لعبة الموت
بقلم: محمود خليفة
صياحٌ يشق السحاب، أصواتٌ تتلاطم كموج البحار، وتهدر كهدير الرعد في السماء... وجوهٌ ملطخةٌ بألوان غريبة. عيونٌ تكاد أن تنخلع لتنغرز في الساحة الفيحاء. قلوبٌ تتفطر لما يحدث في الأرض الخضراء. عقولٌ تكاد أن تطيش. رؤوسٌ تتمايل إلى اليمين ثم سرعان ما تتمايل إلى الشمال أو إلى (الشمين)!... أجسادٌ تتبع الرؤوس. حناجر تهدر. أيادٍ تصفق. أعلام ترفرف. ألعاب نارية... مشاعر من الخوف تتدفق، وأخرى من الفرح تتفجر...
إنه لقاء القمة الذي يجمع قطبي كرة القدم.
قلتُ لصاحبي:
-ارفع ساقك عنّي، فلم يسمعْ و لم يردْ!
وبختُ نفسي وتساءلتُ لماذا طاوعته وأتيتُ إلى هنا وليس لي في الكرة ناقة ولا جمل ولا معزة ولا جدي!...
توقفت المباراة لبرهة مع الكارت الأصفر.
سباب ضد الحكم!
لاعب مصاب فوق سيارة صغيرة للإسعاف.
مازلتُ أتلقى ضربات ساق صاحبي وقدم المشاهد الذي عن يميني.
فلتت كرة بجوار الشباك؛ فصاح الجمهور صياحاً كاد أن يمزق الأفاق...
دخل هدف في مرمى فريق صاحبي فتحولتْ نصف المدرجات إلى حيوان أسطوري رهيب يصفق ويصيح ويلعب الألعاب النارية. تعجبتُ من هذا الحماس الرهيب. بيد أن شعبية النادييٍن الكبيرين أكبر من شعبية كلﱢ الأحزاب إن كان لها شعبية، أما صاحبي فقد وجم وابتئس ولفته ونصف المدرجات عباءة من الحزن. خشيتُ أن تنتهي المباراة بهزيمة فريقه؛ حتى لا يرتفع ضغطه وتحترق أعصابه...
شردتُ عن المباراة، وتذكرت أحد الدعاة- وهو في خطبة الجمعة- يقول: إن إسرائيل هزمتنا في عام 1967 خمسة صفر!...
تلاقح صياح الجماهير حولي مع صياح الجماهير الغفيرة التي خرجت هاتفةً ببقاء الزعيم الذي صرح بمسئوليته عن هذه الكارثة!...
سبحانك يا ربي، في عالم كرة القدم إذا انهزم فريق 5/صفر فإنهم يغيرون المدرب في التو!
انتهى الشوط الأول والحمد لله، (وعقبى للثاني).
قلتُ لصاحبي:
-هون عليك.
فقال والحزن يحتويه:
-إن الدفاع فيه خلل شديد، وتوجد مساحات خالية بين خط الوسط والهجوم.
أومأتُ إليه برأسي مؤكداً لكلامه كأني شاهدتُ المباراة وأفهمُ ما يفهم!
ثم قال:
-إن طريقة اللعب 4/4/2 غير مناسبة أمام هجوم الخصم الصاروخي، والأفضل اللعب بطريقة 5/4/1 أو 4/5/1.
كدتُ أن أنفجر ضحكاً على هذه (اللوغريتمات)، ولكني كبتُ نفسي مراعاةَ لحزنه لخسارة فريقه حتى الآن.
-يا أخي، إن الكرة (تتنطط) في لحظة واحدة عدة مرات ونتيجة المباراة في النهاية حظ في حظ!...
-إن اللاعبين ينسفون بخطط المدرب وتعليماته.
فقلتُ في سذاجة:
-حتى لو انتهت المباراة بفائز ومهزوم، فاللاعبون من الفريقين يتنزهون ويتعشون معاً في الوقت الذي تبات الجماهير في تعاسة وحزن شديدين لا داعي لهما، أو في سعادة وفرح بالغين لا ضرورة لهما.
وفي حماس بالغ أردفتُ:
-يا أخي، إن مُرتب حارس المرمى في عام نتسلمه في خمسة آلاف عام من مصلحتنا الحكومية!
وهمست في امتعاض:
-وماذا ستأخذ الجماهير من الدوري أو الكأس؟...
بدأ الشوط الثاني والجماهير تهتف لفريقها من داخل أعماق أعماقها... تشجيع؟ أم حب جارف؟ أم ماذا؟...
كنتُ كثيراً ما أناقش صاحبي عن سر الجهد والأموال اللذين يبذلهما في تشجيع فريقه دون أن يعود عليه بشيء، فكان يقول:
-التشجيع للأندية صحي من الناحية النفسية.
فأسأله:
-لماذا شجعتَ هذا الفريق دون ذلك؟ هل هو حب من أول نظرة؟!
