رأيت الهلال ووجه الحبيب
فكانا هلالين عند النظر
فلم أدر من حيرتي فيهما
هلال السما من هلال البشر
إذا كنت مثلي من هواة السماع و الطرب الأندلسي، فلعلك سمعت إحدى الفرق تتغنى بتويشيات مقتبسة من هذه الأبيات والتي يرجع نسبها إلى نصر بن أحمد بن المأمون أبو القاسم البصري (الملقب بالخبز أرزي). كان خبازاً أمياّ لا يقرأ ولا يكتب عاش في البصرة زمن الخلافة العباسية. بالرغم من ذلك، إلا أنه كان يتغنى بأشعار جذبت إلى فرنه بضواحي البصرة أبرز الشعراء الفطاحلة ممن عاصروه. و لولاهم، لما وصلنا شيء من تحفه.
الخبز أرزي هذا كان كذلك ميالاً إلى الذكور، فلذلك تجد الأحداث قبل الشعراء يتسابقون إلى فرنه يتحلقون من حوله لحاجة أخرى زيادة على التنعم برائحة خبز الأرز و التنغم بسماع أبيات في الغزل. لا علينا، لنعد إلى الأبيات.
ذكر الخبز أرزي حيرته عند رؤيته للهلالين مجازا: وجه الحبيب و ضوء القمر. فالتبس عليه أي الهلالين على الأرض بشر و أيهما في السماء قمر. السيمياء تطرقت إلى المسألة بكثير من التعقيدات ذات تشعبات لغوية/ابستمولوجية/فلسفية يخرج منها الدارس بصداع رأس و قرحة معدة أكثر من خروجه بنتيجة معرفية تنفعه حين يقع الالتباس حول قضية ما. فمثلاً في تعريف الشيء تفرق السيمياء كما وضع نظريتها حديثا Peirce بين Indice/أثر أو مؤشر، Icone/صورة أو أيقونة و Symbol/رمز. فإذا كان من السهل أن نميز بين أثر السير على أنه دليل على المسير و البعرة دليل على وجود البعير (كما ذكره بالفطرة الرجل الأعرابي عند استدلاله بوجود الخالق) فإن المسألة لن تبدو بتلك البساطة عندما يطرح السؤال على السيميائي فيجيب بإشكالية: عن أي البعير نتحدث و اللغة الفرنسية والانجليزية و الاسبانية على عكس اللغة العربية ميزت بين chameau/camel/camelo و
dromadaire/dromadary/dromadario؟ عندها، وجب التنقيب خارج الأثر وذلك بوضع ما يسمى بالتحليل السيمي seme/sème/semeia وهو عبارة عن جدول يضم خصائص البعير من قامة و حذافر و سنام الخ يساعدنا على ضبط أوجه التشابه و الاختلاف بين أنواع البعير فنميز حينها هل هي ذات سنام واحد مثلا (dromadary) أو سنامين (camel) و من ثم نقيس على (أثر) الحوافر لكليهما فنستنتج بالدليل العلمي الدامغ أي النوعين ذات الأثر.
عودة إلى صاحبنا الخبز أرزي. هذا التفكيك المعقد للشيئين المتشابهين، فك رموزه الخبز أرزي ببراعة فطرية و ملكة بلاغية قلما امتاز بها أبرز رموز السيمياء أنفسهم سواء Peirce أو Unberto Eco أو حتى العبقري Wittgenstein بكل نباهته. ماذا فعل الخبز أرزي عندما تجلى أمامه (القمران)؟ للتمييز بينهما و رفع اللبس عن النظر، لجأ إلى حيلة التحليل السيمي الدقيق و ذلك بجرد خصائص الحبيب من البشر جعلته يتعرف عليه و يلغي الهلال الذي ليست له به بحاجة و الذي هو بعيد في السماء. ينشد قائلاً:
فلم أدر من حيرتي فيهما
هلال السما من هلال البشر
فلولا التورّد في الوجنتين
وماراعني من سواد الشعر
لكنت أظن الهلال الحبيب
وكنت أظن الحبيب القمر.
كما نلاحظ، استحضر الخبز أرزي أثرين/indices يعرف جيداً على أنهما خاصيتين يمتاز بها حبيبه الهلال من البشر دون غيره من (الأهلة) : التورد في الوجنتين و سواد الشعر، فاستغنى بهما عن غيرهما من الإشارات Signes في فك رموز الهلالين و رفع الالتباس.
خلاصة القول: إذا أصابتك حيرة في موقف ما داخل العالم الافتراضي الذي من شدة غرابة كائناته بات الحليم يسير فيه حيراناً، فدع عنك نظريات السيمياء المعقدة لأنك لن تخرج منها بشيء ينفعك، بل اتبع طريقة الخبز أرزي في التمييز بين ذا و ذاكا ففي بعض الأثر ما يغنيك عن الحيرة.
