قصائد صالحة لكل زمان

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عزيز عياد
    أديب وكاتب
    • 23-11-2012
    • 17

    قصائد صالحة لكل زمان

    قصائد صالحة لكل زمان
    تحليل قصيدة محود درويش "أحد عشر كوكبا، في المساء الأخير" في ضوء نظرية التلقي:
    البحث عن الدلالة؟
    النص:
    في المَساءِ الأخيرِ على هذه الأرضِ نَقْطَعُ أيَّامَنا
    عن شُجَيْراتِنا, ونَعُدُّ اُلضُلوعَ الَّتي سَوْفَ نَحْمِلها مَعَنا
    والضَّلوع الَّتي سَوْفَ نَتْرُكُها, ههُنا.. في الْمساءِ الأَخيرْ
    لا نُوَدِّع شَيْئاً, ولا نَجِدُ الْوقْتَ كَيْ نَنْتَهي..
    كُلُّ شَيْءٍ يَظَلُّ على حالِهِ, فَالمَكانُ يُبَدِّلُ أَحْلامَنا
    وَيُبَدِّلُ زُوّارَه. فَجْأًةً لَمْ نَعُدْ قادِرين على السُّخْرِيَة
    فالمكان مُعَدٌّ لِكَيْ يَسْتَضيفَ اُلْهَباءَ... هُنا فِي اُلْمساءِ اُلأخيرْ
    نَتَمَلّى اُلْجبال اُلْمُحيطَةَ بِالْغَيْم: فتَحٌ ... وَفَتْحٌ مُضادّ
    وَزَمانٌ قَديمٌ يُسَلِّمُ هذا اُلزّمانَ اُلْجَديدَ مَفاتيح أًبْوابِنا
    فادْخلوا, أيَّها اُلْفاتِحونَ, مَنازِلَنا واشْرَبوا خَمْرَنا
    مِنْ مُوشَّحِنا اُلسَّهْلِ. فاُللَّيْلُ نَحْنُ إذا انْتصَفَ اللَّيْلُ, لا
    فَجْرَ يحَمْلُهُ فارسٌ قادمٌ مِنْ نَواحي الأذانِ الأَخيرْ..
    شايُنا أَخَضْر ساخِنٌ فاشْرَبوهُ, وَفُسْتُقنُا طازَجٌ فَكُلوه
    والأسرَّةُ خضراءُ من خَشَب الأرْزِ، فَاسْتَسْلِمُوا للنُّعَاسْ
    بَعْدَ هذا الْحِصارِ الطِّويلِ, ونَامُوا على ريشِ أَحْلامِنَا
    الملاءَات جاهزةٌ, والعُطورُ على الْباب جاهزةٌ, والمرايا كَثيرةٌ
    فادْخُلوها لنَخْرُجَ مِنْها تَماماً, وَعَمّا قَليلٍ سَنَبْحثُ عَمّا
    كانَ تاريخَنا حَوْل تاريخكُمْ في الْبلاد الْبَعيدَة
    وَسَنَسْأَلُ أَنْفُسنا في النِّهاية: هَلْ كانتِ الأنْدَلُسْ
    هَهُنَا أمْ هُنَاكَ؟ على الأرْضِ... أم في الْقَصيدَة؟
    يسعى الإنسان بطبعه الفضولي، وبما حباه الله به من نعمة العقل إلى البحث دوما عن الدلالة ونشدانها ولو في أبسط مجالات حياته الشخصية المادية و الروحية أو الاجتماعية وتفسير حدوث الأشياء أو وجودها. ولعل هذا هو ما ارتكزت عليه نظرية التلقي حينما منحت سلطة إدراك الأعمال الأدبية وتأويلها ومحاولة مقاربتها للمتلقي وفقا لقدراته الإدراكية الحسية والعقلية ،فمن دلالة العناوين إلى دلالة الأسماء والشخوص والفضاء بشقيه الزماني والمكاني إلى غير ذلك من الدلالات. يقول وولفغانغ إيزر: " ... وأصدق احترام يمكنك أن توليه لفهم القارئ هو أن تتعامل مع هذه المسألة بطريقة ودودة، وأن تدع له شيئا يتخيله ولنفسك أيضا". وقريب من هذا الرأي ما أورده نورثروب فراي إذ يقول: " يقال عن بويما إن كتبه تشبه نزهة يشارك المؤلف فيها بالكلمات ويأتي القارئ بالمعنى وربما كان المقصود بهذه الملحوظة السخرية من بويما إلا أنها تعد وصفا دقيقا لكل أعمال الفن