شَاقَتْكَ ظُعْنُ الحَيّ، حِينَ تَحمّلوا، ... فَتَكَنّسُوا قُطُناً تَصِرّ خِيَامُها*
لم يكن بدعا من الشعراء أن يقف لبيد موقفا سبق اليه ووقف عليه كل صب محب صادق دنف ؛ يحسن أن يبري الكلام بشفرة الشعور الموخز
انه طريق مضن تشتجر فيه الظنون وتئن الروح منطرحة على مرابعه ... عبَّده الشعراء ، وتوافر عليه العاشقون ، مذ رصّع الشعر بالشعور جِيد الكلام ...
يجرد لبيد من نفسة محبا آخر ، يخاطبه ، ويوسعه وخزا بشعور ملتهب فائر مائر صخوب
يقول شاقتك - أي دعتك بداعي الشوق ، وأخذت بمجامع قلبك ، وملاك روحك ، ونجمها يؤذن بأفول ، أمام عينك ، ولمّا تغادر بعد ...
وأنهلتك من حبها نهلة حارة ، تملأ قلبك من لوعات الفراق ، ما يحيل حالك إلى انكفاء وحسرات
انهن ظعن الحي كلهن ... نكل عن محبوبته رسما واسما ، الى كل من حولها من النساء ، فكأنهن كلهن هي ...تبعثرت روحها فيهن ، و كأن الرحيل قد استحال سهاما كثيرة يعددهن ، تنهال على شغاف قلبه ، وتُبَضّع فؤاده ، و هو يتبصر ظعن الحي يتهيأن أمامه ومن حوله ..
واستحق النساء كلهن وصف الظعن (الحالّات في الهوادج ) ..النازلات بأول منازل الرحيل .. فقد انقلب حالهن من حال مطمئنة آمنة في الحي الذي هو مظنة اللقاء والتناجي ؛ إلى حال كلها قهر وولع وترحال وتبديل .. فحُقّ الشوق وقد حضر أوانه ، انها لحظة ( التحمل) ، تلك اللفظة المحمومة ، التي تفصل هذا الشعور عن غيره وتبرزه بكل ما يبلغه الأسى والحزن
(وإنه لمن المناطر الهائلة والمواقف الصعبة التي تفتضح فيها عزيمة كل ماضي العزائم، وتذهب قوة كل ذي بصيرة، وتسكب كل عين جمود، ويظهر مكنون الجوى.)**
وقد ذاق هذه المرارة امرؤ القيس من قبله ، فزفر ذات رحيل وفراق ..
كأني غداة البين يوم (تحملوا) .. لدى سمرات الحي ناقف حنظلة
فما أقهره من شعور ، ذلك الذي ينتحي بصاحبه الى شجرات لا حضور لجمالها في قلب صب متفجع ، تتفجر المرارة من قلبه ، فتملأ أركان روحه بمرارة لا تدانيها الا تلك التتي يتحساها من ينزع قشرة الحنظل بيديه فينفجر منها مستودع المرارة..
فها هن أولات .. وقد تكنسن الهوادج وحللن فيها على نحو من المُكث واللبث الطويل بكل ما أفادته لفظة ( قُطُنا) من معنى عميق
ولعله اختار لهن أن يتكنسن لا ان يدخلن أو يلجن لما في وقعها من جمال كائن لا يخفى و أثر لازم جلي
فلا تتكنس الا الظباء (الكِنَاسُ محل استتار الظباء ) .. وعلى ثقة من أن كل المتكنسات ليس لهن من الرشاقة والدلال ما للظباء ؛ إلا أن وصف محبوبته المطبوع في قلبه ، قد تضمنهن جميعا واصطبغن به .. فكانت (نوار ) وكل من تقيم بينهن ظباء حسان ذوات جمال ودلال ورشاقة ..
لم يبق لك- أيها المسكين الواله على شفا البين - مما يثير شجنك ويستنزل عبرتك إلا صرير خشب الهوادج .. ذاك الذي يصطك بأذنك صخبا ليفرغ على قلبك شحنات طارحة من حرقة البين و ألم الفراق .. (وما شيء من دواهي الدنيا يعدل الافتراق، ولو سالت الأرواح به فضلاً عن الدموع كان قليلا.)**
-----------
* البيت من المعلقة وهي من أحظى المعلقات عندي
** طوق الحمامة - ابن حزم الأندلسي