5-1-2010
هواجس حقيقية
1
من فرط إباحية ما يختزنه القرص الصلب لحاسوبه الشخصي، وما يحمله خط الإنترنت إلى مكتبة المغلق عليه أبدا؛ بدعوى حاجته الشديدة للتركيز من أجل لإنجاز دراساته العلمية؛ نهش القلق قلبه..
سكنت الهواجس هامته، منذ حل ابن أخيه الجامعي القادم من البلدة الجنوبية النائية ضيفا على بيته؛ من أجل دورة تدريبية تخصصية في العلوم الدقيقة المتطورة للحاسب الآلي؛ لا تتوافر إلا لسكان العاصمة؛
فهو يعلم كم أن صغيرته، بنت الثانوي، وزوجته، ربيبة قصور المدينة الساحلية، تُجِلان هذا الشاب الجنوبي الطَمُوح، السابق لأقرانه من أبناء جيرتهم الراقية، ونوادي العُلَية التي يرتادونها، كانتا أيضا تحترمان عفة لسانه ونقاوة سريرته المعقود قرانهما بزواج كاثوليكي لا تنفصم عراه على ذكاءه الاجتماعي وفطنة سلوكه.
بعدما راحت سكرة الفرحة ترحيبا، وانتهى بث الأشواق للبلدة وقاطنيها، وإعلان السرور بقدوم الضيف الغالي، والإصرار الجماعي على أن تكون إقامة الضيف في بيته المتسع لا في أي سكن خارجي، وتسليمه نسخة من مفتاح المنزل؛ باعتباره صاحب بيت،
كلما انفرد العم، كعادته المستجدة، بحاسوبه وفتح قنوات الاتصال ليراجع المخزون السري لحاسوبه والساكن في قلب مجلدات تحمل أسماء متنوعة يجيد جعلها لا تغري أي متطفل عليه باستكشافها،
وكلما استقبل لقطة حية أو ميتة لما يحدث على أسرِة تتوزع في أزقة تتغلغل في كل أنحاء الكرة الأرضية، وما إن يتوه عقله في ألوان الجلود ومهارات التثني والالتواء؛ وفيما كان يحلم بأن يحل محل الأبطال إلا وتأبى مخيلته فتحل ابن أخيه محل كل الرجال، وتبدل ما بين زوجته وصغيرته في مواقع النساء.. ليحترق قلبه.. فيدفن رأسه بين كفيه مغلقا أبواب عقله دون الفكرة..
يحَوِل وجهه بعيدا عن الشاشة طاردا كل الهواجس.. يسترجع في ذهنه أخلاق الفتى ومن معرفته بمهارة أخيه التربوية ينال طمأنينة..
يستعيد في مخيلته استمرارية اجتياز زوجته لكل الاختبارات الأخلاقية التي عرّضَها لها منذ ما قبل الزواج وحتى الآن بجدارة..
يتذكر كيف نمَت صغيرته بين يديه، وكم شربت من فكره الراقي، وكيف نشأها على مبادئ الحرية المسئولة.. تنطفئ نيرانه..ينزع رأسه المدفون من يديه.. يحيل عينيه ثانية إلى الألوان المتراقصة والمتداخل بعضها بالبعض على الشاشة.
2
مع تقدم الأيام مرورا نحو نهاية الأسبوعين، وهي المدة المحددة سلفا للدورة التدريبية، والزيارة بالتالي، كانت النيران تزداد استعارا تحت رماد أفكاره، وكلما نفخ فيها ظنا أنه يطفئها، كلما تصاعد دخان أسود متمثلا في سلوكيات جدت عليه واستهجنها الجميع، دون أن يصلوا لأدنى مستويات الفهم لما اعتراه مؤخرا..
فلم يعد يهاجر إلى كهفه أو يختلي بمعشوقه الاليكتروني، مهما استبدت به الشهوة، مادام ضيفه في البيت، إلا بعد أن تغلق جميع غرف النوم، متحججا بشوقه للزائر وحاجته لصحبة أطول معه..
ولم يعد يحكم إغلاق باب مكتبه من دونه، بل بات يواربه فقط قليلا بحيث يمنع أي متطفل من قطع خلوته أو فضح حقيقة دراساته العلمية، فيما لا يمنع نفسه من مراقبة تحركاتهم عبر الردهة الكاشفة لكل أبواب الحجرات.
تعجبوا من تبدل إعجابه بإقبال الشاب على الحياة التي شارفت أن تولي ظهرها له، إلى سخرية..