م.ش.
فكانا هلالين عند النظر
فلم أدر من حيرتي فيهما
هلال السما من هلال البشر
إذا كنت مثلي من هواة السماع و الطرب الأندلسي، فلعلك سمعت إحدى الفرق تتغنى بتويشيات مقتبسة من هذه الأبيات والتي يرجع نسبها إلى نصر بن أحمد بن المأمون أبو القاسم البصري (الملقب بالخبز أرزي). كان خبازاً أمياّ لا يقرأ ولا يكتب عاش في البصرة زمن الخلافة العباسية. بالرغم من ذلك، إلا أنه كان يتغنى بأشعار جذبت إلى فرنه بضواحي البصرة أبرز الشعراء الفطاحلة ممن عاصروه. و لولاهم، لما وصلنا شيء من تحفه.
الخبز أرزي هذا كان كذلك ميالاً إلى الذكور، فلذلك تجد الأحداث قبل الشعراء يتسابقون إلى فرنه يتحلقون من حوله لحاجة أخرى زيادة على التنعم برائحة خبز الأرز و التنغم بسماع أبيات في الغزل. لا علينا، لنعد إلى الأبيات.
ذكر الخبز أرزي حيرته عند رؤيته للهلالين مجازا: وجه الحبيب و ضوء القمر. فالتبس عليه أي الهلالين على الأرض بشر و أيهما في السماء قمر. السيمياء تطرقت إلى المسألة بكثير من التعقيدات ذات تشعبات لغوية/ابستمولوجية/فلسفية يخرج منها الدارس بصداع رأس و قرحة معدة أكثر من خروجه بنتيجة معرفية تنفعه حين يقع الالتباس حول قضية ما. فمثلاً في تعريف الشيء تفرق السيمياء كما وضع نظريتها حديثا Peirce بين Indice/أثر أو مؤشر، Icone/صورة أو أيقونة و Symbol/رمز. فإذا كان من السهل أن نميز بين أثر السير على أنه دليل على المسير و البعرة دليل على وجود البعير (كما ذكره بالفطرة الرجل الأعرابي عند استدلاله بوجود الخالق) فإن المسألة لن تبدو بتلك البساطة عندما يطرح السؤال على السيميائي فيجيب بإشكالية: عن أي البعير نتحدث و اللغة الفرنسية والانجليزية و الاسبانية على عكس اللغة العربية ميزت بين chameau/camel/camelo و
dromadaire/dromadary/dromadario؟ عندها، وجب التنقيب خارج الأثر وذلك بوضع ما يسمى بالتحليل السيمي seme/sème/semeia وهو عبارة عن جدول يضم خصائص البعير من قامة و حذافر و سنام الخ يساعدنا على ضبط أوجه التشابه و الاختلاف بين أنواع البعير فنميز حينها هل هي ذات سنام واحد مثلا (dromadary) أو سنامين (camel) و من ثم نقيس على (أثر) الحوافر لكليهما فنستنتج بالدليل العلمي الدامغ أي النوعين ذات الأثر.
عودة إلى صاحبنا الخبز أرزي. هذا التفكيك المعقد للشيئين المتشابهين، فك رموزه الخبز أرزي ببراعة فطرية و ملكة بلاغية قلما امتاز بها أبرز رموز السيمياء أنفسهم سواء Peirce أو Unberto Eco أو حتى العبقري Wittgenstein بكل نباهته. ماذا فعل الخبز أرزي عندما تجلى أمامه (القمران)؟ للتمييز بينهما و رفع اللبس عن النظر، لجأ إلى حيلة التحليل السيمي الدقيق و ذلك بجرد خصائص الحبيب من البشر جعلته يتعرف عليه و يلغي الهلال الذي ليست له به بحاجة و الذي هو بعيد في السماء. ينشد قائلاً:
فلم أدر من حيرتي فيهما
هلال السما من هلال البشر
فلولا التورّد في الوجنتين
وماراعني من سواد الشعر
لكنت أظن الهلال الحبيب
وكنت أظن الحبيب القمر.
كما نلاحظ، استحضر الخبز أرزي أثرين/indices يعرف جيداً على أنهما خاصيتين يمتاز بها حبيبه الهلال من البشر دون غيره من (الأهلة) : التورد في الوجنتين و سواد الشعر، فاستغنى بهما عن غيرهما من الإشارات Signes في فك رموز الهلالين و رفع الالتباس.
خلاصة القول: إذا أصابتك حيرة في موقف ما داخل العالم الافتراضي الذي من شدة غرابة كائناته بات الحليم يسير فيه حيراناً، فدع عنك نظريات السيمياء المعقدة لأنك لن تخرج منها بشيء ينفعك، بل اتبع طريقة الخبز أرزي في التمييز بين ذا و ذاكا ففي بعض الأثر ما يغنيك عن الحيرة.
م.ش.
تعليق