يتابع من بعيد ذرات رمال صحراء الأنبار وهي تتزاحم فيما بينها.. تتنافس على تقبيل سرف الدروع الثقيلة وأحذية الجنود, تعانقها بشوقٍ عنيفٍ مثل عابدٍ متنسكٍ يتبرك بشباك مرقد, ثم تنجرف تحت وطأتها لتفسح المجال للأخرى بموكب استقبالٍ حافل, وتلك البعيدة تنظر لها بعين الشوق والحسد، تتمنى الاقتراب والمشاركة, من بين تلال الكثبان قامت مئات الأرواح من رقادها , جثث, أيادٍ مقطوعة, رؤوس أطفال, أجساد نساء عارية مضمخة بالدماء تشيعها أحجار الرجم لتستقبل القطعات بحزن سعيد.
- وصلت الكثير من الدروع, أعتقد أن ساعة الصفر لانطلاق عملية تحرير الموصل ستحل قريباً,
"صوت الجندي بجانبه قطع رحلة عقله مع الخيال وإعاده للواقع".
- نعم بالتأكيد, فكل يوم تأخير يتسبب بالمزيد من المآسي ونزف الدماء.
- أخبرني كيف استطعت الهروب من الموصل؟ ابلغوني بانك كنت إرهابياً..!.
زفر زفرةً طويلةَ قبل أن يجيب, كان لي خياران أما البقاء هناك والعيش تحت قهرهم وسطوتهم وسلطتهم الفاسدة والقبول بكل ما يفعلون, أو العمل على الهروب بشتى الطرق والوسائل.. واخترت الثاني, قررت الانضمام اليهم لأصبح قريباً قدر المستطاع من جيشنا.. ثم العمل على تسليم نفسي, وهذه لحظة العمر التي كنت انتظرها لأكثر من عام حتى حانت أخيراً,
- ألم تخف أن نقتلك.
- كانت هناك احتمالات كبيرة للموت, وموتي على أيدي ابناء الوطن أفضل بكثير من قطع الرقبة بالسيف في ساحات الإعدام .
- سمعت بأنك من الأدباء ويلقبونك هنا بـ ( يوسف الكاتب) كنت أتمنى لقاءك لأعرف قصة هروبك ونجاتك من التنظيم.
- قصتي طويلة سأحاول اختصارها لك قد المستطاع, قبل أن يحين موعد استلامي الواجب بعد قليل.
أتعلم إن الموصل قطعة من الجنة انزلها الله من السماء للأرض, بجبالها وغاباتها ونهر دجلة الذي يشطرها لنصفين, بجوامعها وكنائسها, بباراتها وسينماتها, بسكانها من العرب والكرد المسيحيين الصابئة الايزيديين, في ليلة ظلماء.. إنهار كل شيء, قصف مدفعية, انفجارات في كل مكان, حرائق, رعب, لقد حرقوا الجنة بنار القيامة.
في صباح اليوم التالي, الشوارع تغص بأشلاء الحيوانات بجانب جثث البشر, حيوانات تموت بصمت ولا يذكرها احد من الجانبين مثل الأحصنة في الحرب العالمية الاولى, كلاب, قطط, حمام, عصافير كانت تغرد احترقت مع أغصان الشجر, وقعت سهواً بسبب همجية حروب البشر..!
سيطرات الدواعش هنا وهناك بجانبهم أكداس من الجثث, نصبوا أنفسهم بدلا عن الرب يطلبون هويات الناس ثم يحاكمونهم, ومن لم يروق لهم اسمه أو لقبه أو دينه فمصيره الموت العاجل, كنت افكر بملك الموت "عزرائيل" كيف استطاع إن يقبض مئات الآلاف من الارواح في تلك الفترة القصيرة.
كنت أهذي مع نفسي كل ليلة ولا يغمض لي جفن لغاية الصباح, استبيحت مدينة بكامل أحلامها وأمنياتها, في مثل هذه اللحظة كم مجموعة من الذئاب البشرية تجمعت فوق فتاة لاغتصابها, كم طفل ذبح من الوريد للوريد أمام انظار أمه وبالعكس, كم شاب كان يحلم بمستقبله مع فتاة أحلامه قبل إن تخترق رأسه الرصاصة, كم.. وكم.. وكم.. من المسؤول عما حصل, نحاسب من, نشتكي لمن ونستنجد بمن.
