أقرب إليه من أي وقت مضى , دنا منها , وتمكن أن يقول شيئا قريبا من أذنيها حين انزلق بين يديها, وتمكنت هي من سماعه , أحست أنه أقرب منها إليها , كانت كلماته هذه استدعاءا مهيمنا على استدعاء المنافسة , ذلف عميقا في روحها , صار أقرب إليها من أي كائن بشري آخر, أحست بقوة هذا الشعور وأنه مسيطر عليها , لم تكن ترغب في المقاومة , ولم تطلب تفسيرا , لان هذا الحضور الطاغي لأحمد , ليس من بين زملائها فحسب , حتى أنها لم تسأل هل صار أقرب إليها من أختها وأخيها , لأنها وهي تدرك ذلك في عذوبة فارقة وحبور سحيق , تشعر أنها تحب أختها وأخيها الآن كما لم تحبهما في أي وقت مضى , وأنها وقبل أي زمن قادم يجب أن تحافظ عليه الآن , لتقول له في الفرصة التالية : ( لن تراني هنا مرة أخرى ) . وكأنها حشدت فيه في لحظة واحدة كآبة من أقصى الكون إلى أقصى الكون , وكأن أحدا يقبض علي عنقه أبدا , وكأن كائنا خرافيا سحب كل الهواء من كل الكون بشهقة واحدة .
( انأ سأ تدبر المكان ) أضافت وكأنها خلقته مرة أخرى
صارا يلتقيان عند أختها , لا يلتقيان معا منفردين , ودائما سيكون أخوها الصغير ملازما لهما متى اضطرت أختها للانفراد بنفسها لأي غرض لبضع دقائق , ولا يستطيع هوان ينتزعها وحدها , في ذات الوقت الذي ظلت أختها ترمى على التأكيد في شعورها أن المدرسة خير لها من أي شيئ آخر, فكل شيئ في المدرسة ,ولاشيئ في غير المدرسة , والإثبات واضح وجلي وناصع وحاسم في وجود هذا الكل شيئ والذي هو أحمد
( أريدك وحدك ) . بدأ أحمد سيقول لها وسيتراجع , كان قلبه يركض في جسده , ليتراجع غير مرة , ليعود سيقول لها غير مرة , وليتجرأ و يقول لها أخيرا : ( أريدك ) ولم يزد عليها ( وحدك ) . وكاد أن يتراجع إلى الأبد , بل أن يسحب ما قاله , إلا انه دحرج : ( وحدك ) ولم يستطع اللحاق فهوت , وراح يراقب كل شيئ من فاطمة , هل تجاوز حده ؟ هل تطاول عليها؟ هل ارتكب إثما ؟ هل ستصرخ في وجهه وتهيل عليه الناس وأختها وأخاها ؟ لم يلتفت إلى الوجه الآخر : هل ستبادله الشعور والرغبة ؟ هل ستقول نعم ؟ راح يراقب كل شيئ ولا يستطيع فعل شيئ , كأن قلبه شيئ قابل للكسر ثمين سقط من بين يديه فجأة على أرض صلبة . هل سيتحطم ؟ كل شيئ سيتحقق الآن ليس لأكثر من ثانية خلال تفاصيل انفعالاتها الدقيقة على وجهها
- أنا معك
*. لست معي يافاطمة ... ألاترينه ؟ هاهويعود . أنت فاطمة يافاطمة لكن الذي معي فاطمة وأخوها وفاطمة وأختها وفاطمة وأخوها وأختها ... أريدك فاطمة لاأكبرولاأصغر لاأقل ولا أكثر
عندما تكون أختها منفردة لنفسها , أو أنهما يسرقان منها زمنا لهما وحدهما, مكانا لهما وحدهما ,بعيدا عنها , سيكون أخوها الصغير تلميذ الخامسة ابتدائي ملتصقا بهما , أينما وحيثما وكيفما كانا , وحين يريدان تغييبه للاختلاء دونه فسيرسلانه لشراء شيئي ما : قنينة ماء . علكة لبان. قطعة بسكويت , لكنه سيعود كأن لم يذهب , ولعل أختها احتاطت للأمر فهي لن تمنع الصغير أن يلبي طلبهما , وستنبهه أن يعود سريعا , وألا يذهب إلى مكان بعيد يرسلانه إليه , وفي كل الأحوال فالقرية صغيرة , وليس في القرية من مكان بعيد , وستشاركهما في الاستذكار بما تبقى لها من معلومات حفظتها خلال دراستها حتى الثانية متوسط قبل أن تتفرغ لأختها وأخيها بعد أن توفي أبوهم ولحق بأمهم , كانت تتداول معهما حول خط الأعداد, والدائرة, والدورة الدموية, وهل الأرض تدور أم لا؟ و القمر: هل مضيء أم معتم ؟ وتلاحظ أنهما يتحدثان غالبا عن خط الأعداد والمثلثات والدوائر حين تعود إليهما بعد أن تكون قد اختلت بعيدا عنهما ويكون أخوها الصغير ملازما لهما
وفي إحدى المرات حين لاحظت وهي قادمة نحوهما أن أخاها الصغير ليس معهما , ظنت أنها سمعت وقبل أن يتوقفا وهما في حالة من الإرباك عن الحديث حين شاهداها قادمة لفظة مثل (النهدين ) أو مثل (القمر) , أو أنهما (النهدان والقمر) , ولم تتمكن من التأكيد على أن ما سمعته هو ذاته ما تظن أنها سمعته , وكان عليها أن تفهم المعنى وفق تقديراتها هي وتتعامل معه بحذق , وكانت قد نبهت أخاها في الماضي ألا يتأخر عنهما , وان يعود إليهما سريعا , لتكتشف الآن أنها لابد أن تضيف : ( ولا تذهب إلى مكان بعيد يرسلانك إليه ) ولم تزد. فأختها حبيبة إليها , وأختها تود أحمد , وأحمد وفاطمة مازالا طفلين, وأحمد تلميذ ذكي , وهو صغير , ولا ضير من العطف عليه , وفي كل الأحوال فليس هناك شيئ قد تحدد بعينه .
كان أحمد يعلم هو وفاطمة انه لا فرصة أمامها للالتقاء منفردين , وأختها وأخوها ليسا رسمين يمكن إزالتهما بالممحاة , وليس من مكان غير بيتها يمكنهما التواجد فيه معا غير المدرسة وبيت الجيران , وخلال النهار فقط , وكلا المكانين مشغول بالكائنات البشرية , وأختها وأخوها لا يغيبان عن البيت , وان غابا فستغيب هي معهما ..
في الليل حين ينامان : أختها وأخوها , في تهامة ذات الطقس الحار , سيضطران في الشتاء, في يناير, إلى النوم في داخل الكوخ , وستنام هي تحت السماء بجانب الباب عند مدخل الكوخ داخل حائط العيدان وهي عادة أبناء القرية في الصيف ,ستقول لأختها أنها ستدخل إلى جوف الكوخ إذا اشتد البرد , (وسيكون أو فستكون جفناها مغمضين أو مغمضتين ) ولا تنام , وتمديدها هذه أوتلك على عينيها تحشرجهما ولا تنام , وفي الساعة حين ينام الناس كل الناس يأتي هو إلى بيتهم , وسيكون باب البيت مغلقا , لكنها ستكون هي قد فتحت المغلاق الداخلي للباب متى تأكد لها أن كل شيئ على مايرام , فيدفع الباب إلى الداخل , فيدخل إن لقيه مفتوحا , ويعيد إغلاقه من الداخل , فتراه هي فتنهض وتتقدم نحوه , ويلتقيان داخل حائط العيدان في موقع يكون مقابلا لباب الكوخ , ولأنهما لن يأخذا السراج معهما ليتمكن هو بالذات من المشاهدة , وحتى وان أشعلا عود ثقاب فان أختها وأخاها سيريان شعلة السراج أو شعلة عود الثقاب وسيشاهدانهما , فلن يشعلا أي ضوء , وسيكون ضوء القمر , والقمر في السماء , وهما لا يحملانه , ولا ولن يشعلانه , فإذا نظر أحد إلى القمر, فسينظر إليه في السماء , وهما ليسا هناك
السماء الليلة مقمرة. لازوردية. صافية. بهية. تحتوي الدنيا كلها وتضعها بين كفيهما .