فيجيبني:
-اسأل علماء النفس...
أفقتُ على صياح الجماهير مع دخول الهدف الثاني.
احمر وجه صاحبي، وانتفخت أوداجه، وامتلأ حزناً وكآبة...
وامتلأتُ تقززاَ وغثياناَ مع صياح الجماهير حولي وهو يتدفق في أعماق التاريخ ثم يعانق صياح الإمبراطور الروماني وحاشيته وهم يشاهدون بسعادة بالغة الأسود وهي تلعب لعبة الموت مع المغضوب عليهم!...
تصبغ وجه صاحبي باللون القرمزي مع دخول الهدف الثالث. وأظنُ أن دمه الآن قد احترق واسْود...
كان الله في عونه...
كثيراَ ما قلتُ له:
-شجع الفريق الذي يلعب جيداً، ولا داعي للتعصب لفريق دون الآخر.
فيرد في استغراب:
-هل هذا تشجيع؟!
تشابك صياح الجماهير مع الهدف الرابع وصياح الجماهير الغفيرة وهي تطالب بٍيٍلاطُسَ[1] بصلب المسيح!...
وكان بٍيٍلاطُسُ يعلم أنهم سلموا يسوع عن حسد، فيعود يسألهم :
-منْ تريدون أن أطلق لكم : بَارابَاس[2]، أم يسوع الذي يُدعى المسيح؟
فيجيبوا جميعا في حماس بالغ رهيب:
-يسوع يسوع يسوع!...
فيسألهم:
-وأيٍّ شرِّ فعل هذا الرجل الطيب؟
فيزدادوا صراخاً:
-ليُصلب ليُصلب ليُصلب!...
ومازال هتاف جماهير الصلب وصداه يطن في رأسي حتى ألفيتُ الصراخ حولي فوق صاحبي الذي وقع مغشياَ عليه مع الهدف الخامس في الدقيقة الأخيرة من المباراة؛ فصرختُ معهم:
-ليأتِ الطبيب. ليأتِ الطبيب. ليأتِ الطبيب...
وتبخرت صرخاتنا في الهواء!...
وأين ذلك الطبيب المخصص للجماهير؟!...
رحم الله صاحبي فقد مات بالسكتة القلبية!...
محمود خليفة
الطائف في الجمعة 11/8/1428
24/8/2007
[1] الحاكم الروماني في فلسطين في زمن المسيح (عليه السلام), وكان يطلق لليهود أحد المحكوم عليه بالإعدام في عيد الفصح
[2] لص وقاتل
بقلم: محمود خليفة
صياحٌ يشق السحاب، أصواتٌ تتلاطم كموج البحار، وتهدر كهدير الرعد في السماء... وجوهٌ ملطخةٌ بألوان غريبة. عيونٌ تكاد أن تنخلع لتنغرز في الساحة الفيحاء. قلوبٌ تتفطر لما يحدث في الأرض الخضراء. عقولٌ تكاد أن تطيش. رؤوسٌ تتمايل إلى اليمين ثم سرعان ما تتمايل إلى الشمال أو إلى (الشمين)!... أجسادٌ تتبع الرؤوس. حناجر تهدر. أيادٍ تصفق. أعلام ترفرف. ألعاب نارية... مشاعر من الخوف تتدفق، وأخرى من الفرح تتفجر...
إنه لقاء القمة الذي يجمع قطبي كرة القدم.
قلتُ لصاحبي:
-ارفع ساقك عنّي، فلم يسمعْ و لم يردْ!
وبختُ نفسي وتساءلتُ لماذا طاوعته وأتيتُ إلى هنا وليس لي في الكرة ناقة ولا جمل ولا معزة ولا جدي!...
توقفت المباراة لبرهة مع الكارت الأصفر.
سباب ضد الحكم!
لاعب مصاب فوق سيارة صغيرة للإسعاف.
مازلتُ أتلقى ضربات ساق صاحبي وقدم المشاهد الذي عن يميني.
فلتت كرة بجوار الشباك؛ فصاح الجمهور صياحاً كاد أن يمزق الأفاق...
دخل هدف في مرمى فريق صاحبي فتحولتْ نصف المدرجات إلى حيوان أسطوري رهيب يصفق ويصيح ويلعب الألعاب النارية. تعجبتُ من هذا الحماس الرهيب. بيد أن شعبية النادييٍن الكبيرين أكبر من شعبية كلﱢ الأحزاب إن كان لها شعبية، أما صاحبي فقد وجم وابتئس ولفته ونصف المدرجات عباءة من الحزن. خشيتُ أن تنتهي المباراة بهزيمة فريقه؛ حتى لا يرتفع ضغطه وتحترق أعصابه...
شردتُ عن المباراة، وتذكرت أحد الدعاة- وهو في خطبة الجمعة- يقول: إن إسرائيل هزمتنا في عام 1967 خمسة صفر!...
تلاقح صياح الجماهير حولي مع صياح الجماهير الغفيرة التي خرجت هاتفةً ببقاء الزعيم الذي صرح بمسئوليته عن هذه الكارثة!...