كانت بجانب بيتي حسينية كبيرة كنت أتابع المشهد يومياً من السطح, يدخلها رجال يرتدون السواد برفقتهم عشرات الأسرى معصوبي الأعين وموثوقي الأيدي, ثم بعد فترة أسمع زخات من إطلاقات نارية, حتى تفشيت رائحة الجثث المتعفنة في انحاء الحي,
كنت أتعمد التأخر بالخروج لأكثر من ساعة بعد الاذان, لأتحاشى جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, حيث كانوا ينتشرون في الأسواق, يحملون العصي بأيديهم والسلاح بأكتافهم يضربون من لم يتوجه للجامع من أجل الصلاة, يذبحون البشر ويغتصبون النساء ويأمرون بالعبادة, وأنا لم اصلي يوماً في حياتي, منذ الصغر تأملت الوجود, عرفت إن الله اقرب بكثير من إن يكون في السماء, بل هو في ذاتنا يتابعنا ويحاسبنا ويمنعنا من ارتكاب الخطيئة والشر بحق الأخرين من أبناء جنسنا, يدعونا بلا وعي لفعل الخير بشكل دائم كي نعيش في مجتمعنا بسلام وأمان وسكينة.
اعتكفت في بيتي لأكتب فقط, نادرا ما أخرج إلّا لشراء مستلزمات الحياة وعلب السكائر, لحين قيامهم بمطاردة المسيحيين وتصفيتهم بعد تفجير الاديرة والكنائس, اشتعل قلبي خوفاً وقلقاً على حبيبتي ( نادية مراد), بعد إن اتصلت بي واخبرتني بأنهم يحاصرون مدينة ( بعشيقة) ويدخلون جميع البيوت, يقتلون الرجال والشيوخ والاطفال ويأخذون النساء سبايا.
ركضت مثل المجنون في الطرقات, ما إن وصلت قريبا من زقاق بيتهم رأيت عصابات داعش تطوق الشارع بطوله, حتى رأيت " نادية " بوجهها الأبيض مثل فلقة القمر يسحلونها من شعرها الأشقر وخلفها أمها وأبوها وأخوتها الأطفال, اركعوهم على حافة الرصيف لينفذوا فيهم حكم الإعدام, قبل إن يصعدوا في رتل الهمرات بصحبتهم حبيبتي وعشرات الفتيات.. بقيت دون حراك من أثر الصدمة, أصبحت بين خيارين إما إن أذهب اليها لنموت سوية, أو ابقى لأنتقم لها ولكل أبناء وبنات مدينتي بطريقة أو بأخرى.
عدت لسجني الانفرادي الاختياري وبقيت فيه لأشهر طويلة, طال شعر لحيتي حتى أصبحت أشبه شيوخهم, مزقت ملابسي القذرة وتحولت إلى مجنون, كنت أتجول يومياً ابحث عن الطعام بالقرب من معسكراتهم, عسى أن يدخلوني اليها وأصبح واحد منهم.
- كيف استطعت أن تمثل الجنون.
- لا اعلم هل كنت مجنوناً بالفعل من هول ما رأيت, أم كنت أمثل دور المجنون بإتقان, شاهدت الجرائم التي يرتكبونها كل يوم في سوق (باب الطوب) بعد إن يقوموا بتجميع مئات الناس على شكل حلقات كبيرة ويصوروا العرض لينشروه في القنوات الفضائية الفاسدة وبرامج التواصل الاجتماعي لبث الرعب في نفوس الناس, اعدامات, قطع الأيدي, رجم النساء, الذبح.
كانوا يسرقون الدور والمحلات ويفرضون الإتاوات بالقوة, يغتصبون البنات دون العشر سنوات ويأمرون النساء بارتداء النقاب عند خروجهن للأسواق, يخاطبون الناس من فوق المنابر ويأمروهم بالإمر بالمعروف والإحسان والتقوى, ويخبرون الناس بأنهم خير أمة أخرجت للناس, دولة تقوم على الدجل والنفاق.
كما رأيت آلاف الدولارات التي توزع عليهم كل شهر تأتيهم من مختلف الدول القريبة والبعيدة, سمعتهم يتحدثون فيما بينهم بمختلف اللغات امريكية, بريطانية, صينية, هندية, ومن أغلب بلدان أوربا.
حينها عرفت إن عصابات داعش الإرهابية ما هي إلا مجرد خراء الرأسمالية الذي تبرزته على شعوب بلداننا والمنطقة, حثالات البشرية التي انتجتها سياسات النهب والاستغلال ترميها فوق رؤوسنا بداعي الجهاد في سبيل الله.
