الفرصة الأخيرة - من الأدب التركي المعاصر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • السعيد ابراهيم الفقي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 24-03-2012
    • 8288

    الفرصة الأخيرة - من الأدب التركي المعاصر

    من الأدب التركي المعاصر

    من الأدب التركي المعاصر
    الفرصة الأخيرة

    قصص قصيرة
    بقلم الأديب التركي: جنيد سعاوي ترجمة أور خان محمد علي

    تحليل
    قال الدكتور بعد أن فحص ابنتي الصغيرة : - هناك التهاب في الكليتين .فإن قمت بتحليل البول فسيكون ذلك مساعدا لي في التشخيص .في اليوم الت إلى استطعت بمساعدة زوجتي اقناع إبنتي ، وأخذت النموذج المطلوب وتوجهت إلى أقرب مختبر تحليل . وبدلاً من الإنتظار في ممر المختبر وفي يدي زجاجة كبيرة فقد فضلت وضع النموذج في قدح مغطى بغطاء بلاستيكي .وعندما كنت ماشياً في الطريق قلت لنفسي : - يجب إبداء نوع من الظرف والأناقة في كل شيء ...مهما كان نوع العمل فيجب أن يكون هناك نوع من الإحترام . عندما دخلت المختبر الذي كان واضحاً أنه تم تحويره من بناء قديم أُصبت بخيبة أمل لأنني أًستقبلت بروائح كريهة .كما لاحظت أن الأرضيات يعلوها الغبار . مددت يدي بالنموذج إلى الشاب الجالس أمام المدخل مباشرة وقلت : - أًريد إجراء تحليل لهذا النموذج ...متى أستطيع إستلام النتيجة ؟ استلم الشاب النموزج الموجود في القدح ...كان يرى لأول مرة مثل هذا القدح يستعمل لهذا النموذج ...أدار القدح في يده بضع مرات ثم وضعه فوق مائدة بالقرب منه . ثم قال مشيراً إلى غرفة : - إسأل هذا من الشخص الموجود في الغرفة المجاورة ...رئيسي هو الذي يعرف . كانت هذه الغرفة أكثر قذارة من الأولى وكان دخان السجائر الكثيف يغطي جو الغرفة حتى تعزرت الرؤية ...كانت زجاجات البيرة التي فرغ بعضُها منبثة بين أنابيب الإختبار ،مما كان يزيد من قبح ديكور هذه الغرفة .ما أن وقع نظر الرجل الموجود في الغرفة علي حتى أخفى بسرعة قدح البيرة ذات الرغوة الصفراء .ثم قال لي بعد أن استمع إلى وهو ينظر بعينين حمراوين من أثر الكحول : - تعال غداً... سيكون جاهزا قرب وقت الغداء . تركت المختبر على عجل . كنت قد قررت ألا أرجع إلى هذا المختبر على الرغم من تسليمي نموذج التحليل لذلك الشاب .ولكن زوجتي قالت : - لنأخذ نتيجة هذا التحليل ثم نقارنه بنتيجة التحليل الذي سنجريه من جديد . ذهبت في اليوم التالي إلى المختبر نفسه وطلبت من الشاب أن يسلمني النتيجة . فتش الشاب في الأوراق الموجودة في الأضبارة أمامه وعندما لم يجد ما يبحث عنه صاح من مكانه : - يا أستاذي !...هل أنهيت عمل القدح الموضوع فوق المنضدة ؟
    أجاب الرجل من الغرفة المجاورة : وماذا تتوقع مني يابني !!...أنهيت أمره طبعا وبجرعة واحدة
    الــــشـــــيــــــــخ
    رأيته قرب ميضائة الجامع الذي ذهبت اليه مع بعض الأصدقاء ، كان يتوضأ تهيئاً لصلاة الجمعة .قلنا له : - السلام عليكم أيها الشيخ! ...وتقبل الله منك صلاتك القادمة . رد علينا بإبتسامه حلوة ...كان فوق التسعين من العمر دون ريب .كنت ولأول مرة ارى مثل هذا الوجه المحبوب والقريب إلى القلب في مثل هذا العمر .كان شعره الأبيض المتدلي حتي لحيته البيضاء بياض الحليب والممتده نحو صدره يشكلان هالات من النور حول وجهه النوراني الذي شف جلده كثيراً. وقبل أن تسنح لنا فرصة الحديث معه إستدار إلى أصغر الأصدقاء الواقفين جنباً إلى جنب وقال له : - أنت حافظ للقرأن ...أليس كذلك يا بني ؟ تلعثم صديقنا وهو يقول : - أجل! ... من أين عرفت ؟ قال الشيخ : - الحفاظ معروفون من وجوههم . ثم أردف وكأنه يريد ستر كرامته : - أو بالأحرى هذا ماخمنته . وبينما كنا نتبادل نظرات الدهشة بدأ هو بالتوضؤ على مهل ثم لبس سترته الطويله الشبيهه بالجبة ولف عمامته البيضاء على رأسه ثم خاطب صديقاً أخر : - إن والدينا هم سبب وجودنا فان لم نرضهم لم نشمّ رائحة الجنة . كان الشيخ يبدي كرامة اخرى ،ذلك لأن الشاب الذي تحث معه كان قد تشاجر مع والدته لأسباب تافهه وكسر قلبها ،وجاء إلى الصلاة قبل أن يصالحها . قال الشيخ العجوز وهو يمسح على لحيته البيضاء ببياض القطن : - ولا سيما الوالدات ...لاسيما الوالدات ... بدأ صوت الشيخ يرتجف ... وقبل أن يكمل كلامه انهمرت الدموع من عينيه. وبعد أن كرر كلمة: أمي!. .. أمي!... عدة مرات بدأ يبكي كطفل صغير . كان قد تذكر أمه. تجمدنا في مكاننا ونحن ننظر إليه ... ولكننا لم نجد كلمه نعزيه بها . تركنا الشيخ ودخلنا الجامع . في الأيام التالية بحثت عنه مرات عديدة إلا أنني لم أجده ولم اعثر عليه . كذلك لم يره أصدقائي أيضا . أكان قد جاء من بلد آخر ومر من هذا الجامع ؟ ... لا أدري ولكنني لم أنسه ... لا أستطيع نسيانه. من يدري فلعله لحق بأمه التي كان قد فارقها قبل نصف قرن.