أرسلا أعينهما نحو باب الكوخ . السراج في داخل الكوخ مطفأ وضوء القمر الباهر يحتد على باب الكوخ يحشر الظلام كثيفا في الداخل وأختها وأخوها يذوبان في الظلام
أحسا بالأمان . كل الأمان . مطلق الأمان . فالقمر لهما وحدهما هنا تحت السماء , وليس من قمرفي داخل الكوخ , وحدهما يريان , ومن بالداخل لايرى غير الظلام
أحست بخوف في نهديها شهي, عذب, ساحر. كانت تقف أمامه , بحلق فيهما , وراح يفحصهما : لاصلب ولا سائل ولا غاز . شهق ولم يعد , وضع وجهه بين نهديها وانخطف
أحست فاطمة خلفها بملمس كف ثالث أليف فوق ظهرها
ليس من زمن متاح لتستدير فيه نحو أختها
كل شيئ من مثقال ذرة حتى الطوفان كان يحدث الآن
عيناه أبدا في صدرها. لو حكت صدرها للقيت نهداها وعينيه
هات مثالا من مشاهداتك اليومية على حركة القلب حين يضخ الدم . سأل المدرس التلاميذ . رفع أحمد يده وأجاب : كحركة النهدين في صدر المرأة حين تسير.
بحلق الزملاء في وجهه , وحدها فاطمة نظرت فوق طاولتها , أحس المدرس بالحرج أن يدخل في التفاصيل , قوّس عينه نحو أحمد وهو يقضم شديدا على شفته السفلى
هنا يكمن دائما , ويتربص , هاهي قادمة , قلبه هنا في جوف صدره ونهداها هناك على صدرها , حركة القلب هنا وهو يضخ الدم وتلكما النهدان هناك على صدرها وهي تسير, يفتح كف يمينه على اليسار من صدره فوق قلبه : القلب هنا ينبض مرة .
يفرد سبابته اليسرى يشيربها إليها : وهما هناك غير مرة .. القلب وحده هنا وهما هناك متضامنان .. القلب غائر هنا وهما هناك يبارزان .
عيناه هناك على صدرها يتقدم ويعود , وكأنه هو من يتقدم ويعود في هندول أمه المتدلّي من طرفي السرير.
.
أحس بملمس صدرها في صدره , صار صدره بحساسية مقياس جهاز الترمومتر, لن تصل القشعريرة الآن في صدره إلى قياس محدد , حول صدره : كالخريف , والربيع , والشتاء , والصيف . كلها معا , لم يكن هناك الفصل المستقر الواحد , كل الفصول هنا , وكل الفصول غير مرتبة , وغير متسلسلة , حوله مناخ ليس كمناخ , وطقس ليس كطقس , كل شيئ في طريقه إلى ابتكار , سينفذ كل شيئ الآن .
