لثلاثاء، سبتمبر 02، 2008
على أسوار المدينة (( تأليف / أحمد جبيلي ))



صمت الليل القاتل الذي لا يقوى على احتماله إلا من اعتاد عليه ، وسكون الكون الساري في بؤرة معتمة من العالم الفسيح ، والظلمة الموحشة والتي تحيط بأرجاء الوادي المترامي الأطراف فتبعث الخوف وتثير الرعب بالقلوب الهاوية في بحر ملوث بالعوادم والمخلفات ،والبرد القارص الذي يفتك بالعظام وترتجف منه الأطراف ولا تحمي منه الثياب ولا النيران المتقدة ،وأصوات السباع الآتية من بعيد والتي يوحي زئيرها بأنها تملكت من فريسة ثمينة وباتت تفتك بها ،وحفيف الأشجار الكثيفة الشاهقة الارتفاع والتي اهتزت بقوة مؤذنة ببدء عاصفة عاتية لا تبقي ولا تذر ،والسماء الملبدة بالغيوم وكأنها تبشر باقتراب انهمار سيل جارف يطمث المعالم ويمحو الآثار ، والبرق الواضح الذي لاح في الأفق سابقا للرعد المدوي الذي اهتزت من خشيته الجدران ...
قال الشيخ الذي اعتراه الهرم لزوجته العجوز : -
أغلقي الأبواب فأنا لا أقوى على النهوض من فراشي ،فقامت الزوجة تستند على عكازها المصنوع من الخشب بطريقة بدائية وأخذت تقاوم ما فعلته بها السنين حتى وصلت لباب المنزل فأوصدته وهي تتأوه من شدة الألم الذي يسري بأقدامها ثم أسرعت لتغلق النوافذ المطلة على الغابة ، وبعدها عادت لزوجها وقالت له :- اليوم ينتابني شعور لم أشعر به منذ قرابة الخمسين عاما حيث سكنا هذا الوادي الموحش ، فقال لها الشيخ تجلدي يا امرأة ولا تجعلي الرعب يتملك من قلبك فكم أتاني هذا الشعور من قبل وكنت أنت المعين لي على الصبر ،
آالآن تتخل عني ولا أحد سوانا هنا ، فأجابته بصوتها المتحشرج الممتزج بالسيل الذي بدأ في الانهمار أشعر أن سقف منزلنا المصنوع من القش والطمي لن يقوى هذه المرة على تحمل هذا السيل فهو أقوى من كل مرة ، فأجابها تجلدي يا امرأة وساعديني على النهوض قبل أن ينهار المنزل علينا ، وتعكز الشيخ الهارم على امرأته وأخذا يركضان خارج المنزل والذي انهار فور خروجهما منه وأخذا يبحثان عن مأوى يحميهما مما يحيط بهما من صعاب ، ولكن طمست جميع المعالم أمامهما فلم يدركا أ متجهان هما قبل المشرق أم المغرب ، وبعد مسيرة ما يقارب الميل لاح لهما من بعيد نور خافت جدد الأمل بداخلهما وأخذا يركضا نحوه متجاهلين السنين والآلام التي تمزق جسديهما ،وصل العجوز وزوجته للنور فإذا بفتى لم يبلغ الحلم جالس وبيده مدية صغيرة يدافع بها عن نفسه ، قام الفتى مسرعا نحوهما وحمل الشيخ المنهك فوق ظهره وأدخله بيته ثم عاد للعجوز وحملها هي الأخرى حتى أدخلهما في بيته الحصين وقام بإشعال المدفأة لهما وأتى لهما بغطاء من الصوف السميك والذي صنعه من جلود بعض صيده ، وأخذ يعد لهما حساء ساخن وبعد أن غلى القدر غرف لهما واقترب منهما وأخذ يطعمهما بيده ويتسامر معهما الحديث فسألهما قائلا :- منذ متى أنتما في هذه الغابة الموحشة ؟ فأجابا منذ أربعين سنة ، ولكنها كانت أكثر أمانا من الآن أما الآن وبعد أن هجرها أهلها فهي باتت مليئة بالسباع ، ولكن أجبنا أنت بربك أتسكن هذا المنزل لوحدك ؟ قال :-نعم منذ وفاة أسرتي فأنا هنا ولا أقوى على الرحيل قبل أن أثأر لهم من أحد السباع التي فتكت بهم ،أتعرف هذا السبع وتستطيع أن تفرقه عن غيره ؟ نعم إنني أستطيع تميزه من صوته وأشم رائحته من بعيد ،وهل ستقتله بهذه المدية التي بيدك ؟ لا إنني سأقتله بذراعي هذا ولن ينال مني أبدا ، كيف ستقتله بذراعك يا بني وأنت مازلت صغير وهو وحش جائع مشتاق لرؤية الدماء ؟ لا تسألني عن الوسيلة فأنا كلما أسمع صوته ينتابني شعور بأني أقوى منه ويسري بداخلي إحساس أنني سأنتقم لأسرتي ، ولكن أجيباني بربكما لماذا لم تغادرا هذا المكان وتذهبا للمدينة ؟ وكيف لنا يا بني أن ندخل المدينة التي تبتعد عنا أميال ؟ وإن وصلنا سالمين فهل ستفتح لنا الأبواب وتدق لنا الطبول ونجد من يرحب بنا ويستضيفنا ؟ وإن وجدناه فهل سيتحملنا ويخدمنا وينفق على شيخين مثلنا ؟ وإن فعل ذلك يا بني هل سنقبل نحن ونرضى أن نعيش أذلاء لشخص لا نعرفه ؟ إذن فأنتما مثلي لا تستطيعا بلوغ المدينة ؟ نعم يا بني نحن مثلك وبالغابة الكثير غيرنا يطوقون شوقا للمدينة ولكن لكل واحد دافع جعله يفضل البقاء في هذه الغابة . ولكن بالله عليك يا فتى إن أدركتنا منيتنا فلا تتركنا هنا نريد أن ندفن على أسوارها لنجد من يؤنسنا هناك . وهنا سمع الفتى صوت الوحش فقام من فراشه وتوجه نحوه وأخذ يصارعه وطال الصراع وقطع الوحش جسد الفتى مبتدأ بقدميه ثم يديه ثم فتك به ورأى الشيخان هذا المنظر فلم يقويا على الاحتمال فلقيا ربهما ولم يرحم الوحش سنهما أو حتى وفاتهما . وتوجه بعدها الوحش إلى المدينة ليرافق أصحابه الوحوش في اصطياد فرائسهم من هناك .