    ســـيــارة الأجـــــــــرة
    كانت في عجلة من أمرها ... كان هذا واضحا منذ اللحظة الأولى التي رأيتها ،فعلى الرغم من المطر المنهمر بشدة وعلى الرغم من ظهرها الذي تحدب من الشيخوخة فقد كانت تركض يمينا ويسارا .
    اقتربت منها وقلت لها :
    - هل أستطيع تقديم معونة لك أيتها العمّة ؟ ابتسمت ابتسامة دافئة وقالت : - إنني غريبة عن هنا يا بني ...وأنا أبحث عن سيارة تنقلني إلى المستشفى . قلت لها : - لو تنتظرين قليلا سوف تركبين معي سيارة الأجرة .وعندما نقترب من المستشفى سأخبرك . شكرتني واقتربت مني ووقفت تحت مظلتي كطفلة صغيرة .كان وجهها النوراني الصبوح قد ابتل بقطرات المطر ، واحمرت وجنتاها . قالت : - أصيب أحد أحفادي بالتهاب السجايا...وأنا أريد الوصول إلى المستشفى قبل انتهاء موعد الزيارة . تطلعت إلى ساعتي وقلت لها : - هناك مدة تقارب العشرين دقيقة لانتهاء ساعة الزيارة في المستشفى ...المستشفى قريبة ،ولكن سيارات الأجرة تكون نادرة في مثل هذا الجو . وصلنا موقف سيارات الأجرة قبل الآخرين لذا طمعتُ أن نأخذ أماكننا في سيارات الأجرة بسهولة ودون عناء .ولكن عندما اقتربت السيارة من الموقف هجم بضعة أشخاص كانوا يقفون وراءنا إلى السيارة. كانوا أصدقاء كما يبدو...قلت لهم وقد أخذوا أماكنهم في السيارة . - ولكننا كنا قبلكم ...كان دورنا في الركوب...بأي حق تخلون بنظام الصف وبالدور؟!!. قال أحدهم وهو جالس في المقعد الأمامي: - ياصديقي إن كنت تبحث عن الحق فيجب عليك الذهاب إلى ( حقاري)[1] فالحق هناك مجاني ودون ضرائب . إهتزت السيارة بالضحكات التي إنطلقت منهم إثر هذا الجواب وشعرت بتوتر عصبي شديد . قلت وأنا أحاول جاهدا أن أكون هادئاً: - أنا استطيع الإنتظار...ولكن هذه العمة العجوز يجب أن تصل إلى المستشفى بسرعة . وهنا قال السائق : - هذه العمة لاتحتاج إلى سيارة ...تستطيع أن تقرأ دعاءً فتصل المستشفى على جناح السرعة . إنفجرت الضحكات مرة ثانية ، ثم أسرعت السيارة بالإبتعاد...نظرت إلى المرأة العجوز فرأيتها صامته بتوكل. بعد(5-10 ) دقائق جاءت سيارة أخرى ...ركبت معها وقلت للسائق بأن ينزلها أمام المستشفى .وعلى الرغم أنها كانت قد يئست من الوصول إلى المستشفى في الوقت المناسب الا أنها لم تكن تتذمر أو تشكو.وعلاوة على ذلك فقد توقف المرور في منتصف الطريق . قال السائق : - توقف المرور ليس علامة خير ...من الافضل أن أعرف السبب .نزل من السيارة دون توقيف محركها ،ومشى إلى الأمام ، ثم عاد بعد فترة وقال وهو يركب السيارة : - تأمل القدر !...لقد صدمت شاحنة سيارة الاجرة التي انطلقت قبلنا. قلت بانفعال : - هل حدث شئ؟...هل هناك جرحى مثلاً؟ - لاشك في ذلك ...لأن المصابين نقلوا إلى المستشفى التي تريد العمة الذهاب اليها . نظرت اليها بطرف عيني ...كانت شفتاها الشاحبتان تتحركان بدعاء خفيف. * اعتدل السائق في مكانه وقال : - انظرإلى القدر...-قاله للمرة الثانية -...انظر...لقد تصادمت السيارة مع شاحنة جاءت من الطرف الأخر من تركيا...من مدينة (حقاري). سألته : - ولكن كيف عرفت؟ -من لوحة ورقم الشاحنة.
    ============== -حقاري :اسم مدينة في تركيا.وهذا الشخص كان يحاول القيام بمداعبة سمجة استفادا من تشابه كلمة الحق مع حقار (حقاري)
    مـــــــفــــــــاجــــــــــأة
    عندما دق باب البيت مشيت المرأة العجوز نحو صالون البيت ... كان القادمون أصدقاء ابنها في الخدمة العسكرية . قبل الاثنان يدها ، ثم قال أطولهما : - لا وقت لدينا يا عمتاه ... لقد اخذنا رخصة لمدة نصف ساعة لكي نتزود ببركة دعائك . قالت المرأة باضطراب كبير : - لا يمكن ابداً! ... مستحيل! ... أأدعكم دون ان أقدم لكم شيئاً تأكلونه ؟ قالت المراة العجوز هذا الكلام مثلما تعودت ان تقوله دائماً في حياة زوجها وابنها دون ان تدرك عاقبه كلامها . نظر الجندي الاخر إلى ساعته ثم قال : حسناً ياعمتي !... نحن شبعانان ... ولكن ان كسرت لكل منا بيضتين فسنأكلها . والحقيقة ان الشاب قال هذا لكي لا يكلف المرأة تعباً ولا سيما انه شاهد وجود الدجاجات في الحديقة ، لذا اقترح أسهل ما يمكن عملة ، ولكن أنى له أن يعلم بأن الدجاجات لم تكن تبيض في الأيام الأخيرة إلا بيضتين فقط ؟ توجهت المرأة نحو المطبخ وهي تستذكر صورة ابنها الذي كان يؤدي خدمته العسكرية مع هذين الشابين عندما استشهد بيد الظالمين... لقد كان أيضا يحب البيض المقلي مثلهما . كانت المرأة حزينة وهي تكسر البيض وتبحث عن طريقة لكي لا تظهر لضيوفها مقدار فقرها ... ماذا سيقولان عندما سيشاهدان في صحن كل منهما بيضة واحدة فقط بينما طلبا بيضتين لكل منهما ؟ لم تستطع المرأة الاستمرار في التفكير ، وبتوكل ناشئ من عجزها قامت بكسر البيضتين ... فإذا بمفاجأة أشرقت معها وجهها النوراني ... لقد كانت كل بيضة تحتوي على صفارين .
