شعر بنبض قلبه يزداد مع دفعه الباب الزجاجية، لتستقبله نسمه هواء باردة منعشة، أنقذته من لهيب السماء في الخارج، نفحة رطبة ربما تكون مصاحبة لأمطار تنتج أزهار وثمار في أغصان شجرة حياته اليابسة. بينما ينظر لصور الأطفال التي تنتشر على جدران القاعة، دخل طفلاً ممسكاً بيد أبيه وأمه تسير خلفهم حتى أتخذوا من المقاعد الشاغرة مكاناً لجلوسهم، وهو يتابع بعينيه كل الأطفال في القاعة دون أن يعلم سر عشقه الغريب لهم. خرجت بعد فترة أمرأه كبيرة بالسن من غرفة الطبيب وهي مبتسمة، تحاول أن تسبق خطواتها، صوب فتاة شابة جالسة في طرف القاعة. فتحت حقيبتها قبل وصولها وأخرجت حفنة من الحلويات ورمتها فوق رأس الفتاة، ثم أخذت تهلهل وتصفق، وعيناها مغرورقه بالدموع. نادى أحدهم باسمه الثلاثي. طلب الطبيب منه الجلوس بعد مصافحته وكلمات الترحيب، ثم أخذ يتبادل النظرات بينه وبين الورقة التي أخرجها من الدرج بجانبه. كانت لمحات من النوع التي يعرفها جيداً عندما يراها صادرة من بعض الناس، تنم عن حزنٍ كبيرٍ أو شفقة، قبل أن يقولوا شيئاً ما، وعادة ما يكون محرج. تخلى عن صمته أخيراً وأخبره. - تعلم جيداً بأننا بذلنا جهداً كبير وفعلنا كل ما بوسعنا. وبالمقابل أن الطب في تطور مستمر وعلى شكل طفرات طويلة نحو الأمام، لكن الأمر لم ينجح معك، لقد فشلت العملية كما تخبرني نتائج الفحوصات الأن. نظر للورقة بيده بذهول من أثر الصدمة ولم ينبس ببنت شفة. كانت مليئة بالحروف الإنجليزية ورموز غريبة، كانت مثل صخرة كبيرة سقطت من السماء، واطفأت نقطة الضوء في نهاية النفق المظلم الذي يسير فيه، وجعلته تأها وسطه. أخذ يتخبط في سيره، وقدماه تحمله إلى حيث لا يعلم، أنتبه على صياح الباعة المتجولين الذين يفترشون الأرض بحاجياتهم المختلفة أمام باب المراب، وقع نظره صوب عربة ممتلئة بألعاب الأطفال بألوانها الزاهية وأشكالها المختلفة، اتجه لإحدى السيارات نقل الركاب ذات اللون الرمادي الكالح، كأنها فأر منتفخ. والسائق يصيح أمامها " كربلاء... كربلاء". بينما الناس يصعدون واحداً تلو الأخر، رمق بين أكوام النفايات في طرف الكراج البعيد كلبة شبه نائمة، ترفع رأسها بين حين وأخر، وتقوم بمتابعه كل ما يدور حولها بترقب وحذر، لتحمي جرائها الأربعة، وهم يمصون الحليب من ضرعها بهدوء وسكينة. "كيف بإمكاني الرجوع وأنا خالي الوفاض. هل أقوم بما أوصاني أخي به...!! نزل وقصد سيارة يصيح صاحبها الواقف أمامها بصوت عال " بغداد، بغداد، بغداد" ليجلس على مقعدٍ شاغر والهواء الساخن يلفح وجهه من النافذة المفتوحة، والشمس تكاد تذيب سقف السيارة فوق رأسه. ذُهُل بعد رؤيته أسفل المقعد الذي أمامه. "سوار" أصفر اللون، يلمع ويعكس أشعة الشمس الساقطة عليه. أنه ثقيل وأعتقد بأنه من الذهب الخالص بعد أن أمسكه بيده وأخذ يتفحصه، فدسه في جيبه دون أن يثير انتباه الركاب الذين أخذوا يصعدون. ربما يكون قد سقط من يد امرأة فقيرة، جلبته معها من أجل بيعه لإطعام أولادها اليتامى. وسوف يكون سبباً في جوعهم وتشردهم وانحرافهم. أخرجه من جيبه وحاول أن يعيده لمكانه، ثم تراجع. ربما يعود لامرأة ثرية لم تشعر حتى بفقدانه... لكن الأثرياء لا يركبون سيارات النقل العام، لهم سياراتهم الفارهة الخاصة. أو هو لشخص سرقه من أحدهم وكان ينوي بيعه، وسقط منه دون أن يعلم. وبهذا يكون أولى به من غيره. فأعاده لجيبه مرة أخرى. فكر بأن يعطيه للسائق، وأكيد سوف يأتي من يسأل عنه بعد فترة من فقدانه. لكن من يضمن أن السائق سيرده لصاحبه ولم