- كيف استطاعوا السيطرة على الناس, لماذا لم يثر الموصليون ضدهم.
- حاولوا ذلك, وكانت النتائج عشرات الجثث مقطوعة الرأس ومعلقة في الساحات العامة, نظامهم غريب وعجيب, كل يوم بعد الصلاة يستمعون لمحاضرات تنضح بالكراهية والأجرام تنزع الرحمة من القلوب بداعي الاقتصاص من أعداء الله ونشر مبادى الإسلام وترسيخ حدود الدولة الإسلامية, يقومون بغسل العقول ويحولوا الأنسان لحيوان كاسر يشرب الدم, يدربون الأطفال الصغار في معسكرات كبيرة يمسحوا عن وجوههم براءة الطفولة ليلبسوهم وجوه الذئاب, يخلعون عنهم ملابسهم الملونة الزاهية بارتداء السواد, ينتزعون من أيديهم العابهم ليمنحوهم السلاح.
- وما المتعة في قتل وترهيب الناس, من أين جاءتهم كل هذه القسوة والاجرام..!
- تعلم شيء.. أعتقد إن الاجرام ليس بالفطرة, بل هو بذرة تزرع في النفس نتيجة صدمة ما يتعرض لها البشر ليتحول لمجرم قاتل, يكون الجهل والتخلف تربتها الخصبة, ثم تروى بالفقر لتنمو وتترعرع لتصبح شجرة يصعب اقتلاعها.
- وما اخبار (نادية) ألم تحاول البحث عنها.
- حاولت كثيراً ولم استطع بعد ان اختفت عن الوجود تماماً , كلما تذكرت وجهها وهم يأخذونها سبية ينفجر بركان الغضب بداخلي وتبقى تدور حممه في كل شراييني وصدري, وصبري مجرد مطفأة حريق بائسة لم تستطع إخماده, بقيت لشهور وانا أبحث عن طريقة انتقم بها دون إن ينكشف أمري, حتى وصلت لفكرة السم.
- أصبح حديثك مشوقاً....خذ هذه السيجارة ثم أكمل.
- شكراً لك, كنت بحاجة لها. بعد لقائي بصديقي الصيدلاني وحديثي له عن ما كنت أنوي فعله, أخذت عبوة السم التي قتلت بها عشرون مجرماً منهم, والجنون هو قناعي الوحيد الذي يحميني ويحجب عني كل الشبهات, حتى خفت إن يأتي اليوم الذي ينفضح أمري فيه بعد كل ما فعلته بهم.
تمر علي ساعات اتألم كثيراً لما فعلت كيف تحولت لمجرم قاتل اشعر بأني قد أصبحت واحداً منهم ولا اختلف عنهم بعد إن عالجت الاجرام بالأجرام, بنفس المعالم والشكل, بنفس العشق للدم, انا الذي لم استطع بيوم سحق نملة, اؤنب نفسي كثيراً حتى عشت في صراع مدمر مع نفسي, هل يمكنني التخلص من نزعة حب القتل بعد الثأر والانتقام, هل سأستطيع العودة لذلك الانسان الذي يعشق الحياة لحد الثمالة.
- أن قتلك لهؤلاء اقتصاص دنيوي نتيجة جرائمهم لانهم اشبه بالغدة السرطانية التي تدمر البشرية وتقضي عليها, لذلك كان يجب عليك استئصالها قبل إن تستفحل وتقتل الحياة, بالإضافة إلى إن موتهم خلاص لكثير من الابرياء... الآن اخبرني كيف تمكنت النجاة من قبضتهم..؟
- جاءتني ساعة الخلاص بلا تخطيط وتدبير, عندما اقترح احد المجرمين على قائد الكتيبة إن يستفيدوا مني عن طريق ارسالي لسرية الانتحاريين لتفخيخي وتوجيهي للقطعات المشتبكة مع الجيش العراقي, وعندما حصل ذلك سمعت ممن قاموا بوضع الحزام الناسف تحت ملابسي بأنه سينفجر بمجرد محاولة نزعه عني, لأني مجنون ولا أعرف كيف ومتى أضغط الزر, تتخيل الموقف الذي كنت فيه..!.
كانت نجاتي مستحيلة قبل إن ينجح رجال الهندسة العسكرية بتفكيك الحزام وتخليصي منه في لحظات حرجة وعصيبة.