يقترب منها , سيوحي لها بأنه لايراها
في كل مرة يكمن في الطريق , ليراقبها وهي تسير, لن يكمن هذه المرة , سيتقدم . كان عليه دائما أن يغرزفي يقينها أنه لاغرض له , وأنه عابر سبيل مثلما هي عابرة سبيل , ولاشيئ في الأمر سوى هذا, والجميع يمرون من هنا وليست وحدها , ويسيرون على الطريق , هذه المرة سيتقدم نحوها هي , وحدها هي , عيناه هنا على جانبي أنفه نحو صدرها هناك كالتلسكوب على الأرض وهو يشاهد السماء , ماذا لوأنه يهبط على السماء . هاهو يحوم , يقترب , يدنو , ستلاحظه , وستفرمنه , وستفسد عليه قشعريرته , هولا يريد أي عارض يفسد عليه قشعريرته , ليس إلا أن ينزلق نحوها , لكنه يخشى أن يفقد توازنه حقا , فينزلق بعيدا عنها , أو يصطدم بها فيؤذيها , لكنه لن يستطيع أن يهبط غير أن ينزلق, سينزلق الآن , وهاهو ينزلق .
نظرت إليه يقع ويتكئ بيديه فوق الأرض أسفل منها , حين كانت هي تتقهقرعن يديه اللتين كادتا أن تلمسا صدرها , أحست بعينيه تنفلقان من صدرها , وتظن أن ريح أصابع كفيه لفحت حلمتي نهديها , ولقد قال شيئا , لكن تلك الأحرف التي خرجت من لسانه تبعثرت منه حين سقوطه ولكنها تعني ماتقول ... لقد سمعت شيئا ما ذلف عميقا فيها
كانت قبل هذه تشاهده على جانبيها ليس قريبا بأي مقارنة كهذه المرة , ولا يقول شيئا , وحتى وإن لمحته ينظر إلى صدرها فإنها لن تؤكد حقيقة ذلك حين تنظر إلى عينيه فترى عينيه بين قدميه أو أمامه على الطريق وليستا في كل الأحوال فوق صدرها . في هذه المرة أحست وبشكل قاطع بعينيه تنغرزان في طرفي صدرها , وتظن حد التأكيد أن ريح أصابع كفيه لفحت حلمتي نهديها
أحست بلحمتين في صدرها تنفلقان , وضعت كفيها عليهما مفتوحتين وأطلقت تنهيدة عميقة .
في المساء وقد أغمض جفنيه . ومن دون كل الناس هرلاء الذين اختفوا عن بكرة أبيهم كانت فاطمة قادمة نحوه تلوح بذراعها كأقواس قزح , وعقود نجمات تزغرد حول راسها , في الأثناء أحس بكتفيه كصخرتين عظيمتين حين كان أحدهم يضع مخلبيه فوق رأسها ويحتويه ويطير,. عيناه تحلقان في فضاء خاو , أدرك بأنه لا يستند على شيئ , لاوزن له , والأرض تهوي من تحت قدميه, ووحده يدور في الفضاء حتى لا يتناثر ويصير عدما كونيا . أغمض عينيه حتى لايذوب في الظلمة الكونية , وبدأ يفيق وحده ممددا على السرير, ولا شيئ غير ظلمة الليل تحيط به
كان أحمد زميلا لفاطمة في الصف الثالث من المر حلة المتوسطة في القرية والتي لاتتوفربها مدرسة مستقلة للبنات , وكانت فاطمة يتيمة الأبوين , سوى أن أختها الأكبر منها بسبع سنوات أدخلتها المدرسة المتوسطة الوحيدة في القرية , لتواصل تعليمها وحيدة دون البنات اللائي ماكان إباؤهن ليرضوا باختلاطهن مع البنين , وماكان بمقدور أحمد أن يلتقي فاطمة في مكان ما , داخل المدرسة أو بعيدا عن المدرسة , بسبب من الثقافة التي تختزل المرأة في مسمى العار الذي سيتدنس في اقرب فرصة تحين له , ولأن