أنين الحصى المتبقي

Spread the love

أنين الحصى المتبقي

كانوا يقولون لنا إن البحر طريق الحرير، فإذا به يصير طريقاً من حرير الموت. كانوا يعدوننا بالعُبُور إلى الضفة الأخرى، فإذا بنا نعبر من ضفة النسيان إلى شاطئ اللاجئين.

انظروا إليهم الآن، أولئك الذين حملوا قلوبهم في أكفهم كالطير المهاجر. انظروا كيف صار البحر كالح يبتلع أحلامهم المعلبة في حقائب من بلاستيك رخيص. كيف تحول الأمل إلى رحلة في جوف الظلام، حيث لا نجوم إلا تلك التي ترسمها الأمواج على وجوه الغرقى.

في القطار الذي لا يرحم، تحت عجلات من حديد بارد، يسحقون أحلاماً لم تجد من يحملها. كانوا ينتظرون دوراً في حياة لم تأتِ، فجاءهم الموت يحمل بطاقة انتظارٍ منتهية الصلاحية. شبانٌ صاروا أرقاماً في تقارير الحوادث، وطموحاتٌ تحولت إلى بقع دم على قضبان الصدأ.

السيارات المتهالكة التي تسير على طرق مهترئة، تحمل شباباً في مقاعدها الخلفية كأنهم بضائع متجهة إلى سوق النهايات. كل حادث ليس مجرد اصطدام بين معدنين، بل هو تصادم بين جيل كامل وحائط من اليأس.

ماذا فعلوا سوى أنهم ولدوا في زمن صار الفساد فيه جغرافيا، واليأس مناخاً، والموت مهرباً؟ يحملون شهادات كالنياشين على صدورهم، لكنها لا تحميهم من برد الجوع. يتقنون لغات العالم، لكنهم يعجزون عن ترجمة أحلامهم إلى لقمة.

ها هم يدفعون ثمن حسابات لم يشاركوا فيها، وفساد لم يذوقوا من ثماره إلا المرارة. يسقطون واحداً تلو الآخر، كحصى يتساقط من جدار قديم، بينما من في الداخل يحسبون أن الجدار لا يزال صامداً.

لكننا نحن الحصى المتبقي، نحمل في صمتنا أنين الأصداف، وفي عيوننا ملح البحر وصدأ القضبان. نعلم أن الموت ليس خياراً بل فرضاً، وأن الرحيل ليس حلماً بل هروباً من سجن بلا سقف.

لعل موج البحر يغسل يومًا ذاكرة الشطآن من آثارهم، ولعل عجلات القطار تنقش على القضبان قصة لم تكتمل. أما هم، فيبقون في ذاكرة الريح، شهداء على زمن لم يرحم براءتهم، ولم يقدّر قيمة أحلامهم التي غرقت قبل أن تغرق أجسادهم.

يبقى السؤال معلقاً كغيمة سوداء: إلى متى يظل الحلم العربي يدفع ثمن العبور من الحياة إلى الموت، بدلاً من العبور من اليأس إلى الأمل؟

سيد عبدالرحمن

 

Related posts

Leave a Comment