----------
أحمد جبيلي
لثلاثاء، سبتمبر 02، 2008
الغصن الوحيد (( ت . أحمد جبيلي ))
إعطني هذا الغصن الرطب أخضر اللون لأكسره بيميني يا بني وأسرع فلدي أغصان كثيرة هشة ملقاه يمينا ويسارا لا صاحب لها - أو أصحابها غافلون عنها – تدعوني ولن أستطيع الانتظار أكثر من ذلك صبرا عليها فإن صبرت فستجف ويصعب علي كسرها ، وحاول أن تتلفت يمينا ويسارا وأنت تحضر هذا الغصن لكي لا يراك أحد فيكشف وجهك أو يعرف هويتك ومن ثم يحدد هدفك وغايتك فيحاول أن يعيقك بأي وسيلة أو يستخدم أي حيلة ليمنعك من إحضار الغصن فتتكبد خسارة كبيرة فتضيع علينا مالا أو وقتا نحن في أمس الحاجة إليه من أجل تحقيق هدفنا السامي ، يا بني إن لم يكن لك أعوان يعينوك على امتلاك كافة الأغصان الخضراء الملقاة في أرضية المنطقة فلا تيأس فسأمدك بالأعوان وسأهيء لك كافة السبل وسأعينك بكل ما أوتيت من قوة ولكن بشرط واحد أن تبتعد عن الأغصان مجتمعة لكي لا تنهك قوتك وأن تحاول تصيد الأغصان منفردة ومتشتتة لتستطيع أن تسيطر عليها سيطرة تامة ،أتعلم أن الغصن إن يبس اشتد وحالت قوته ونضجه بينك وبين كسره فلا تتركه ييبس أبدا قبل أن تمتلكه وتسيطر عليه ، اسمح لي يا سيدي العظيم أن أطرح عليك بعض الأسئلة قبل أن أبدأ في تنفيذ هذه المهمة الشاقة ؟ يا بني من لك غيري يقدم هذه النصائح الغالية فتفضل بالسؤال ولكن حذرا من أن تشق علي فتشقى وأشقى معك ، يا سيدي إنه غصن واحد ضعيف تبغي مني كسره فلا يهمك ، سأكسره إن كان أخضر أو يابس ؟ لا يابني إن يبس أدرك غايتك وربما قاومك وكشف حيلتك . لما الخوف يا سيدي ولما التلفت يمينا ويسارا فأنا قادرا أن أمتلك هذا الغصن في وضح النهار على مرأى ومسمع من الجميع فالكل يعرفني ويعشق ما أدعو إليه ولن يمنعني أحد أبدا ؟ لا إياك إحذر فما زال هناك من يعيقك - وإن قل عددهم – ولكن لما نخسر وقت ومال يا بني ؟ ، عندي يا سيدي من الميكنة والمعدات الحديثة ما يمكنني من كسر أغصان يابسة ومجتمعة في آن واحد صدقني ؟ أعلم هذا جيدا ولكن هذا سيجعلك تنهار سريعا وأنا في أمس الحاجة لقواك وحماسك يا بني فحافظ على نفسك واعمل في صمت وكلما كشف طريقك الذي تسلكه تجاه غصن معين اسلك طريقا غيره وكلما ضعفت عزيمتك تيقن أن لك هدف سامي وغاية نبيلة وسأمدك بما يعينك أعدك يا بني ...
واستمر الشاب ينفذ تعليمات سيده العظيم ويكسر الأغصان الخضراء الملقاة على أرضية المنطقة بأسرها وسيده يعينه ويمده بكل مقومات عمله .. فإلى متى سنبقى غافلون ؟ وإلى متى سنسمح بذلك ؟ ومن سيحمي أغصاننا حتى تكبر وتنضج وتصبح أشجارا عالية تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ...
أحمد جبيلي
6/5/2007الثلاثاء، سبتمبر 02، 2008
الغريق (( ت . أحمد جبيلي ))
السفينة الكبيرة العائمة على صفحة الماء والتي تبدو من بعيد كمدينة متحركة متلألئة الأضواء .. تنبض بالحياة وتجري برغم حجمها المهول بسرعة رهيبة فتشق الأمواج العاتية متمايلة يمنة ويسرة وكأنها عروس في ليلة زفافه يحاول أن يداري ما يسري بداخله عن أعين الناس مرتادي عرسه مع يقينه التام بأن كل الأعين تتربصه ولكنه رغم ذلك يداري مشاعره وسعادته والتي إن ظهرت منه سهوا ولو للحظة واحدة ولم يبالي بالحضور وجعلها صريحة كالتي تبدو على طائر قابل خله أو طفل لقي محبوبته لكان بالفعل جدير بسخرية البعض ......كنت وقتها أقف على الشاطئ المترامي الأطراف والذي بسطت رماله الناعمة أمامي على مد البصر .. وكنت أسير على الرمال تاركا أثر لأقدامي خلفي .. كنت وقتها أسترجع بعض الذكريات التي أثرت في في هذه المنطقة الجذابة ... وفجأة ومع اقتراب غروب الشمس لاحت لي السفينة تتمايل من بعيد فشدني مظهرها الخلاب الذي دفعني لأن أتتبعها عن كثب بمنظاري المعظم والذي يكشف لي جميع جنباتها وينقلني بداخلها وكأني أحد المسافرين على متنها .. فوجهت نظري نحوها فأول ما وقعت عيناي وقعت على المقصورة الرئيسية وكان بداخلها ربان السفينة وحوله مساعديه والذين كما بدا لي يحكمون السيطرة تماما على السفينة ويقودونها بإتقان بارع ... كانت الإضاءة قوية جدا في المقصورة حيث تمكنت من تمييز ملامح الربان جيدا والذي أقدم ليشعل سيجاره الثمين والذي يوحي بالرفاهية المنقطعة النظير ، وكان أحد مساعديه مستلقيا على أريكة مطرزة ببعض الأحجار الكريمة ومصنوعة من خشب الزان والذي ذكرني بالأصالة والعراقة والتي كانت ملحوظة في بعض أثاث البيوت العربية من قرابة عقد من الزمن ، وفجأة رأيت مساعد آخر للربان قام من مقعده ولبى نداء الربان وخرج من المقصورة وتبين لي أنه يريد تفقد أحوال المسافرين والاطمئنان على راحتهم .. فتتبعته .. حيث فتح باب المقصورة وبيده باقة من