    إطــــــلاق ســـراح
    كان الصبي قد هوى صيد الطيور بمقلاع صنعه بنفسه ، لذا بدأ يختفي وراء الأشجار ويراقبها لعله يصيب احدها ... كان يحلم ان يصيب طائراً من طيور ( الضغنج ) ذات الأجنحة الملونة. والحقيقة انه لم يكن ينوي قتل الطيور ، بل مجرد إسقاطها من الشجرة ثم مسكها. قال في نفسه وهو يزين القفص الذي هيأه منذ أيام : لن يأتي العيد إلا ولي طائر ... سيرى الضيوف الذين سيأتون إلى البيت ان لي طائراً. بدأ الصبي يتجول بهذه الرغبة بين الشوارع والأزقة ، ويختار الحدائق والطرق التي تكثر فيها الأشجار ، ولكن قلبه الصغير لم يكن يطاوعه على ضرب طائر الضغنج الذي رآه بعض المرات بمقلاعه ، لذا بدأ يبحث من بين أثمار الأشجار عن أكثر الأثمار ليونة ليستعملها في مقلاعه ، ومع ذلك كان يقول في نفسه : ولكن ماذا ان مات الطائر ان قذفته بهذه ؟ ... ماذا أفعل ان مات دون قصد مني ؟ مضت الأيام وجاء يوم عرفة ولم يصد الصبي أي طائر. ولكنه التقى بالطائر الذي يريده في باحة الجامع عندما كان صوت أذان العصر يرتفع من فوق المنارة ... كان هناك قفص مملوء بطيور الضغنج موضوعاً بجانب عجوز صبوح الوجه يتوضأ. وقف الصبي في مكانه مذهولاً لا يستطيع الحراك وبصره لا يفارق هذه الطيور الجميلة التي كانت كأنها تحييه بأجنحتها الملونة الجميلة. سرعان ما انتبه الرجل العجوز لحال الصبي .. قال له بعد ان أكمل وضوءه : الظاهر انك أُعجبت بالطيور ؟ ... لقد اشتريتها قبل قليل من غجري. لم يخطر على بال الصبي حتى ذلك الحين ان الطيور يمكن ان تُشترى ... قال وهو يقترب أكثر من القفص : لم أكن أتصور أنها بهذا الجمال ... لم أشاهدها بهذا القرب. لبس الرجل العجوز سترته ، ثم مد يديه المرتجفتين داخل القفص وأمسك بطائر وأعطاه إلى الصبي : خذ هذا الطائر وداعبه قليلاً. كان الصبي ينتظر هذه اللحظة منذ أيام .. أخذ الطائر بين يديه الصغيرتين ثم انهال عليه بالقبل ... بعد قليل قال له الرجل الشيخ : والآن أطلق سراحه .. دعه يطير. ذُهل الصبي أمام طلب الشيخ ... أكان يستطيع بمثل هذه السهولة مفارقة هذا الطائر الذي حلم به كل تلك الأيام ؟ ... قال بصوت حزين : ألا يمكن ألا أطلق سراحه ؟ .. أستطيع أن اربيه في بيتي وأُطعمه . كان الرجل الشيخ يُخرج الطيور من القفص ثم يُطلقها طائراً طائراً وبعدما أطلق آخر طائر أقبل على الصبي ومسح على رأسه بلطف قائلاً له : ألا تريد ان تداعب هذه الطيور في الجنة ؟ ... كما نعلم فان طيور الجنة تكون خالدة مثل الإنسان هناك. تذكر الصبي ما كان جده يقصه عليه حول الجنة وحول جمالها ... شعر بفرح غامر يستولي على كيانه وهو يثفرج أصابعه ببطء عن الطائر ، وقبل إطلاقه قبله للمرة الأخيرة وتركه يطير على أمل اللقاء معه في الجنة. وبينما كان الطائر يرتفع الفضاء قرب المنارة كان صوت المدفع يُعلن عن حلول العيد.