سبحانك يا ربي، في عالم كرة القدم إذا انهزم فريق 5/صفر فإنهم يغيرون المدرب في التو!
انتهى الشوط الأول والحمد لله، (وعقبى للثاني).
قلتُ لصاحبي:
-هون عليك.
فقال والحزن يحتويه:
-إن الدفاع فيه خلل شديد، وتوجد مساحات خالية بين خط الوسط والهجوم.
أومأتُ إليه برأسي مؤكداً لكلامه كأني شاهدتُ المباراة وأفهمُ ما يفهم!
ثم قال:
-إن طريقة اللعب 4/4/2 غير مناسبة أمام هجوم الخصم الصاروخي، والأفضل اللعب بطريقة 5/4/1 أو 4/5/1.
كدتُ أن أنفجر ضحكاً على هذه (اللوغريتمات)، ولكني كبتُ نفسي مراعاةَ لحزنه لخسارة فريقه حتى الآن.
-يا أخي، إن الكرة (تتنطط) في لحظة واحدة عدة مرات ونتيجة المباراة في النهاية حظ في حظ!...
-إن اللاعبين ينسفون بخطط المدرب وتعليماته.
فقلتُ في سذاجة:
-حتى لو انتهت المباراة بفائز ومهزوم، فاللاعبون من الفريقين يتنزهون ويتعشون معاً في الوقت الذي تبات الجماهير في تعاسة وحزن شديدين لا داعي لهما، أو في سعادة وفرح بالغين لا ضرورة لهما.
وفي حماس بالغ أردفتُ:
-يا أخي، إن مُرتب حارس المرمى في عام نتسلمه في خمسة آلاف عام من مصلحتنا الحكومية!
وهمست في امتعاض:
-وماذا ستأخذ الجماهير من الدوري أو الكأس؟...
بدأ الشوط الثاني والجماهير تهتف لفريقها من داخل أعماق أعماقها... تشجيع؟ أم حب جارف؟ أم ماذا؟...
كنتُ كثيراً ما أناقش صاحبي عن سر الجهد والأموال اللذين يبذلهما في تشجيع فريقه دون أن يعود عليه بشيء، فكان يقول:
-التشجيع للأندية صحي من الناحية النفسية.
فأسأله:
-لماذا شجعتَ هذا الفريق دون ذلك؟ هل هو حب من أول نظرة؟!
فيجيبني:
-اسأل علماء النفس...
أفقتُ على صياح الجماهير مع دخول الهدف الثاني.
احمر وجه صاحبي، وانتفخت أوداجه، وامتلأ حزناً وكآبة...
وامتلأتُ تقززاَ وغثياناَ مع صياح الجماهير حولي وهو يتدفق في أعماق التاريخ ثم يعانق صياح الإمبراطور الروماني وحاشيته وهم يشاهدون بسعادة بالغة الأسود وهي تلعب لعبة الموت مع المغضوب عليهم!...
تصبغ وجه صاحبي باللون القرمزي مع دخول الهدف الثالث. وأظنُ أن دمه الآن قد احترق واسْود...
كان الله في عونه...
كثيراَ ما قلتُ له:
-شجع الفريق الذي يلعب جيداً، ولا داعي للتعصب لفريق دون الآخر.
فيرد في استغراب:
-هل هذا تشجيع؟!
تشابك صياح الجماهير مع الهدف الرابع وصياح الجماهير الغفيرة وهي تطالب بٍيٍلاطُسَ[1] بصلب المسيح!...
وكان بٍيٍلاطُسُ يعلم أنهم سلموا يسوع عن حسد، فيعود يسألهم :
-منْ تريدون أن أطلق لكم : بَارابَاس[2]، أم يسوع الذي يُدعى المسيح؟
فيجيبوا جميعا في حماس بالغ رهيب:
-يسوع يسوع يسوع!...
فيسألهم:
-وأيٍّ شرِّ فعل هذا الرجل الطيب؟
فيزدادوا صراخاً:
-ليُصلب ليُصلب ليُصلب!...
ومازال هتاف جماهير الصلب وصداه يطن في رأسي حتى ألفيتُ الصراخ حولي فوق صاحبي الذي وقع مغشياَ عليه مع الهدف الخامس في الدقيقة الأخيرة من المباراة؛ فصرختُ معهم:
-ليأتِ الطبيب. ليأتِ الطبيب. ليأتِ الطبيب...
وتبخرت صرخاتنا في الهواء!...
وأين ذلك الطبيب المخصص للجماهير؟!...
رحم الله صاحبي فقد مات بالسكتة القلبية!...
محمود خليفة
الطائف في الجمعة 11/8/1428
24/8/2007
[1] الحاكم الروماني في فلسطين في زمن المسيح (عليه السلام), وكان يطلق لليهود أحد المحكوم عليه بالإعدام في عيد الفصح
[2] لص وقاتل