حدث في أفزوني

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فراس عبد الحسين
    أديب وكاتب
    • 18-08-2013
    • 180

    حدث في أفزوني

    كأنني ريشة طير يتلاعب بها النسيم بلا زمان ومكان, أصعد لحدود السماء بين السحاب ثم أهبط بين أغصان أشجار البلوط التي تحمل أعشاش حمام وعصافير, لأجدنني محلقاً فوق موجات البحر الساحر قبل أن أعود لحدود الفضاء, ربما أعيش لحظات حلم جميل, لعلني روح معلقة بين الموت والحياة, لكن من أكون وأين جسدي..!

    شيء ما جذبني من فوق شاطئ البحر لتلك المدينة البعيدة محلقاً بجانب عماراتها وتحت جسورها بين مئات السيارات فوق رؤوس آلاف البشر, أخذ يحوم بي فوق ذلك المكان النائي من مزرعة مهجورة قبل أن يدخلني وسط حفرة أسفل التراب, نعم هذه جثتي, لكن ما كل هذه الأربطة البيضاء المغطاة ببقع الدم تلف بطني ورأسي, ما الذي حصل..!
    وكأنني أتابع أحداث فيلم سينمائي بطريقة معكوسة بدأ من كلمة النهاية.. يحملني شخص قبل إن يقوم بدفني, يخرجني من ذلك المبنى المهجور, ممداً وسط مكان يشبه صالة العمليات, مجموعة أطباء يحيطون بسريري, أحدهم يحمل بيده مشرط ويقطع أوصالي ليخرج أعضائي الطازجة واحداً تلو الأخر, وجسمي ينزف الدماء بكاءً على ما يحصل.
    نعم ذاك هو جسدي أراني مسجى بين مجموعة أشخاص داخل سيارة مسرعة تسير على الطريق العام قبل إن تصل للمبنى الغريب, ها هم يحملوني من بين الأشجار في غابة ( أفزوني) بعد إن وجدوني مطروح أرضاً مغماً عليّ فوق بركة من الدماء.
    أخذ ذلك الشيء يعرض لي المقاطع بتسلسل زمني مبهم, وكأني متابع لفيلم قد شاهدته عدة مرات لكني لم أتذكر نهايته أو ما سيحصل, نعم هذه المناطق ليست غريبة عني أعتقد إني رأيتها سابقاً, رمال ساحل البحر الفضية بجانب الطريق السريع, فتيات شقراوات بأجساد برونزية ممددات تحت أشعة الشمس, هذه مدينة "جشمة" الساحلية على "بحر أيجة".
    ستة وثلاثون شخصاً, سوريون , عراقيون, أفارقة, نطفو فوق زورق مطاطي مهدد بالغرق وسط بحر هائج يطلق تحذيره المتكرر تعبيراً عن رفضه المطلق للغرباء, ظلام دامس, قلق, قبل أن نرى أضواء سفينة بعيدة قادمة باتجاهنا.
    - لينزع أحدكم المحرك ويرميه بسرعة . كانت صرخة من أحد ركاب الزورق.
    - وكيف بإمكاننا الوصول لليابسة بدونه يا رجل..؟
    - عندما تنزع المحرك, اذا كانت هذه سفينة صيد سينقذوننا, ولو كانت لخفر السواحل سيأخذوننا ويحتجزونا في بلدهم وهذا ما نريد, أما لو كان محرك الزورق يعمل سيجبروننا على العودة ونخسر كل شيء, لا تضيع الوقت, أرجوك.
    أرتفع موج البحر عالياً مع اقتراب السفينة, تنفلت يدي الممسكة بحبل النجاة المحيط بالزورق, أسقط مع ثلاثة أشخاص آخرين, أخذت الأمواج تسحبني بعيداً للمجهول, بالكاد أستمع لصوت صراخهم وعويل الأطفال, دخل جوفي المياه المالحة وخارت كل قواي قبل إن استسلم للغرق, سمعت صوت امرأة يهمس بإذنّي ليصدح بذاكرتي " دللول يمة يالولد يبني دلول, عدوك عليل وساكن الجول", تماهيت مع الماء حتى أصبحت جزء منه, همتُ مع ذلك الصوت الملائكي الرقيق الدافئ وأخذت أردد ما أسمع من كلمات مثل نبي قد أوحت له السماء للتو.
    ضوء مصباح قوي أمام عيّني يمنعني الرؤية, يد غريبة تمتد لتسحبني للأعلى وتنتشلني من وسط البحر, فتحت عيني بعد سماعي كلمات أجنبية غير مفهومة, تلمست جسدي مغطى بملحفة بين الجميع على ظهر مركب يرفرف أعلاه علم أبيض بخطوط زرقاء, اعتقدت أنهم خفر السواحل اليونانية قد قاموا بإنقاذي, أغمضت عيني من جديد بابتسامة ارتياح.
    ها أنا داخل "الكامب" في جزيرة "كيوس" يصلني الدور بعد طابور طويل أمام شباك إحدى الغرف, ليخبرني مترجم بجانب الشرطي داخلها, - اذا بقيت في اليونان بعد استلامك الخرتية لأكثر من شهر ولم تهاجر سيتم اعتقالك وارجاعك لوطنك رغماً عنك, مفهوم.