الزهور المنتقاة بعناية من أرض المغادرة وتوجه نحو طاولة مستديرة بالمطعم في وسطها شمعة صغيرة مضاءة يحفها بعض الصدف المختلف الألوان والمبعثر حولها بعناية ، وكان يجلس حولها رجل لم يتجاوز العقد الثالث من عمره وامرأة خيل لي أنها في بداية العقد الثالث ، ورأيت ملامح السعادة على وجهيهما وكأنهما عريسان يمتطيان جواد الريح ليقلهما لأرض الأحلام ليقضيا بها أجمل أيام العمر ... توجه نحوهما مساعد الربان وسلمهما باقة الزهور ورأيته يهمس في أذن الرجل مهنئا ومرحبا ، وتركهما ليكمل مهمته والابتسامة لا تفارق وجهه أبدا ، وتوجه نحو المسبح المستدير المحاط بأشجار الأرز وأغصان النخيل الصناعية والذي تجمع حوله من آثر الاستماع للبند الغربي والاسترخاء مرتديا زي السباحة متناسيا الدنيا متأملا للسماء مبعثرة النجوم مستمتعا بهذه الطبيعة الساحرة ، وقف فترة وعيناه ترقب النزلاء من بعيد فرأى كهلا جاوز السبعين من عمره يرتدي حلة سباحة ولا يبدو عليه الشيب وكأنه مراهق مرهف الحس هائم في أحلام اليقظة، وكان بيده كتاب مرسوم على غلافه خطوط وألوان ذكرتني بمن قارب الجوزاء واصطف وراء الأنجم ، وخيل لي أنه أكمل قراءة نصفه الأول .. فتوجه مساعد الربان نحوه وسأله : هل من أي مساعدة أقدمها لك ؟ فأجابه الكهل : تفضل بالجلوس فلي سؤال أبحث عن جوابه .. أتعلم أني في غاية السعادة الآن فأنا أشعر وكأني رجعت خمسين عاما للوراء .. فأنا أعشق هذه الحياة منذ طفولتي وأقضي أيام حياتي الباقية رحالة أجوب العالم باحثا عن فتاة أحببتها في شبابي .. أتعتقد أنني يمكنني العثور عليها ؟ بالله عليك يا والدي أتحبها كل هذا الحب رغم ما أثر عليكما من متغيرات وما فعلت بكما السنون ورغم أنك لا تعرف عنها الآن أي شيء ؟ نعم يا بني لقد وهبت ما بقي من عمري لأبحث عنها . وتعتقد أنها ما تزال حية للآن يا والدي ؟ أشعر بأنها تبحث عني الآن يا بني ، أتصف لي شكلها يا والدي ؟ آه يا بني .. إنني لم أراها منذ خمسون عاما ولكن صورتها ما تزال أمام عيناي وكأني لقيتها بالأمس في حديقة القرية وكأنها كوكب دري باهي فهي فتاة حسنة المظهر .. بياضها أنقى من صفحة الماء التي تسيل عبر الوادي بهدوء وسكون .. شعرها كخيوط الشمس الصفراء يتدلى على كتفيها فيهتز ملبيا قدوم نسمات الهواء .. عيناها كعين حورية استعجلت مكافأتي وأتتني من أعالي الجنان .. فمها كحبة عنب متدلية من عنقود يلمع فوق غصنه .. خفيفة الظل ، والمرح دوما غايتها .. إذا رأيتها يا بني يتملكك إحساس بأن الدنيا كلها مقبلة عليك بما تحويه من خير وسعادة .. رأيي الآن لك يا والدي أن لا تكل من البحث عن حبيبتك وستجدها في مرسانا القادم حيث أنه مرسى العشاق وبه تتحقق جميع الأحلام .وقام مساعد الربان والذي أدهشه منظر أحد الدلافين يقفز في الماء قفزات رائعة ومن حوله أسماك صغيرة تسير في شكل أسراب .. فأخذ يرقب هذا المنظر إلى أن أتاه صوت يدعوه لإجابة ربان السفينة سريعا .. فتوجه نحوه على الفور فوجده يصرخ ومن حوله كل منهم مشتغل بعمله بشكل مرعب فعلم أنهم وقعوا لا محالة في أسر غابة من الشعاب المرجانية والتي ما لبثت إلا وقبضت على السفينة من جميع جوانبها فأجبرتهم على إيقاف محركاتها والبحث عن وسيلة لتخرجهم من هذا المأزق الخطير .. إنهم الآن يحاولون ويبذلون قصار جهدهم ليفكوا أسر أكثر من ألف راكب من مختلف الأعراق على متن سفينتهم .. والسفينة بعدت عن الميناء قرابة المائة ميل بحري .. إنهم يحاولون ولكن كلما يقتربوا من فك أسر السفينة يظهر أمامهم غابة أخرى من الشعاب .. إنهم سقطوا بالفعل في بحر من الشعاب لا نهاية له .. إن جميع أجهزة الاستغاثة تعطلت .. وأنوار السفينة انطفأت .. ووسائل التدفئة أبت أن تسعفهم هي الأخرى .. إن مخزون الغذاء والماء بدأ في النفاذ .. إنهم جميعا بدءوا يشعرون باقتراب الموت منهم رويدا رويدا ... إن الموت حين يأتي فجأة يكون أفضل من هذا الحال الذي باتوا عليه جميعا .. وهنا ألقيت منظاري جانبا بعدما أيقنت أن الموت محدق بهم جميعا ... وتوجهت نحو منزلي ولا سبيل لي وقتها إلا الدعاء لهم بمعجزة تأتيهم من السماء وترحم صغيرهم وتداوي جروح شيخهم ...