الأدبي بلا استثناء". من هذين النصين سأنطلق للتدليل على أن صاحب النص ،أي نص، بقصد أو بغير قصد قد يترك بياضات في نصه، شعرا كان أو نثرا، موكلا مهمة ملئها للقارئ من بعده. فالنص حسب إيزر لا يطاوع القارئ فيتكشف له بصورة كلية عكس الأشياء الأخرى، من هنا تسلحت نظرية التلقي بجهاز مفاهيمي في محاولة مقاربة النصوص الأدبية من قبيل أفق الانتظار، واندماج الأفق، والتأويل، والذخيرة... ولعل معظم هذه العناصر تعتمل مجتمعة في محاولة فهمنا لقصيدة محمود درويش" أحد عشر كوكبا، في المساء الأخير". وإن كان العنصر الغالب هو مفهوم التأويل وملء البياضات التي خلفها الشاعر من خلال كثافة دلالية في عبارات موجزة ومقتضبة، ففهم النص حسب إيزر يتطلب أفق انتظار مرن ومطاوع يراكم فيه المتلقي افتراضات مبنية على أساس ترسبات تجارب سابقة، مما يجعل القراءة أرحب من الكتابة نفسها. كما أن الشاعر لجأ إلى آليات متعددة لتكثيف الحقول الدلالية في القصيدة منها الوصف واستعمال الصورة، وتعدد لغاته من لغة الأشياء اليومية المتداولة إلى المحاورة، واستعمال أسلوب الاستفهام... ما يمكن الإشارة إليه هو أن الشاعر اتخذ من قصيدته هذه مطية وجسرا للعبور إلى قضيته الأم القضية الفلسطينية. دلالة العنوان:
    العنوان في هذه القصيدة عنوانان: العنوان الكبير: أحد عشر كوكبا، وهو عنوان الديوان ككل. والعنوان الصغير: في المساء الأخير على هذه الأرض. ولكل من العنوانين دلالته اعتمادا على أفق انتظار كل قارئ، وقدرته تأويله له بحسب أرصدته المعرفية التي راكمها من قراءاته المتعددة. فما عن لي، طبعا ليس من مناسبة القصيدة نفسها، أن أحد عشر كوكبا في تراثنا الإسلامي هي قصة سيدنا يوسف عليه السلام مع إخوته حينما أجمعوا رأيهم على إقصائه وتصفيته ليخلو لهم وجه أبيهم، وهذا الإقصاء قام على التواطؤ والمكيدة المبيتة مع سبق الإصرار والترصد، فهل يريد محمود درويش من خلال هذا العنوان أن يشير إلى تواطؤ الأمة العربية وصمتها إزاء اغتصاب اليهود لأرض فلسطين؟ بعدما أسلموا أنفسهم لمظاهر الحضارة المادية المغلوطة، وانصرفوا إلى اللهو والمجون، ناسين أو متناسين الرسالة السماوية المنوطة بهم بعد اعتبارهم خير من يبلغها إلى الإنسانية جمعاء، على غرار ما حدث في الأندلس عندما اطمأن المسلمون بأمصارهم، وأمنوا مكر أعدائهم، وحازوا القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، فشيدوا القصور تلو القصور، وملأوها جوار وقيان ومغنين، فما استيقظوا إلا على وقع أقدام تدفعهم دفعا إلى أصولهم التي نزحوا عنها، تاركين وراءهم ما خولوا وراء ظهورهم. أما العنوان الصغير لهذه القصيدة، فيمكن تجزيء بنيته الدلالية إلى أجزاء: فالمساء فترة زمنية من النهار، تأتي في آخره حاملة معها كل معاني نهاية النور، وهواجس الظلام الحالك المدلهم، وما يخفيه الليل بين جوانحه مما لا يمكن فعله في وضح النهار. أما كلمة الأخير فتحيل على وضع حد لفترة زمنية قبلية، قد تكون قرونا من