بين صافرة النهائي وجرس الامتحان

Spread the love

“بين صافرة النهائي وجرس الامتحان
عن اولويات نلقنها لاطفالنا دون ان ننتبه”

أحمد بنطالب، في 17.01.2026

في زمن تتسارع فيه الإيقاعات، وتتشابك فيه الرموز، لم يعد القرار العمومي فعلا إداريا محضا، بل خطابا غير معلن، يشي بما نمنحه من قيم، وما نؤجله من معان. من هذا المنطلق، يبرز قرار وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة القاضي بتأجيل امتحانات الموحد المحلي للسنة الثالثة من التعليم الثانوي الإعدادي، بسبب تزامنها مع نهائي كأس أمم إفريقيا المنظم بالمملكة المغربية، والذي يكون فيه المنتخب الوطني طرفا أساسيا.

للوهلة الأولى، يبدو القرار مفهوما، بل مبررا. فالمباراة ليست حدثا رياضيا عابرا، بل لحظة وطنية جامعة، تستقطب اهتماما شعبيا واسعا، وتغمر الوجدان الجماعي بشحنة من الفخر والانتماء. الأطفال والمراهقون، وهم الفئة المعنية بالامتحان، يعيشون هذه اللحظة بحساسية خاصة؛ يسهرون، ينفعلون، ويتأخر نومهم، لا بدافع العبث، بل بدافع المشاركة الوجدانية في حدث يتجاوز حدود الملعب.

من هذا المنظور، يبدو تأجيل الامتحان إجراء واقعيا، يراعي البعد النفسي للمتعلمين، ويدرج في خانة التدبير المرن للزمن المدرسي، حفاظا على تكافؤ الفرص وجودة الأداء.

غير أن المسألة لا تقف عند هذا الحد.

فعندما ننتقل من منطق التدبير إلى منطق الدلالة، تتبدى مفارقة صامتة لكنها عميقة: كيف يمكن لحدث رياضي، مهما بلغت أهميته، أن يؤجل امتحانا إشهاديا موحدا؟ ماذا نقول للطفل، دون أن ننطق؟ وأي تراتبية للقيم نغرسها في وعيه الناشئ؟

هنا، لا يعود السؤال تقنيا، بل سؤال رسالة ومعنى. فالمدرسة، في المخيال الجمعي، ليست مجرد مؤسسة قابلة لإعادة البرمجة، بل فضاء للجدية والاستمرارية، وترسيخ معنى الجهد والمعرفة. وعندما يزاح الامتحان، لا بسبب قوة قاهرة، بل إفساحا للمجال أمام مباراة كرة قدم، فإن الرسالة الضمنية قد تقرأ، وإن بغير قصد، على أن المتعة الجماعية الآنية تتقدم على الاستحقاق المعرفي، وأن العلم يمكن أن ينتظر حين تشتد المنافسة في الملعب.

لا يتعلق الأمر هنا بالمفاضلة الساذجة بين الرياضة والعلم، فكلاهما رافعتان أساسيتان في بناء الإنسان. بل يتعلق بالسؤال الأعمق: كيف نوازن بينهما دون أن نربك المعنى التربوي؟ وكيف نعلم الطفل أن يفرح، وينتمي، ويشجع، دون أن نفرغ المدرسة من رمزيتها بوصفها أفقا للترقي والسمو؟

يقول جوناثان سويفت إن “الرؤية هي فن رؤية الأشياء غير المرئية”. وما هو غير مرئي في هذا القرار ليس نصه، بل أثره البعيد: الأثر الذي يتسلل بهدوء إلى وعي الناشئة، ويشكل تصورهم لما هو أولى، وما هو قابل للتأجيل.

من هنا، يصعب تبني موقف قطعي من القرار، لا بالرفض المطلق ولا بالتأييد السهل. نحن أمام قرار صائب تدبيريا، لكنه ملتبس رمزيا. قرار يخدم اللحظة، لكنه يطرح أسئلة على المستقبل. قرار يراعي الإيقاع الوطني، لكنه يستدعي يقظة تربوية حتى لا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ولا يختزل التعليم في هامش زمني قابل للإزاحة.

وفي النهاية، لعل الرهان الحقيقي ليس في موعد الامتحان، بل في قدرتنا على أن نعلم أبناءنا كيف يفرحون دون أن ينسوا، وكيف يشجعون دون أن يؤجلوا أحلامهم، وكيف يدركون أن للملعب لحظته، وللمدرسة مكانتها التي لا ينبغي أن تمس، حتى في أوج الحماس.

Related posts

Leave a Comment