استهجنوا محاولاته المستميتة في إظهار الشاب كمجرد منافق، وأنه فقط يتشدق بالمبادئ لفظا لا كمنهج حياة مثلما يظهر لهم..
وملوا من كثرة تكرار تلاوة ذكرياته عن زمن ولى كان هو فيه، محط الأنظار ومبعث الإعجاب..
استغربوا عودته المبكرة من العمل، بالكاد بعد عودة الزائر بقليل، وهو الذي لم يفعلها أبدا مهما استحكمت الضرورات..
ضاقوا من قبضته التي أحكمها حول رقابهم سريعا متبرما من حسن رفقتهم للضيف الغالي سابقا والغريم الحالي في أوهامه فقط..
صار كمن لا يعرفون.. ذائغ النظر.. يجيل بصره بين ثلاثتهم..
صار يطيل الوقوف كلما مر أمام مرآة وهو الذي لم يكن يفعلها إلا مرة واحدة يوميا قبل خروجه للعمل ولثوان معدودة، بات يمد يحسب مساحة ما تبقى من شعيرات سوداء في رأسه ويراجع بأصابعه ما ترهل من جلد تحت جفنيه..
تتنقل عيناه متأملتين في وسامة الفتى المبهرة.. وأنوثة امرأته الفياضة.. وحيوية ابنته الغضة.
3
بشائر الأمل بانفراج الأزمة بدأت تزور أساريره حينما أكد الضيف أن هذه ليلته الأخيرة بينهم وأنه بنهاية الغد سيسلك طريق الرحيل عائدا إلى حيثما يحب أن يكون، استأذنهم ليحزم حقائبه ويحاول أن يقنعها بالاتساع للمستجدات والتي تراوحت بين كتب التدريب وهدايا الأهل وكنوز يندر أن يجد لها مثيلا في مكتبات بلدته الفقيرة.. عرضت سيدتا الدار مساعدته وهمتا بالدخول معه إلى غرفته..
لم يجد العم وسيلة لمنعمهما إلا بتكليفهما بأمور هو فقط من رأى أنها هامة وعاجلة.. تحرك كل منهم في اتجاه.. فرح العم لنجاح خطته.. تحين الفرصة ليعب جرعة جديدة تهدئ من شبقه..
ولج إلى مكتبه.. وارب الباب.. هام عشقا بين ملايين الصور اللاتي تلوث بريده الاليكتروني.. لقطات الفيديو تتوالى فيما تجري عقارب الساعة.. توقف أمام لقطة منها.. حل فيها الضيف وسيدتا البيت أبطالا.. لم تنجح قناعاته عنهما في هزيمة الشكوك.. فازت وسامة ابن أخيه الأسمر بالضربة القاضية على معرفته بتدينه، وخرت ثقته في زوجته صريعة تحت قدمي إدراكه لذبول جسده..
فيما تراءت له بكارة ابنته تذوي منخدعة برومانسية الفتى الحالم..
شعر بتحركاتهم في الردهة.. أفاق من خيالاته..
نعم الأصوات حقيقية وليست وهم..
هاهي امرأته تنادي وحيدتها أن تلحق بها إلى غرفة الضيف، بصوت لا يدعو للريب إلا للمرتاب من ذاته..
هاهو صوت باب غرفة الضيف يفتح ويغلق..
عيناه تطرفان نحو الشاشة.. ثلاثتهم يتناوبون نزع القشور.. تتبدى جلودهم الشهية..
يسرع هائجا نحوهم لمنع وقوع الكارثة.. كثور هائج ، يعرج في طريقه على المطبخ..
يقبض بيد مرتعشة على رقبة سكين..
يدفع الباب بعنف..
بعيون لم تعد ترى إلا ما كان على شاشته وليس ما يشاهدون.. ولم تلتقط أذناه ما يسمعون..
يلتقط صورة ابن أخيه بين امرأتيه واقفين جميعا وبيدهم شيئا لا يدرك كنهه..
بيسراه يجذب الفتى سريعا من كتفه..
بيمينه يودع سكينه بين الضلوع..
لم يتركه إلا بعدما بات الشاب غير متمالك نفسه وصار هو غير قادر على حمل جسده القوي
فيما يتداعى جسد الشاب الصريع من بين يديه.. سالت الدماء لتغطي كتاب مقدس كريم كان مفتوحا على صفحات يستعرضها مع سيدتي الدار..
ارتفع صوت عويلهما ليطغى على نغمات سماوية روحانية تنبعث من حاسوبه المحمول.