كل ما رويته لك اليوم عما رأيته في الايام الماضية ربما سيكون مشروع لروايتي الجديدة وعنوانها ( من أجل نادية ) وستحصل على اول نسخة مطبوعة منها, أذا بقيت على قيد الحياة بعد الانتهاء من تحرير مدينتي الموصل.
يسمع الضابط يصيح من بعيد, يوسف الكاتب.. يوسف الكاتب.. انهض حالاً, حان موعد واجبك, هيا بسرعة..
.................................................. ...........فراس عبد الحسين
- وصلت الكثير من الدروع, أعتقد أن ساعة الصفر لانطلاق عملية تحرير الموصل ستحل قريباً,
"صوت الجندي بجانبه قطع رحلة عقله مع الخيال وإعاده للواقع".
- نعم بالتأكيد, فكل يوم تأخير يتسبب بالمزيد من المآسي ونزف الدماء.
- أخبرني كيف استطعت الهروب من الموصل؟ ابلغوني بانك كنت إرهابياً..!.
زفر زفرةً طويلةَ قبل أن يجيب, كان لي خياران أما البقاء هناك والعيش تحت قهرهم وسطوتهم وسلطتهم الفاسدة والقبول بكل ما يفعلون, أو العمل على الهروب بشتى الطرق والوسائل.. واخترت الثاني, قررت الانضمام اليهم لأصبح قريباً قدر المستطاع من جيشنا.. ثم العمل على تسليم نفسي, وهذه لحظة العمر التي كنت انتظرها لأكثر من عام حتى حانت أخيراً,
- ألم تخف أن نقتلك.
- كانت هناك احتمالات كبيرة للموت, وموتي على أيدي ابناء الوطن أفضل بكثير من قطع الرقبة بالسيف في ساحات الإعدام .
- سمعت بأنك من الأدباء ويلقبونك هنا بـ ( يوسف الكاتب) كنت أتمنى لقاءك لأعرف قصة هروبك ونجاتك من التنظيم.
- قصتي طويلة سأحاول اختصارها لك قد المستطاع, قبل أن يحين موعد استلامي الواجب بعد قليل.
أتعلم إن الموصل قطعة من الجنة انزلها الله من السماء للأرض, بجبالها وغاباتها ونهر دجلة الذي يشطرها لنصفين, بجوامعها وكنائسها, بباراتها وسينماتها, بسكانها من العرب والكرد المسيحيين الصابئة الايزيديين, في ليلة ظلماء.. إنهار كل شيء, قصف مدفعية, انفجارات في كل مكان, حرائق, رعب, لقد حرقوا الجنة بنار القيامة.
في صباح اليوم التالي, الشوارع تغص بأشلاء الحيوانات بجانب جثث البشر, حيوانات تموت بصمت ولا يذكرها احد من الجانبين مثل الأحصنة في الحرب العالمية الاولى, كلاب, قطط, حمام, عصافير كانت تغرد احترقت مع أغصان الشجر, وقعت سهواً بسبب همجية حروب البشر..!
سيطرات الدواعش هنا وهناك بجانبهم أكداس من الجثث, نصبوا أنفسهم بدلا عن الرب يطلبون هويات الناس ثم يحاكمونهم, ومن لم يروق لهم اسمه أو لقبه أو دينه فمصيره الموت العاجل, كنت افكر بملك الموت "عزرائيل" كيف استطاع إن يقبض مئات الآلاف من الارواح في تلك الفترة القصيرة.
كنت أهذي مع نفسي كل ليلة ولا يغمض لي جفن لغاية الصباح, استبيحت مدينة بكامل أحلامها وأمنياتها, في مثل هذه اللحظة كم مجموعة من الذئاب البشرية تجمعت فوق فتاة لاغتصابها, كم طفل ذبح من الوريد للوريد أمام انظار أمه وبالعكس, كم شاب كان يحلم بمستقبله مع فتاة أحلامه قبل إن تخترق رأسه الرصاصة, كم.. وكم.. وكم.. من المسؤول عما حصل, نحاسب من, نشتكي لمن ونستنجد بمن.