وفجأة أتاني نور قوي من السماء فنظرت صوبه فإذا بالسفينة تشتعل .. والنيران تحيط بها من كل جانب .. والمسافرون منهم من يقفز بجسده في الماء ، ومنهم من أكلته النيران ، وهناك طفل يبكي ، وهنا امرأة تصرخ وتستغيث .. ولكن هيهات أن يغيثها أحد .. فكل واحد في هذه اللحظة يريد النجاة بنفسه .. إنها لحظة الموت .. ورأيت أقدام تدهس أعناق .. ومصارعات رهيبة على قوارب النجاة وتراشق بالنيران .. ورأيت القبطان فوق سطح السفينة يرقب ما يحدث ولا يقوى على الحراك من مكانه الذي أحيط بالنيران .. أحدهم نادى القبطان أنقذنا قبل أن نهوي في هذا البحر المعتم ونكون فريسة لأسماء القرش التي تحيط بنا وبدأت بالفعل تتصيد فرائسها وأدمت لون المياه .. ولكن لم يجيبه القبطان الذي بدأت النيران تأكله ورحمته بالفعل من أسماك القرش ، وهنا سمعت فرقعة مدوية هزت الشاطئ بأسره وامتزج صوتها بصوت الأمواج فجعلته أشبه بصوت قذيفة مدوية .. لقد هوت السفينة واختفت عن العيون .. لحظات بعدها خمدت النيران .. وتنبهت الآن فرق الإنقاذ وأقبلوا يجوبون المنطقة بحثا عن أحياء .. وكان أول من وقعت أعينهم عليه الطفل الصغير الذي كان يبكي على السفينة وكان حوله دلفينان صغيران يحيطان به ويدافعان عنه بكل ما أوتيا من قوة فهما موقنان أن السبيل الوحيد لنجاته أن يظلا حوله يرقصان ويقفزان لعل أحد يتنبه لوجوده .. انتشلت الفرقة الطفل وقدمت له الإسعافات وردت له حياته .. حياته المجهولة والتي لا يدري عنها شيء ولو علم ما هو مقبل عليه لتمنى اللحاق بأحبته .. فهو مقدم إلى عالم غير عالمه .. عالم فقد فيه من كان يعنى به ويقدم له الحب والحنان .. إنه سيخالط وجوه غير تلك الوجوه النقية الطاهرة التي غرست بداخلة أسمى المعاني وأنبل الصفات ، إنه مقدم على واقع مرير يحيط به من كل جانب ويتملك من جميع حواسه ويطغى على جميع أفكاره .. إنه عاش الماضي بما يحويه من حب وحنان ويعيش حاضره المغطى بالأحزان ولا يدري أ مستقبله مضيء أم أنه جمر يوشك أن يتدفق من فوهة بركان .. إنه طفل بلغ رشده قبل الأوان .. غريق تعلق بقشه فهل يا ترى ستوصله إلى بر الأمان ؟؟؟
أحمد جبيلي
7-8-2003
على أسوار المدينة (( تأليف / أحمد جبيلي ))



صمت الليل القاتل الذي لا يقوى على احتماله إلا من اعتاد عليه ، وسكون الكون الساري في بؤرة معتمة من العالم الفسيح ، والظلمة الموحشة والتي تحيط بأرجاء الوادي المترامي الأطراف فتبعث الخوف وتثير الرعب بالقلوب الهاوية في بحر ملوث بالعوادم والمخلفات ،والبرد القارص الذي يفتك بالعظام وترتجف منه الأطراف ولا تحمي منه الثياب ولا النيران المتقدة ،وأصوات السباع الآتية من بعيد والتي يوحي زئيرها بأنها تملكت من فريسة ثمينة وباتت تفتك بها ،وحفيف الأشجار الكثيفة الشاهقة الارتفاع والتي اهتزت بقوة مؤذنة ببدء عاصفة عاتية لا تبقي ولا تذر ،والسماء الملبدة بالغيوم وكأنها تبشر باقتراب انهمار سيل جارف يطمث المعالم ويمحو الآثار ، والبرق الواضح الذي لاح في الأفق سابقا للرعد المدوي الذي اهتزت من خشيته الجدران ...
قال الشيخ الذي اعتراه الهرم لزوجته العجوز : -
أغلقي الأبواب فأنا لا أقوى على النهوض من فراشي ،فقامت الزوجة تستند على عكازها المصنوع من الخشب بطريقة بدائية وأخذت تقاوم ما فعلته بها السنين حتى وصلت لباب المنزل فأوصدته وهي تتأوه من شدة الألم الذي يسري بأقدامها ثم أسرعت لتغلق النوافذ المطلة على الغابة ، وبعدها عادت لزوجها وقالت له :- اليوم ينتابني شعور لم أشعر به منذ قرابة الخمسين عاما حيث سكنا هذا الوادي الموحش ، فقال لها الشيخ تجلدي يا امرأة ولا تجعلي الرعب يتملك من قلبك فكم أتاني هذا الشعور من قبل وكنت أنت المعين لي على الصبر ،
آالآن تتخل عني ولا أحد سوانا هنا ، فأجابته بصوتها المتحشرج الممتزج بالسيل الذي بدأ في الانهمار أشعر أن سقف منزلنا المصنوع من القش والطمي لن يقوى هذه المرة على تحمل هذا السيل فهو أقوى من كل مرة ، فأجابها تجلدي يا امرأة وساعديني على النهوض قبل أن ينهار المنزل علينا ، وتعكز الشيخ الهارم على امرأته وأخذا يركضان خارج المنزل والذي انهار فور خروجهما منه وأخذا يبحثان عن مأوى يحميهما مما يحيط بهما من صعاب ، ولكن طمست جميع المعالم أمامهما فلم يدركا أ متجهان هما قبل المشرق أم المغرب ، وبعد مسيرة ما يقارب الميل لاح لهما من بعيد نور خافت جدد الأمل بداخلهما وأخذا يركضا نحوه متجاهلين السنين والآلام التي تمزق جسديهما ،وصل العجوز وزوجته للنور فإذا بفتى لم يبلغ الحلم جالس وبيده مدية صغيرة يدافع بها عن نفسه ، قام الفتى مسرعا نحوهما وحمل الشيخ المنهك فوق ظهره وأدخله بيته ثم عاد للعجوز وحملها هي الأخرى حتى أدخلهما في بيته الحصين وقام بإشعال المدفأة لهما وأتى لهما بغطاء من الصوف السميك والذي صنعه من جلود بعض صيده ، وأخذ يعد لهما حساء ساخن وبعد أن غلى القدر غرف لهما واقترب منهما وأخذ يطعمهما بيده ويتسامر معهما الحديث فسألهما قائلا :- منذ متى أنتما في هذه الغابة الموحشة ؟ فأجابا منذ أربعين سنة ، ولكنها كانت أكثر أمانا من الآن أما الآن وبعد أن هجرها أهلها فهي باتت مليئة بالسباع ، ولكن أجبنا أنت بربك أتسكن هذا المنزل لوحدك ؟ قال :-نعم منذ وفاة أسرتي فأنا هنا ولا أقوى على الرحيل قبل أن أثأر لهم من أحد السباع التي فتكت بهم ،أتعرف هذا السبع وتستطيع أن تفرقه عن غيره ؟ نعم إنني أستطيع تميزه من صوته وأشم رائحته من بعيد ،وهل ستقتله بهذه المدية التي بيدك ؟ لا إنني سأقتله بذراعي هذا ولن ينال مني أبدا ، كيف ستقتله بذراعك يا بني وأنت مازلت صغير وهو وحش جائع مشتاق لرؤية الدماء ؟ لا تسألني عن الوسيلة فأنا كلما أسمع صوته ينتابني شعور بأني أقوى منه ويسري بداخلي إحساس أنني سأنتقم لأسرتي ، ولكن أجيباني بربكما لماذا لم تغادرا هذا المكان وتذهبا للمدينة ؟ وكيف لنا يا بني أن ندخل المدينة التي تبتعد عنا أميال ؟ وإن وصلنا سالمين فهل ستفتح لنا الأبواب وتدق لنا الطبول ونجد من يرحب بنا ويستضيفنا ؟ وإن وجدناه فهل سيتحملنا ويخدمنا وينفق على شيخين مثلنا ؟ وإن فعل ذلك يا بني هل سنقبل نحن ونرضى أن نعيش أذلاء لشخص لا نعرفه ؟ إذن فأنتما مثلي لا تستطيعا بلوغ المدينة ؟ نعم يا بني نحن مثلك وبالغابة الكثير غيرنا يطوقون شوقا للمدينة ولكن لكل واحد دافع جعله يفضل البقاء في هذه الغابة . ولكن بالله عليك يا فتى إن أدركتنا منيتنا فلا تتركنا هنا نريد أن ندفن على أسوارها لنجد من يؤنسنا هناك . وهنا سمع الفتى صوت الوحش فقام من فراشه وتوجه نحوه وأخذ يصارعه وطال الصراع وقطع الوحش جسد الفتى مبتدأ بقدميه ثم يديه ثم فتك به ورأى الشيخان هذا المنظر فلم يقويا على الاحتمال فلقيا ربهما ولم يرحم الوحش سنهما أو حتى وفاتهما . وتوجه بعدها الوحش إلى المدينة ليرافق أصحابه الوحوش في اصطياد فرائسهم من هناك .
----------
أحمد جبيلي
15 – 7 - 2003
لثلاثاء، سبتمبر 02، 2008
خفافيش الظلام (( ت . أحمد جبيلي ))
طالما سمعنا عن خفافيش الظلام .. ولكن القليل منا من رآها ؟ تلك المخلوقات العجيبة ذات الصفات الغريبة والتي يندر وجودها في غيرها من مخلوقات المعمورة ، ولنتخيلها سويا – خاصة في الليل البهيم – وهي تغط في ثبات عميق ؟ مظهرها يوحي للوهلة الأولى بعكس للفطرة التي فطر الله الناس عليها ؟ وكيف لا .. وأرجلها ذات المخالب الحادة تمسك بأغصان الأشجار مسكة ربان السفينة بالمقود بأقصى ما آتاه الله من قوة مائلا به لأقصى درجة جهة اليسار ليتفادى ارتطام مركبته الهشة الصنع بجبل عات من الجليد جهة اليمين . أما عن رؤوسها فتبدو مقلوبة لتظهر لها الأجسام المتحركة أمامها وكأنها أشباح تسير على الأرض . إنها عمياء – أو شبه عمياء – فهي لا ترى إلا كمن شاب شعره وأهرمته السنون . ومع كل هذه الصفات البغيضة التي وصفت بها فهي تتجمع كسائر المخلوقات في أسراب وتعشش في أماكن حالكة الظلام ، ولا يحلو لها السفر والترحال والتنقل بين الكهوف والمغارات والغابات إلا إرضاء للذات وبحثا عن المتعة واللذة نهجها في ذلك نهج كافة المخلوقات الشهوانية العدوانية التي تحكم العاطفة على العقل وتركض وراء الحفاظ على البقاء ، وكيف لا ... وعالمها الذي تحيى فيه لا يسمح بالبقاء إلا للأقوى ذو العظمة والجبروت .. إنها متعة دموية ولذة عدوانية وغريزة شيطانية جبلت عليها وحتما يستحيل تغيرها . إن طعام هذه المخلوقات يتمثل في الجرذان الميتة أو الزواحف العفنة التي تقشعر الجلود من مظهرها . إن الدارس باستفاضة لأماكن تجمع خفافيش الظلام يتضح أمامه جليا أنها لا تستقر في موطن واحد وتتنقل من مغارة لأخرى ، فهي تطير في السماء وتجوب البقاع منذ خروجها لدنيانا وحتى تحلل أشلائها . وا عجباه على طائر يحلق بجناحيه في الفضاء بالرغم من انتماءه للثدييات ؟ وكيف لا .. وأنثاها تلد وترضع صغارها من أثدائها .. نعم ترضعهم اللبن ذو اللون الأبيض ولكن هيهات للونه الناصع البياض أن يكون شخصيتهم ويشكل هويتهم ، فمنذ أن يسري في عروقهم يورثهم نفس صفات طائفتهم العدوانية . واحذر أن ترى خفاشا أو يدلك أحد على مكانه فتتوجه إليه بفطرتك العمياء ملبيا لفضولك .. وإياك ثم إياك أن تقترب منه البتة وحذار ثم حذار أن يرى مصباحك المتقد - وأنت سائرا حائرا في الظلمات – ليدلك على الطريق .. إن فعلت فسيلتصق أحد هذه الخفافيش العمياء بوجهك وستهلك حتما وإن نجوت بمعجزة من السماء فلن يتركك سليما معافى وإنما سيخلف بك آثارا تلازمك أبد الدهر . حاول – إن أردت وكان لديك الشجاعة الكافية – أن تربي خفاشا في منزلك – بداخل قفص من حديد بالطبع – ستجده أليفا وديعا ، ولكن توخى الحذر فلا تترك القفص مفتوحا وإلا لن تلوم حينها إلا نفسك ، وإن أردت أن تطعمه فأطعمه ولا تخف منه وقتها . ولا تنسى في النهاية أن هذه المخلوقات خلقت لتعيش في الظلام وتأكل وتنشأ وتترعرع وتتكاثر في الظلام ثم تموت في الظلام وتفنى وأخيرا تندثر بلا هوية .