الحضارة والمجد والشموخ لأمة سادت على هذه الأرض ردها من الزمن. ما يلاحظ أن اللفظتين تشتركان في دلالة النهاية وكأن الشاعر عمد إلى التوكيد اللفظي من غير تكرار اللفظ نفسه، مؤكدا النهاية الحتمية لأمة تخلت عن رسالتها الخالدة، وأصبحت محط ذل واستسصغار ممن كانت تستصغرهم وتذلهم بالأمس. أما حرف الجر "على" فمن معانيه الاستعلاء على المجرور، والأمة العربية قد شيدت حضارات كانت لها فيها الكلمة العليا، واليد الطولى، والأمر الذي لا يرد، حضارة على أرض فلسطين، على أرض الأندلس... لكن ما سبق حرف الجر سيضع حدا لهذا الاستعلاء مع بزوج فجر اليوم الموالي لذلك المساء. واسم الإشارة "هذه" عادة ما يستعمل للإشارة إلى المكان القريب، لكن ما هي هذه الأرض التي يشير إليها، أهي أرض فلسطين، أم أرض الأندلس، أم هي كل أرض عربية تعرضت أو ستتعرض لمصيرهما؟. نقطع أيامنا عن شجيراتنا: قطع الأيام عن الأشجار لا يجوز في العربية الفصحى إلا في باب المجاز، ربما يقصد الشاعر من وراء هذه الصورة أن الشجيرات رمز لاستمرار الإنسان العربي الفلسطيني، فهي ترمز إلى الأصل والمنبت، وهي من ثم توحي بالوطن ذي الجذور العميقة المتأصلة، والشجيرة بهذه الصيغة التصغيرية تحيل على تلك الشجرة التي لم يكتمل نموها بعد، وتحتاج إلى من يسقيها ويرعاها، والأشجار عادة ما تسقى بالماء، إلا أن الشاعر استبدل مياه السقي الطبيعية بالأيام، فكأن شجيراته تسقى بها، وهي روح وحرية واستمرارية الإنسان العربي التي قطعها الاستعمار وحدَّ منها. أما استعماله ضمير "النحن" في "نقطع" فيدفعنا إلى التساؤل عن مبادرة القطع هذه، أهي إرادية، أم قسرية جبرية؟ وإن كان القاسم المشترك بينهما واحد هو قول الشاعر طرفة بن العبد:
    وظلـم ذوي القربـى أشــدُّ مضـاضـة على المرء من وقع الحسام المهند
    ولعل الشجيرات ترمز إلى جسد الأمة الذي تحطمت ضلوعه في قوله ( نعد الضلوع)، فلم يبق منها إلا النزر القليل الذي سيحمله الشاعر معه، وهو لا يدري أهي سالمة من الشوائب أم مكتملة؟. لا نودع شيئا: قد تكون هذه إشارة إلى بصيص أمل بالعودة، فالوداع يعني الانقطاع التام عن الأصل، أما عدم التوديع فهو حبل أمل رهيف جدا يشده الشاعر شدا أملا في العودة مرة أخرى إلى ذلك الأصل. الزوار، السخرية: قد يجمع بين هاتين اللفظتين خيط ناظم، يبدأ طرفه من كلمة الزوار الذين يبدلهم المكان، فمن المعروف عن اليهود عدم تسرعهم في اتخاذ القرارات، وبعد مدى التخطيط، حتى يتمكنوا من توطيد دعائم محطات انطلاقهم، وعندئذ ينقلبون ويكشفون الأقنعة عن حقائق نواياهم، وكذلك كان حال دخولهم إلى فلسطين أو إلى الأمة العربية جمعاء، بالتؤدة والمكيدة الضمنية، في أثواب زوار، ولسذاجة العرب وتغافلهم عن أمور دينهم ودنياهم واعتزازهم بتاريخهم وركونهم إليه لأنه يشكل عز مجدهم، كانوا ينظرون إلى اليهود نظرة استصغار واستهزاء وسخرية، إلا أن السخرية توقفت فجأة أمام واقع محتل عتيد قلب الموازين كلها واستولى على الأرض بعد