كانت بجانب بيتي حسينية كبيرة كنت أتابع المشهد يومياً من السطح, يدخلها رجال يرتدون السواد برفقتهم عشرات الأسرى معصوبي الأعين وموثوقي الأيدي, ثم بعد فترة أسمع زخات من إطلاقات نارية, حتى تفشيت رائحة الجثث المتعفنة في انحاء الحي,
كنت أتعمد التأخر بالخروج لأكثر من ساعة بعد الاذان, لأتحاشى جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, حيث كانوا ينتشرون في الأسواق, يحملون العصي بأيديهم والسلاح بأكتافهم يضربون من لم يتوجه للجامع من أجل الصلاة, يذبحون البشر ويغتصبون النساء ويأمرون بالعبادة, وأنا لم اصلي يوماً في حياتي, منذ الصغر تأملت الوجود, عرفت إن الله اقرب بكثير من إن يكون في السماء, بل هو في ذاتنا يتابعنا ويحاسبنا ويمنعنا من ارتكاب الخطيئة والشر بحق الأخرين من أبناء جنسنا, يدعونا بلا وعي لفعل الخير بشكل دائم كي نعيش في مجتمعنا بسلام وأمان وسكينة.
اعتكفت في بيتي لأكتب فقط, نادرا ما أخرج إلّا لشراء مستلزمات الحياة وعلب السكائر, لحين قيامهم بمطاردة المسيحيين وتصفيتهم بعد تفجير الاديرة والكنائس, اشتعل قلبي خوفاً وقلقاً على حبيبتي ( نادية مراد), بعد إن اتصلت بي واخبرتني بأنهم يحاصرون مدينة ( بعشيقة) ويدخلون جميع البيوت, يقتلون الرجال والشيوخ والاطفال ويأخذون النساء سبايا.
ركضت مثل المجنون في الطرقات, ما إن وصلت قريبا من زقاق بيتهم رأيت عصابات داعش تطوق الشارع بطوله, حتى رأيت " نادية " بوجهها الأبيض مثل فلقة القمر يسحلونها من شعرها الأشقر وخلفها أمها وأبوها وأخوتها الأطفال, اركعوهم على حافة الرصيف لينفذوا فيهم حكم الإعدام, قبل إن يصعدوا في رتل الهمرات بصحبتهم حبيبتي وعشرات الفتيات.. بقيت دون حراك من أثر الصدمة, أصبحت بين خيارين إما إن أذهب اليها لنموت سوية, أو ابقى لأنتقم لها ولكل أبناء وبنات مدينتي بطريقة أو بأخرى.
عدت لسجني الانفرادي الاختياري وبقيت فيه لأشهر طويلة, طال شعر لحيتي حتى أصبحت أشبه شيوخهم, مزقت ملابسي القذرة وتحولت إلى مجنون, كنت أتجول يومياً ابحث عن الطعام بالقرب من معسكراتهم, عسى أن يدخلوني اليها وأصبح واحد منهم.
- كيف استطعت أن تمثل الجنون.
- لا اعلم هل كنت مجنوناً بالفعل من هول ما رأيت, أم كنت أمثل دور المجنون بإتقان, شاهدت الجرائم التي يرتكبونها كل يوم في سوق (باب الطوب) بعد إن يقوموا بتجميع مئات الناس على شكل حلقات كبيرة ويصوروا العرض لينشروه في القنوات الفضائية الفاسدة وبرامج التواصل الاجتماعي لبث الرعب في نفوس الناس, اعدامات, قطع الأيدي, رجم النساء, الذبح.
كانوا يسرقون الدور والمحلات ويفرضون الإتاوات بالقوة, يغتصبون البنات دون العشر سنوات ويأمرون النساء بارتداء النقاب عند خروجهن للأسواق, يخاطبون الناس من فوق المنابر ويأمروهم بالإمر بالمعروف والإحسان والتقوى, ويخبرون الناس بأنهم خير أمة أخرجت للناس, دولة تقوم على الدجل والنفاق.
كما رأيت آلاف الدولارات التي توزع عليهم كل شهر تأتيهم من مختلف الدول القريبة والبعيدة, سمعتهم يتحدثون فيما بينهم بمختلف اللغات امريكية, بريطانية, صينية, هندية, ومن أغلب بلدان أوربا.
حينها عرفت إن عصابات داعش الإرهابية ما هي إلا مجرد خراء الرأسمالية الذي تبرزته على شعوب بلداننا والمنطقة, حثالات البشرية التي انتجتها سياسات النهب والاستغلال ترميها فوق رؤوسنا بداعي الجهاد في سبيل الله.
- كيف استطاعوا السيطرة على الناس, لماذا لم يثر الموصليون ضدهم.