القرية صغيرة لاتتوفرعلى فرص لالتقاط لقاء طبيعي يفترض زمنا بعيدا عن أعين الآخرين , فقد كان احمد يتحين الفرصة ما أمكن بين بيتها وبيت جارتها , فالطريق بين بيتها والمدرسة مشغول بالزملاء , وكان عليها ألا تتحدث إلى زميل آو أحد سوى أهلها إلا في وجود أختها وأخيها الصغير, وهما جموع أهلها , واللذين لا يكونان إلى جانبها إلا حين تكون داخل المنزل , وكانت فاطمة تستجيب ابدا لمشاعرأختها , وتدرك مقدار الحب الذي تكنه أختها لها , والجهد الذي لا تتوانى عن بذله في سبيلها , حتى لأنها تسربت من دراستها إلى الأبد , رغم حبها ورغبتها في التعليم , لتتفرغ لرعايتها وأخيها الصغير , وهوما دفعها إلى المثابرة في دراستها , ولم يكن أحد ليتفوق عليها سوى تنافسها هي وأحمد , وكانت تتمنى في شعور حثيث أن تتفوق عليه في أي لحظة , ودائما ما تشعرانها في سباق معه , الأمر الذي خلق في وجهه الآخر استدعاءا دائما لكل منهما للتفكير في الآخر , ليس بمعنى محدد , وإنما هو استدعاء لابد أن يستجيب إليه الواحد منهما وهولا يدري ماوراء الأكمة
كانت تشعر به وهي الأنثى الوحيدة من بين زملائها منفردا متفردا , ليس لأنه ذكي , فلم يكن ذكاؤه ليمثل غير نسبة مضافة في أي استدعاء لمشاعرها نحوه
كان أحمد يتربص خارج المدرسة ليشاهدها بين بيتها وبيت جارتها وهي تسير, ويحاول الاقتراب منها مشدوها وهائما بحراك الأنثى الذي لايقر له قرار, وتلك النقلة حين السكون في صدرها فوق مقعدها في الفصل الدراسي يراه منذ اللحظة حين تنقل النقلة الأولي من جسدها على إحدى قدميها وقد دبت فيه الحياة كأعذب حياة يتخيلها يمكنه القبض عليها
وحتى وأنه لم يتحدث إليها فإنه ظل يشعر أن هناك أكبر من شعرة تربط بينه وبينها, وأن هذه الشعرة قد فتلت وقويت حتى أنها لم تعد في حقيقة الأمر شعرة , بل صارت شيئا آخر أسمك وأقوي ويمكن الوثوق إليه
في هذه الإثناء , وقد تأكد لديه أنها أقرب إليه من أي وقت مضى , دنا منها , وتمكن أن يقول شيئا قريبا من أذنيها حين انزلق بين يديها, وتمكنت هي من سماعه , أحست أنه أقرب منها إليها , كانت كلماته هذه استدعاءا مهيمنا على استدعاء المنافسة , ذلف عميقا في روحها , صار أقرب إليها من أي كائن بشري آخر, أحست بقوة هذا الشعور وأنه مسيطر عليها , لم تكن ترغب في المقاومة , ولم تطلب تفسيرا , لان هذا الحضور الطاغي لأحمد , ليس من بين زملائها فحسب , حتى أنها لم تسأل هل صار أقرب إليها من أختها وأخيها , لأنها وهي تدرك ذلك في عذوبة فارقة وحبور سحيق , تشعر أنها تحب أختها وأخيها الآن كما لم تحبهما في أي وقت مضى , وأنها وقبل أي زمن قادم يجب أن تحافظ عليه الآن , لتقول له في الفرصة التالية : ( لن تراني هنا مرة أخرى ) . وكأنها حشدت فيه في لحظة واحدة كآبة من أقصى الكون إلى أقصى الكون , وكأن أحدا يقبض علي عنقه أبدا , وكأن كائنا خرافيا سحب كل الهواء من كل الكون بشهقة واحدة .