هواجس حقيقية
1
من فرط إباحية ما يختزنه القرص الصلب لحاسوبه الشخصي، وما يحمله خط الإنترنت إلى مكتبة المغلق عليه أبدا؛ بدعوى حاجته الشديدة للتركيز من أجل لإنجاز دراساته العلمية؛ نهش القلق قلبه..
سكنت الهواجس هامته، منذ حل ابن أخيه الجامعي القادم من البلدة الجنوبية النائية ضيفا على بيته؛ من أجل دورة تدريبية تخصصية في العلوم الدقيقة المتطورة للحاسب الآلي؛ لا تتوافر إلا لسكان العاصمة؛
فهو يعلم كم أن صغيرته، بنت الثانوي، وزوجته، ربيبة قصور المدينة الساحلية، تُجِلان هذا الشاب الجنوبي الطَمُوح، السابق لأقرانه من أبناء جيرتهم الراقية، ونوادي العُلَية التي يرتادونها، كانتا أيضا تحترمان عفة لسانه ونقاوة سريرته المعقود قرانهما بزواج كاثوليكي لا تنفصم عراه على ذكاءه الاجتماعي وفطنة سلوكه.
بعدما راحت سكرة الفرحة ترحيبا، وانتهى بث الأشواق للبلدة وقاطنيها، وإعلان السرور بقدوم الضيف الغالي، والإصرار الجماعي على أن تكون إقامة الضيف في بيته المتسع لا في أي سكن خارجي، وتسليمه نسخة من مفتاح المنزل؛ باعتباره صاحب بيت،
كلما انفرد العم، كعادته المستجدة، بحاسوبه وفتح قنوات الاتصال ليراجع المخزون السري لحاسوبه والساكن في قلب مجلدات تحمل أسماء متنوعة يجيد جعلها لا تغري أي متطفل عليه باستكشافها،
وكلما استقبل لقطة حية أو ميتة لما يحدث على أسرِة تتوزع في أزقة تتغلغل في كل أنحاء الكرة الأرضية، وما إن يتوه عقله في ألوان الجلود ومهارات التثني والالتواء؛ وفيما كان يحلم بأن يحل محل الأبطال إلا وتأبى مخيلته فتحل ابن أخيه محل كل الرجال، وتبدل ما بين زوجته وصغيرته في مواقع النساء.. ليحترق قلبه.. فيدفن رأسه بين كفيه مغلقا أبواب عقله دون الفكرة..
يحَوِل وجهه بعيدا عن الشاشة طاردا كل الهواجس.. يسترجع في ذهنه أخلاق الفتى ومن معرفته بمهارة أخيه التربوية ينال طمأنينة..
يستعيد في مخيلته استمرارية اجتياز زوجته لكل الاختبارات الأخلاقية التي عرّضَها لها منذ ما قبل الزواج وحتى الآن بجدارة..
يتذكر كيف نمَت صغيرته بين يديه، وكم شربت من فكره الراقي، وكيف نشأها على مبادئ الحرية المسئولة.. تنطفئ نيرانه..ينزع رأسه المدفون من يديه.. يحيل عينيه ثانية إلى الألوان المتراقصة والمتداخل بعضها بالبعض على الشاشة.
2
مع تقدم الأيام مرورا نحو نهاية الأسبوعين، وهي المدة المحددة سلفا للدورة التدريبية، والزيارة بالتالي، كانت النيران تزداد استعارا تحت رماد أفكاره، وكلما نفخ فيها ظنا أنه يطفئها، كلما تصاعد دخان أسود متمثلا في سلوكيات جدت عليه واستهجنها الجميع، دون أن يصلوا لأدنى مستويات الفهم لما اعتراه مؤخرا..
فلم يعد يهاجر إلى كهفه أو يختلي بمعشوقه الاليكتروني، مهما استبدت به الشهوة، مادام ضيفه في البيت، إلا بعد أن تغلق جميع غرف النوم، متحججا بشوقه للزائر وحاجته لصحبة أطول معه..
ولم يعد يحكم إغلاق باب مكتبه من دونه، بل بات يواربه فقط قليلا بحيث يمنع أي متطفل من قطع خلوته أو فضح حقيقة دراساته العلمية، فيما لا يمنع نفسه من مراقبة تحركاتهم عبر الردهة الكاشفة لكل أبواب الحجرات.
تعجبوا من تبدل إعجابه بإقبال الشاب على الحياة التي شارفت أن تولي ظهرها له، إلى سخرية..