- حاولوا ذلك, وكانت النتائج عشرات الجثث مقطوعة الرأس ومعلقة في الساحات العامة, نظامهم غريب وعجيب, كل يوم بعد الصلاة يستمعون لمحاضرات تنضح بالكراهية والأجرام تنزع الرحمة من القلوب بداعي الاقتصاص من أعداء الله ونشر مبادى الإسلام وترسيخ حدود الدولة الإسلامية, يقومون بغسل العقول ويحولوا الأنسان لحيوان كاسر يشرب الدم, يدربون الأطفال الصغار في معسكرات كبيرة يمسحوا عن وجوههم براءة الطفولة ليلبسوهم وجوه الذئاب, يخلعون عنهم ملابسهم الملونة الزاهية بارتداء السواد, ينتزعون من أيديهم العابهم ليمنحوهم السلاح.
- وما المتعة في قتل وترهيب الناس, من أين جاءتهم كل هذه القسوة والاجرام..!
- تعلم شيء.. أعتقد إن الاجرام ليس بالفطرة, بل هو بذرة تزرع في النفس نتيجة صدمة ما يتعرض لها البشر ليتحول لمجرم قاتل, يكون الجهل والتخلف تربتها الخصبة, ثم تروى بالفقر لتنمو وتترعرع لتصبح شجرة يصعب اقتلاعها.
- وما اخبار (نادية) ألم تحاول البحث عنها.
- حاولت كثيراً ولم استطع بعد ان اختفت عن الوجود تماماً , كلما تذكرت وجهها وهم يأخذونها سبية ينفجر بركان الغضب بداخلي وتبقى تدور حممه في كل شراييني وصدري, وصبري مجرد مطفأة حريق بائسة لم تستطع إخماده, بقيت لشهور وانا أبحث عن طريقة انتقم بها دون إن ينكشف أمري, حتى وصلت لفكرة السم.
- أصبح حديثك مشوقاً....خذ هذه السيجارة ثم أكمل.
- شكراً لك, كنت بحاجة لها. بعد لقائي بصديقي الصيدلاني وحديثي له عن ما كنت أنوي فعله, أخذت عبوة السم التي قتلت بها عشرون مجرماً منهم, والجنون هو قناعي الوحيد الذي يحميني ويحجب عني كل الشبهات, حتى خفت إن يأتي اليوم الذي ينفضح أمري فيه بعد كل ما فعلته بهم.
تمر علي ساعات اتألم كثيراً لما فعلت كيف تحولت لمجرم قاتل اشعر بأني قد أصبحت واحداً منهم ولا اختلف عنهم بعد إن عالجت الاجرام بالأجرام, بنفس المعالم والشكل, بنفس العشق للدم, انا الذي لم استطع بيوم سحق نملة, اؤنب نفسي كثيراً حتى عشت في صراع مدمر مع نفسي, هل يمكنني التخلص من نزعة حب القتل بعد الثأر والانتقام, هل سأستطيع العودة لذلك الانسان الذي يعشق الحياة لحد الثمالة.
- أن قتلك لهؤلاء اقتصاص دنيوي نتيجة جرائمهم لانهم اشبه بالغدة السرطانية التي تدمر البشرية وتقضي عليها, لذلك كان يجب عليك استئصالها قبل إن تستفحل وتقتل الحياة, بالإضافة إلى إن موتهم خلاص لكثير من الابرياء... الآن اخبرني كيف تمكنت النجاة من قبضتهم..؟
- جاءتني ساعة الخلاص بلا تخطيط وتدبير, عندما اقترح احد المجرمين على قائد الكتيبة إن يستفيدوا مني عن طريق ارسالي لسرية الانتحاريين لتفخيخي وتوجيهي للقطعات المشتبكة مع الجيش العراقي, وعندما حصل ذلك سمعت ممن قاموا بوضع الحزام الناسف تحت ملابسي بأنه سينفجر بمجرد محاولة نزعه عني, لأني مجنون ولا أعرف كيف ومتى أضغط الزر, تتخيل الموقف الذي كنت فيه..!.
كانت نجاتي مستحيلة قبل إن ينجح رجال الهندسة العسكرية بتفكيك الحزام وتخليصي منه في لحظات حرجة وعصيبة.
كل ما رويته لك اليوم عما رأيته في الايام الماضية ربما سيكون مشروع لروايتي الجديدة وعنوانها ( من أجل نادية ) وستحصل على اول نسخة مطبوعة منها, أذا بقيت على قيد الحياة بعد الانتهاء من تحرير مدينتي الموصل.
يسمع الضابط يصيح من بعيد, يوسف الكاتب.. يوسف الكاتب.. انهض حالاً, حان موعد واجبك, هيا بسرعة..
.................................................. ...........فراس عبد الحسين