( انأ سأ تدبر المكان ) أضافت وكأنها خلقته مرة أخرى
صارا يلتقيان عند أختها , لا يلتقيان معا منفردين , ودائما سيكون أخوها الصغير ملازما لهما متى اضطرت أختها للانفراد بنفسها لأي غرض لبضع دقائق , ولا يستطيع هوان ينتزعها وحدها , في ذات الوقت الذي ظلت أختها ترمى على التأكيد في شعورها أن المدرسة خير لها من أي شيئ آخر, فكل شيئ في المدرسة ,ولاشيئ في غير المدرسة , والإثبات واضح وجلي وناصع وحاسم في وجود هذا الكل شيئ والذي هو أحمد
( أريدك وحدك ) . بدأ أحمد سيقول لها وسيتراجع , كان قلبه يركض في جسده , ليتراجع غير مرة , ليعود سيقول لها غير مرة , وليتجرأ و يقول لها أخيرا : ( أريدك ) ولم يزد عليها ( وحدك ) . وكاد أن يتراجع إلى الأبد , بل أن يسحب ما قاله , إلا انه دحرج : ( وحدك ) ولم يستطع اللحاق فهوت , وراح يراقب كل شيئ من فاطمة , هل تجاوز حده ؟ هل تطاول عليها؟ هل ارتكب إثما ؟ هل ستصرخ في وجهه وتهيل عليه الناس وأختها وأخاها ؟ لم يلتفت إلى الوجه الآخر : هل ستبادله الشعور والرغبة ؟ هل ستقول نعم ؟ راح يراقب كل شيئ ولا يستطيع فعل شيئ , كأن قلبه شيئ قابل للكسر ثمين سقط من بين يديه فجأة على أرض صلبة . هل سيتحطم ؟ كل شيئ سيتحقق الآن ليس لأكثر من ثانية خلال تفاصيل انفعالاتها الدقيقة على وجهها
- أنا معك
*. لست معي يافاطمة ... ألاترينه ؟ هاهويعود . أنت فاطمة يافاطمة لكن الذي معي فاطمة وأخوها وفاطمة وأختها وفاطمة وأخوها وأختها ... أريدك فاطمة لاأكبرولاأصغر لاأقل ولا أكثر
عندما تكون أختها منفردة لنفسها , أو أنهما يسرقان منها زمنا لهما وحدهما, مكانا لهما وحدهما ,بعيدا عنها , سيكون أخوها الصغير تلميذ الخامسة ابتدائي ملتصقا بهما , أينما وحيثما وكيفما كانا , وحين يريدان تغييبه للاختلاء دونه فسيرسلانه لشراء شيئي ما : قنينة ماء . علكة لبان. قطعة بسكويت , لكنه سيعود كأن لم يذهب , ولعل أختها احتاطت للأمر فهي لن تمنع الصغير أن يلبي طلبهما , وستنبهه أن يعود سريعا , وألا يذهب إلى مكان بعيد يرسلانه إليه , وفي كل الأحوال فالقرية صغيرة , وليس في القرية من مكان بعيد , وستشاركهما في الاستذكار بما تبقى لها من معلومات حفظتها خلال دراستها حتى الثانية متوسط قبل أن تتفرغ لأختها وأخيها بعد أن توفي أبوهم ولحق بأمهم , كانت تتداول معهما حول خط الأعداد, والدائرة, والدورة الدموية, وهل الأرض تدور أم لا؟ و القمر: هل مضيء أم معتم ؟ وتلاحظ أنهما يتحدثان غالبا عن خط الأعداد والمثلثات والدوائر حين تعود إليهما بعد أن تكون قد اختلت بعيدا عنهما ويكون أخوها الصغير ملازما لهما
وفي إحدى المرات حين لاحظت وهي قادمة نحوهما أن أخاها الصغير ليس معهما , ظنت أنها سمعت وقبل أن يتوقفا وهما في حالة من الإرباك عن الحديث حين شاهداها قادمة لفظة مثل (النهدين ) أو مثل (القمر) , أو أنهما (النهدان والقمر) , ولم تتمكن من التأكيد على أن ما سمعته هو ذاته ما تظن أنها سمعته , وكان عليها أن تفهم المعنى وفق تقديراتها هي وتتعامل معه بحذق , وكانت قد نبهت أخاها في الماضي ألا يتأخر عنهما , وان يعود إليهما سريعا , لتكتشف الآن أنها لابد أن تضيف : ( ولا تذهب إلى مكان بعيد يرسلانك إليه ) ولم تزد. فأختها حبيبة إليها , وأختها تود أحمد , وأحمد وفاطمة مازالا طفلين, وأحمد تلميذ ذكي , وهو صغير , ولا ضير من العطف عليه , وفي كل الأحوال فليس هناك شيئ قد تحدد بعينه .