    ــــــــــــــ طائر الضغنج = chaffinch
    الــفـــراشــــــــــة
    في احد أيام شهر حزيران (مايو) انطلقت بقاربي إلى البحر من أمام بيتنا الصيفي في قرية (هركة) .. كان الجو جميلاً جداً ، ولم يكن هناك ريح أو موج ، وبدأ قاربي الصغير يرسم خطوطا مستقيمة على صفحة الماء وينطلق مسافة جيدة في كل تجديفة اجدفها . ولعلي أعتمدت على السرعة فلم أبال بالابتعاد عن الساحل . ابتعدت عن الساحل حتى انقطعت عني الأصوات ثم القيت بالمرساة وبدأت اصيد .. أحيانا كانت ثلاثة أو اربعة من اسماك ( الأسقمري ) تهجم على الصنارة التي صنعتها بيدي وأحيانا كنت اصيد أنواعا اخرى . بعد نصف ساعة أحسست بريح خفيفة ، فلم أحفل بها ثم اشتدت بعد قليل ، قلت في نفسي ( هذه الريح لن تدوم .. ستسكن بعد قليل ) ولكنها انقلبت إلى عاصفة بعد فترة قليلة. انزويت في ركن من القارب وأنا في حيرة لا ادري ماذا افعل .. كنت أخشى سحب المرساة ، لان القسم الأمامي منه كان قد قارب سطح الماء وكنت قد سمعت بأن القارب في هذا القسم الأمامي- ولا سيما وأن الأمواج تهب من جهة رأس القارب – سيمتلئ بالماء في وقت قصير، وحتى لو سحبت المرساة، فإنني لم أكن أقوى على مغالبة هذه الأمواج بمجدافي القارب اللذين لوحتهما الشمس حتى تحولا إلى ما يشبه عظمة هشة وضعيفة. وعلاوة على هذا فقد بدأت ارتجف نتيجة تبللي بقطرات الماء التي كانت تتطاير من الرياح، والاهم من كل هذا أنني لم اكن قادرا إلا على سباحة بضعة أمتار فقط . وبدأت أتطلع حو إلى ل على أبصر سفينة أو قاربا مارا بالقرب مني وأنا أدعو الله تعإلى . -أنقذني يا رب! ... وأنقذ كل ملهوف مثلي . لا ادري كم لبثت في تلك الحالة وأنا أدعو الله تعإلى ... ولكن أذكر أنني جفلت عندما مر شيء بالقرب من وجهي حتى كاد أن يلامسه .. كان هذا فراشة بيضاء تطوح بها الرياح كورقة خفيفة ذات اليمين وذات الشمال، ولكنها كانت مستمرة في طيرانها بشجاعة في اتجاه الساحل على الرغم من ضعفها . أحسست فجأة بارتفاع معنوياتي ، واعتقدت ان الله تعإلى أرسلها مرشدة لي. وبسرعة سحبت المرساة وبدأت أجدف نحو الساحل وأنا اتابع هذه الفراشة بنظري .. جدفت بكل قوتي حتى احسست بأن عضلات يدي تكاد أن تنفجر ، وبعد نصف ساعة وصلت إلى الساحل . كان افراد البيت قد قلقوا علي وبدأوا يراقبون البحر بمنظار مقرب وشاهدوا ( شجاعتي) وأنا اجدف في تلك العاصفة وبدأو يفخرون بأبيهم الشجاع . على أي حال وصلت الساحل وسحبت القارب ورميت بنفسي لاهثاً قرب مائدة الافطار في حديقة المنزل ... بدأت اتطلع فيما حوالي وأنفاسي تتلاحق وأنا اشعر بأنني ولدت من جديد ، أو رجعت إلى الدنيا من جديد . رأيت فراشة بيضاء وهي تتشمس فوق زهرة اسفل شجرة الزيتون ، ورايت ان بنتي الصغيرة تريد ان تلف من ورائها بصمت لكي تقبض عليها ... كان صوتي قد بح منذ ساعة من الخوف ، ولكني حيال هذا المنظر أحسست برجوع قوة صوتي ، لذا هتفت بقوة منبهاً ومحذراً إياها مما تريد الإقدام عليه ... توقفت ولكنها استدارت وسألتني وهي تبتسم : -هل هناك مخلوق أضعف من الفراشات في نظرك يا والدي ؟ قلت وأنا احس برجوع بحة صوتي : -بلا شك يا بنيتي! ... بلا شك ... هناك الكثير ... وأحدهم هو الواقف أمامك .
    الـــمـــرضــعــة
    كنت أذهب إلى بيتي الصيفي خارج المدينة لكي أزيل عن نفسي تعب أيام العمل ، وعندما كنت أتجول بضع ساعات في عريش العنب الموجود في نهاية حديقة البيت كنت أنسي تعبي ، وكثيراً ما كنت أصطحب إبني الصغير معي وأحاول تقريبه من الطبيعة وتحبيبها إليه. ولكني كنت أحياناً أضجر من الأسئلة العديدة المتلاحقة التي كان يمطرني بها هذا الصغير . كان أحيانا يريني شيئاً ثم يسألني :