أحمد جبيلي
4-4-2004
لثلاثاء، سبتمبر 02، 2008
خفافيش الظلام (( ت . أحمد جبيلي ))
طالما سمعنا عن خفافيش الظلام .. ولكن القليل منا من رآها ؟ تلك المخلوقات العجيبة ذات الصفات الغريبة والتي يندر وجودها في غيرها من مخلوقات المعمورة ، ولنتخيلها سويا – خاصة في الليل البهيم – وهي تغط في ثبات عميق ؟ مظهرها يوحي للوهلة الأولى بعكس للفطرة التي فطر الله الناس عليها ؟ وكيف لا .. وأرجلها ذات المخالب الحادة تمسك بأغصان الأشجار مسكة ربان السفينة بالمقود بأقصى ما آتاه الله من قوة مائلا به لأقصى درجة جهة اليسار ليتفادى ارتطام مركبته الهشة الصنع بجبل عات من الجليد جهة اليمين . أما عن رؤوسها فتبدو مقلوبة لتظهر لها الأجسام المتحركة أمامها وكأنها أشباح تسير على الأرض . إنها عمياء – أو شبه عمياء – فهي لا ترى إلا كمن شاب شعره وأهرمته السنون . ومع كل هذه الصفات البغيضة التي وصفت بها فهي تتجمع كسائر المخلوقات في أسراب وتعشش في أماكن حالكة الظلام ، ولا يحلو لها السفر والترحال والتنقل بين الكهوف والمغارات والغابات إلا إرضاء للذات وبحثا عن المتعة واللذة نهجها في ذلك نهج كافة المخلوقات الشهوانية العدوانية التي تحكم العاطفة على العقل وتركض وراء الحفاظ على البقاء ، وكيف لا ... وعالمها الذي تحيى فيه لا يسمح بالبقاء إلا للأقوى ذو العظمة والجبروت .. إنها متعة دموية ولذة عدوانية وغريزة شيطانية جبلت عليها وحتما يستحيل تغيرها . إن طعام هذه المخلوقات يتمثل في الجرذان الميتة أو الزواحف العفنة التي تقشعر الجلود من مظهرها . إن الدارس باستفاضة لأماكن تجمع خفافيش الظلام يتضح أمامه جليا أنها لا تستقر في موطن واحد وتتنقل من مغارة لأخرى ، فهي تطير في السماء وتجوب البقاع منذ خروجها لدنيانا وحتى تحلل أشلائها . وا عجباه على طائر يحلق بجناحيه في الفضاء بالرغم من انتماءه للثدييات ؟ وكيف لا .. وأنثاها تلد وترضع صغارها من أثدائها .. نعم ترضعهم اللبن ذو اللون الأبيض ولكن هيهات للونه الناصع البياض أن يكون شخصيتهم ويشكل هويتهم ، فمنذ أن يسري في عروقهم يورثهم نفس صفات طائفتهم العدوانية . واحذر أن ترى خفاشا أو يدلك أحد على مكانه فتتوجه إليه بفطرتك العمياء ملبيا لفضولك .. وإياك ثم إياك أن تقترب منه البتة وحذار ثم حذار أن يرى مصباحك المتقد - وأنت سائرا حائرا في الظلمات – ليدلك على الطريق .. إن فعلت فسيلتصق أحد هذه الخفافيش العمياء بوجهك وستهلك حتما وإن نجوت بمعجزة من السماء فلن يتركك سليما معافى وإنما سيخلف بك آثارا تلازمك أبد الدهر . حاول – إن أردت وكان لديك الشجاعة الكافية – أن تربي خفاشا في منزلك – بداخل قفص من حديد بالطبع – ستجده أليفا وديعا ، ولكن توخى الحذر فلا تترك القفص مفتوحا وإلا لن تلوم حينها إلا نفسك ، وإن أردت أن تطعمه فأطعمه ولا تخف منه وقتها . ولا تنسى في النهاية أن هذه المخلوقات خلقت لتعيش في الظلام وتأكل وتنشأ وتترعرع وتتكاثر في الظلام ثم تموت في الظلام وتفنى وأخيرا تندثر بلا هوية .
أحمد جبيلي
4-4-2004
لثلاثاء، سبتمبر 02، 2008
الغصن الوحيد (( ت . أحمد جبيلي ))
إعطني هذا الغصن الرطب أخضر اللون لأكسره بيميني يا بني وأسرع فلدي أغصان كثيرة هشة ملقاه يمينا ويسارا لا صاحب لها - أو أصحابها غافلون عنها – تدعوني ولن أستطيع الانتظار أكثر من ذلك صبرا عليها فإن صبرت فستجف ويصعب علي كسرها ، وحاول أن تتلفت يمينا ويسارا وأنت تحضر هذا الغصن لكي لا يراك أحد فيكشف وجهك أو يعرف هويتك ومن ثم يحدد هدفك وغايتك فيحاول أن يعيقك بأي وسيلة أو يستخدم أي حيلة ليمنعك من إحضار الغصن فتتكبد خسارة كبيرة فتضيع علينا مالا أو وقتا نحن في أمس الحاجة إليه من أجل تحقيق هدفنا السامي ، يا بني إن لم يكن لك أعوان يعينوك على امتلاك كافة الأغصان الخضراء الملقاة في أرضية المنطقة فلا تيأس فسأمدك بالأعوان وسأهيء لك كافة السبل وسأعينك بكل ما أوتيت من قوة ولكن بشرط واحد أن تبتعد عن الأغصان مجتمعة لكي لا تنهك قوتك وأن تحاول تصيد الأغصان منفردة ومتشتتة لتستطيع أن تسيطر عليها سيطرة تامة ،أتعلم أن الغصن إن يبس اشتد وحالت قوته ونضجه بينك وبين كسره فلا تتركه ييبس أبدا قبل أن تمتلكه وتسيطر عليه ، اسمح لي يا سيدي العظيم أن أطرح عليك بعض الأسئلة قبل أن أبدأ في تنفيذ هذه المهمة الشاقة ؟ يا بني من لك غيري يقدم هذه النصائح الغالية فتفضل بالسؤال ولكن حذرا من أن تشق علي فتشقى وأشقى معك ، يا سيدي إنه غصن واحد ضعيف تبغي مني كسره فلا يهمك ، سأكسره إن كان أخضر أو يابس ؟ لا يابني إن يبس أدرك غايتك وربما قاومك وكشف حيلتك . لما الخوف يا سيدي ولما التلفت يمينا ويسارا فأنا قادرا أن أمتلك هذا الغصن في وضح النهار على مرأى ومسمع من الجميع فالكل يعرفني ويعشق ما أدعو إليه ولن يمنعني أحد أبدا ؟ لا إياك إحذر فما زال هناك من يعيقك - وإن قل عددهم – ولكن لما نخسر وقت ومال يا بني ؟ ، عندي يا سيدي من الميكنة والمعدات الحديثة ما يمكنني من كسر أغصان يابسة ومجتمعة في آن واحد صدقني ؟ أعلم هذا جيدا ولكن هذا سيجعلك تنهار سريعا وأنا في أمس الحاجة لقواك وحماسك يا بني فحافظ على نفسك واعمل في صمت وكلما كشف طريقك الذي تسلكه تجاه غصن معين اسلك طريقا غيره وكلما ضعفت عزيمتك تيقن أن لك هدف سامي وغاية نبيلة وسأمدك بما يعينك أعدك يا بني ...