كان أحمد يعلم هو وفاطمة انه لا فرصة أمامها للالتقاء منفردين , وأختها وأخوها ليسا رسمين يمكن إزالتهما بالممحاة , وليس من مكان غير بيتها يمكنهما التواجد فيه معا غير المدرسة وبيت الجيران , وخلال النهار فقط , وكلا المكانين مشغول بالكائنات البشرية , وأختها وأخوها لا يغيبان عن البيت , وان غابا فستغيب هي معهما ..
في الليل حين ينامان : أختها وأخوها , في تهامة ذات الطقس الحار , سيضطران في الشتاء, في يناير, إلى النوم في داخل الكوخ , وستنام هي تحت السماء بجانب الباب عند مدخل الكوخ داخل حائط العيدان وهي عادة أبناء القرية في الصيف ,ستقول لأختها أنها ستدخل إلى جوف الكوخ إذا اشتد البرد , (وسيكون أو فستكون جفناها مغمضين أو مغمضتين ) ولا تنام , وتمديدها هذه أوتلك على عينيها تحشرجهما ولا تنام , وفي الساعة حين ينام الناس كل الناس يأتي هو إلى بيتهم , وسيكون باب البيت مغلقا , لكنها ستكون هي قد فتحت المغلاق الداخلي للباب متى تأكد لها أن كل شيئ على مايرام , فيدفع الباب إلى الداخل , فيدخل إن لقيه مفتوحا , ويعيد إغلاقه من الداخل , فتراه هي فتنهض وتتقدم نحوه , ويلتقيان داخل حائط العيدان في موقع يكون مقابلا لباب الكوخ , ولأنهما لن يأخذا السراج معهما ليتمكن هو بالذات من المشاهدة , وحتى وان أشعلا عود ثقاب فان أختها وأخاها سيريان شعلة السراج أو شعلة عود الثقاب وسيشاهدانهما , فلن يشعلا أي ضوء , وسيكون ضوء القمر , والقمر في السماء , وهما لا يحملانه , ولا ولن يشعلانه , فإذا نظر أحد إلى القمر, فسينظر إليه في السماء , وهما ليسا هناك
السماء الليلة مقمرة. لازوردية. صافية. بهية. تحتوي الدنيا كلها وتضعها بين كفيهما .
أرسلا أعينهما نحو باب الكوخ . السراج في داخل الكوخ مطفأ وضوء القمر الباهر يحتد على باب الكوخ يحشر الظلام كثيفا في الداخل وأختها وأخوها يذوبان في الظلام
أحسا بالأمان . كل الأمان . مطلق الأمان . فالقمر لهما وحدهما هنا تحت السماء , وليس من قمرفي داخل الكوخ , وحدهما يريان , ومن بالداخل لايرى غير الظلام
أحست بخوف في نهديها شهي, عذب, ساحر. كانت تقف أمامه , بحلق فيهما , وراح يفحصهما : لاصلب ولا سائل ولا غاز . شهق ولم يعد , وضع وجهه بين نهديها وانخطف
أحست فاطمة خلفها بملمس كف ثالث أليف فوق ظهرها
ليس من زمن متاح لتستدير فيه نحو أختها
كل شيئ من مثقال ذرة حتى الطوفان كان يحدث الآن