أن كان هباء تذروه رياح الاضطهاد والاحتقار، فانقلبوا إلى فاتحين جدد، بعد أن كان الفتح مصطلحا قصرا على الإسلام. ولعل الشاعر يقصد بتعبيره " فتح... وفتح مضاد" مع نقط الحذف التي تفصل بين المصدرين، والتي تدل على التراخي بين زمنين، هو أن اليهود قد ردوا الصاع صاعين، عندما فتحوا فلسطين بعد أن فتحها المسلمون قبلهم. ها هنا يعيد التاريخ نفسه، فسلم الزمان القديم، زمان الشموخ والمجد والعزة والأنفة، الزمن الجديد، زمن الخنوع والصغار والذلة، مفاتيح أبواب العرب بعد أن استبد بهم البذخ والترف، واستهوتهم ملذات السلطان وشهواته، حتى لانت عريكتهم، وترهلت قواهم، فأوردهم ذلك مناهل الردى، وأصبحوا غثاء كغثاء السيل، تداعت اليهود على قصعتهم المملوءة خمرا وشايا أخضر، وفستقا طازجا، وأسرة وثيرة، وهي كلها كانت من أسباب الحضارة ونتائج البذخ، والغرق في الدًَّعة والنعيم، وسببا في التخاذل والضعف، وتسليم رقاب الأمة على طبق من ذهب لسيوف الفاتحين الجدد، الذين يدعوهم الشاعر إلى التملِّي من هذا المتاع، والاستسلام إلى سنة النعاس، والنعاس أقرب إلى النوم الثقيل، وهو نوم المطمئن الذي يبسط ذراعيه بالوصيد حتى لم يعد يخشى ثائرة ثائر أو حتى طنين ذبابة، فالفراش وثير والمكان معطَّر، أما المرايا فكثيرة قد يقصد بها أن العيون التي ترعى العدو وتسهر على نومه الهنيء، هي أوثق من عيونه نفسها، أما في نهاية القصيدة فقد لجأ الشاعر إلى نوع من الإسقاط، ما دام التاريخ يعيد نفسه- وهو إسقاط حالة فلسطين على الأندلس لتشابه مجديهما وتماثل سقوطهما. أما الآليات التي توسل بها الشاعر فندرجها على الشكل التالي: فيما يخص الوصف: فيبدو لي أن الشاعر كلما استشعر أن المتلقي على أهبة إدراك معنى من المعاني في النص، إلا وشتت انتباهه بمحطات تأويلية أخرى، فمن قطع الأيام وإعداد الضلوع وترك أخرى، إلى الزوار والهباء، والفتح المضاد، ثم إلى قضية مشابهة هي قضية الأندلس. أما الصورة الشعرية فتعتمد، وخصوصا في هذا النوع من الشعر الحر، على الإيجاز والتكثيف الدلالي الذي يجعل المتلقي يتوق إلى إدراكها وامتلاكها، خصوصا وأنها تتلون بتزاوج الخيال والواقع، من ذلك صورة الغيم أعلى الجبال المحيطة، وهي صورة قد تفتح أمام المتلقي نوافذ عدة من التأويلات، وصورة النوم على ريش الأحلام، وما توحي به من دلالات عدة، من رهافة الريش، ونعومته، التي قد تتطاير أمام أدنى هبة من هبات النسيم العليل. أما في لغة الأشياء اليومية فقد وظف الشاعر معجما متداولا من قبيل الخمر، والشاي، والفستق، وخشب الأرز، والعطور، والمرايا، وهو معجم يحيل على مظاهر البذخ والنعيم، كما وظف لغة المحاورة، وإن كانت من جانب واحد، من المُخاطِب إلى المخاطَب: ادخلوا أيها الفاتحون، استسلموا للنعاس، ناموا على ريش أحلامنا... أما استعماله أسلوب الاستفهام في نهاية القصيدة فيحث المتلقي على البحث عن معاني وقراءات مختلفة للشيء الذي يكثف من الدلالة، ويقرب النص أكثر من القارئ.
يعمل...
X