استهجنوا محاولاته المستميتة في إظهار الشاب كمجرد منافق، وأنه فقط يتشدق بالمبادئ لفظا لا كمنهج حياة مثلما يظهر لهم..
وملوا من كثرة تكرار تلاوة ذكرياته عن زمن ولى كان هو فيه، محط الأنظار ومبعث الإعجاب..
استغربوا عودته المبكرة من العمل، بالكاد بعد عودة الزائر بقليل، وهو الذي لم يفعلها أبدا مهما استحكمت الضرورات..
ضاقوا من قبضته التي أحكمها حول رقابهم سريعا متبرما من حسن رفقتهم للضيف الغالي سابقا والغريم الحالي في أوهامه فقط..
صار كمن لا يعرفون.. ذائغ النظر.. يجيل بصره بين ثلاثتهم..
صار يطيل الوقوف كلما مر أمام مرآة وهو الذي لم يكن يفعلها إلا مرة واحدة يوميا قبل خروجه للعمل ولثوان معدودة، بات يمد يحسب مساحة ما تبقى من شعيرات سوداء في رأسه ويراجع بأصابعه ما ترهل من جلد تحت جفنيه..
تتنقل عيناه متأملتين في وسامة الفتى المبهرة.. وأنوثة امرأته الفياضة.. وحيوية ابنته الغضة.
3
بشائر الأمل بانفراج الأزمة بدأت تزور أساريره حينما أكد الضيف أن هذه ليلته الأخيرة بينهم وأنه بنهاية الغد سيسلك طريق الرحيل عائدا إلى حيثما يحب أن يكون، استأذنهم ليحزم حقائبه ويحاول أن يقنعها بالاتساع للمستجدات والتي تراوحت بين كتب التدريب وهدايا الأهل وكنوز يندر أن يجد لها مثيلا في مكتبات بلدته الفقيرة.. عرضت سيدتا الدار مساعدته وهمتا بالدخول معه إلى غرفته..
لم يجد العم وسيلة لمنعمهما إلا بتكليفهما بأمور هو فقط من رأى أنها هامة وعاجلة.. تحرك كل منهم في اتجاه.. فرح العم لنجاح خطته.. تحين الفرصة ليعب جرعة جديدة تهدئ من شبقه..
ولج إلى مكتبه.. وارب الباب.. هام عشقا بين ملايين الصور اللاتي تلوث بريده الاليكتروني.. لقطات الفيديو تتوالى فيما تجري عقارب الساعة.. توقف أمام لقطة منها.. حل فيها الضيف وسيدتا البيت أبطالا.. لم تنجح قناعاته عنهما في هزيمة الشكوك.. فازت وسامة ابن أخيه الأسمر بالضربة القاضية على معرفته بتدينه، وخرت ثقته في زوجته صريعة تحت قدمي إدراكه لذبول جسده..
فيما تراءت له بكارة ابنته تذوي منخدعة برومانسية الفتى الحالم..
شعر بتحركاتهم في الردهة.. أفاق من خيالاته..
نعم الأصوات حقيقية وليست وهم..
هاهي امرأته تنادي وحيدتها أن تلحق بها إلى غرفة الضيف، بصوت لا يدعو للريب إلا للمرتاب من ذاته..
هاهو صوت باب غرفة الضيف يفتح ويغلق..
عيناه تطرفان نحو الشاشة.. ثلاثتهم يتناوبون نزع القشور.. تتبدى جلودهم الشهية..
يسرع هائجا نحوهم لمنع وقوع الكارثة.. كثور هائج ، يعرج في طريقه على المطبخ..
يقبض بيد مرتعشة على رقبة سكين..
يدفع الباب بعنف..
بعيون لم تعد ترى إلا ما كان على شاشته وليس ما يشاهدون.. ولم تلتقط أذناه ما يسمعون..
يلتقط صورة ابن أخيه بين امرأتيه واقفين جميعا وبيدهم شيئا لا يدرك كنهه..
بيسراه يجذب الفتى سريعا من كتفه..
بيمينه يودع سكينه بين الضلوع..
لم يتركه إلا بعدما بات الشاب غير متمالك نفسه وصار هو غير قادر على حمل جسده القوي
فيما يتداعى جسد الشاب الصريع من بين يديه.. سالت الدماء لتغطي كتاب مقدس كريم كان مفتوحا على صفحات يستعرضها مع سيدتي الدار..
ارتفع صوت عويلهما ليطغى على نغمات سماوية روحانية تنبعث من حاسوبه المحمول.
تعليق