يحتفظ به لنفسه...! أعمدة الكهرباء التي تمر أمام عينيه بين لحظة وأخرى، بفترات زمنية متساوية، أشعرته بخدر أخذ يسري في جميع عروقه، واعادت لذهنه ما جرى بالأيام الماضية. - أنه أمر الله يا امرأة. - نعم لكن الله قال يا عبد أسعى وأنا أعينك. - لكن أجور العملية تكلف كثيراً، وتعلمين بأني أعمل أجيراً ودخلنا بالكاد يسد رمقنا. - وتعلم باني تعلمت الخياطة واشتريت ماكينة، وأعمل عليها ليل نهار منذ أربع سنوات. ووضعت الدرهم فوق الدرهم، حتى جمعت مبلغاً لا بأس به، واشتركت في سلفة مع نساء الحي، وسأقبضها بعد أيام. - واشتركت في سلفة أيضا مع العمال في العمل. لكنها لا تكفي - أطلب بقية المبلغ من أخيك وارجعه اليه في وقت لاحق. - أخي طيب ولا يقصر بشيء. لكن كيف أطلب منه مبلغاً أعلم جيداً بأني لن أستطيع تسديده. اتركي الموضوع، أرجوكِ. طارت أحلامي مع الريح مثل أوراق شجر يابسة. لكن هذا "السوار" قد يكون طوق نجاتي من الغرق. طرقات يشم بها رائحة بغداد المميزة، وهي خليط من رائحة مياه دجلة والطين والقصب المنتشر على ضفافه، ممزوجة برائحة الشاي أبو الهيل وعطور نسائها الجميلة. شوارع بغداد التي أصبحت مثل امرأة طاعنة في السن، كأنها سيدة من عائلة معروفة ومحترمة حافظت على اناقتها ورشاقتها المعهودة. لكنها بلغت سن اليأس ولم تتمكن من إنجاب العظماء. العمارات، الأبنية، أشجار الشوارع، المتاحف، التماثيل في الساحات، الجوامع، كل شيء فيها قد شاخ، وكأنها قد بلغت من العمر أرذله. جلس في إحدى المقاهي الشعبية القديمة، استكان الشاي بعد كاس الماء البارد، وصوت مبردة الهواء ذات الصرير المتعاقب، بث في نفسه الهدوء واشعره بالخدر. كأنه وسط ظلام دامس يحيط به من كل جانب، جعله يفقد احساسه بالمكان المحيط. وجد نفسه وسط دائرة تحيط به اشكال منيرة أشبه بأشباح رجال، شعر بأنه مربوط من رقبته بحبال طويلة، كل شبح يمسك بطرف حبل، سحبه أحدهم حتى أوصله بالقرب من وجهه، ونظر وسط عينيه. وصرخ به بصوتٍ مرعب -عليك بيع قطعة الذهب لتسديد ديونك وأجراء عملية أخرى، لأن الفرصة تأتي مرة واحدة في الحياة فأغتنمها ولا تفرط بها ابداً. جره الأخر -أذهب لأحد رجال دين في بيوت الله الكثيرة وامنحها له، أنه امتحان كبير، وأحذر أن تفشل به، فقد تستمتع بما تحصل عليه من نقود في حياتك القصيرة الزائلة، لكنك بذلك تخسر الحياة الأبدية وتبقى من المعذبين. جذبه الأخر بقوة -أفعل ما أخبرك به أخوك، فأن في ذلك سبيل خلاصك من عذابك، يكون أفضل لك ولزوجتك التي تنتظرك في البيت. أخذ جميع الأشباح يجذبونه نحوهم بقوة في الوقت نفسه، حتى ضاق الحبل على رقبته ولم يستطع شهق الهواء، أختنق وهو يحاول التخلص من الحبل المميت. شعر بلكزة من الرجل الجالس بجانبه على الأريكة دون أن يشعر به، رجل مسن، ضخم البنية، أسمر الوجه، ولحية بيضاء تغطي ذقنه، عينان غائرتان بمحجرين يغطيهما بنظارة سميكة مقعرة، أخبره "أراك مهموم وفي حيرة من أمرك، لا أريد معرفة ما تعانيه. لكن دعني أخبرك بشيء قد ينفعك في أيامك القادمة". دع الأمور تسير كما هي، فالحياة مثل مصباح سيارة مضيئ وأنارته محدودة في جزء صغير، وما بعدها ظلام دامس، لن تستطع معرفته أو التحكم فيه، قد يحتوي مطبات كثيرة، أو انعطافه كبيرة، ربما يعود بك من حيث أتيت، أو يحتوي تقاطع لعدة طرق لا يمكنك الاختيار بينها بسهولة. لا تستبق الأحداث وتشغل نفسك دائماً. كان يتحدث اليه بصوت عالي وبنبرة قوية، تنم عن ثقة عالية بالنفس. من شخص خبر مجاهل الحياة، وخاض غمارها، وهو