**
الانتخابات ،،، ويبقى الهم يتواصل
***
ذهبت كالعادة إلى مصلحة البريد ، اليوم وما ادراك ما هذا اليوم ، اليوم يقوم فيه المتقاعد بسحب راتبه الشهري ،و لكن لماذا المتقاعدين كلهم تقريبًا يتشاءمون من هذا اليوم ؟ هل بسبب الراتب الزهيد الذي يتقاضونه ؟ وقناعتهم أكبر بكثير من انتظارهم له شهرًا كاملاً ، و لعلّ من جرّاء الملحمة التي تنتظرهم يتذمّرون طيلة اليوم ، أو ربّما لأن القائم على مصلحة البريد لايقوم بدوره كما يجب ، فلا تعمل هذه الأخيرة بصفة عادية ، وشأنه في ذلك شأن بقية المسؤولين في مدينتي الفاضلة ، فـ" كل واحد عنده دولة في رأسه " كما كان يكرره الرئيس الراحل هواري بومدين دائمًا في خطاباته الشهيرة ، " أو أن " كل واحد ملِك عند روحه فلا رقيب ولا حسيب ولا من ينهى عن منكر يراه ؟ا ،،،، chacun est roi chez soi " كما يقول المثل الفرنسي ، وحتى لوأنّك تريد تقديم نصيحة لطرف من الأطراف ، ستجد نفسك محبطًا ، كما لو أنّك تنفث في الغبار" أو " تضرب الريح بهراوة " كما يقول المثل عندنا ، ولن تجد سوى نمّام أو من يوشي بك ،***
لكن والحمد لله فالصبر على البلاء سنة حميدة ، ورب ضارة تأتي بخير ، فمن حسن حظ البعض نهوضهم باكرًا لتأدية الفجر
وفي ذلك حصولهم على الأجر .
وفي هذه الصبيحة خرجت فور التسليم غير آبه بأحد ، و بخطوات مسرعة استبقت الباب أناهز الظّلام رغبة في الوصول قبل توافد الجموع إلى الموزّع الآلي ، وما إن أدركت باحة الوكالة لأجدها شاغرة على غير عادتها فتيقّنت من وجود خلل ما ، وبمجرّد أن أدخلت البطاقة الالكترونية جاءني الرد " آسف " لعدم وجود أوراق نقدية .
عدت على أعقابي و الخزي معي ، و يجدر بي أن أسرع بالمال إلى أصحاب المتاجر الذين انتظروا بدورهم هذا اليوم المشؤوم بفارغ الصبر ، عدت أجرّ أذيال الخيبة أتعثّر تارة وأنهض ، أكاد أسقط على وجهي من كثرة الهواجس التي لم تتركني أنام طيلة الليلة ، كيف أقابل هذا أوأقنع ذاك ؟ ..
دخلت البيت متضايقًا ، أبحث لي عن وسيلة أقتل بها ما تبقى من " الغريم " الوقت ، وليس هناك سوى التلفاز أو الكمبيوتر اشتغلت به ، وتريّثت في مكاني مكاني إلى أن دقت الثامنة لأتخلّص من حمّى الانتظار ، فخرجت مسرعًا ، ولم أشعر إلآّوأنا وسط الفوضى التي تملأ المكان ، هذا في الباحة ، وأما في الداخل ، بالضجيج والصراخ اللذان يعلوان القاعة ، و انواع الروائح الكريهة ودخّان السجائر الذي يخنِق الأنفاس ، ولا من يهتم ، سوى موظّفات مغلوبات على أمرهن يعملن في ظروف مزرية ، أُجبرن على استنشاق واستيعاب كل ذلك داخل قاعة لم تعد تستجيب للأعداد المتوافدة ..
ولعل بفضل بعض التهليل والتسبيح الذي نقوم به لنذهب به النرفزة الزّائدة ، و حتى لاتدخل بيننا الشياطين ، صبرت حتى جاء دوري وقمت بسحب المبلغ وأنهيت مهمّتي ، وقد تبيّن أن المسؤول الحاضر الغائب يقوم مرّة على مرّة بتزويد الموزّع بالورق النقدي ، كي تستجيب لكثرة الطلب ،ثم توجّهت قبالة فوقع بصري على بعض أصحاب الوجوه المخشّبة من الذين لا نراهم إلاّ في أوقات الحملة الانتخابية ثم يغيبون بعدها من الحياة ، انتخابات ويبقى الهم يتواصل ، جاؤوا بابتسامتهم الصفراء المعهودة في مثل هذا التوقيت بالذّات ،، و يا لها من محنة في زمن كثر فيه الكلام عن الملاحم الفتن !