تعاريج
اعتادت نشر الجوارب رأسًا على عقب فوق شتلات الزرع في الشرفة الخلفية..
فخسارة تلك القطرات التي تنزل من الجوارب أن تذهب هباءً دون أن يستفيد منها كائن ما كان حتى وإن كان زرعًا، طالما لم تفلح يداها يومًا في عصر الغسيل جيدًا.
منذ أيام زواجها الأولى أصبح لزامًا عليها غسل جوارب زوجها بعد عودته من العمل مباشرة، فهي تخشى المفاجآت.. مفاجأة أن تستيقظ لتعد له ملابسه صباحًا فلا تجد ما يناسب ألوان الملابس، فصار غسل الجوارب طقسًا مقدسًا لا تستطيع عنه تقصيرًا، حتى في يوم الجمعة، بل وقد رسمت لنفسها استراتيجيات جديدة في تعليقها ونشرها فرادى أو أزواجًا بحسب اللون والطول والحجم.. استراتيجيات تطورت على مدى خبرة زواج يزيد عن العشرة أعوام.
لا يخطر ببالها أيُّ نبت سري قد ينتج عن تمازج الماء المشرب بالصابون مع براعم الشتلات الصغيرة، ما يقلقها حقًا هو تسرّب قطرات الماء إلى أرضية الشرفة لترسم تعاريج تخترق البلاط الأملس الذي مسحته منذ برهة.
تأكدت من وضع الجوارب واتجهت حافية القدمين نحو المطبخ..
بقدميها تتحسس تجمع الأتربة على الأرضية.. وتستعد لوضع خطّة محكمة لتثبيت أي قادم غير عابئٍ بحذائه المغبّر قبل الدخول إلى مملكتها، فسعت تُحصّن المداخل والمخارج بالخرق المبللة عند عتبة كل غرفة وتغلق النوافذ لمنع مغافلة الأتربة إياها بالتسلل إلى الداخل..
وبعد الغلق والإحكام أيقنت نجاح قدراتها التنظيفية.. لتعقبها المكافأة الرمزية تعويضًا عن تجاعيد أصابعها المبللة..
إلى جوارها تضع كوب الشاي بالحليب.. كطقس يلي عملية النظافة الشاقة. ليس مجرد كوب دافئ تشربه إنه أكثر من ذلك.. احتواء بعد احتياج.. ولم لا؟!
لكنّه اليوم يأتي بطعم نشوة افتقدتها ليلة أمس إثر نوبة أرق طويلة، أطاحت بثلثي حصتها من النوم..
لا تذكر فيما كانت تفكّر وقتئذٍ..
أفكار متضاربة.. غداء يوم الجمعة المميز الذي نسيت أن تخرج من أجله اللحم المفروم من (الفريزر).. ابنتها التي ستصطحبها إلى درس العلوم بعد الغداء.. مصير الشكوى التي تركتها على مكتب رئيس القسم.. وقسط المكنسة الكهربائية الذي يحين موعده بعد يومين. أخذت عيناها تدور حتى استقرت على السقف تتأمل تعاريج تشقق قشرة حائطه .. تذكّرت أنها ستحتاج إلى ترميمه بعد انتهاء الشتاء، ربما تتصل بجارتها لتكشف عن سباكة حمامها، لعلها هي السبب!..
مدت ساقيها على الطاولة المقابلة.. كانت ترى تعاريج مماثلة تنتشر في قدميها وتمتد إلى أعلى الساقين مثل خريطة مليئة بمرتفعات ومنخفضات تشق عروقًا مزرقة وأخرى دموية كأنهار لا مبتدأ لها ولا منتهى..
تسلل إليها تنميلٌ يشبه موجات النوم الذي كان يفلت من بين جفنيها ليلة أمس..
رشفة وراء الأخرى ويعود الخدر إليها ..
يسري دافئًا في كل عصب ووتر فتنفرج على إثره الدماء كسيل مندفع في خرائط ساقيها وقدميها المتكتلّة بل وإلى رأسها الذي يقتات عليه الصداع فيحلّها من عزائم الضغط العصبي ويضرب عليها استرخاءً ورديًّا يفعل برأسها فعل المنوّم المغناطيسي..
أحست بدفءٍ يمسك بتلابيب رأسها ويتجه نازلًا نحو فخذها وينتقل إلى ساقها..
بدأ دافئًا ثم زاد لهيبه إحراقًا.
كان الكوب قد مال من يدها وانسكب ما به على ملابسها ليطال الأرضية ويشق طريقه متواطئًا مع حدود البلاط المتعامدة.. فيسير شرقًا وغربًا.. راسمًا تعاريج داكنة جعلتها تقفز من فورها إلى المطبخ لتتعقب السائل المنسكب قبل وصوله إلى السجادة.. لم تتمكن من منع جُرم المغافلة التي افتعلها كوب الشاي بالحليب، فلملمت السجادة وانطلقت نحو الشرفة الخلفية استعدادًا لغسلها..
بسطتها على الأرض.. حينما رمقتها البراعم تحت الجوارب بنظرة متهدلّة معاتبة.. زهراتها منكّسة الرأس وتفوح منها رائحة الصابون.
دينا نبيل
تعليق