ينصت لكلماته بتمعن دون أن يرف له جفن. - معلومة نفعتني كثيراً يا شيخ، وهذه من حسنات الجلوس في المقاهي التي يرتادها كبار السن من أمثالك. - ......... نهض من مكانه وعاد للسير في طرقات بغداد التي يعشقها حد الثمالة، انعطف لأحدى الدروب القديمة الضيقة، تابع أطفال صغار لا تتجاوز أعمارهم الخمسة أعوام، وهم يلعبون فوق ساقية المياه السوداء الأسنة. صوت انفجار قوي هز الأرض تحت قدميه، نزل أصحاب السيارات من سياراتهم، خرج بعض المتبضعين لمتابعة الحدث، البعض يومأ بأصبعه للخلف ويصيح، أنه بالقرب من مراب العلاوي، ليخبره الأخر، بل هو أمام المتحف الوطني. أخرج أحدهم هاتفه النقال من جيبه وأتصل، ثم أخذ يصرخ، وركض مسرعاً صوب مكان الدخان المتصاعد. صعد من نزل سيارته، وواصل سيره من توقف، وكأن شيء لم يحدث. صور القتل والدم وانفجار السيارات المفخخة والأحزمة الناسفة داخل الأسواق وأماكن تجمع الناس الأبرياء، أصبح من المشاهد اليومية الروتينية التي أعتاد عليها البغداديون، مثل اعتيادهم جريان المياه في نهر دجلة والنوارس المحلقة فوقه، كل صباح. وقف أمام محل كبير ذو واجهة عريضة، يعرض المصوغات الذهبية، أخرج قطعة الذهب من جيبة وتفقدها بتمعن ثم دلف للداخل، تفحص الصائغ "السوار" بواسطة مكبرة مسكها بمحجر عينه، ثم وضعها فوق الميزان الاليكتروني، ثم ضرب أرقام الحاسبة فوق مكتبه، ليخبره بأنه يساوي مبلغاً محترماً. أخذ النقود ودسها في جيبه، قبل أن يغادر. وصل بالقرب من جامع وشاهد قبته الخضراء العالية، وجدرانه التي يغطيها المرمر والرخام الفاخر، وقف بجانب الباب قبل أن يهم بالدخول، أخذ يفكر مع نفسه " ما أدراني أن الرجل الذي يعمل هنا، يقوم بتوزيع المبلغ للفقراء والمحتاجين. هو يسكن في بيت الله وسط ترف الرخام والمرمر والزجاج المضلل، تحت ثريات الكريستال العملاقة، ويخطو خطواته فوق السجاد الكاشاني الفاخر، يتوضأ كل صباح من صنابير مذهبة. لابد أنه قد تعلم العيش الرغيد، كيف سيشعر بمعاناة المحتاجين ويوزع عليهم النقود...!! أستقل سيارة أجرة وأبلغ صاحبها التوجه به لسوق الشورجة وسط بغداد. هناك حيث الأفرع الضيقة والبضائع الكثيرة مختلفة المناشئ، بأنواع وأحجام عديدة، ضجيج، عربات يجرها الحمالون، رجال يحملون أكياس على ظهورهم، توابل بروائح غريبة، صابون وعلب مساحيق الغسيل، ملابس رجالية ونسائية وأطفال، تجار خلف المكاتب يكتبون بسجلات، ويحررون الصكوك. قام بشراء كميات كبيرة من ملابس الأطفال من إحدى المحال، قبل نقلها للشارع العام بواسطة عربة يسحبها رجل مسن. أومأ لصاحب سيارة أجرة وطلب منه ايصاله إلى دار رعاية الأيتام. استقبله مدير الدار بعد نهوضه من خلف المكتب، ودار حديث طويل بينهم عن عدد الأيتام وطريقة حياتهم فيه، قبل حديثه معه عن نيته تبني أحدهم وحصراً من أطفال الايزيديات التي اخذهن داعش سبايا. نظر إليهم واحداً تلو الأخر بعد دخوله لغرفتهم، ثم أطال النظر بوجه أحدهم، هل هذا الطفل سيحمل صفات أبيه أم أمه، بعد انتقال جينات القتل والأجرام اليه عن طريق والده، وهل هناك جينات للإجرام اصلاً. ملامح الطفل مركبة، عيون خضراء وشعر أشقر، مع بشرة حنطية مائلة للسمرة، ملامح تجمع ما بين مناطق الموصل الحضرية، وسمرة أبناء الصحراء وغلاظتهم. - أعتقد بأنه أعجبك، هو من الأطفال المميزين في هذه الدار، وسيم وذكي وهادئ الطباع مع مربيته. - ما أسمه
- عذاب - سأسميه أمل. - لكنه أسم فتاة. - الأمل كان يجب أن يكون أسم لمذكر قبل المؤنث، يا أستاذ.
فراس عبد الحسين