    أنظر لل"خرتية" تلك البطاقة التي تشبه الهوية, أتفرس صورتي الشخصية التي التقطوها لي داخل معسكر الاحتجاز, أتفحص أسمي والبلد الذي جئت منه, "وحيد غريب مظلوم", أنا وحيد الآن على أسمي وغريب مثل والدي وربما أكون مظلوماً كجدي وهذا مؤكد لأنني من العراق.
    لمدة يومين بلياليها لا صوت سوى هدير المحرك ولم أرى غير الماء والسماء بوسع الأفق, أبحر فوق متن باخرة متجهة للعاصمة "أثينا", قاصداً بعدها لمدينة "سالونيك" التي تعج بخليط غريب من الناس, عصابات, مهربين, مهاجرين, لغات مختلفة, ملامح متنوعة وجنسيات متعددة, جالساً أتحدث بجانب أحدهم قرب "فندق أولمبك" من أجل تهريبي مع مجموعة عوائل لأوربا مقابل مبلغ كبير من المال.
    ننجح بعبور الحدود والوصول لمنطقة غريبة تسمى "كازينو الحارة" المقدونية, ها أنا اتفق مع شخص آخر ليجتاز بنا غابة " أفزوني" الخطرة وإيصالنا للشارع العام المتجه لمدينة " لويان" الحدودية مع مقدونيا, بعد إن يخبرني بأهمية التزام أقصى درجات الحيطة والحذر.
    بعد ساعتين من السير بخطى حثيثة حذرة مشوبة بأجواء الرعب والقلق, وصلت مع بقية الأسر لحدود الشارع العام, يبلغني المهرب بوجوب الاختباء من دوريات الشرطة بجانب حافة الطريق المرتفعة وانتظار مرور سيارات المهربين بصمتٍ تام حيث يتحين علينا وقتها الركض بأقصى سرعة لركوب السيارة بوقت لا يتجاوز النصف دقيقة للتخلص من دوريات الشرطة.
    جالس في المركبة وتغمر وجهي الغبطة لاجتيازي بنجاح كل تلك المخاطر, ما هي إلا برهة يصاب السائق بالهلع , أخذ يصرخ بكلمات غريبة, دب الذعر بين الجميع, ألتفت للخلف لأرى سيارة سوداء بزجاج مضلل تتبعنا مسرعة ثم تجبر السائق الوقوف بجانب الطريق, ينزل منها أشخاص مدججين بالسلاح يأمرونا بالترجل والانبطاح بعد أن أخذوا مني الجوال وكل ما في جيبي من أموال.
    أتجول ذهاباً وإيابا بأركان غرفة سجن "غازي بابا", بعد ثلاثة أشهر من الضياع, برد, جوع, معاملة سيئة, مصير مجهول, يضعوني مع آخرين داخل سيارة ليرموني مثل كلب قرب منطقة " كازينو الحارة", عدت لهناك لنقطة الصفر, حائراً خالي الوفاض بعد أن سلبوني كل شيء بلا ماء و طعام, لا أملك سوى ملابسي الرثة القذرة التي ارتديها منذ أشهر.
    أنهض بعد ساعات تفكير مضنية تحملني ساقاي بما تبقى لدي من قوة, لأسير هائماً وحيداً وسط الغابة الموحشة يلفني الصمت إلا من صوت تكسر أوراق الأشجار تحت قدمّي وزقزقة العصافير المذعورة فوق رأسي, نظرت للأعلى كم تمنيت لو كنت عصفوراً صغيراً حراً محلقاً فوق تلك البراري الواسعة.
    بعد ثلاث ساعات من السير المتواصل, لاحت أمامي منطقة كنت قد رأيتها سابقاً نفس التضاريس والشجر, بدت من بعيد بناية وحيدة اقتربت منها أكثر كانت "كازينو الحارة", عرفت حينها بأني كنت أدور لساعات بحلقة مفرغة لأعود لمكاني نفسه.
    ما كل هذا النصيب السيء الذي يلاحقني أينما ذهبت, هل مكتوب أن القى كل هذا العذاب بلا جرعة أمل تدفعني لأنهاء ما بدأت, لكن هذه المرة سأكون أقوى من حظي العاثر, سأكتب حظي وأصنع أملي بيدي, سأقوم بتعليم طريقي الذي أمر فيه بخرق من قماش قميصي كي لا أسير بنفس الطريق مرتين وسأصل لهدفي حتماً في النهاية.
    وانا بوسط الغابة, شاهدت أحدهم يسير مسرعاً خلفي, ثم ظهر الثاني فالثالث كانوا عشرة أشخاص, مشيت سريعاً قبل إن ابدأ بالركض البطيء, صوت طلق ناري, سقطت أرضاً وحرارة رهيبة تمزق ساقي شاهدت الدماء تنز منها لتسيل فوق الأرض.
    .................................................. ........
    فراس عبد الحسين
    فراس العراقي
يعمل...
X