    بابا ! ... لمن هذا ؟ فان كنت مشغولاً قلت له باختصار : هو لله ... ولكنه أعطاه لنا لكي نستعمله. في ذلك اليوم كنت في حديقة بيتي الصيفي مع ابني الصغير ، وكنت مشغولاً برفع عناقيد العنب المتدلية حتى الأرض بالأفرع المتشبعة على شكل شوكة التي كنت أقطعها من الأغصان ، فأمنع بذلك تعفنها وفسادها، وفجأة رأيت أن الأعناب الموجودة في الكرمة القريبة مبعثرة وممزقة وبعض عناقيدها منثورة على الأرض. شعرت بغضب شديد فقلت بصوت مرتفع : آه لو أمسكت بمن فعل هذا اذن لسلخت جلده. فجأه رأيت على بعد خطوات سلحفاتين تحت كرمة ... اذن فهما المجرمان اللذان كنت ابحث عنهما ، ذلك لأنهما كانا يصنعان الشيء نفسه في تلك الكرمة. لقد قلبتهم كرمتي رأساً على عقب ... سأفعل الشيء نفسه بكما. وأمام نظرات الدهشة لأبني أمسكت بهما وقلبتهما رأساً على عقب. والحقيقة ان ما فعلته لم يكن الا " جريمة علمية " ، لأنني كنت أعرف جيداً انهما لن يستطيعا الحراك ولا فعل أي شيء ، لذا سيكون الموت مصيرهما بعد أيام قليلة. بعد اسبوع تقريباً تعرضت مرة أخرى إلى وابل من الأسئلة من قبل ابني ... إذ سألني : من صاحب حديقة بيتنا الصيفي يا أبي ؟ قلت له كالعادة : هي لله الا أنه أعطاها لنا لنستعملها. فمن صاحب تلك السلحفاتين اللتين قلبتهما على ظهرهما ؟ لم أجد جواباً ، لأنني خمنت ما يجول في خاطره ، كما أدركت مبلغ خطأي ... أسرعت بلبس ملابسي وخرجت بسيارتي متوجها إلى حديقة بيتنا الصيفي ... سأقوم بدفن السلحفاتين في أفضل مكان في الحديقة ، وبذلك أكون قد قللت جزءً من خطيئتي. نزلت من السيارة بسرعة ، وهرولت إلى المكان الذي وضعتهما فيه. ومع انني كنت على بعد منهما إلا أنني رأيت طائراً صغيراً ينتقل بينهما ... قلت في نفسي انه يتغذي من جسديهما اللذين لا شك قد تعفنا ، اقتربت وأنا امعن النظر فيما يفعله الطائر ... تسمرت في مكاني مذهولاً لا أصدق ما أراه ... كان الطائر يحط على أقرب كرمة ويقطف بمنقاره عنبة ثم يطعمهما للسلحفاة ... أجل ... أجل ... كانت السلحفاتان حيتين ، لأنهما كأنا يأخذان غذائهما وهما في مكانهما وعاجزتان عن الحركة . أحسست بالرجفة تسري إلى بدني وأنا أفكر في القدرة الرحيمة التي أرسلت الطائر ليقوم بوظيفة المرضعة لهما ، وشكرت الله وحمدته على انهما لا يزالان على قيد الحياة. أسرعت اليهما بفرح ... طار الطائر خوفاً مني وسحبت السلحفاتان رأسيهما داخل قشرتهما. أرجعتهما حالاً إلى وضعهما السابق وتابعتهما حتى غابتا عن ناظري بين أشجار الكروم. عندما رجعت إلى البيت كان ابني الصغير ينتظرني قرب الباب ... وقال :
    لم تقل يا أبي لمن تعود السلحفاتان .
    ربت على رأسه وأنا أجيبه :
    هما أيضا لله ... لله ربنا ... هما له دون أي ريب.
    الـــطـــبــــــال
    تعطلت سيارتي على الرغم من كونها جديدة وتركتني في ضيق وقلة حيلة ، وبعد ان أدركت استحالة عمل محركها بدفع السيارة اضطررت إلى محاولة تصليح عطلها ، ولكن هذه المحاولة التي استغرقت مني نهارا كاملا ارهقتني ارهاقا شديدا .
    والآن – ولا أدري لماذا – لم أكن استطيع النوم . وبينما كانت أتقلب في فراشي يميناً ويساراً جفلت على صوت يشبه صوت طبل آت من مكان بعيد ، لما كان شهر رمضان قد انتهى قبل شهرين فقد أيقنت بأن هذا الصوت ليس صادراً عن طبال محلتنا . رفعت راسي بفضول عن الوسادة متصنتاً ولكن الصوت انقطع ، بقيت مدة متصنتاً ولكن السكون كان شاملاً . وضعت راسي على المخدة فعاد الصوت من جديد ... قلت متحيراً : خيرا إن شاء الله ... ما هذا ؟ فجأة عرفت السبب فارتحت .. ذلك لان الصوت كان صوت قلبي لانني كنت متمدداً فوقه ، بدأت أنصت إليه دون أن ابدي أي حركة .. كأنني كنت اسمع هذا الصوت للمرة الأولى ... صوت دقة صغيرة في صدري ينعكس على أذني ، ثم تتبعها دقة أخرى . بعد فترة أصبت بخوف فجائي جعلني أقفز من فراشي . ... بما أنني تعب ومرهق بحيث لا استطيع أن أحرك إصبعي ، إذن فان من الممكن أن يقف قلبي أيضا ، إذ ألا يحتاج هو أيضا إلى قوة وإلى قدرة ؟ ولكن تركي الفراش بوجل وقلق أدق مفعوله ، إذ سرعان ما رجعت إلى نفسي وتمددت من جديد قائلا في نفسي : -يكفي هذا المقدار من الحماقة ... لو كنت أنت القائم بتشغيل قلبك أو أعضائك الأخرى لكان من الواجب عليك ألا تنام. ذلك لأنك ما أن تستغرق في النوم حتى يتوقف قلبك في هذه الحالة عن النبض ، مثل سيارة قُفل مفتاحها . أجل ! .... أجل !... هناك قدرة تعرفني أكثر مني وتلبي حاجاتي حتى وأنا في النوم ... ذلك لأنه على الرغم من جدة سيارتي فإنها تتعطل بين الفينة والأخرى بينما يعمل قلبي منذ أربعين سنة دون توقف ودون استراحة، علاوة على عدم وجود ضوضاء في عمله أو رعاية أو تجديد وتصليح له . تمددت على جانبي الأيمن بكل راحة واطمئنان... لم أعد اسمع هذا الصوت الآتي من داخل جسدي ... الصوت المعلن عن عظمة الخالق للجميع .... ذلك لان قدرته محيطة بالذرات وبالنجوم وبقلبك المتعب .