واستمر الشاب ينفذ تعليمات سيده العظيم ويكسر الأغصان الخضراء الملقاة على أرضية المنطقة بأسرها وسيده يعينه ويمده بكل مقومات عمله .. فإلى متى سنبقى غافلون ؟ وإلى متى سنسمح بذلك ؟ ومن سيحمي أغصاننا حتى تكبر وتنضج وتصبح أشجارا عالية تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ...
أحمد جبيلي
6/5/2007
الغريق (( ت . أحمد جبيلي ))
السفينة الكبيرة العائمة على صفحة الماء والتي تبدو من بعيد كمدينة متحركة متلألئة الأضواء .. تنبض بالحياة وتجري برغم حجمها المهول بسرعة رهيبة فتشق الأمواج العاتية متمايلة يمنة ويسرة وكأنها عروس في ليلة زفافه يحاول أن يداري ما يسري بداخله عن أعين الناس مرتادي عرسه مع يقينه التام بأن كل الأعين تتربصه ولكنه رغم ذلك يداري مشاعره وسعادته والتي إن ظهرت منه سهوا ولو للحظة واحدة ولم يبالي بالحضور وجعلها صريحة كالتي تبدو على طائر قابل خله أو طفل لقي محبوبته لكان بالفعل جدير بسخرية البعض ......كنت وقتها أقف على الشاطئ المترامي الأطراف والذي بسطت رماله الناعمة أمامي على مد البصر .. وكنت أسير على الرمال تاركا أثر لأقدامي خلفي .. كنت وقتها أسترجع بعض الذكريات التي أثرت في في هذه المنطقة الجذابة ... وفجأة ومع اقتراب غروب الشمس لاحت لي السفينة تتمايل من بعيد فشدني مظهرها الخلاب الذي دفعني لأن أتتبعها عن كثب بمنظاري المعظم والذي يكشف لي جميع جنباتها وينقلني بداخلها وكأني أحد المسافرين على متنها .. فوجهت نظري نحوها فأول ما وقعت عيناي وقعت على المقصورة الرئيسية وكان بداخلها ربان السفينة وحوله مساعديه والذين كما بدا لي يحكمون السيطرة تماما على السفينة ويقودونها بإتقان بارع ... كانت الإضاءة قوية جدا في المقصورة حيث تمكنت من تمييز ملامح الربان جيدا والذي أقدم ليشعل سيجاره الثمين والذي يوحي بالرفاهية المنقطعة النظير ، وكان أحد مساعديه مستلقيا على أريكة مطرزة ببعض الأحجار الكريمة ومصنوعة من خشب الزان والذي ذكرني بالأصالة والعراقة والتي كانت ملحوظة في بعض أثاث البيوت العربية من قرابة عقد من الزمن ، وفجأة رأيت مساعد آخر للربان قام من مقعده ولبى نداء الربان وخرج من المقصورة وتبين لي أنه يريد تفقد أحوال المسافرين والاطمئنان على راحتهم .. فتتبعته .. حيث فتح باب المقصورة وبيده باقة من الزهور المنتقاة بعناية من أرض المغادرة وتوجه نحو طاولة مستديرة بالمطعم في وسطها شمعة صغيرة مضاءة يحفها بعض الصدف المختلف الألوان والمبعثر حولها بعناية ، وكان يجلس حولها رجل لم يتجاوز العقد الثالث من عمره وامرأة خيل لي أنها في بداية العقد الثالث ، ورأيت ملامح السعادة على وجهيهما وكأنهما عريسان يمتطيان جواد الريح ليقلهما لأرض الأحلام ليقضيا بها أجمل أيام العمر ... توجه نحوهما مساعد الربان وسلمهما باقة الزهور ورأيته يهمس في أذن الرجل مهنئا ومرحبا ، وتركهما ليكمل مهمته والابتسامة لا تفارق وجهه أبدا ، وتوجه نحو المسبح المستدير المحاط بأشجار الأرز وأغصان النخيل الصناعية والذي تجمع حوله من آثر الاستماع للبند الغربي والاسترخاء مرتديا زي السباحة متناسيا الدنيا متأملا للسماء مبعثرة النجوم مستمتعا بهذه الطبيعة الساحرة ، وقف فترة وعيناه ترقب النزلاء من بعيد فرأى كهلا جاوز السبعين من عمره يرتدي حلة سباحة ولا يبدو عليه الشيب وكأنه مراهق مرهف الحس هائم في أحلام اليقظة، وكان بيده كتاب مرسوم على غلافه خطوط وألوان ذكرتني بمن قارب الجوزاء واصطف وراء الأنجم ، وخيل لي أنه أكمل قراءة نصفه الأول .. فتوجه مساعد الربان نحوه وسأله : هل من أي مساعدة أقدمها لك ؟ فأجابه الكهل : تفضل بالجلوس فلي سؤال أبحث عن جوابه .. أتعلم أني في غاية السعادة الآن فأنا أشعر وكأني رجعت خمسين عاما للوراء .. فأنا أعشق هذه الحياة منذ طفولتي وأقضي أيام حياتي الباقية رحالة أجوب العالم باحثا عن فتاة أحببتها في شبابي .. أتعتقد أنني يمكنني العثور عليها ؟ بالله عليك يا والدي أتحبها كل هذا الحب رغم ما أثر عليكما من متغيرات وما فعلت بكما السنون ورغم أنك لا تعرف عنها الآن أي شيء ؟ نعم يا بني لقد وهبت ما بقي من عمري لأبحث عنها . وتعتقد أنها ما تزال حية للآن يا والدي ؟ أشعر بأنها تبحث عني الآن يا بني ، أتصف لي شكلها يا والدي ؟ آه يا بني .. إنني لم أراها منذ خمسون عاما ولكن صورتها ما تزال أمام عيناي وكأني لقيتها بالأمس في حديقة القرية وكأنها كوكب دري باهي فهي فتاة حسنة المظهر .. بياضها أنقى من صفحة الماء التي تسيل عبر الوادي بهدوء وسكون .. شعرها كخيوط الشمس الصفراء يتدلى على كتفيها فيهتز ملبيا قدوم نسمات الهواء .. عيناها كعين حورية استعجلت مكافأتي وأتتني من أعالي الجنان .. فمها كحبة عنب متدلية من عنقود يلمع فوق غصنه .. خفيفة الظل ، والمرح دوما غايتها .. إذا رأيتها يا بني يتملكك إحساس بأن الدنيا كلها مقبلة عليك بما تحويه من خير وسعادة .. رأيي الآن لك يا والدي أن لا تكل من البحث عن حبيبتك وستجدها في مرسانا القادم حيث أنه مرسى العشاق وبه تتحقق جميع الأحلام .وقام مساعد الربان والذي أدهشه منظر أحد الدلافين يقفز في الماء قفزات رائعة ومن حوله أسماك صغيرة تسير في شكل أسراب .. فأخذ يرقب هذا المنظر إلى أن أتاه صوت يدعوه لإجابة ربان السفينة سريعا .. فتوجه نحوه على الفور فوجده يصرخ ومن حوله كل منهم مشتغل بعمله بشكل مرعب فعلم أنهم وقعوا لا محالة في أسر غابة من الشعاب المرجانية والتي ما لبثت إلا وقبضت على السفينة من جميع جوانبها فأجبرتهم على إيقاف محركاتها والبحث عن وسيلة لتخرجهم من هذا المأزق الخطير .. إنهم الآن يحاولون ويبذلون قصار جهدهم ليفكوا أسر أكثر من ألف راكب من مختلف الأعراق على متن سفينتهم .. والسفينة بعدت عن الميناء قرابة المائة ميل بحري .. إنهم يحاولون ولكن كلما يقتربوا من فك أسر السفينة يظهر أمامهم غابة أخرى من الشعاب .. إنهم سقطوا بالفعل في بحر من الشعاب لا نهاية له .. إن جميع أجهزة الاستغاثة تعطلت .. وأنوار السفينة انطفأت .. ووسائل التدفئة أبت أن تسعفهم هي الأخرى .. إن مخزون الغذاء والماء بدأ في النفاذ .. إنهم جميعا بدءوا يشعرون باقتراب الموت منهم رويدا رويدا ... إن الموت حين يأتي فجأة يكون أفضل من هذا الحال الذي باتوا عليه جميعا .. وهنا ألقيت منظاري جانبا بعدما أيقنت أن الموت محدق بهم جميعا ... وتوجهت نحو منزلي ولا سبيل لي وقتها إلا الدعاء لهم بمعجزة تأتيهم من السماء وترحم صغيرهم وتداوي جروح شيخهم ...وفجأة أتاني نور قوي من السماء فنظرت صوبه فإذا بالسفينة تشتعل .. والنيران تحيط بها من كل جانب .. والمسافرون منهم من يقفز بجسده في الماء ، ومنهم من أكلته النيران ، وهناك طفل يبكي ، وهنا امرأة تصرخ وتستغيث .. ولكن هيهات أن يغيثها أحد .. فكل واحد في هذه اللحظة يريد النجاة بنفسه .. إنها لحظة الموت .. ورأيت أقدام تدهس أعناق .. ومصارعات رهيبة على قوارب النجاة وتراشق بالنيران .. ورأيت القبطان فوق سطح السفينة يرقب ما يحدث ولا يقوى على الحراك من مكانه الذي أحيط بالنيران .. أحدهم نادى القبطان أنقذنا قبل أن نهوي في هذا البحر المعتم ونكون فريسة لأسماء القرش التي تحيط بنا وبدأت بالفعل تتصيد فرائسها وأدمت لون المياه .. ولكن لم يجيبه القبطان الذي بدأت النيران تأكله ورحمته بالفعل من أسماك القرش ، وهنا سمعت فرقعة مدوية هزت الشاطئ بأسره وامتزج صوتها بصوت الأمواج فجعلته أشبه بصوت قذيفة مدوية .. لقد هوت السفينة واختفت عن العيون .. لحظات بعدها خمدت النيران .. وتنبهت الآن فرق الإنقاذ وأقبلوا يجوبون المنطقة بحثا عن أحياء .. وكان أول من وقعت أعينهم عليه الطفل الصغير الذي كان يبكي على السفينة وكان حوله دلفينان صغيران يحيطان به ويدافعان عنه بكل ما أوتيا من قوة فهما موقنان أن السبيل الوحيد لنجاته أن يظلا حوله يرقصان ويقفزان لعل أحد يتنبه لوجوده .. انتشلت الفرقة الطفل وقدمت له الإسعافات وردت له حياته .. حياته المجهولة والتي لا يدري عنها شيء ولو علم ما هو مقبل عليه لتمنى اللحاق بأحبته .. فهو مقدم إلى عالم غير عالمه .. عالم فقد فيه من كان يعنى به ويقدم له الحب والحنان .. إنه سيخالط وجوه غير تلك الوجوه النقية الطاهرة التي غرست بداخلة أسمى المعاني وأنبل الصفات ، إنه مقدم على واقع مرير يحيط به من كل جانب ويتملك من جميع حواسه ويطغى على جميع أفكاره .. إنه عاش الماضي بما يحويه من حب وحنان ويعيش حاضره المغطى بالأحزان ولا يدري أ مستقبله مضيء أم أنه جمر يوشك أن يتدفق من فوهة بركان .. إنه طفل بلغ رشده قبل الأوان .. غريق تعلق بقشه فهل يا ترى ستوصله إلى بر الأمان ؟؟؟
أحمد جبيلي
7-8-2003