    مــــــوضــع الآغـــــا
    جاء إلى بعض الأصدقاء وقالوا : نحن نقوم الآن ببناء قسم داخلي للطلاب الفقراء ... ساعدنا في جمع التبرعات اللازمة لهذه البناية. قبلت اقتراحهم ، وأتصلت بعد يوم هاتفياً مع رجل يُلقب ب ( الآغا ) لغناه ، وعندما علم انني أطلب منه مساعدة مالية قال : سنفعل اللازم ... إن جئت إلى مكتبي تباحثنا في الأمر. ذهبت بشوق كبير إلى مكتبه ، وأخذت الأذن من السكرتيرة ودخلت إلى غرفته ، بعد ان استمع إلى المعلومات التي أعطيتها له حول البناية أخرج ورقة من فئة المليون ليرة ([1]) وقال : تفضل ! ... وليكن هناك أسهام منا أيضاً. ذُهلت ... ولكنى أحببت أن أخجله فقلت : ألا ترى ان الأصفار الموجودة على الورقة قليلة ؟ ... كنت أتوقع منك ملياراً في الأقل. ليكف هذا المقدار حالياً ، لأنني أحتاج إلى شراء مساحة واسعة من الأراضي لاقامة مجموعة العمارات عليها. سألته : كم تحتاج ؟ قال : أحتاج إلى مائتي دونم في الأقل . فأن حصلت على هذه المساحة من الأرض قمت بالتبرع لكم بمليار ليرة ، فأن أطلقتم أسمي على هذه البناية زاد مقدار هذا التبرع. شكرته وصافحته ثم ودعته ، وبعد مدة قصيرة بدأنا بالبناء . ونظراً لأننا بدأنا نعاني من قلة المال فاننا كنا كثيراً ما نتذكر ( الآغا ) ونستفسر عن مجموع مساحة الأراضي التي استطاع شرائها. بعد ثلاثة أشهر اتصلت مع معاونه هاتفياً فقال لي : بلغ حتى الآن مجموع ما اشتراه ( الآغا ) من الأراضي مئة وعشرين دونماً تطل أكثرها على البحيرة ، والآن نحاول شراء القسم المجاور لها من الأراضي وهي أرض أحواش. عندما أكملنا هيكل البناية وأتصلنا بالرجل قال لنا : بلغ مجمــوع أراضي ( الآغا ) على البحيرة وفي منطقة الأحراش مئة وخمسين دونما ... أعتقد ان المسألة ستنتهي في مدى أشهر معدودات. وحينما اتصلنا به بعد أشهر ونحن على أمل الحصول على مليار ليرة في الأقل قال الرجل : أرض الآغا ؟ ... لقد توفي في الأسبوع الماضي ... ألم تسمعوا ذلك ؟
    ======== ([1]) مليون ليرة تركية كانت تساوي سابقاً – أي عند كتابة هذه القصة- ما يقارب خمسين دولاراً. اما الآن فهو مبلغ بسيط جداً.
    الـــطـــبــــيــــب
    قال الرجل للطبيب الشاب الواقف قرب سريره :
    - ليرض الله عنك يابني !... لن أنسى ما حييت انك جئت من خارج القطر لكي تعالجني ... لن أنسى ذلك كان الرجل الذي أٌجريت له العملية رئيس الأطباء في مستشفى مشهور . عندما أشتد به المرض الذي لم يكن في الامكان علاجه الا في الخارج ، كانت قناعة أصدقائه من الأطباء انه لا يتحمل السفر إلى الخارج لذا قرروا اجراء العملية بأنفسهم على الرغم من وجود أمل قليل في نجاحها ، ولكن هذا الطبيب الشاب الذي كان يعّد من أشهر الأخصائيين في هذا الموضوع هب لنجدتهم وحضر وأجرى العملية بنفسه ، ولا يدري كيف وممن سمع خبر مرض رئيس الأطباء ، لم يكن الطبيب العجوز يعرف كيف يستطيع مجازاة هذا الصنيع وكيف يشكر هذا الطبيب الشاب ... كان يمسك بيد الطبيب الشاب بقوة وهو يتحدث فرحاً لعودته إلى الحياة : - قبيل قيامكم بتخديري رجعت بي الذكريات إلى سنوات الشباب ... كنت لا أزال طبيبا شابا لا أملك تجارب كثيرة ، حتى انني علمت بأن الجنين لأحدى الأمهات الحاملات سيولد بعاهة فكرت بأن من الأفضل أن أقضي على الجنين لأخلصه من معاناة كبيرة في الحياة ، ولكني عندما سمعت دقات قلبه لم يطاوعني قلبي على ذلك . لذا فانني أعتقد بانني بقيامي بانقاذ ذلك الطفل على الرغم من الوحوش الذين يقومون بعمليات الإجهاض للأطفال الأصحاء بحجة ما يطلقون عليه أسم " تخطيط العائلة " فان الله تعإلى ارسلك لإنقاذي . كانت يداه تقبضان على يدي الطبيب بعاطفة لا توجد الا بين أب وابنه ، بعد فترة خلَص الشاب يديه ثم خطا قليلاً إلى الوراء وأشار إلى رجليه الصناعيتين أعتباراً من الفخذ وقال مبتسما : - لا ينسى الله أي معروف ياسيدي! ... انني أنا الطفل إلى أنقذت حياته .
    الـــهـــديــــة
    كان يركض هنا وهناك في الزقاق المغطى بالثلوج ويقول لكل من يقابله وهو يريه ما في يديه : انظر !... انظر !... انظر إلى ما أعطتني أختي الكبيرة . كنت قد شاهدت الحادثة من بدايتها ولكني لم أعرف ماهيتها . كانت احدى طالبات الثانوية الخارجات من المدرسة قد اقتربت منه ودست في كفيه الصغيرتين شيئاً بعد أن قبلته من خده المتورد ... نظر الطفل الذي كان حوالي الخامسة أو السادسة من العمر وراءها مشدوهاً لبعض الوقت ، ثم قفز فرحا وراح يري كل من يقابله هذه الهدية التي ربما كانت الهدية الأولى التي تهدى اليه في حياته . وعندما جاء دوري تطلع إلى بعيون ضاحكة وهو يكرر الجملة نفسها : انظر !... انظر ماذا اعطتني الأخت الكبيرة . فتحت يديه الصغيرتين لأشاهد بكل فضول هديته الثمينة ... كانت هناك بين أصابعه المزرقة من البرد كرة من الثلج بدأت بالذوبان وهو منغمر في الثلج حتى ركبتيه تقريبا . ابتعد الطفل عني بسرعة ليرى هديته إلى الاخرين قبل أن تذوب كرة الثلج تماما
    سألت بقال الحي عنه فقال : - نحن نطلق عليه اسم " يتيم الحي " إذ فقد والديه في حادثة اليمة .
    مـــأدبـة
    عندما قدمت العجوزة الحليب لضيوفها قالت : لو لم تأتوا إلى لما دقّ بابي أحد ... أنتم لا تعلمون كم أنا فرحة بكم. كانت العجوز تسكن في بيت خشبي من طابق واحد تقدم به العمر مثلها وأصبح قريباً من التداعي والسقوط ، وكانت تعيش براتب تقاعد زوجها المتوفي. لم تكن لها مصاريف كثيرة لذا كان هذا الراتب يكفيها . ولكن تلك الوحدة القاتلة التي كانت تشعر بها كانت أصعب من شيخوختها وتقدمها في العمر. كان الغلام العامل في الدكان القريب يُحضّر لها ما تحتاجه، وينقر على زجاج نافذتها معلناً قدومه. ولكونها تخاف من صاحب الدكان فانها لم تكن تتكلم معه. في مثل هذه الأوقات كانت تحس بوطأة وحدتها وكونها منسيّة ومهملة. لذا كانت تنتظر بلهفة قدوم ضيوفها الأوفياء الّذين كثيراً ما كانوا يزورونها. كان هؤلاء الضيوف قد قدموا اليها هذه المرة أيضاً وبدأوا يشربون الحليب المقدم اليهم . قالت العجوزة وهي تشير إلى الصورة المعلقة على الحائط : انه زوجي المرحوم ... كان طويل القامة، والواقف بجانبه إبني ... كان في الثالثة من عمره عندما التقطنا هذه الصورة، ولو قال لي أحدهم أنه بعدما تخرج طبيباً سيذهب إلى خارج البلد وانه لن يرانا أو يسأل عنا لما صدقت. ونظراً لأن الضيوف سمعوا الشيء نفسه في كل زيارة ، لذا بدوا غير مهتمين بكلامها : تابعت المرأة كلامها : وهذه الطفلة ذات الشعر المتموج بنتي ... تزوجت من رجل غني ... لا أدري لماذا لا يخطر على بالها تخصيص وقت لأمها المشتاقة اليها. تسمرت عينا العجوزة الدامعتان على الصورة المعلقة على الحائط. أما الضيوف فكانوا قد انتهوا من شرب الحليب وبدؤا يتهيأون للانصراف ... ومن الشقوق الموجودة بين ألواح البيت الخشبية تسللوا خارجين وغابوا عن الأنظار. كانت العجوز تعرف ان هذه القطط الصغار سترجع غداً اليها وتشترك في المأدبة التي تقدمها لها.
    بريد النجوم
    عندما لم يحدد الأطباء علاجاً لمرضه قام أحدهم بأعطائه عنوان رجل عجوز عُرف انه من الصالحين المصابين بامراض مستعصية شفوا بفضل دعائه – هذا من التوسل المتفق عليه أي طلب الدعاء من الرجل الصالح- .
    وضع الرجل العنوان في جيبه يائسا ، وخرج من عند الطبيب إلى الشارع ، وهناك رأى صبياً بين السادسة والسابعة من عمره يبيع الكعك في زاوية من الزقاق ... كان الصبي ينظر اليه ببراءة ويبتسم وكأنه يعرفه من قبل
    توقف الرجل عن السير فجأة ، إذ خطر بباله ما كان يعتقده دائما وهو أن الأطفال في هذا العمر يكونون بريئين وبدون آثام ... نظر إلى الصبي ... كان هناك حرف ( و ) على القميص البالي الذي يرتديه ... قال في نفسه : هذا هو الحرف الأول من كلمة " ولي " ... ماذا لو كان هذا الصبي هو الولي الذي اريده ... توجه اليه واشترى منه كعكة ثم قال له :
    - قال الأطباء انني مريض جداً ... هل تستطيع أن تدعو لي بالشفاء ؟
    دهش الصبي أمام هذا القول وهذا الإقتراح ... هزَ رأسه علامة الموافقة وقال :
    - انني ايضا أمرض كثيرا ، ولكن جدي يقول ان الذين يؤمنون بالله عندما يموتون فانهم يطيرون إلى النجوم حيث يشاهدون الجنة من هناك ... لذا أنا لا أخاف من المرض .
    أحس الرجل براحة نفسية ، وداعب خد الصبي المزرق من البرد وهو يقول :
    - لقد صدق جدك ... ولكني مع هذا أريد العون منك – أي الدعاء - .
    أدرك الصبي قيمه دعائه فقال وهو يشير إلى بائع البالون الذي كان ماراً :
    - سأدعو لك ... ولكن ان شفيت فاني أريد منك أن تشتري لي عشر بالونات ... هل اتفقنا ؟
    هز الرجل رأسه علامة الموافقة ، ولكن خطر للصبي انه لم يكن عادلا عندما طلب من الرجل مثل هذا الكنز الثمين فقال وقد احمر خده من الخجل :
    - ليس ضروريا ان تكون البالونات من النوع الطائر ... أريد بالونات من النوع العادي .
    مد الرحل يده وصافح الصبي ... لقد تم التفاهم وتم العقد ، ولم تبق هناك سوى التفاصيل ... سيقابل الصبي بعد سته أشهر ان شفى من مرضه ، أي سيقابله في عيد الفطر ، واذا حدث شيء طارئ يمنعه من المجيء فسيرسل اليه البالونات بالبريد.
    بعد ان سجل الرجل اسم وعنوان الصبي على ورقة ربت على رأس الصبي وودعه .
    مر شتاء قارس، وعندما حل شهر رمضان لم يبق هناك أثر من مرض الرجل ... كان سعيدا جدا فقد عاد إلى الحياة مرة اخرى . ولم ينس الصبي ، بل اشترى له علبة جميلة من البالونات وبدأ ينتظر اليوم الأول من العيد بفارغ الصبر ، وعندما حل العيد أسرع إلى مكان اللقاء . لم يجده ... كان المكان مملوءً بالأطفال الفرحين بالعيد ، ولم يكن أحد من باعة الكعك يعرف الصبي ... ذهب إلى دكان بقال قريب وسأل عن الصبي ، أجاب البقال :
    - لقد كانت رئة الصبي مريضة ، وقد توفي الصبي قبل اسبوع واحد .
    نزل هذا الخبر كصاعقة على رأس الرجل ... ترك الدكان وأسرع إلى أول بائع بالون وأعطى له قبضة من النقود قائلاً :
    - أريد عشر بالونات من هذه البالونات الطائرة ... أسرع! ... علهّا تصل إلى مكانها بدون تاخير .
    بعد أن ربط الرجل خيوط البالونات التي قدمها اليه البائع قرأ البسملة ثم أطلقها إلى السماء ... دهش البائع مثل دهشة الآخرين حواليهم ... لم يتحمل البائع فسأل :
    - لم أفهم ما فعلته ياصاحبي ... لماذا أطلقتها هكذا ؟
    قال الرجل وهو يراقب صعود البالونات إلى السماء بعيون دامعة
    - هناك صديق صغير لي ينتظر هذه البالونات ... صبي وليّ ... لقد أرسلته إلى عنوانه فقط .
    العرصة
    عندمــا سمع الأبناء أن أباهم العجوز قد أشترى أرضاً تطل على مناظر جميلة قلقوا جداً …
    قال الأبن الطيب :
    سيقوم بتوزيع هذه الأرض على فلان وعلى علان كما فعل سابقاً … لقد أصبح الجميع من أصحاب الأملاك من أموالنا.
    ولعدم ثقة الأب بأولاده فقد أراد أن يعمل الخير في حياته. وكان قد فتح محلات عمل من ثروته الخاصة لبعض أفراد عائلته. أما الآن فقد ذكر بأن العرصة التي اشتراحا ستكفي الجميع، وكان هذا يعني عندهم أن هذه العرصة ستقسم.
    أما الابن الثاني . .. الذي كان مهندساً معمارياً فقد دخل عالماً خاصاً من الأحلام والخيال. فمع أنه لم ير العرصة بعد إلا أنه كان متأكداً انه سيستطيع بناء مجموعة من العمارات السكنية وسيختار لنفسه مكاناً يشرف على أجمل منظر ويبني لنفسه بيتاً خاصاً فيه. كما سيحقق أمل أخيه في تأسيس مركز صحي في وسط هذه المجموعة السكنية. ثم ألا يكون هذا مناسباً جداً وضرورياً لوالدهم المريض في قلبه؟
    كان القلق حول تقسيم العرصة سبباً في جمع الأخوين اللذين لم يريا بعضهما منذ سنوات، كما كان سبباً في ظهور أفكار غريبة، فماذا لو توفي والدهما قبل قيامه بتقسيم العرصة؟ .. الا تبقى العرصة كلها لهما.
    بدأت هذه الأفكار تأكل أدمغتهما مثل دودة، وأخيراً اقتنعا بأن وفاة والدهما ستضع حداً لآلامهما.
    وتوفى الوالد العجوز قبل القيام بأى عمل يخص العرصة، لأن قلبه الضعيف والمريض لم يتحمل الأبرة القوية التي زرقها له ابنه الطيب الذي رباه وصرف عليه ورعاه حتى تخرجه ..
    دُفن العجوز في اليوم التالي ، وبعد اتمام مراسيم الدفن وقراءة القرآن اقترب منهم حارس المقبرة وقال لهم بعد تعزيتهم :
    كان والدكم المرحوم قد اشترى هذا القسم من المقبرة قبل شهر وقال بأنه يكفي العائلة جميعاً.. يرحمه الله تعإلى كان يفكر دائماً في الآخرين.
    الملابس الخضراء
    عندما قابلته في الطريق كان صوت الآذان يرن في الآفاق . قلت له : - تعال معي اصطحبك إلى الجامع ... فهذا اليوم كما تعلم يوم جمعة . اجابني قائلا : - انت تعلم بأني لا أذهب إلى الجامع قلت : - أعلم ... ولكني أتسائل عن سبب ذلك . قال : - لا أدري ... لا أستطيع ذلك ... قد يكون للمحيط وللبئية تأثير في ذلك ، ثم ان كي بنطالي يفسد ، ويظهر أثر في موضع الركبتين . ابتسمت ابتسامة لا إرادية وقلت له : لا شك انك تمزح ... أيمكن ترك المجيء إلى الجامع لهذا السبب ؟! قال : - كلا لا أمزح ، وأنت تعلم كم أنا مفتون بالأناقة وباللون الأخضر خاصة . اجل! ... كان ما قاله صحيحا فقد كان يهتم بأناقته جدا ، والغريب انه كان مغرما باللون الأخضر ، ويختار معظم ما يلبسه من درجات مختلفة في الغمق للون الأخضر . سألته : - حسنا ... ولكن ألم تذهب طوال حياتك إلى الجامع ؟ أجاب : - في صغري ذهبت عدة مرات إلى الجامع مع جدي ، ولم أكن آنذاك قلقا على بنطالي . ولكني لم أعد أذهب إلى الجامع ، ولا اعتقد بانني سأذهب إليه في المستقبل . اغتتمت من كلامه ، وندمت لاني فتحت هذا الموضوع معه. وبعد ان تصافحنا ودع أحدنا الآخر وسار كل في طريقه . بعد هذا اللقاء بشهرين قيل لي بأنه في الجامع . أسرعت إلى الجامع ... كان هناك في باحة الجامع وأمام الصف الأول من صفوف الصلاة ... كانت عليه ملابس خضراء أيضا ... اقتربت منه وقلت له هامسا : - ما هذا ؟! ... ألم تقل لي بأنك لن تأتي إلى الجامع ؟! لم يجبني ، ولم ينبس ببنت شفة ... ذلك لانه كان فوق حجر المصلى داخل تابوت مغطى بقماش أخضر.
    التعديل الأخير تم بواسطة السعيد ابراهيم الفقي; الساعة 09-05-2017, 12:52.
يعمل...
X